PDA

عرض كامل الموضوع : العمل الصالح والابتلاء في فلسطين


jehad70
20-09-2001, 02:36
العمل الصالح والابتلاء في فلسطين

بقلم: عبد العزيز سعيد

يكتسب مفهوم "العمل الصالح وإحسانه" في المنظور الإسلامي أهمية محورية، فهو الاستجابة المثلى التي تتخذ شكل الأفعال الإنسانية ذات الأوجه المتعددة الأشكال، وفي كافة المجالات. والمعيار الوحيد للمفاضلة بين هذه الأعمال، وهذا المعيار هو المقابل لمفهوم الابتلاء الإلهي الذي تتسع مساحته بقدر اتساع الحياة ذاتها وتعدد مناحيها وعمقها «خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا» (الملك: 2) «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا» (الكهف: 110).

ويحتل مفهوم الجهاد مساحة مميزة داخل مفهوم العمل الصالح وإحسانه «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله مولاكم فنعم المولى ونعم النصير» (الحج: 78). فللقيام بتكاليف الاجتباء الرباني وممارسة دور الشهادة على الناس الذي أنيط بالمسلمين من بعد الرسول عليه السلام لابد من الجهاد في الله حق جهاده.

وتتجلى أهمية موقع الجهاد المركزية «ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني على العالمين» (العنكبوت: 6) في إطار ما يعتبر الغاية النهائية للعمل الصالح وإحسانه في المنظور الإسلامي. هذه الغاية التي تتحدد في إزاحة وتحرير النفس الإنسانية من المعوقات والكابحات داخلها، أي داخل النفس وواقع الإنسان وبيئته وخارجها. وهي معوقات وعقبات تتمظهر بعشرات الأشكال والأوجه وتمنع أو تحد من حركة الروح الإنسانية باتجاه اتصالها بخالقها ونيلها رضاه، وتفتحها وتكاملها بحرية بالتناغم مع الآخر من بشر وكائنات. وهي في النهاية لصالح الإنسان في الدنيا والآخرة. يقول تعالى: «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم بأحسن ما كانوا يعملون» (الكهف: 97). فهنا يأخذ "الجهاد: العمل الصالح وأحسن ما يعملون" موقعاً حاسماً في تحقيق الحياة الطيبة في الحياة الدنيا والجزاء بالأحسن في الآخرة.

لقد اتخذ مفهوم الجهاد أشكالا و أنواعا متعددة وفقا للوقت والضرورة والمجال، بدءاً من الكلمة الصادقة وانتهاءً إلى القتال حتى الاستشهاد. فقد أمر الله تعالى محمداً رسول الله وخاتم النبيين ومن آمن معه بهذا الجهاد فقال: «فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا» (الفرقان: 52). وفيه نهي للرسول عن طاعة الكافرين وهو الشق السلبي من الأمر، كما أمر إيجابياً بجهاد الكافرين بتلاوة القرآن الكريم والمحاججة بحججه وبراهينه، ووصف هذا الجهاد بالجهاد الكبير. والقرآن الكريم بهذا التحديد اللافت لهذه المسألة يشير ويؤكد على المكانة المتميزة التي يتبوأها هذا النوع من الجهاد في صياغة المفهوم العام للجهاد. وفي هذا السياق ما روى ابن ماجة وأحمد والبيهقي والطبراني مرفوعاً من حديث أبي أمامة الباهلي قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الاولى فقال: أي الجهاد أفضل؟ فسكت. فلما رمى الثانية سأله فسكت. ثم سأله عند العقبة. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله في الغرز (أي ركاب الناقة) وقال: "أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: كلمة حق عند سلطان جائر. وهناك أنواع أخرى من الجهاد يمكن إدراكها من قوله تعالى للنبي عليه السلام «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم». كما أن هناك جهاداً من نوع آخر وهو ما يوضحه قوله تعالى: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون» (التوبة). فهنا يحدد القرآن معنىً للجهاد للتعبير عن تقديم المال ومستلزماته في سبيل الله من جهة، وتقديم النفس تضحية بها في هذا السبيل من جهة أخرى. وتقديم النفس كا نصت عليه الآية الكريمة إنما هو الاستعداد التام لأن يُقتل في سبيل الله. ومما لا ريب فيه أن التجربة الإنسانية أظهرت الأهمية التي يمتلكها كلٌ من التضحية بالمال والتضحية بالأنفس بتحديد مصير الأمم. إلا أن القرآن الكريم أكد وحدد في معرض طرحه لسنة الاستبدال القرآنية ـ التي ذكرت مرتين فقط في سور القرآن الكريم ـ هذين العاملين باعتبارهما العاملين الأساسيين في استبدال الأقوام التي تمتلك الصلاحية أو عدمها، في تلقي الرسالة وتحمل أعبائها واستمرار تحملها. ففيما يتصل بالجهاد بالمال قال تعالى: «ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيُحفِكُم تبخلوا ويخرج أضغانكم ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» (محمد: 38). وأما فيما يتصل بالجهاد بالنفس فقد قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير» (التوبة: 39).

وعلى هذا فإن تعدد أنواع الجهاد إنما يكون ليتم التعامل بنوع الجهاد المناسب ووضعه قيد العمل وفقاً للحالات والظروف المتنوعة وحاجاتها.

وفي قوله تعالى: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم» (التوبة) يتحدد كما ذكرنا سابقاً معنى الدعوة للجهاد بتقديم النفس والمال، ولا يكتفي السياق بذلك بل يطالب المسلم بالانخراط الفعلي في حومة القتال فيقتل الأعداء أو يستشهد، وذلك في سبيل الله وحده. وقد أشار القرآن الكريم عند ذكره تقديم النفس إلى ذلك وهو الشق الذي نود إلقاء بعض الضوء عليه باعتباره العمل الإنساني في ارتباطه وعلاقته بالابتلاء الرباني والاستجابة له كما تطرحه سورة محمد في قول الله تعالى: «ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم» (محمد: 4). فمجال الابتلاء هنا تحدد، كما تحدد العمل المقابل وتركز باتخاذه وجهاً جديداً هو القتال والقتل في سبيل الله. وفي هذا التحديد ما يؤكد على الأهمية البالغة لمفهوم القتال وممارسته في إطار الاستجابة الإنسانية لابتلاء يتطلب الانتصار للحق. وقد نوه القرآن الكريم إلى كراهية النفس المسلمة للقتال وأنها تعاف القتل والقتال، إلا أن رب العالمين أشار إلى ضرورة ذلك في بعض الظروف «كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم» (البقرة: 216) والقتال الذي كتبه رب العالمين على المسلمين إنما يأتي في إطار عملية التدافع التي أجراها سبحانه لصالح الإنسان وحريته ومسئوليته وكرامته وحرماته وحقوقه وخاصة في أرضه «أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا» (الحج: 40). كما هي لصالح الحياة الإنسانية من أن تفسد وتتأسن بفعل الظلم والطغيان «وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا.... فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين». (البقرة: 250).

فالقتال إنما شرع لدفع الظلم والتعدي على الحقوق الحرمات والإفساد في الأرض، وإحقاق الحق، وأبطال الباطل، «وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل» (الأنفال: 8) وما يلفت النظر أنه في كلتا حالتي التدافع والقتال سالفتي الذكر كان الإخراج من الأرض مبرراً للقتال.

وعندما استقر الأمر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين والأنصار في المدينة كانت أعمال القتال التي يقوم بها أهل المدينة ومن حولها ممن أسلم من الأعراب لمقاومة الاعتداء على المدينة أمراً واجباً ويكتبه رب العالمين عملاً صالحاً، وعُدّت هذه الأعمال من أعمال المحسنين «ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين» (التوبة: 120).

وهذا يقودنا إلى قضية العدوان اليهودي الصهيوني على الشعب الفلسطيني بإقامة الكيان اليهودي الصهيوني (إسرائيل) على أرض فلسطين، وإخراج قسم كبير من الفلسطينيين منها بالقوة والعنف، وإحلال المهاجرين اليهود القادمين من الخارج بدلا منهم. ولم يكن هذا ليحصل بدون اقتراف اليهود الصهاينة أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني واستخدام أشد الأسلحة فتكا لإخراجهم من بلادهم والسيطرة عليها وعليهم . وبذلك يكون الفعل الإفسادي اليهودي الصهيوني حاضراً كأحد أطراف معادلة التدافع مما يتطلب من جهة أخرى وجود الطرف الآخر، الشعب الفلسطيني، لدفع العدوان وهزيمة المفسدين والطغاة اليهود الصهاينة، والانتصار عليهم كي لا تفسد الأرض، ولضمان حرية الاختيار للإنسان الفلسطيني على أرضه، وهو منطق سنة التدافع وحقيقتها. ولا يتأتى ذلك إلا بالقتال حتى النهاية طبقا للمعادلة القرآنية. وليس هناك من شكل آخر للجهاد في مثل هذه الظروف سوى القتال. ولكن أي قتال هذا الذي يمكن أن يجري في ظل اختلال هائل للقوى، لا يمكن تعديله بالأساليب العادية، لصالح الكيان الصهيوني الذي يمتلك جيشاً حديثاً وترسانة هائلة من الأسلحة التقليدية تفوق قوة عشرات البلدان. ولديه ترسانة من أسلحة الدمار الشامل وخاصة النووية. هذه الأسلحة التي يتفرد الكيان الصهيوني بامتلاكها في المنطقة كما يمتلك أيضاً هذا الكيان إمكانات ووسائل توصيلها إلى مناطق بعيدة تغطي المنطقة العربية وتتجاوزها. ولإحداث تحول في توازن القوى الراهن المختل لصالح الكيان اليهودي والإفساد والطغيان اليهودي الصهيوني يتطلب العمل وفقاً لمنطق آخر للتوازنات. منطق يبدو فيه التوازن مجرد لحظة عابرة وذلك وفقاً لمفهوم قذف الرعب بالتعبير القرآني. هذا المفهوم الذي يُعلي من شأن العوامل النفسية في الصراع ويتم فيه الانتصار بالرعب. حيث تتم عملية قذف الرعب في عمق الشخصية اليهودية التي تمتلك قابلية خاصة للإحساس والتأثر به وتثبيت هذا الرعب وإدامته. وحيث يجرى من خلال هذا المنظور سحب اليهود الصهاينة إلى ساحة صراع مختلفة عما تفوقوا به و تعودوا عليه وانتصروا فيه، إلى ساحة صراع أخرى عمادها الإنسان كإيمان وإرادة وطاقة ويكون الفعل الإنساني فعلها الأساسي، وحيث يتم عبر هذه الساحة رسم معادلة ميدانية مختلفة بين المجاهد الفلسطيني وجندي العدو يتم فيها التركيز على إيصال هذا العدو إلى حافة الانهيار النفسي التام. وبهذا تتقلص مساهمة العوامل الميكانيكية التي يتفوق فيها اليهود الصهاينة تفوقاً ظاهراً. هذه العوامل التي مكنت اليهود بحدود كبيرة من حسم نتائج اعتداءاتهم السابقة داخل فلسطين وخارجها لصالحهم. وبعملية السحب هذه تُطرح فرص وآفاق أكثر ملائمة للشعب الفلسطيني لحسم نتائج الصراع لصالحه.

والمجاهد الفلسطيني بما يجترح من أعمال قتالية ذات طابع إبداعي استثنائي عنفي ضد المعتدين اليهود الصهاينة يعمق بل يفجر الاختلال العميق المحفور بقوة في تكوينهم النفسي الذي أشرب أحط الثقافات وأكثرها بؤساً وتمزقا.ً

وهذا التفجير يفقدهم توازنهم النفسي الظاهري الراهن الذي يحاولون أن يظهروه وصولاً إلى دفعهم إلى دائرة اليأس المطلق من إمكان تغيير المعادلة الجديدة المتولدة بفعل العمل الجهادي المتراكم بخط ثابت يرسمه المجاهد بإذن الله.

حاشاك يا رسولنا
17-02-2008, 17:17
:1002: :1002: :1002: فعلا الموضوع روعة ربنا يعطيكم العافية وشكرا جزيلا:1036: