أما التطهير العرقي والديني والإبادة الجماعية للمسلمين فهي مستمرة ولم تنقطع، في ظل عزلة الإقليم عن العالم بالإضافة إلى أن جميع حكام المناطق التابعة للإقليم من البوذيين..ويكفي للتدليل على ذلك أنه بعد وصول الحكم العسكري عام 1962، وفي عام 1978 شردت بورما أكثر من ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنجلاديش، وفي عام 1982 ألغت جنسية المسلمين بدعوى أنهم متوطنون في بورما بعد عام 1824 (عام دخول الاستعمار البريطاني إلى بورما) رغم أن الواقع والتاريخ يكذّبان ذلك، وفي عام 1991 شردت بورما حوالي ثلاثمائة ألف مسلم إلى بنجلاديش مرة أخرى.
ومن تبقى من المسلمين يتبع ضدهم سياسة الاستئصال عن طريق برامج إبادة الجنس وتحديد النسل فيما بين المسلمين، فالمسلمة ممنوع أن تتزوج قبل سن الـ25 أما الرجل فلا يسمح له بالزواج قبل سن الـ 30 من عمره.
وإذا حملت الزوجة فلابد من ذهابها طبقاً لقرار السلطات الحاكمة إلى إدارة قوّات الأمن الحدودية (ناساكا) لأخذ صورتها الملوّنة كاشفة بطنها بعد مرور كلّ شهر حتّى تضع حملها، وفي كلّ مرّة لا بدّ من دفع الرسوم بمبلغ كبير، وذلك للتأكّد كما تدعي السلطة من سلامة الجنين، ولتسهيل إحصائية المولود بعد الولادة. ولكنّ لسان الواقع يُلوِّح بأنّ الهدف من إصدار هذا القرار المرير هو الاستهتار بمشاعر المسلمين، وتأكيدهم على أنّه ليس لهم أيّ حقّ للعيش في أراكان بأمن وسلام بالإضافة إلى عمليات الاغتصاب وهتك العرض في صفوف المسلمات اللاتي يموت بعضهن بسبب الاغتصاب..كما يتم إجبار المسلمين على العمل بنظام السخرة في معسكرات الاحتلال وتم نقل مئات المسلمين من وظائفهم ويمنع أي مسلم من دخول الجامعات والكليات.

ومنذ عام 1988 قامت الحكومة بإنشاء ما يسمى بـ"القرى النموذجية" في شمال أراكان، حتى يتسنى تشجيع أسر "الريكهاين" البوذيين على الاستقرار في هذه المناطق..كما أصدرت السلطات قراراً بحظر تأسيس مساجد جديدة، وعدم إصلاح وترميم المساجد القديمة، وتدمير المساجد التي تم بناؤها أو إصلاحها خلال عشر سنوات منصرمة في الإقليم، وبموجب هذا القرار فإن السلطة هدمت عشرات المساجد، والمراكز الدينية واعتقلت المئات من علماء الدين وطلبة العلم.
قانون الجنسية في بورما...
سنت الحكومة البورمية عام 1948 قانونين كانا يكفلان الجنسية للمسلمين هناك، وبعد سنوات أشاعت الحكومة أن في القانونين مآخذ وثغرات وقدمت في 4 يوليو 1981 مسودة القانون الجديد الذي ضيق على المسلمين وصدر عام 1982 وهو يقسم المواطنين كما يلي: 1- مواطنون من الدرجة الأولى وهم (الكارينون والشائيون والباهييون والصينيون والكامينيون).
2- مواطنون من الدرجة الثانية: وهم خليط من أجناس الدرجة الأولى.
3- مواطنون من الدرجة الثالثة: وهم المسلمون حيث صنفوا على أنهم أجانب دخلوا بورما لاجئين أثناء الاستعمار البريطاني حسب مزاعم الحكومة فسحبت جنسيات المسلمين وصاروا بلا هوية وحرموا من كل الأعمال وصار بإمكان الحكومة ترحيلهم متى شاءت.
ثم اقترحت حكومة البطش البورمية أربعة أنواع من الجنسية هي: 1- الرعوي. 2- المواطن. 3- المتجنس. 4- عديم الجنسية.
وللفئتين الأولى والثانية التمتع بالحقوق المتساوية في الشؤون السياسية والاقتصادية وإدارة شؤون الدولة.
أما الفئة الثالثة: فالجنسية إنما تؤخذ بطلب يقدم للحكومة بشروط تعجيزية، والفئة الأخيرة (عديم الجنسية) فيحتجز في السجن لمدة ثم تحدد إقامته في (معسكرات الاعتقال) ويفرض عليهم العمل في الإنتاج، فإذا أحسنوا العمل يسمح لهم بشهادة تسجيل الأجانب على أن يعيشوا في منطقة محددة..وبهذا القانون طاردوا المسلمين وأصبحوا كاليتامى على مائدة اللئام مما عرضهم للاضطهاد والقتل والتشريد. الحرمان من التعليم...
كما يتم حرمان أبناء المسلمين من مواصلة التعلُّم في الكليات والجامعات، ومن يذهب للخارج يُطوى قيده من سجلات القرية، ومن ثم يُعتقل عند عودته، ويُرمى به في غياهب السجون..ولا يقتصر الأمر عند ذلك، بل يتم فرض عقوبات اقتصادية على مسلمي بورما، مثل الضرائب الباهظة في كل شيء، والغرامات المالية، ومنع بيع المحاصيل إلاّ للعسكر أو من يمثلهم بسعر زهيد لإبقائهم فقراء، أو لإجبارهم على ترك الديار.
وهذا يبين لنا بجلاء المخطط البوذي البورمي لإخلاء إقليم أراكان من المسلمين بطردهم منه أو إفقارهم وإبقائهم ضعفاء لا حيلة لهم ولا قوة، ولاستخدامهم كعبيد وخدم لهم.
وفيما يلي خلاصة المآسي التي يواجهها المسلمون هناك من قبل نظام الحكم العسكري في بورما: أولاً: إلغاء جنسية المسلمين الروهنجيا في أراكان بموجب قانون المواطنة والجنسية الذي وضع عام 1982.
ثانياً: حرمان المسلمين من حرية السفر والتنقل داخل البلد وخارجه.
ثالثاً: اعتقال المسلمين وتعذيبهم في المعتقلات بدون ذنب.
رابعاً: إجبار المسلمين على القيام بأعمال السخرة دون أجر كتعبيد الطرق وحفر الخنادق في المناطق الجبلية البورمية.
خامساً: تهجير المسلمين وتشريدهم وتوطين البوذيين محلهم.
سادساً: مصادرة أوقاف المسلمين وأراضيهم الزراعية.
سابعاً: نهب أموال المسلمين، ومنعهم من الاستيراد والتصدير أو ممارسة الأعمال التجارية.
ثامناً: أبواب الوظائف الحكومة مسدودة أمام مسلمي أراكان والنسبة الضئيلة منهم ممن تقلدوا الوظائف في عهد الاستعمار البريطاني أُجبروا على الاستقالة من وظائفهم.
تاسعاً: إقامة العقبات والعوائق أمام تعليم أبناء المسلمين في المدارس والجامعات الحكومية.
عاشراً: عدم السماح للمسلمين بالمشاركة في الندوات المؤتمرات الإسلامية العالمية.
المنظمات والحركات الإسلامية البورمية...
ظهرت العديد من المنظمات والجمعيات الإسلامية الكثيرة، ومنها – بحسب ما جاء في مجلة البيان ذو الحجة 1412: 1- منظمة التضامن الروهنجي الإسلامية (أركان). 2- منظمة التحرير الإسلامية لولاية الكاريني. 3- منظمة الفرقة السابعة. 4- منظمة الفرقة الجنوبية. 5- حركة الشباب المسلم (رانجون). 6- رابطة الطلاب المسلمين. 7- جمعية العلماء الروهانجيين.
8- جمعية علماء الإسلام. 9- جمعية مسلمي بورما. 10- المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وجل هذه الفصائل تعمل على تدعيم صف المسلمين هناك من أجل المحافظة على حقوقهم وحريتهم والاحتفاظ بهويتهم الإسلامية وتحصينهم ضد حملات التنصير.. وتهتم أغلب تلك الجمعيات بالتعليم بفتح مدارس إسلامية وحلقات لحفظ القرآن وإرسال الدعاة إلى القرى والأرياف لمجابهة المنصرين وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين. تلك كانت أبرز صور معاناة إخواننا المسلمين في بورما.. تلك كانت بعض ما يعنيه هؤلاء المستضعفون.. تلك بعض ملاح المأساة..فما الذي فعله أخوانهم المليار ومائتا مسلم.. من يقف معهم، ومن يواسيهم. بل ما لذي فعلناه بأنفسنا ونحن نرى وحوشاً تنهش في أجزاء من أمتنا، وما أكثر الأجزاء المقطعة المدمية.
تظل الأسئلة بلا إجابة حتى ندرك ما نحن فيه وندرك أين موقعنا من هذا العالم.. وحتى ندرك كم نحن تائهون بعد أن ضيعنا بوصلة ديننا.. فمتى يبدأ البحث عنها لتبين طريقنا ونسعى لصلاح ديننا ودنيانا
انتهى التقرير ولم تنتهي جراح امتنا !