روائع التابعين

ذكاء إياس بن معاوية المزني
1


إنها قصص عن حياة أولئك التابعين الذين تتلمذوا على يد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذين كانت لهم حياة تميزوا فيها بالورع والإيمان والزهد والتقوى.
لهم اتجاهات متعددة لكن جمع هؤلاء التابعين تيار الإسلام والإسلام مثل النهر والنهر عريض وقد تكون في طرفه الأيمن أو الأيسر.
وبعض الناس يريد أن يجعل الإسلام خطا واحدا ليس نهرا أي لا بد أن تكون ممن يحمل هذه الفكرة أو تقتدي بهذا النموذج أو تتبع هذه الآراء فقط دون غيرها.
والإسلام ليس كذلك وليس بهذه الصورة لأنه فيه رقّة أبي بكر وشدة عمر رضي الله عنهما وفيه العبّاد والعلماء والسياسيون والتجار وفيه كل النماذج وهناك خط عام يشملهم.
لقد حدثتكم عن الربيع بن قتيم عن عبادته العظيمة وزهده.
واليوم سأحدثكم عن نموذج آخر من نماذج التابعين إنه التابعي الجليل إياس بن معاوية المزني الذي يضرب به المثل في الذكاء فيقال فلان ذكاؤه كذكاء إياس.
وكل الناس وأنا منهم ننشدّ إلى الأذكياء ونعجب بقصصهم وقدرتهم على استخراج الأمور بفطنة وبسرعة لا يلتفت إليه كثير من الناس.
ولقد استدل أبو تمام الشاعر الشهير بذكاء إياس فقال مادحا رجلا:
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
وكل واحد منهم نموذج فعمرو بن معدي كرب يضرب به المثل في شجاعته وإقدامه وقدرته العسكرية العجيبة وحاتم الطائي يضرب به المثل في جوده وكرمه و حلم أحنف بن قيس الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لقد ساد قومه بالحلم.
وإذا ذكر الذكاء فإنه يضرب المثل بإياس.
لكن من هو إياس بن معاوية.....؟
بات عمر بن عبد العزيز ليلة ولم يستطع أن يغمض عينيه والسبب في ذلك أن قاضي البصرة قد مات وهو يريد أن يختار قاضيا للبصرة واختيار قاض للبصرة ليس بالأمر الهين لأن البصرة حينها كانت من أعظم البلدان الإسلامية آنذاك ومن أكبرها والمشاكل فيها كثيرة.
لهذا فإنها تحتاج إلى قاض حازم لكنه عادل ويحتاج إلى إنسان يقيم العدل ويحكم بما أنزل الله ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يلين أمام الضغوط الكثيرة التي ستأتي عليه.
وكان عندهم وضوح في فصل السلطات فلديهم قاضي ولديهم والي والناس قد يقاضون الوالي عند القاضي واليوم أصبح في هذه المسألة لين.
لهذا فإن القضاء يحتاج شخصا لا يلين حتى لو كان الوالي ممن سيحكم عليه.
فبقي يفكر عمر طوال الليل في من يكون أهلا لاستلام القضاء في البصرة وكلما ذكر إنسانا سأل نفسه هل هناك من هو أفضل منه وهكذا حتى وصل الأمر إلى اثنين وهما كفرسي رهان.
فكلاهما لديهما علم بالفقه وعندهما صلابة في الحق وعندهما ذكاء شديد والقاضي يحتاج في بعض القضايا ذكاء حتى يفرق و يميز.
وبدأ يذكر مزايا كلا الطرفين فاحتار في أمره.
وعندما أصبح الصباح استدعى والي العراق عدي بن أرطأ وكان في زيارة إلى دمشق عاصمة الأمويين وفيها عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد.
فقال لعدي يا عدي اجمع بين إياس بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الحارثي وكلمهما في أمر قضاء البصرة وولِّ أحدهما عليه فقال عدي سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين.
رجع عدي إلى العراق واستدعى إياس بن معاوية والقاسم وأخبرهما بما أمر به الخليفة.
الناس اليوم تتنافس على مثل هذه المناصب لكنهم في السابق كانوا يختلفون عنا في هذه المسائل وكل واحد منهم كان يريد أن يدفع بالأمر عنه.
وجعل كل واحد منهم يقول ولِّه أمر القضاء عني فهو أقدر على هذا الأمر مني وبدأ كل واحد منهم يمدح الآخر حتى لا يتولى القضاء.
وقد تسألون لماذا كل هذا الهروب من استلام منصب القضاء..؟
لقد كانوا يخافون من القضاء بالذات لأن القاضي إذا أخطأ في القضاء فإنه سيحاسب حسابا شديدا يوم القيامة.
وبدأ التنافس بين الرجلين ليس على المنصب وإنما التنافس كان من أجل الهروب عن المنصب.
فاحتار والي العراق وقال لهما لقد اختاركما أمير المؤمنين ولن تخرجوا من عندي حتى تتفقوا على من سيستلم المنصب منكما.
فقال له إياس لطالما أنك احترت في أمرنا فلدي اقتراح لك فقال له عدي ماذا تقترح...؟
قال لديك فقهاء كبار وعلماء أجلاء أمثال الحسن البصري ومحمد بن سيرين فاسألهما عني وعن القاسم ودعهما يختارون واحدا منا.
وبالفعل فهذا اقتراح جميل أن يسلم الاختيار لعلماء المسلمين.
وهذا ذكاء من إياس لأن القاسم كان يزور الحسن البصري وابن سيرين كثيرا وبينهم علاقة وطيدة بينما علاقة إياس بهم كانت علاقة ضعيفة ليست قوية وعلم إياس أنه إذا استشار العلماء فسيرشحون القاسم بن ربيعة.
فانتبه القاسم إلى نباهة إياس وأن إياس يريد أن يورطه بالقضاء وأن الأمير إذا استشار العلماء فسيشيرون عليه فأراد أن يخرج نفسه من هذه الورطة.
لقد كانوا يعدّون المناصب ورطة ومصيبة لمن يتسلمها.
فقال القاسم يا أمير لا تسأل أحدا من العلماء فوالله إن إياس أفقه مني في دين الله تعالى وأعلم مني بالقضاء ثم قال يا أمير أنا أقسمت فإن كنت كاذبا في قسمي هذا فلا يحل لك أن توليني القضاء وأنا أقترف الكذب.
وإن كنت صادقا في قسمي هذا فلا يجوز أن توليني وهو أفضل منّي.
فشعر إياس بالورطة فالتفت إلى الأمير وقال أيها الأمير لقد جئت برجل ودعوته إلى القضاء وهو يعتبر القضاء على حافة جهنم فنجى نفسه منها بيمين يستغفر الله عنها بعد ذلك ويكفر عنها فيما بعد وينجو بنفسه من القضاء ولهذا أقسم.
فقال والي العراق والله يا إياس إن من يفهم هذا الفهم مثلك لجدير بالقضاء فأنت القاضي يا إياس.
وهكذا تولى إياس القضاء لكن من إياس الذي اختاره الخليفة لتولي القضاء ومن إياس الذي ضرب بذكائه وبديهته وفطنته الأمثال كم ضربت الأمثال بجود حاتم وحلم الأحنف وإقدام عمرو بن معدي كرب بطل الجاهلية....؟
لقد ولد إياس سنة ست وأربعين لهجرة بمنطقة اليمامة والتقى مع بعض الصحابة فهو من التابعين وانتقل من نجد إلى البصرة ونشأ فيها وتعلم.
وأثناء شبابه كان يتردد على دمشق ويحرص على الالتقاء بمن بقي من صحابة النبي رضي الله عنهم أجمعين وكذلك التقى بكبار التابعين.
ولقد ظهرت علامات الذكاء عليه منذ نعومة أظفاره حتى صار الناس يتناقلون أخباره ونوادره وهو مازال صبيا صغيرا.
وأنا التقيت مع بعض الأطفال الصغار الذين تظهر عليهم علامات الذكاء ومن بينهم طفل سوداني صغير جعله الله تعالى ذخرا لوالديه في مرحلة الابتدائي لديه قدرة على تحليل الأمور تفوق الكبار.
وإياس رحمه الله تعالى كان كذلك منذ الصغر وكان الناس يتناقلون أخبار ذكائه ونباهته في كثير من الأمور.
ومما يروى عن ذكائه وهو صغير أن أهله أرسلوه إلى رجل ذمي يهودي يعلم الناس الحساب وكان من أشطر الناس.
وفي يوم من الأيام اجتمع أصحاب اليهودي يتكلمون معه في أمور الدين وإياس ينصت وهم لم ينتبهوا له لأنه صغير.
وهنا قال الأستاذ اليهودي ألا تعجبون من المسلمين فذات يوم سمعت أحدهم يذكر الجنة ويقول إن الجنة فيها أكل وشرب وأهل الجنة لا يتغوطون وضحك من هذه الكلمة.
فاستأذن إياس بالكلام وقال يا معلمي هل تأذن لي بالكلام فقال اليهودي بعد أن التفت إليه تفضل فقال له إياس هل كل ما يؤكل يتغوط منه....؟
فقال المعلم: لا فقال الفتى أين يذهب الذي نأكله ولا يخرج فقال اليهودي يذهب إلى الجسم لتنتفع منه الأعضاء.
فقال إذن إذا كان ما نأكله في الدنيا يذهب بعضه غذاء فلا مانع أن يكون في الجنة مما يذهب كله غذاء للجسم.
فقال له اليهودي قاتلك الله من غلام.
هذه من قصص ذكائه وهو صغير وبدأ الغلام يكبر وتتقدمه أخبار ذكائه حيثما ذهب.
وفي يوم من الأيام دخل دمشق واشترى شيئا من شيوخ دمشق فاختلف هو والشيخ وأراد إياس أن يقنعه فلم يستطع فاشتد الأمر بينهما وذهبا إلى القاضي الموجود داخل السوق لوجوده في السوق ولأن المشاكل كثيرا ما تحدث في السوق.
بخلاف واقعنا الذي تبقى المسائل في المحاكم لسنين حتى يخرج الحكم فيها.
ولما صار إياس بين يدي القاضي بدأ كل واحد منهما يدلي بما لديه حتى ارتفع صوت إياس على خصمه فقال له القاضي اخفض صوتك يا علام إن خصمك شيخ كبير السن والقدر.
فقال إياس لكن الحق أكبر منه فقال له القاضي اسكت فقال إياس ومن ينطق بحجتي إذا سكتّ فازداد القاضي غضبا وقال له ما رأيتك تتكلم منذ أن دخلت إلا باطلا.
فقال إياس: لا إله إلا الله أحق هذا أم باطل....؟
فهدأ القاضي وقال ورب الكعبة إنه حق وسمع من إياس وظهر أن الحق معه.
وهنا تعلم إياس من هذا الموقف كيف يجب أن تكون المعاملة مع الناس في القضاء وكيف أنه في حدته استوعبه القاضي ولم يخرجه من المجلس.
ثم انكب هذا الفتى على العلم وأخذ ينهل منه عن كبار الصحابة والعلماء حتى صارت له مكانة كبيرة في العلم وهو صغير.
حتى إن الشيوخ والعلماء جعلوا يستفتونه ويتعلمون منه وبعض الشيوخ تتلمذ على يديه مع صغر سنه.
وله في ذلك قصص عجيبة.