المقال الثالث : لك الله يا غزة
يسمع العالم كله عن مصطلح العودة و حق اللاجئين في العودة إلي وطنهم , و أصبحنا نري عشرات النظريات في تحليل هذا الحق و حدوده و البدائل المقترحة له بل وحتى وصل البعض في تحليله إلي استبعاد هذا الحق و اعتباره حق غير ثابت و تطرف البعض في رأيه إلي اعتباره غير شرعي أصلا.
أما نحن أهل فلسطين فقد عشنا هذا الحق في حياتنا و تنفسناه في كل ذرة هواء مرت فوق تراب أرضنا السليبة منا , نعيشه و نحن نسمع كل يوم أهات أشجارنا تستنجد كي نغيثها من الأيدي الخبيثة التي تمتد فتقطف خيراتها و تحرم منها من زرعوها, نعيشه و نحن نعيش كل يوم ظلماً و نحن محرومون من حقنا في أن تلمس أقدامنا غبار الأرض التي تحوي في جوفها عظام أسلافنا.
لقد ورثت عن جدي رحمه الله بعضاً من الأوراق المهترئة المصفرة بمرور الزمن و لكنها تحوي في حناياها ما يغيظ العدو , تحمل في حناياها أمل يتجدد كل يوم , تحمل في حناياها حق يأبي أن يذوب أو يختفي مع الأيام , تحمل في حناياها عنوان و حجم أرضي و أرض ابي و أعمامي في بلدتي الفالوجا التي سُلبت من أهلها عام 48, لقد ورث أهل غزة عن أجدادهم هذا الحق سواءاً أكان بأوراق الأرض أو بمفتاح البيت المسلوب أو بكلاهما معا, لقد زرع أهلنا فينا حدود الوطن , لقد زرعوا فينا تلاله و جباله و وديانه , لقد زرعوا فينا رائحة ليمونه , لقد زرعوا فينا عشق الجلسة في ظل زيتون الضفة , لقد زرعوا فينا عشق طعم برتقال يافا , لقد زرعوا فينا فلسطين.
لقد زُرعت فينا فلسطين , فزرعنا أنفسنا في فلسطين و امتدت جذورنا فيها كما امتدت جذورها فينا , فأصبح بعدنا عنها موتاً لنا , ما كنا لنترك ترابها حتى و أن فارقتنا الروح, ما عدنا نحتاج من الدنيا سوي رضي الرحمن و تراب الأرض الطاهر التي داس عليها الأحبة الذين مضوا إلي ربهم.
نزداد كل يوم قناعة ألا بديل عن الحق بكامله , نزداد قناعة ألا مفاوضات علي الوطن و المقدسات, فما كان مستحيلاً في السابق أصبح اليوم في مرمي البصر, ذلك البعبع الذي كان يرهب جيوش العرب المهزومة , أصبح يرتجف رعباً من سماع هدير ألعاب أطفالنا , أقوي دول العالم أصبحت أضحوكة بيد رجالات العراق, أصبح لدينا جيل يحب صوت الرصاص و يعشق الجنان, أصبح لدينا جيل نسي مقولة يا رب سلم سلم و أصبح يحفظ " اللهم أرزقنا الشهادة", ما عدنا نسمع قول " نقسم العرب عربين " فالحق لا يقسم ولا يُجَزأ ولا يسقط بالتقادم ,ما عدنا نعترف بحروف اللغة التي تسمي بلادنا بغير اسمها فلم تعد آذاننا تسمع إلا تل الربيع و حذفنا من عقولنا تل أبيب .
نزداد قناعة كل يوم أن إسرائيل لم تحاربنا حقاً, لم تحارب جيش المسلمين الحقيقي , فمنذ زمن بعيد و نحن المسلمون ليس لنا جيش يحمي حدود الدولة الإسلامية, وما حاربته إسرائيل في الماضي إنما هي خيالات جيوش لم تُعد للحرب ولا للقتال فهزموا أنفسهم قبل أن تهزمهم إسرائيل, أما ما تحاربه إسرائيل و أمريكا اليوم برغم ما يسببه لهما من أذي و الم و إهانة أنما هو بعض من المتطوعين الين نذروا أرواحهم للجهاد في سبيل الله و لما يتكون الجيش بعد , و لتعلم إسرائيل و من خلفها أن الجيش لا محالة سيخرج إلي النور و سيبدد الظلام و يبدد معه أحلام بني صهيون في دولة النهرين.
إن من يجري خلف السلام تائها في صحراء الفكر و الأيدلوجيات إنما يجري خلف سراب لن يناله منه سوي بعض المال و بعض المناصب و الكثير من احتقار الناس و عدم احترامهم و الأكثر من غضب الله و غضب رسوله, إن من يبيع الأرض إنما يبيع مالا يملك , ومن يتخلي عن حقه في العودة إنما يخون أحفاده و نفسه قبل أن يخون غيره, و نحن ما كنا و لن نكون خونة لديننا و وطننا مهما جارت علينا الدنيا .
حقنا في العودة ثابت , و حقنا في ظل زيتونتنا ثابت , و حقنا في طعم برتقالتنا ثابت , و حقنا في رائحة زهر لوزتنا ثابت و حقنا في أن ندفن أجدادنا في أرضنا ثابت , و حقنا أن يدفننا أولادنا في أرضنا ثابت, و نحن لن نبيع هذا الحق أو نفاوض عليه.
"فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة و ليتبروا ما علوا تتبيرا"
المقال الرابع :وائل عقيلان يكتب حول: إسقاط حماس
م. وائل عقيلان
إن إثارة الفتن والقلاقل هي السلاح الأهم والأقوى في المواجهات بين الدول وتستخدم أيضا من قبل القوى المعارضة في مواجهة الحكومات التي تحكم بلادها.
وهذا ما نراه اليوم واضحا وجليا في حرب حركة فتح ضد الشعب الفلسطيني وحكومته في قطاع غزة والضفة الغربية، وإن كانت هذه الحرب في الضفة تأخذ أسلوباً آخر غير الأسلوب المستخدم في قطاع غزة, وهنا وقبل أن أتطرق إلي هذه الحرب ومراحلها، سأبدأ بالتطرق إلي بعض الأحداث ذات التشابه في الأسلوب والأهداف والمراحل مع هذه الحرب.
أولا: حصار الخندق في عهد رسول الله , فقد كانت تلك الحرب تستهدف القضاء على دولة الإسلام وإسقاطها, فقد كانت الخطة ذات محورين أولهما حصاراً يُضرب حول المدينة يُجوع أهلها وينشر الرعب في أوساط سكانها حتى ينفضوا عن رسول الله أو حتى يقول الرسول
والذين آمنوا معه متى نصر الله , أما المحور الثاني فكان إتاحة الفرصة لأتباع هذه الخطة ممن هم داخل المدينة، بأن يبدءوا دورهم في نشر الرعب في المدينة وذلك عبر مهاجمة بيوت المسلمين ونسائهم ليشغلوهم عن التصدي لهذا العدوان وهذه المهمة كانت موكلة لليهود وكانت تلك الخطة تستهدف في النهاية إسقاط أول حكومة إسلامية في التاريخ ,
وأما عن خطوات التصدي لهذه الخطة من قبل النبي صلي الله عليه وسلم، فتمثلت بعمل واحد أعقب ارتداد قريش والطائف عن المدينة بعد الريح المرسلة عليهم , تمثل ذلك العمل بطرد اليهود المشاركين في هذه الخطة من المدينة، حتى لا يترك المجال لفرصة خيانة أخرى.
ثانياً: أما الحرب الأكثر شبها وحداثةً هي حرب العراق , فقد حاولت أمريكا هزيمة نظام حزب البعث الحاكم في العراق فكانت الحرب والتي حوت في صفحاتها عدة مراحل، وهي كالتالي:
1- حصاراً شديداً يُضرب علي العراق يترك أهله جياعاً ومرضي ويضعف قوته العسكرية ويشتت قواه الداخلية فاتحاً الباب على مصراعيه للشعب كي ينقلب على انتمائه لوطنه وحكومته، بغض النظر عن الأيدلوجية التي تتبعها تلك الحكومة.
2- استنزاف العراق عسكريا عبر الاجتياح الجوي المتكرر لسمائه والقصف المتكرر لمناطقه.
3- توفير الدعم المباشر لعناصر الفتنه والذين مثل أكراد العراق النسبة الأكبر منهم ليثيروا القلاقل والفتن وليشكلوا جزءا كبيرا من الضغط العسكري على الحكومة لجعل جهودها تتشتت بين العدو الخارجي والداخلي , مما أفرز في النهاية حكومة في كردستان العراق وهي دولة عدو من نفس الدين ولكن في خاصرة الوطن تطعنه من حيث لا يُتوقع الطعن والتي كان لها دور كبير وفاعل في إسقاط الحكم فيما بعد،
والتي يُراد لها الآن أن تقوم بدور فاعل في تقسيم الدول المحيطة، مثل إيران و تركيا كما فُعل بالعراق بحجة الحق في قيام دولة للأكراد.
ما أردت استخلاصه من هذه الحرب هو أن ما يجري إنما هو تقليد و تكرار لمخططات استخدمت في حروب سابقة في التاريخ السحيق وحتى في التاريخ المعاصر, ففتح و معها إسرائيل وأمريكا تسعي للنيل من حركة حماس في فلسطين وإسقاط حكومتها و ذلك عبر خطة ذات ثلاث محاور.
أولاً: حكومة عدو في خاصرة الوطن:
ويتم ذلك من خلال إقامة حكومة في جزء من الوطن لا تسيطر عليه حركة حماس وهذا الجزء يكون مستباحاً لأجهزة فتح وللعدو الصهيوني وفيه يتم القضاء على حركة حماس في الضفة عبر إصدار قوانين ومراسيم تُجرم كل من له علاقة بحماس أو متعاطف معها أو متعاطف مع نهج المقاومة أو من لا يتعاطف مع أطراف هذه الحرب , وتعطي شرعية قانونية لمحاربة المؤسسات ذات العلاقة بحماس خاصة أو التي تلتزم بنهج دعم المقاومة بشكل عام.
ثانياً: الحصار :
ويتم ذلك بفرض حصار على المناطق التي تسيطر عليها حماس أي قطاع غزه ويشترك في هذه الحصار بشكل مباشر كلاً من فتح وما يسمي بإسرائيل وأمريكا وبعض الحكومات التي تُسمي زوراً وبهتاناً عربية وأبجديات هذا الحصار كالتالي:
1- حصار بري وبحري من قبل دولة العدو الصهيوني للحدود مع قطاع غزة.
2- حصار بري لقطاع غزة من قبل حكومة مصر ومحاربة كل من يحاول مساعدة أهل القطاع بالطرق الرسمية أو من وراء حجاب.
3- جعل حياة الفلسطينيين بالداخل صعبة وعدم السماح بإدخال مستلزمات الحياة الأساسية وفرض حصار مالي على المؤسسات المالية في القطاع.
4- إيجاد المزيد من المشاكل لحركة حماس عبر جعل حياة مواطني قطاع غزة العالقين بالخارج أو المقيمين بالخارج صعبةً وذلك عبر إذلال من هم عالقين منهم على الحدود المصرية الفلسطينية ومن هم عالقين بالخارج , وكذلك فصل الكثير من الطلبة الفلسطينيين من الجامعات التي يدرسون بها أو عدم إعطائهم إقامات في البلاد التي يدرسون بها , وكذلك فصل الكثير من وظائفهم ممن يعملون في دول عربية.
5- الإيحاء في بعض الأحيان والتصريح في أحيان أخرى لمن هم بالداخل والخارج بأن حماس هي السبب لمعاناتهم اليومية وهذا ما جرى تحديدا في مطار العريش، عندما بدأ ضباط مصريون بإثارة حنق المحتجزين هناك عبر نشر روايات عن تنسيق حركة حماس مع العدو الصهيوني؛ لإدخال عناصرها إلى قطاع غزة دون الاهتمام لباقي العالقين ممن لا ينتمون إلي صفوفها , وهذا ما يجري في مطار القاهرة لمواطني قطاع غزة، الذين يصلون للمطار وتقوم السلطات المصرية بردهم علي أعقابهم وذلك طبعا بعد إعطائهم دروساً في تحميل حماس مسؤولية معاناتهم.
6- رفض الاستماع لكل المبادرات التي تقدمها حماس لحل الأزمة والاستماع فقط لطرف واحد ألا وهو حكومة (عباس) وليت الأمر ينتهي عند ذلك فقط, بل وحتى التسويق لهذه الحكومة ولأكاذيبها عبر فضائيات تلك الدول.
ثالثاً: الفتن:
بما أن حركة حماس تمكنت من توفير الأمن في قطاع غزة وهو المطلب الأهم لسكان القطاع بعدما حُرموا الأمن طويلا، وبما أن حماس تمثل الذراع الأطول والأصلب في التصدي لاجتياحات العدو المتكررة، فكان لابد من العمل على إفشال هذا النجاح و إضعاف تلك الذراع وذلك عبر نشر الرعب وتشتيت جهود المقاومة بين العدو الداخلي و الخارجي , عبر دعم عناصر فتح والعملاء لتقويض الأمن خلال تفجيرات تتم هنا
وهناك وتستهدف شخصيات ومؤسسات لهدم دعائم الأمن في غزة، ولسلب حركة حماس إنجازاتها التي حققتها في القطاع.
أعتقد أن حركة حماس تصدت لبعض بنود هذه الخطة ولكنها لا زالت تحتاج إلى عمل أكبر للقضاء على باقي بنود هذه الخطة وأنا أرى أن عليها أن تقوم بما يلي:
1- تقديم كل المساعدات الممكنة للفلسطينيين المحاصرين بالخارج سواء كانت مساعدات مالية أو معنوية لمكافحة الحرب الإعلامية الموجهة لهؤلاء لتحريضهم علي حركة حماس.
2- الضرب بيد من حديد على مثيري القلاقل وتقديمهم لمحاكمات عاجلة وسريعة وإصدار أحكام قاسية ضدهم؛ ليكون ذلك درساً رادعاً لمن قد يخضع للإغراء كي يسير على نفس طريقهم.
3- إصدار الأوامر لعناصر حماس في الضفة بعدم قبول الأمر الواقع , وعدم الاستسلام لأي مخطط يستهدف حياتهم وحرياتهم والتصدي بكل الوسائل الممكنة لذلك.
4- إصدار بيان أو توكيل من النواب المعتقلين لدى الاحتلال يسقطون به مراسيم عباس وحكومة فياض وهذا أعتقد يغني عن حضورهم لجلسات المجلس التشريعي ويسلب عباس كل مراسيمه.
5- عدم التغني الدائم بشرعية عباس فيما يتغنى هو بعدم شرعية حكومة حماس, فتنازل واحد يجر خلفه عشرات التنازلات.
إن الثقة بنصر الله تستلزم أيضا عملا دءوباً وأعتقد أن على حركة حماس العمل بشكل أكبر للتصدي لهذه المؤامرة، عل ثقة بأن النصر ملازم للحق ولأتباع الحق مهما مكر الباطل وتجبر.
"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"
يتبع....