سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 30 من 43
  1. #1
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    أبحاث ومقالات استراتيجية .

    هناك نصوص يمكن عبر تقديمها في تسلسل تراكمي ان تقود الى رؤية استراتيجية واسعة لصراعنا الوجودي مع اليهود والامريكان .

    جوهر النص هو تحديدا ما يعنيا وايجابيته وقيمة مادته العلمية , للاطلاع وليس للنقاش .


    ..

    التبشير في ديار العرب: لا حياء في الجيوستراتيجيا


    د . كمال خلف الطويل



    15/05/2009








    في يوم من آذار (مارس) 2004 جلس جورج بوش أمام كاميرات شبكة 'إن بي سي' ليجيب على أسئلة توم رسرت في برنامج 'واجه الصحافة'، والمتمحورة حول حرب العراق في وقت بدأت 'شعبيتها' في الانحدار مع تعاظم أعمال المقاومة العراقية وإيصالها الاحتلال الأمريكي لحد من الاستنزاف والحرج والدوار فاق أسوأ توقعات أكثر المتشائمين.
    أعلن نفسه 'رئيس حرب'، ثم وفي واحدة من أصدق لحظاته مع النفس والغير إذ به يعلن بفرح البشير: 'مُناي أن يأتي يوم يعج فيه العراق بجحافل من الدعاة المبشّرين بالمسيحية ينقلون كلمة الله لشعبه، ويبصّرونه بسبل الهداية والخلاص ....إنه واجب ملقى على عاتقنا.. ألسنا نسمح للمسلمين ببناء الجوامع هنا دون إعاقة؟ نحن بالمقابل نستحق المثل وسنناله بالتأكيد'.
    حينها كانت فرق المبشرين الإنجيليين قد بدأت تركب مراكب الخطر ـ فيما المقاومة مستعِرة ـ مبشّرة بـ 'مسيحيتها' في أوساط الكرد والعرب، مليّنة دعوتها بخُضرة الدولار وبريق المعونات.
    ما قاله بوش لم يكن نزوة 'متدين' غارق في هوسه ومستغرق في تهاويمه ... إنه التعبير الأصرح عن سياسة طالما اتبعتها الولايات المتحدة، بتفاوت ظرفي، منذ أواسط القرن التاسع عشر، لكنها تصاعدت محمومة ـ وإن بمراوغة تحاول أن تكون خادعة ـ ذات يوم من تشرين الأول (أكتوبر) 98 مع استصدار الكونغرس لقانون الحريات الدينية.
    وللولايات المتحدة مع الدين حكايا كثيرة: مسيحيةً كان أم يهوديةً أم إسلاماً.
    ولعل الوهم الكبير عن تجرِّد واشنطن الديني واحدٌ من أكثر الأساطير مخاتلةً وزيفاً.
    الدين عندها لا ينفصل عن المجتمع البتة.. هو يتناءى عن آليات الحكم في الداخل... فيما يُستخدم في علاقاتها بالخارج، وفق أحكام الزمان والمكان، بلا حدود. مع الإسلام... فطِنت إليه مع امتداد الشيوعية من بودابست إلى بكين، خشيةً على مصادر الطاقة، وكثيرها عند المسلمين.
    من هنا تأسيس حلف السنتو عام 54، ثم اختبار أهلية سعود لتزعم حلف إسلامي عام 57 ـ وفشله في الاختبار ـ، ثم تنصيب فيصل عام 65 على رأس حلف إسلامي أقل فشلا وأكثر إنهاكا لخصمها المناطقي ... حركة القومية العربية، ومعه استخدام بعض عناصر إخوان الخارج - وعلى رأسهم سعيد رمضان - بيادق خدمةٍ وتخادم... وصولا إلى تجييش الإخوان أعوان 'جهاد' ضد السوفييات في أفغانستان وطيلة الثمانينات. مع المسيحية ... صفَّت جون بول الأول المنتخب خريف 68 خليفةً لبولس السادس باباً للفاتيكان لتُحِلّ مكانه رجلها في المجمع جون بول الثاني، قبل انقضاء شهر على انتخاب الأول، الذي عُرف بتفضيله سياسة التوازن في الحرب الباردة والتعايش السلمي بين قطبيها.
    كان في بالها تأجيج كاثوليكية السلاف البولنديين، ثم الأوكرانيين والتشيك والسلوفاك والسلوفانيين والكروات، ليثوروا الواحد تلو الآخر على 'محتلهم' السوفييتي ولتنتهي الحرب الباردة نصراً بفتح القلعة من الداخل .... ولعل شواهد الفترة ترينا نصرا رأي العين كم كان رهانهم شبه صائب.
    مع اليهودية ... وهل أكثر من أن أنكلوساكسون بريطانيا العظمى هم من اخترعوا فكرة الصهيونية في أربعينات القرن التاسع عشر ليتلقفها بضعة يهود شبه ملحدين قاومتهم كثرة من يهود أوروبا عاشت نعيم 'الحرية والإخاء والمساواة' المستولدة من رحم الثورة الفرنسية اندماجا وتواصلا مع مجتمعاتها وتحسست مخاطر الصهيونية على ذلك النعيم.
    عبّر عنها بجدارة اللورد اليهودي مونتغيو وزير الداخلية البريطاني، والذي فنّد في مجلس الوزراء مشروع وعد بلفور (وزير الخارجية .. البروتستانتي) مبيّنا مساوئه ومضارّه على اليهودية العالمية إلى آخر الزمان

    والحاصل أن الصهيونية لم تستطع شقّ طريقها في أوساط اليهود الغربيين إلا إثر صعود النازي للحكم في ألمانيا.

    ما الذي حضَّ المؤسسة على التلطي وراء مسألة الحريات الدينية في العالم مع نهايات القرن العشرين؟
    خصوم ثلاثة مطلوب ترويضهم وتطويعهم ونزع مخالبهم واحدا واحدا .. الروس الأرثوذكس، والصينيون الكونفوش، والمسلمون وأخصّهم العرب

    حساب المسائل عندهم هو على منوال أن الجيوستراتيجيا هي أم الجيو...ات: يندرج تحتها الاقتصادي والسياسي والثقافي والديني والنسائي والقضائي والحقوقي والديموغرافي والجنسوي ... ومن هنا متواليات: حقوق الإنسان.. حقوق المرأة .. حقوق المثليين .. الختان.. تحديد النسل .. المحاكم الدولية .. و...الحريات الدينية.
    هنا يختلط الديني بالثقافي بالسياسي.. بكلِّه: في صين بلد المليار وربع ألا يَحْسُن بالغرب أن يُخلِّق مائة مليون ونيف ما بين بروتستانتي وكاثوليكي ليراهن عليهم طابورا خامسا بالمعطى العِقَدي والجيوثقافي/ ديني؟
    وفي روسيا من 160 مليونا .. أليس بهياً أن يضموا بين جنباتهم عشرين مليونا منهم بما يعْدُل عدد المسلمين فيها .. أليس في ذلك تيسير كبير لحاجات الفتح؟
    أما المسلمون .... فلحكايتهم فرادةُّ مبعثها اندخال الدين في كل خلايا الحياة عندهم، اجتماعا وسياسة ثقافة ومعاملات، ومن ثمّ شديد تعلقهم به هوية حياة، وتوجُّسهم من أي مس به، حتى عند من زاولوا شعائره في أقل الحدود.
    في البداية كان السبيل هو اجتذاب الأجيال عبر غوايةِ تعليمٍ عصري متْنه الحداثة، تتسرب عبره ثقافة مستحوِذة، يستتبعها ولاء ... وإن جزئي.
    من أجل ذلك قامت الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية ـ لاحقا) ببيروت ثم شقيقاتها، وأخيرا فتياتها، في الإقليم.
    لم يُصِبِ الرهان بما يكفي، إذ غالبت نزوعات التحرر الوطني والوحدة العربية منازع التغريب والتدجين، فغلبتها بالنقاط وما زالت.
    سبيل ثان هو التبشير بحرفيته: تواتر ذلك منذ ما ينوف عن القرن، واستهدف بالأساس مسيحيي المشرق العربي استيلادا لجيب مأمون الولاء، وكان ذلك مدماك نشوء الطائفة الإنجيلية على حساب الأصلاء من أرثوذكس وكاثوليك .... هي المسيحية المتأطلسة قبالة المسيحية الشرقية.. بلا هوادة.
    سبيل ثالث هو استلاب مسيحيي المشرق ليكونوا حلفاء الداخل وأوتاد خيمة الأطالسة في أرجائه .. بدءا من يعقوب صنوع وعامية أنطلياس، ومرورا بالبطرك عريضة والمطران مبارك، ووصولا لمكسيموس الأقباط وصفير الموارنة.

    النجاح هنا متفاوت وغير مضمون، سيّما مع اكتشاف الموارنة وأخيراً - لعقم رهانهم على هذا الغرب الألعبان، ثم قرب انقشاع غشاوة 'الفراعنة' القبط.
    أما السبيل الأشد فجوراً فهو التبشير المباشر بين المسلمين، وهو ما يجري التجريب فيه من أقصى المغرب لأدنى إندونيسيا، وبهمةٍ تجمع ما بين حماقة التهور وجموح الادعاء

    لقائل أن يقول: وما الخطل في تبشيرهم؟ أليس ذلك من سمات حرية المعتقد والتي من أوليات حقوق الإنسان؟
    لا ليس الأمر كذلك قط .... التبشير في ديار العرب والإسلام - سواء استهدف مسلميها أم مسيحييها ـ هو فعل من أفعال الاستعمار الثقافي تزاوله أمم أطلسية، استعمرت وتستعمر، على أمم مسلمة، احتُلّت ولا زالت تُحتل، دعك عن الهيمنة بكافة أشكالها، مسلَّطة من الأولى على رقاب الثانية.
    وتعلّة أن مساجد المسلمين تتناسل في أرجاء الغرب دون عائق لا تُصوّب المعادلة المختلة بتصحيح أو توازن، لِكم الفتق مهول ما بين الاستضعاف والاستقواء .

    وعندما ينجح راتق في رأبه يجوز للتبشير والدعوة بكافة أشكالها أن تنداح بلا مُعيق ولا لاجم.
    ولعل مكان التبشير الذي لا يقدر أن يحاججه امرؤ بيسر هو إفريقيا بعشرات ملايينها من الأرواحيين.. هناك للمسيحية وللإسلام أن ينطلقا بكل ما أوتياه من حيوية وفوران ليعّما في أوساطهم، وفق تنافس رياضي الطابع ميسمه المسالمة والإقناع.
    وللمسلمين، فهماً لطبائع الجيوستراتيجيا، أن يبذلوا ما وسعهم الجهد والطاقة لنشر دينهم في إفريقيا بوسائل سلمية، إذ هي حوض حيّزهم العربي الخلفي، وقارة عشرات من ملايينهم، وأكثر أمكنة الدنيا جهوزية لتلقف دعواهم وهضمها.
    ندلف من هذه البوابة إلى موضوع يتصل، وإن بدرجة من تميز، يستحق التناول ...ألا وهي مسألة أديان أرضية معينة

    ليس المقصود بالطبع هنا ديانات ضاربة في القدم، ومستودعات حكمة وخير، كالبوذية والكونفوشية والشنتوية والهندوكية ... بل اثنتين حديثتي العهد ظهرتا في القرن التاسع عشر في كل من شرق الهند الكبرى والهضبة الإيرانية، ألا وهما القاديانية والبهائية.
    لغيري أن يكتب معلّقات حولهما .. ما يكفيني هو التركيز على طابعهما 'الاستعماري'، إذ هما مخلوقات عِقَدية ابتدعها الاستعمار البريطاني لأغراض جيوستراتيجية همّها بث الفرقة في أوساط المسلمين بأكثر مما تسببت فيه كثرة المذاهب وتنافرها.
    ليس في قولي اتهام غير مسند، فقراءةُّ في تاريخهما ورعاتهما وحماتهما لا يلزمها مزيد.

    " كاتب من فلسطين "

    ..

  2. #2
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    قراءة .. في ذكرى النكبة

    د / لطفي زغلول – نابلس

    كان الخامس عشر من أيار في العام 1948، ولا يزال هو التاريخ الرسمي الذي يحيي فيه الفلسطينيون في الوطن والشتات ذكرى نكبتهم التاريخية . صحيح أنه التاريخ الرسمي ، إلا أن جذور النكبة قد بدأت قبل هذا التاريخ . وتحديدا يوم بدأت الأطماع في الأرض الفلسطينية ، وأقيمت عليها أول مستوطنة في العام 1872 .
    بداية لا بد من التذكير بأن النكبة الفلسطينية في العام 1948 هي التي افرزت القضية الفلسطينية . وحول هذين المسميين كان هناك على الدوام اختلاف في المنظورين العربي وغير العربي . فالمنظور الاسرائيلي وكل الجهات الدولية التي وقفت موقف المؤازر لاسرائيل ولا تزال ، امتنعت لحاجات في نفسها عن استخدام مصطلح النكبة ، وهي بذلك تدافع عن نفسها وتدفع عنها تهمة كونها سببا في نكبة الشعب الفلسطيني ، وتداعيات مأساته.
    وفي ما يخص مصطلح القضية الفلسطينية فهو الآخر لم تستخدمه اسرائيل لانها لا تريد البتة ان تقف عند مصطلح فيه ذكر للفلسطينيين الذين انكرت وجودهم منذ البداية ، أو أن لهم قضية . إضافة إلى أن الفلسطينيين الذين قامت بتهجيرهم الصقت بهم مسمى اللاجئين العرب .
    واما الذين ظلوا في أرضهم ووطنهم الاصلي تحت حكمها فهم في منظورها أناس ليس لهم انتماء وطني ، فأطلقت عليهم "عرب اسرائيل" وهو مسمى يحمل في طياته بعدين الاول نفي الهوية الفلسطينية عنهم ، والثاني التأكيد على انهم رعايا وليسوا مواطنين يتمتعون بمنظومة حقوق المواطنة بطبيعة الحال . وقد ارتأت اسرائيل مع الايام ان تطلق على القضية مسمى يبعد عنها شبح خطيئة مأساة اللاجئين الذين قامت بتهجيرهم . فاسستخدمت مستغلة صراعها مع العرب مصطلح قضية الشرق الاوسط الناجمة عن الصراع العربي الاسرائيلي .
    وقد حرصت اسرائيل على استخدام هذين المصطلحين بعد كل سلسلة الحروب التي خاضتها مع العرب الى ان كان اول صلح لها مع نظام عربي اطلقت عليه مسمى "معاهدة السلام" . ولم تعد قضية الشرق الاوسط ولا الصراع العربي الاسرائيلي . وفي اعقاب مؤتمر مدريد استخدم مصطلح العملية السلمية . ولعل اعجب ما في الامر ان هذه المصطلحات كانت في كثير من الاحيان تستخدم دون اية تحفظات على السنة الساسة العرب وفي وسائل اعلامهم دون التبصر في معانيها الحقيقية او مدلولاتها من حيث المنظور الاسرائيلي .
    الا ان الشعب الفلسطيني لم يأبه بكل هذه التسميات والمسميات والمصطلحات وكان يعرف حقيقة مراميها . وظلت القضية بالنسبة له هي النكبة والمأساة والمنفى في الشتات ومنظومة الحقوق التي يصر عليها . وهي في نفس الوقت لم تحبطه وزادت وتيرة اصراره على النضال لاسترداد كافة حقوقه وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير .
    وقد توج نضالاته هذه بانتفاضتين في العام 1987 ، وفي العام 2000 . ومرة اخرى ولغايات في نفس اسرائيل ومن يقف معها أطلقت مسمى اعمال العنف والارهاب على فعاليات انتفاضة الاقصى . فاسرائيل قد قامت بتأمين مساحة شاسعة من العمق العربي وتحييدها ، وبذلك استفردت بالشعب الفلسطيني بقصد حشره في زاوية حلبة الصراع وانزال الضربة القاضية فيه لتفرض عليه منظورها في الحل النهائي ، في ظل عجز وصمت على الصعيدين العربي والاسلامي ولامبالاة دولية ومماطلة وخداع أميريكيين مقصودين .
    فيما يخص الانظمة العربية فقد اخذت مساهمتها في القضية الفلسطينية تتقلص شيئا فشيئا . وبات واضحا ان هذه الانظمة كانت واقعة تحت تأثير ضغطين الاول خارجي يتمثل في انقيادها شبه المطلق للسياسة الاميركية . واما الثاني فهو انسحابها التدريجي من الساحة القومية الى التقوقع الاقليمي والغرق في محلياتها .
    وفي ذات السياق فان مؤتمرات القمة العربية التي عقدت على شرف القضية لم تعقد معظمها وبخاصة الاخيرة منها بمبادرة من هذه الانظمة بقدر ما هي عمليات التفاف هدفها امتصاص غضب الجماهير العربية وأقصى وتيرة من انفعال الشارع العربي . وليس أدل على هذا من القرارات الخجولة التي اصدرتها والتي اثبتت الأيام انها كانت بلا رصيد .

    وحقيقة الامر ان الانظمة العربية في آخر قمة لها في الدوحة العاصمة القطرية في آذار 2009 قد رمت آخر سهم في جعبتها على ساحة القضية الفلسطينية . فبعض هذه الانظمة لم تعد تملك شيئا تقدمه للقضية وشعبها سوى ان تتحول من دور الشريك الحقيقي الملتزم بمواقف وثوابت ولاءات ومحرمات تنازل عنها ، وبذلك فقد أي وزن فاعل حقيقي له .
    لكنها – ذرا للرماد في العيون – وايهاما لجماهيرها انها ما زالت على العهد ، رفعت شعار خيار السلام ، وانتقل بعضها الى دور الوسيط المحايد والذي يفتقر الى كثير من مقومات الوساطة بين الاسرائيليين والفلسطينيين ، او الغيور على تهدئة الاوضاع للرجوع الى مائدة العملية السلمية . واما البعض الآخر فاما انه مشارك وجداني واما انه مشاهد صامت . وهذا في اعتقادنا اقصى ما يمكن ان تحظى به القضية بعد الآن . وأما المبادرة العربية ، وخيار السلام العربي ، فقد رفضتهما حكومة اليمين المتشدد في اسرائيل ، ولم تحظيا بقبول لدى كل حكومات اسرائيل .
    اما في ما يخص الجماهير العربية فان الواقع الاقتصادي السيء ، والأزمة المالية في غالبية الاقطار العربية . ان فضاءات المشهد السياسي الداخلي فيها ملبدة بغيوم الكبت والقمع والتسلط وفرض الرأي ومحاربة الرأي الآخر وانعدام حريات التعبير ، مضافا اليها الهموم الداخلية لكل نظام وسيطرة النزعات الاقليمية ، ان كل هذا يلقي بظلاله القاتمة على هذه الجماهير ويحد من تحركاتها .
    واذا كانت الايام الاولى للانتفاضة الفلسطينية الحالية قد شهدت تحركا جماهيريا عربيا واسعا من المحيط الى الخليج في انتفاضة وجدانية عربية موازية ، فان هذه الجماهير قد خيم عليها الصمت واصيبت بالسكتة الانفعالية ، ولم تعد اقسى المشاهد واعنفها من الساحة الفلسطينية تحرك مشاعر الكثيرين ، ويخشى والحال هذه ان تتحول القضية الفلسطينية – لا سمح الله – الى قضية اجتماعية انسانية . وان ينتقل الاخوة من رديف حقيقي الى مشفق متعاطف لا يملك الا بعض العون الانساني .
    في الذكرى الحادية والستين للنكبة الفلسطينية ، ها هي المستوطنات الاسرائيلية تغزو الضفة الفلسطينية ، وها هي مصادرة الأراضي لم تتوقف في يوم من الأيام ، وها هو جدار الفصل قد أوشك على الانتهاء ، وها هي القدس تهدم بيوتها الفلسطينية ، وها هو التهويد قاب قوسين أو هو أدنى منها ، وها هو الأقصى المبارك يتعرض لهجمة شرسة من الطامعين به ، وها هي حكومات الاحتلال الاسرائيلة غير آبهة بكل القرارات الدولية ، وها هى الأنظمة العربية والاسلامية تغض نظرها عما يدور في الساحة الفلسطينية ، وها هم الفلسطينيون يعانون مرارة الاحتلال وقسوته وإذلاله . إنها صورة الواقع الفلسطيني رسمناها بكل صدق وأمانة .
    وبعد واحد وستين عاما ، وفي الذكرى التاسعة للنكبة في القرن الحادي والعشرين ، فان المشهد الفلسطيني وليد هذه النكبة يستعيد هذه الايام مشاهد شتى من تاريخها الاسود الذي لم تطو صفحاته بعد . فما زال المقيمون في المخيمات يقيمون فيها في كل اقطار الشتات ، ولكن هذه المرة وفي بدايات القرن الحادي والعشرين تضاف اليها خيام جديدة ، الا انها فوق اطلال بيوت اصحابها ، الذين هدمت بيوتهم لأسباب إستيطانية ، والذين يرفضون الرحيل مصرين على الانزراع في أرض الوطن .
    ان النكبة الفلسطينية لم تنته بعد فصولها . لقد ناضل شعبها وما زال امامه نضال طويل وتضحيات جسيمة . وهو هذه المرة – وان ذهب معظم الذين يحبهم وبقي في الميدان وحده – يسعى بكل ما اوتي من قوة ان تكون نضالاته الحالية هي الفصل الأخير في مسلسل نكبته الانسانية .
    _________________
    أنا الشاعر والكاتب الفلسطيني
    لطفي زغلول
    عضو الهيئة الإستشارية لاتحاد كتاب فلسطين
    رئيس منتدى شعراء الفصحى
    في موسوعة الشعر العربي

    www.lutfi-zaghlul.com
    lutfi_zag@************

    نابلس / فلسطين
    .

    .
    .

    تعقيب ..

    نص فلسطيني ..

    في زمن ضياع الفلسطيني في الذاكرة العربية والعالمية .

    اعتقد ان الشعوب العربية موجودة , وان الدور التاريخي قادم , وان التغيير التاريخي وقوانينه حتمية , وأن الوقت والرهان عليه استراتيجية مقاومة جيدة .

    وان تكريس الكلمة المقدسة فلسطيني , وترك مساحة تنفس من حولها وعن جوارها العربي , ضرورة .

    فعلا هناك عرب وهناك فلسطينيين , وهناك عدو وجودي يهودي مشترك .

    العربي يواجه الاستعمار الرسمي العربي الحليف للغزاة اليهود في ارض فلسطين العربية , يبدو لي المشهد التوصيفي هكذا منطقيا ..!!

    النص يجب تعميمه ونشره لحاجتنا نحن العرب المشتة الى تعريف الفلسطيني لنفسه , وتعريف الفلسطيني لنا .

    دمت فلسطينيا .

    ..

    _________________

  3. #3
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    اسامة الكباريتي كتب ..

    عمري بدأ مع النكبة .. فقد فطمت عن ضرع امي في سنة أولى نكبة .. وولد جميع إخوتي وأخواتي العشرة في ... النكبة ..
    بين القنطرة شرق (معسكر اعتقال قديم للجيش البريطاني كانوا يحتفظون فيه بالأسرى الطليان) حيث ولدت شقيقتي التي تلتني مباشرة ..
    إلى معسكر البريج للاجئين 7كلم جنوبي مدينة غزة حيث ولد شقيقان وشقيقة ..
    إلى جدة في الحجاز حيث ولد شقيق وشقيقة ..
    وأخيرا وليس بآخر إلى الدوحة حيث ولد 3 أشقاء وشقيقة ..
    آخر مرة اكتحلت فيها عيناي وشفتاي بتقبيل ثرى أرض الرباط المقدس كانت منذ 44 عاما ..
    وكأنني كنت أودع الأقصى يومذاك ..
    ولية عهدي (بكريتي) منذ أيام استضافت مجموعة من الخبراء العالميين ومن بينهم خبير في تدريب الشباب على الريادة والقيادة استقدمته من رام الله ..
    عندما سألها على الهاتف قبيل قدومه عما يمكنه إحضاره لها من فلسطين .. طلبت منه حفنة من تراب "يافا" ..
    كررت عليها سكرتيرته السؤال ظنا منهم أنها خجلت من طلب أي شئ شخصي ..
    ردت عليها بأن صرة من رمال يافا تعدل الأرض بما حَوَت ..
    وقد كان ..
    صار عند ابنتي ما تورثه لأجيال عائلتنا التالية ..
    ويظنون أن شعبنا سوف ينسى ..
    "الكبار يموتون .. والصغار ينسون"
    مقولة طالما رددها ديفيد بن جوريون قبل 60 عاما ..
    ما أسوأ ظن هذا الحقير المجحوم المستورد من بولندا ..
    بنى نظريته على النسيان .. وما درى بأن رضيعنا يقتبس من أمه عشق أرض الرباط ويورثها في جيناته لمن بعده ..
    سألوا في "الجزيرة" طفلة في شمال كندا حيث تتجمد الذاكرة مع زمهرير صقيع شتائها ..
    سألها المراسل عن بلدها ..
    قالت اسم قرية في شمال فلسطين الحبيبة .. والله إنني بحثت عنها على خريطة كبيرة .. ووجدتها ..
    الطفلة لم تقل كندية .. او لبنانية حيث مهجر والدها الأول .. بل قالت فلسطينية ومن قرية "الزيب" ..
    منذ نيف وعشرين سنة، لاحظ طفلي الكبير أن جلوسنا على مقاعد جانبية في مطار دولة عربية كبرى قد طال .. فقد دخل ركاب الطائرة التي تلت التي تلت طائرتنا ..
    حتى ركاب "العال" قد عبروا ..
    فلم نحن هنا في انتظار لا شئ ..
    قلت لأننا فلسطينيون .. فلنا استقبال خاص ..
    ولقد اعتاد ولدي الانتظار في مطارات يعرب بن قحطان .. .. .. ولم يعد يسأل ..
    فقد استوعب معنى أن تكون فلسطينيا ..
    حق العودة مقدس
    ولا يقدر على انتزاعه مني مخلوق على وجه البسيطة ..
    حق العودة مورث ..
    ولا يقدر فلسطيني حرمان أنجاله منه أبدا ..

    نحن (والدي وأنجاله الإحدى عشر وأنجالهم وأنجال انجالهم) لا نملك شبرا من الأرض في فلسطين ..
    لكننا نملك الحق في العودة إلى يافا ..
    وثرى يافا الطاهر كله ملكنا ..
    وإلى يافا طريق واحد .. يمر من فوهة بندقية ..


    .
    .

    تعقيب ..

    ليس للعربي عزاء ..
    فقد خسر منذ زمن طويل , حريته , ولو أنه بقي في جغرافيته , على قيد نظامه يستعبده فيرضخ , يسميه كما يريد , ويورثه لأبنائه , ويستدعيه إلى الهتاف بالخلود , متى يشاء .

    ولا يشبه العربي , الفلسطيني , في أي شيء , الفلسطيني خسر بعض أرضه , وبقي يتمسك بحريته , بلحمه الحي , بدمه , بأطفاله , وبالبندقية .

    حتى تكون حرّا , عليك أن تكون فلسطينيا .
    وحتى تكون رجلا , عليك أن تحمل البندقية .

    قد يستبد رجل امن عربي , في مطار عربي , بالفلسطيني .
    ولكنه , وبقية الشعب العربي , أيها الفلسطيني الحرّ , كلنا ممنوعون من السفر .

    الفلسطيني لا يحتاج إلى عزاء ..
    ولكننا نحاول أن نعرّف لأنفسنا أنفسنا , أذلاء في جغرافيتنا , مرتهنون لخوفنا , مستعبدون من جهلتنا , خائفون من حثالتنا , متسترون بهويتنا .

    لذلك أيها الفلسطيني الحر ..
    يا يوسف , وأما الأعراب , فهم اليهود أنفسهم , يريدون إفناءك .
    وأما العرب إخوتك , فيغارون منك .

    ..

    الاخ اسامة الكباريتي , نصكم الحي , نحتاج الى تعميمه .
    ..

  4. #4
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    خطاب أوباما القادم في يونيو / حزيران

    جاسم الرصيف



    " مصر تعدّ بلدا تمثل ، في العديد من الحالات ، قلب العالم العربي " هكذا قدم السكرتير الصحفي للبيت الأبيض خبر خطاب أوباما الموعود في الرابع من يونيو / حزيران القادم .

    * * *

    لايمكن للمرء أن يرجم بالغيب خطابا ، قد يحصل وقد لايحصل ، لأوباما في القاهرة ، في الشهر القادم ، ولكن المتابع لعادات وتقاليد أميركا في سياستها الخارجية قد يستقرئ مسبقا مالايقل عن نصف ، أو أكثر ، مما سيقال على طول وعرض نظرية ( كسب عقول وأرواح ) العالمين العربي والإسلامي لصالح أميركا مقابل لاشئ منها لشعوب هذين العالمين .

    أولا : مصر في " أغلب الحالات " القومية ماعادت تمثل " قلب العالم العربي " ، كما يتوهم أو يتظاهر في التوهم البيت الأبيض ، بدئا من دورها اللاقومي تجاه القضية الفلسطينية التي تتلقى مليارات الدولارات سنويا رشوة أمريكية اسرائيلية عنها مقابل تنازلها عن دورها القومي تجاه الفلسطينيين ، وإنتهاء بدور مصر في المشاركة غير المباشرة على إحتلال العراق ، وأكبر الشواهد على ذلك سماحها للقوات الأمريكية الغازية بالمرور علنا من قناة السويس " العربية " وليست الأمريكية أو الإسرائيلية حسب التسميات.

    بات من المعروف حتى لمجانين العرب أن النظام المصري ، مهما حاول التظاهر بدور العربي المستقل ، فإنه في نهاية الأمر نظام تابع لأميركا ، إهترأ في الداخل ، وبات موقعه بعيدا عن قلوب وأرواح الأمة العربية في الخارج ، وأميركا تعرف ذلك بكل تأكيد ــ واذا كانت لاتعرف فهذا غباء مطلق منها ــ ومن ثم فإن الردح بشعارات من موقع سقطت فيه كل الشعارات هو رهان خاسر جغرافيا في مضمار ( كسب وعقول واوراح العرب ) حتى لو جاء من أوباما نفسه .

    ثانيا : وفي إطار السباق لكسب أوراح وقلوب العرب كانت إدارة إوباما قد سقطت قبل نهاية شوط ال ( 100 ) يوم الأولى عندما تسللت هيلاري كلنتون خلسة الى بغداد وأعلنت من هناك أن المضبعة الخضراء التي إستأجرتها ظلاميات مجرم الحرب بوش تسير في ( الطريق الصحيح ) ، حسب هيلاري ، كما أعلنت أن إدارة أوباما تدعم عملاء ، مجرمي حروب ، تلطخت أياديهم بدماء العراقيين ومازالت تتلطخ على جيوب لم تكن ولن تكون نظيفة من نهب ثروات العراق !! .

    ( نفس الطاسة ونفس الحمّام ) ، كما يقول المثل العراقي ، وعلى نفس الضمار الخاسر بكل تأكيد في سباق العقول والأرواح العربية التي تتساقط يوميا برصاص أمريكي مباشر أو برصاص عملاء محليين تابعين لأيران وعصابات البيشمركة تبعيتهم لأمريكا الساعية ( للكسب ) في سوق تحجرت فيه القلوب وغادرته الأرواح الأمريكية في إدارة الشؤون الخارجية التي تأمل أن يتحول العراق الى مستعمرة ككوريا الجنوبية ، أو اليابان ، أو ألمانيا ، قادرة على دفع كلفة ( 50 ) ألف جندي أمريكي يأمل أوباما في إستبقائهم هناك بعد 2011 وعلى نفقة الشعب العراقي العاجز عن تأمين نفقات معيشته اليومية من جراء الإحتلالات المركبة التي مهّدت لها أكاذيب بوش وزبانيته وتحاول إدارة أوباما التمديد لها بقوة السلاح .

    وهذا رهان خاسر آخر سيعلن عنه خطاب أوباما ، الذي لن يتجرأ طبعا وطبعا عن تسمية ماجرى في العراق إحتلالا ، ولن يتجرأ على تسمية الجواسيس ( العراقيين ) الذين إستأجرتهم إدارة بوش جواسيسا محليين ، مع علمه الأكيد لدورهم الإجرامي ، وتواريخهم الشخصية المخزية ، وبذلك لن يأتينا بجديد عن العراق غير التشدق بأن قواته في حالة إنسحاب ، وحقيقة أمرها في حالة هزيمة هادئة ستمتد حتى 2011 .

    وأكبر رهان على خسارة خطاب أوباما القادم من قلب العروبة المعطوب في الشأن العراقي أن الرجل لن يسمح للقوى الوطنية العراقية بإستعادة وطنها المحتل خاليا من العملاء مركّبي الولاءات ، وبذلك ستتم ورسميا من فم أوباما خسارة كل القلوب والأرواح العربية العراقية ، لابل ستنقل العراق الى صفحة أكثر سخونة بين خندق إحتلال وخندق عراقيين خلّص لعروبتهم ولعراقهم .

    ثالثا : أما في الشأن الفلسطيني ، وهي المشكلة الأقدم في معركة كسب العقول والأرواح ، فالخسارة الأمريكية مضمونة سلفا ، فلن يتجرأ السيد أوباما على الطلب من اسرائيل أن تنفذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي القديمة والعودة الى حدود 1967 ، أما عن أيمانه بحق عودة الفلسطينيين المجرين الى ديارهم فهذا المستحيل بعينه ، كما أنه لن يتجرأ حتى على مطالبة اسرائيل بحل دولتين مستقلتين حقا وصدقا ، لأنه أعلن إنحيازه المسبق لإسرائيل ولامجال للتراجع عن ذلك ،،

    * * *

    وبهذا يكون فشل المراهنة على كسب عقول وأرواح العرب مؤكدا ومسبقا عن سابق إصرار وتصميم من إدارة البيت الأبيض التي لاتريد أن تفهم معنى مفردة الإحتلال ولامعاني المعاناة الإنسانية للشعوب المحتلة .

    * * *

    سيد أوباما

    خذها من عربي عراقي :

    إقرأ التأريخ قبل أن تذهب الى عاصمة عمر بن العزيز

    وتمعن كثيرا في مفردة ( إحتلال ) قبل أن تلقي خطابك الموعود في قلب العالم العربي .



    jarraseef@jarraseef.net









    --

  5. #5
    عضوية مجـمـدة الصورة الرمزية فلسطيني حر123
    تاريخ التسجيل
    11 2008
    الدولة
    على قمم الجبال
    المشاركات
    3,910

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    ان النكبة الفلسطينية لم تنته بعد فصولها . لقد ناضل شعبها وما زال امامه نضال طويل وتضحيات جسيمة . وهو هذه المرة – وان ذهب معظم الذين يحبهم وبقي في الميدان وحده – يسعى بكل ما اوتي من قوة ان تكون نضالاته الحالية هي الفصل الأخير في مسلسل نكبته الانسانية .

  6. #6
    عضوية مجـمـدة الصورة الرمزية فلسطيني حر123
    تاريخ التسجيل
    11 2008
    الدولة
    على قمم الجبال
    المشاركات
    3,910

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    بات من المعروف حتى لمجانين العرب أن النظام المصري ، مهما حاول التظاهر بدور العربي المستقل ، فإنه في نهاية الأمر نظام تابع لأميركا ، إهترأ في الداخل ، وبات موقعه بعيدا عن قلوب وأرواح الأمة العربية في الخارج ، وأميركا تعرف ذلك بكل تأكيد ــ واذا كانت لاتعرف فهذا غباء مطلق منها ــ ومن ثم فإن الردح بشعارات من موقع سقطت فيه كل الشعارات هو رهان خاسر جغرافيا في مضمار ( كسب وعقول واوراح العرب ) حتى لو جاء من أوباما نفسه .

  7. #7
    عضوية مجـمـدة الصورة الرمزية فلسطيني حر123
    تاريخ التسجيل
    11 2008
    الدولة
    على قمم الجبال
    المشاركات
    3,910

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    لذلك أيها الفلسطيني الحر ..
    يا يوسف , وأما الأعراب , فهم اليهود أنفسهم , يريدون إفناءك .
    وأما العرب إخوتك , فيغارون منك .

  8. #8
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    حتى لا نقع من جديد في جدل حول تعريف الانتصار

    د. إبراهيم عرفــات

    لم ينقطع الجدل في لبنان والمنطقة حول ما حققه حزب الله في حرب 2006 ضد إسرائيل. هناك فريق يقطع بأن الحزب حقق انتصاراً تاريخياً يجب أن تتعلم منه الأمة بأسرها. فبرغم الدمار والخراب الذي لحق بلبنان، إلا أن الحزب خرج من المعركة مرفوع الرأس. ولم يحتفظ فقط بقوته وإنما ازداد قوةً على عكس ما كانت تخطط له إسرائيل.

    واستطاع منفرداً أن يقف في وجه جيش قوي لم تقدر الدول العربية مجتمعة أن توقفه عند حده. كما تمكن بصواريخه من ضرب شمال إسرائيل، ليكشف للإسرائيليين عجز حكومتهم عن توفير الأمن لهم. كما أوقـــــــــــــــع المؤسســـــــــــة العسكرية الإسرائيلية في حرج بالغ أجبر رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس على تقديم استقالته ودفع إلى تشكيل لجنة تحقيق انتهت بإصدار تقرير فينوغراد الذي اعترف بفشل الجيش الإسرائيلي في إدارة الحرب.

    وعلى النقيض يؤكد فريق آخر أن حزب الله لم ينتصر ولا يمكنه أن يدعي النصر. فقد كلف لبنان خسائر باهظة، وتسبب بحساباته غير الدقيقة في مقتل مئات الضحايا الأبرياء. وليس أبلغ على الإخفاق من اعتراف زعيم الحزب السيد حسن نصر الله بأنه لو علم أن كل هذا الدمار كان سيقع لما أقدم على الخطوة التي أعطت إسرائيل ذريعة كانت تتشوق إليها لشن الهجوم.

    ثم كيف يوصف ما حدث بالانتصار والحزب قد ارتضى أن يكون لعبةً في يد سوريا وإيران فحارب من أجلهما واتخذ قراراً كان المفترض أن يشترك فيه اللبنانيون قبل غيرهم. والنتيجة أن الفرقة تعمقت بينهم. والأكثر من ذلك كله أن الحرب انتهت بقرار من مجلس الأمن لم يترجم سياسياً ما ادعى الحزب أنه حققه عسكرياً.

    فقد أعاد ذلك القرار التأكيد على نزع السلاح غير الشرعي في لبنان، وأبعد قوات الحزب عن خط الحدود مع إسرائيل ووضع قوات دولية في المسافة العازلة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، ما حرم حزب الله من فرص الاشتباك التي كان يتمتع بها قبل وقوع الحرب.

    وبينما يتواصل الجدل حول ما حققه حزب الله، إذ بجدل آخر يدخل على الخط . فقبل أيام قليلة خرج السيد محمود الزهار القيادي في حركة حماس بتصريح وصف فيه انسحاب القوات الإسرائيلية من شمال غزة بأنه انتصار عظيم».

    وهو وصف يفتح باباً واسعاً للرد، لأن فيه كثيراً من المبالغة. كما أنه يلفت الانتباه إلى ضرورة وضع ضوابط لتعريف الانتصار حتى لا نجد أنفسنا في العالم العربي غارقين أكثر في جدل عقيم حول مسألة تندرج ضمن البديهيات. لكن ما العمل إذا لم يكن للبديهيات مكان عند من يعتقد أنه بالإمكان إعادة اختراع العجلة علها تأتي مربعة أو مثلثة بينما العالم بأسره يعرف بالبديهة أن العجلة كي تسير لا يمكن إلا أن تكون مدورة.

    لكن من اعتاد اختراع العجلة لا يجد أي حرج في إعادة تعريف الكلمات على كيفه وإعطاء الانتصار معنىً آخر غير الذي يعرفه العالم. أما من استقر في ذهنه شكل العجلة فلا يفهم كيف يمكن أن يكون ما حدث في غزة «انتصاراً» بل و«عظيماً» إذا كان سكانها قد بقوا محاصرين، وإذا كانوا قد فقدوا في يومين أكثر من 120 قتيلاً وهُدمت لهم عشرات المنازل، وإذا كانت مأساتهم الإنسانية الواضحة لم تزحزح «كبار الرعاة الدوليين» عن موقفهم في أن ما تقوم به إسرائيل يُعد دفاعا شرعيا عن النفس.

    لكن فيما يبدو أن الأمور في فلسطين كما هي في لبنان نسبية جداً. كلٌ يحكي على هواه ولا يهتم بأن يصف ما يراه. حماس تعلن عن انتصار عظيم وتتعهد، على طريقة حزب الله، بإصلاح كل بيت مدمر وتخصص لكل واحد منها بصفة مؤقتة 1000 دولار.

    بينما فتح تعلن، على غرار الحكومة اللبنانية، وعلى لسان عمر الغول أحد مستشاري الرئيس عباس أنه بئس الانتصار ذلك الذي قسم الوطن ومزق القضية. ولم يفت فتح بالطبع أن تغري سكان القطاع المساكين بالمساعدات فتعهدت للمنكوبين منهم بتوفير خمسة ملايين دولار.


    وبالتدريج بدأ الجدل يتصاعد بين شامتين في فجيعة لم يكونوا بعيدين عنها ومبشرين بانتصار لم يكونوا قريبين منه. فمن أبدى من فتح شماتته ربما يكون قد أصاب في أن ما حدث لا يمثل انتصاراً. لكنه لا يستطيع أن يفاخر بأنه جلب على مدى تاريخ القضية كلها انتصاراً ذا قيمة.


    أما من أعلن من حماس عن «الانتصار العظيم» فقد كذب على نفسه كما كذب غيره من قبل في 1967 حينما صُورت النكسة قبل افتضاح أمرها على أنها بطولة، أو في 1991 حينما شُبهت واحدة من خسائر العرب الكبرى على أنها انتصار في أم المعارك.

    لذلك، فإن الإعلان عن «الانتصار العظيم» تصريح متعجل، خانه التوفيق في التوقيت والموضع معاً. فالاعتداءات الإسرائيلية على غزة لم تنقطع، وما وقع لم يكن إلا جولة قصيرة ضمن حرب طويلة. ومن المفارقة أن نجد تصريح المسؤول الحمساوي يهيم في عنجهيته مع ما قاله الرئيس الأميركي بوش الابن بعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد حينما أعلن أن «المهمة قد أنجزت».

    فلا مهمة أميركا في العراق قد أنجزت إلى اليوم ولا انتصار حماس «العظيم» في غزة قد رأى أحد ثماره.

    وأمام مبالغة لا محل لها ومباهاة لم يحن وقتها تلزم العودة إلى بعض الضوابط كي لا تُصور الأمور على غير ما تحتمل فيروج للخراب على أنه بناء، أو للانكسار على أنه انتصار. وأشدد هنا على الضوابط الخمسة التالية:-

    1- أن الانتصار تفوق واضح وصريح لا يحتمل لبسا أو إبهاما، ولا يقبل التفسير على الهوى. فهو وضع يتمكن فيه طرف من حمل طرف آخر على الانصياع لأوامره وتنفيذ كل أو أغلب ما يريده. وعليه فإن إسرائيل لا يمكن أن تدعي أنها انتصرت على حماس.

    فقد احتفظت حركة المقاومة الإسلامية بحكومتها المقالة داخل القطاع كما أبقت على قدراتها العسكرية التي تسعى إسرائيل إلى تصفيتها. لكن هذا لا يعني في المقابل أن حماس قد انتصرت.

    فهي لم تنجح في منع إسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها على القطاع، ولم تجبرها على تقديم عرض أفضل للفلسطينيين من تلك الصفقة التي تحاول فتح أن تحصل عليها. كما أن حماس لم تتمكن من تحويل صمودها العسكري إلى مكسب سياسي يفترض أن أبسط ملامحه أن يُنظر إلى الحركة كقوة سياسية وليس كجماعة إرهابية. وبالتالي فإن ما وقع في غزة لم يكن انتصاراً عظيماً لحماس وإنما إخفاق للجانبين معاً. وفي مثل هذا الوضع فإن المنتصر لا يحدد بمن حقق أرباحاً أكثر وإنما بمن تحمل خسائر أقل.

    2- طالما أن حساب التكاليف والأرباح يدخل في تحديد المنتصر، فإن المقارنة بين خسائر طرفي النزاع تصلح محكاً لتعريف الانتصار. ولو أن نسبة القتلى من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في الأسبوع الأخير اتُخذت معياراً للاحتكام، وتصل «1 إلى 30» على أفضل تقدير، فإن ما حدث لا يمكن أن يسمى بالانتصار العظيم. وحتى لو أسماه البعض كذلك، فقد كان نصرا بطعم الخسارة لأن الثمن المدفوع فيه كان فادحاً إلى أبعد الحدود.

    فلا يعقل أن تدخل القوات الإسرائيلية ثم تخرج بعد أن تقتل أكثر من 120 فلسطينياً ثم يسمى خروجها بالانتصار. وقد يرد منتقد بأن القضية تستحق هذا الثمن الباهظ. وهي فعلاً تستحق. لكن التضحية من أجل القضية تستحق أيضاً أن تُحسب بعقلانية ورشادة. فلا يجوز لعاقل أن يقدم آلاف الشهداء دون أن يسترد شبراً أو يفك حصاراً أو يوقف دماراً. ولا معنى لذلك إلا أن يكون منهج الإدارة نفسه مليئا بالأخطاء.

    3- إن الانتصار المرحلي غير الانتصار النهائي. فالحروب جولات لا تحسب نتيجتها إلا بنهاية آخر جولة. وما وقع في غزة لم يكن آخر جولة. فالصراع ما زال ممتداً. وانسحاب إسرائيل لم يكن إقراراً منها بالهزيمة وإنما مزاولة لروتين عسكري يعرف الفلسطينيون قبل غيرهم طريقته، وكيف أنه يعاود الهجوم مرة تلو أخرى طالما أن كتاب الصراع لم يصل إلى صفحته الأخيرة. لهذا، فإن شعار «الانتصار العظيم» لا يصح أبداً أن يرفع إلا حينما تصل آخر جولات الصراع إلى نهايتها.

    4- إن الصراعات تتقاطع مع بعضها ولا تنفصل. ومن ثم فإن النجاح في جولة مفردة في أحد الصراعات لا يعني النجاح في باقي الصراعات. وتلك واحدة من أعقد مشكلات حماس. فهي لا تخوض حرباً ضد إسرائيل فقط وإنما تشتبك في معركة مفتوحة ضد استراتيجية عالمية كبرى تقودها الولايات المتحدة. ولا شك أن اسم حماس سيكتبه العالم بحروف من نور لو أنها استطاعت أن تحبط تلك الاستراتيجية أو أن تغير من ملامحها، بعد أن حسبت دول كثيرة حساباتها وقدرت أن خيار المقاومة المستدامة كما تتبناه حماس ليس إلا انتحارا مؤكدا واستنزافا بالغا.

    ومن يراجع الفترة ما بين سقوط الاتحاد السوفياتي في 1991 إلى اليوم يستطيع أن يتأكد من أن تصفية قواعد النظام الدولي القديم ما زالت جارية. وبما أن النظم الدولية القديمة لا تموت بالضربة القاضية وإنما تنتهي على مراحل، وبما أن النظم الجديدة لا تولد بين عشية وضحاها وإنما تنمو بالتدريج، فإن الولايات المتحدة تهتم بتصفية مجموعة القضايا الإقليمية العالقة كي تتأكد من أن النظام الدولي السابق قد فارق الحياة بغير رجعة.

    ولهذا نجدها تعمل في البلقان على استقلال كوسوفا عن صربيا، وتصر في الشرق الأوسط على حسم القضايا الموروثة من النظام الدولي القديم. وأمام هذه الاستراتيجية الكونية ستجد حماس أن الإعلان عن «الانتصار العظيم» تصريح جاء مبكراً جداً عن اللازم.

    5- إن واحداً من أبرز مؤشرات تحقيق الانتصار على أي عدو في الخارج هو زيادة السيطرة على ساحة العمل السياسي في الداخل. فالمنتصر خارج الوطن يجبر خصومه داخل الوطن على الإدانة له بالفضل والتقدير. لكن أين حماس من ذلك إذا كان الانقسام الفلسطيني يزيد ولا يتراجع.

    وعلى ضوء هذه الضوابط لا يمكن أن يكون ما حدث في غزة «انتصاراً عظيماً». يمكن أن يُسمى صموداً. لكن الصمود غير الانتصار. فالصمود هو أن تمنع عدوك من القضاء عليك. أما الانتصار فهو أن تقضي أنت على عدوك أو على الأقل أن تفرض عليه شروطك.

    لكن لا هذا ولا ذاك استطاعت عليه إسرائيل أو نتصرا. وما تسرع قياديي حماس بتصوير الصمود في وجه إسرائيل على أنه انتصار عظيم إلا مبالغة ضارة لأنها تنزل بمستوى الطموح الميداني إلى حده الأدنى وتكشف عن تواضع مقاييس الانتصار وكأن الوقوف في وجه العدو هو النصر المبين والفتح المكين.

    ولأن الصراع طويل ومعقد، فإن ادعاء النصر العظيم أو الخلاص النهائي أو الحلول الختامية لا يخرج عن كونه شعارات. والشعارات بطبيعتها كلام كبير لا يقود إلا إلى الجدل وإلى مزيد من الاختلاف. والكلام الكبير عادةً ما ينتهي بنتائج هزيلة.

  9. #9
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشايب مشاهدة المشاركة
    حتى لا نقع من جديد في جدل حول تعريف الانتصار

    د. إبراهيم عرفــات

    لم ينقطع الجدل في لبنان والمنطقة حول ما حققه حزب الله في حرب 2006 ضد إسرائيل. هناك فريق يقطع بأن الحزب حقق انتصاراً تاريخياً يجب أن تتعلم منه الأمة بأسرها. فبرغم الدمار والخراب الذي لحق بلبنان، إلا أن الحزب خرج من المعركة مرفوع الرأس. ولم يحتفظ فقط بقوته وإنما ازداد قوةً على عكس ما كانت تخطط له إسرائيل.

    واستطاع منفرداً أن يقف في وجه جيش قوي لم تقدر الدول العربية مجتمعة أن توقفه عند حده. كما تمكن بصواريخه من ضرب شمال إسرائيل، ليكشف للإسرائيليين عجز حكومتهم عن توفير الأمن لهم. كما أوقـــــــــــــــع المؤسســـــــــــة العسكرية الإسرائيلية في حرج بالغ أجبر رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس على تقديم استقالته ودفع إلى تشكيل لجنة تحقيق انتهت بإصدار تقرير فينوغراد الذي اعترف بفشل الجيش الإسرائيلي في إدارة الحرب.

    وعلى النقيض يؤكد فريق آخر أن حزب الله لم ينتصر ولا يمكنه أن يدعي النصر. فقد كلف لبنان خسائر باهظة، وتسبب بحساباته غير الدقيقة في مقتل مئات الضحايا الأبرياء. وليس أبلغ على الإخفاق من اعتراف زعيم الحزب السيد حسن نصر الله بأنه لو علم أن كل هذا الدمار كان سيقع لما أقدم على الخطوة التي أعطت إسرائيل ذريعة كانت تتشوق إليها لشن الهجوم.

    ثم كيف يوصف ما حدث بالانتصار والحزب قد ارتضى أن يكون لعبةً في يد سوريا وإيران فحارب من أجلهما واتخذ قراراً كان المفترض أن يشترك فيه اللبنانيون قبل غيرهم. والنتيجة أن الفرقة تعمقت بينهم. والأكثر من ذلك كله أن الحرب انتهت بقرار من مجلس الأمن لم يترجم سياسياً ما ادعى الحزب أنه حققه عسكرياً.

    فقد أعاد ذلك القرار التأكيد على نزع السلاح غير الشرعي في لبنان، وأبعد قوات الحزب عن خط الحدود مع إسرائيل ووضع قوات دولية في المسافة العازلة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، ما حرم حزب الله من فرص الاشتباك التي كان يتمتع بها قبل وقوع الحرب.

    وبينما يتواصل الجدل حول ما حققه حزب الله، إذ بجدل آخر يدخل على الخط . فقبل أيام قليلة خرج السيد محمود الزهار القيادي في حركة حماس بتصريح وصف فيه انسحاب القوات الإسرائيلية من شمال غزة بأنه انتصار عظيم».

    وهو وصف يفتح باباً واسعاً للرد، لأن فيه كثيراً من المبالغة. كما أنه يلفت الانتباه إلى ضرورة وضع ضوابط لتعريف الانتصار حتى لا نجد أنفسنا في العالم العربي غارقين أكثر في جدل عقيم حول مسألة تندرج ضمن البديهيات. لكن ما العمل إذا لم يكن للبديهيات مكان عند من يعتقد أنه بالإمكان إعادة اختراع العجلة علها تأتي مربعة أو مثلثة بينما العالم بأسره يعرف بالبديهة أن العجلة كي تسير لا يمكن إلا أن تكون مدورة.

    لكن من اعتاد اختراع العجلة لا يجد أي حرج في إعادة تعريف الكلمات على كيفه وإعطاء الانتصار معنىً آخر غير الذي يعرفه العالم. أما من استقر في ذهنه شكل العجلة فلا يفهم كيف يمكن أن يكون ما حدث في غزة «انتصاراً» بل و«عظيماً» إذا كان سكانها قد بقوا محاصرين، وإذا كانوا قد فقدوا في يومين أكثر من 120 قتيلاً وهُدمت لهم عشرات المنازل، وإذا كانت مأساتهم الإنسانية الواضحة لم تزحزح «كبار الرعاة الدوليين» عن موقفهم في أن ما تقوم به إسرائيل يُعد دفاعا شرعيا عن النفس.

    لكن فيما يبدو أن الأمور في فلسطين كما هي في لبنان نسبية جداً. كلٌ يحكي على هواه ولا يهتم بأن يصف ما يراه. حماس تعلن عن انتصار عظيم وتتعهد، على طريقة حزب الله، بإصلاح كل بيت مدمر وتخصص لكل واحد منها بصفة مؤقتة 1000 دولار.

    بينما فتح تعلن، على غرار الحكومة اللبنانية، وعلى لسان عمر الغول أحد مستشاري الرئيس عباس أنه بئس الانتصار ذلك الذي قسم الوطن ومزق القضية. ولم يفت فتح بالطبع أن تغري سكان القطاع المساكين بالمساعدات فتعهدت للمنكوبين منهم بتوفير خمسة ملايين دولار.


    وبالتدريج بدأ الجدل يتصاعد بين شامتين في فجيعة لم يكونوا بعيدين عنها ومبشرين بانتصار لم يكونوا قريبين منه. فمن أبدى من فتح شماتته ربما يكون قد أصاب في أن ما حدث لا يمثل انتصاراً. لكنه لا يستطيع أن يفاخر بأنه جلب على مدى تاريخ القضية كلها انتصاراً ذا قيمة.


    أما من أعلن من حماس عن «الانتصار العظيم» فقد كذب على نفسه كما كذب غيره من قبل في 1967 حينما صُورت النكسة قبل افتضاح أمرها على أنها بطولة، أو في 1991 حينما شُبهت واحدة من خسائر العرب الكبرى على أنها انتصار في أم المعارك.

    لذلك، فإن الإعلان عن «الانتصار العظيم» تصريح متعجل، خانه التوفيق في التوقيت والموضع معاً. فالاعتداءات الإسرائيلية على غزة لم تنقطع، وما وقع لم يكن إلا جولة قصيرة ضمن حرب طويلة. ومن المفارقة أن نجد تصريح المسؤول الحمساوي يهيم في عنجهيته مع ما قاله الرئيس الأميركي بوش الابن بعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد حينما أعلن أن «المهمة قد أنجزت».

    فلا مهمة أميركا في العراق قد أنجزت إلى اليوم ولا انتصار حماس «العظيم» في غزة قد رأى أحد ثماره.

    وأمام مبالغة لا محل لها ومباهاة لم يحن وقتها تلزم العودة إلى بعض الضوابط كي لا تُصور الأمور على غير ما تحتمل فيروج للخراب على أنه بناء، أو للانكسار على أنه انتصار. وأشدد هنا على الضوابط الخمسة التالية:-

    1- أن الانتصار تفوق واضح وصريح لا يحتمل لبسا أو إبهاما، ولا يقبل التفسير على الهوى. فهو وضع يتمكن فيه طرف من حمل طرف آخر على الانصياع لأوامره وتنفيذ كل أو أغلب ما يريده. وعليه فإن إسرائيل لا يمكن أن تدعي أنها انتصرت على حماس.

    فقد احتفظت حركة المقاومة الإسلامية بحكومتها المقالة داخل القطاع كما أبقت على قدراتها العسكرية التي تسعى إسرائيل إلى تصفيتها. لكن هذا لا يعني في المقابل أن حماس قد انتصرت.

    فهي لم تنجح في منع إسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها على القطاع، ولم تجبرها على تقديم عرض أفضل للفلسطينيين من تلك الصفقة التي تحاول فتح أن تحصل عليها. كما أن حماس لم تتمكن من تحويل صمودها العسكري إلى مكسب سياسي يفترض أن أبسط ملامحه أن يُنظر إلى الحركة كقوة سياسية وليس كجماعة إرهابية. وبالتالي فإن ما وقع في غزة لم يكن انتصاراً عظيماً لحماس وإنما إخفاق للجانبين معاً. وفي مثل هذا الوضع فإن المنتصر لا يحدد بمن حقق أرباحاً أكثر وإنما بمن تحمل خسائر أقل.

    2- طالما أن حساب التكاليف والأرباح يدخل في تحديد المنتصر، فإن المقارنة بين خسائر طرفي النزاع تصلح محكاً لتعريف الانتصار. ولو أن نسبة القتلى من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في الأسبوع الأخير اتُخذت معياراً للاحتكام، وتصل «1 إلى 30» على أفضل تقدير، فإن ما حدث لا يمكن أن يسمى بالانتصار العظيم. وحتى لو أسماه البعض كذلك، فقد كان نصرا بطعم الخسارة لأن الثمن المدفوع فيه كان فادحاً إلى أبعد الحدود.

    فلا يعقل أن تدخل القوات الإسرائيلية ثم تخرج بعد أن تقتل أكثر من 120 فلسطينياً ثم يسمى خروجها بالانتصار. وقد يرد منتقد بأن القضية تستحق هذا الثمن الباهظ. وهي فعلاً تستحق. لكن التضحية من أجل القضية تستحق أيضاً أن تُحسب بعقلانية ورشادة. فلا يجوز لعاقل أن يقدم آلاف الشهداء دون أن يسترد شبراً أو يفك حصاراً أو يوقف دماراً. ولا معنى لذلك إلا أن يكون منهج الإدارة نفسه مليئا بالأخطاء.

    3- إن الانتصار المرحلي غير الانتصار النهائي. فالحروب جولات لا تحسب نتيجتها إلا بنهاية آخر جولة. وما وقع في غزة لم يكن آخر جولة. فالصراع ما زال ممتداً. وانسحاب إسرائيل لم يكن إقراراً منها بالهزيمة وإنما مزاولة لروتين عسكري يعرف الفلسطينيون قبل غيرهم طريقته، وكيف أنه يعاود الهجوم مرة تلو أخرى طالما أن كتاب الصراع لم يصل إلى صفحته الأخيرة. لهذا، فإن شعار «الانتصار العظيم» لا يصح أبداً أن يرفع إلا حينما تصل آخر جولات الصراع إلى نهايتها.

    4- إن الصراعات تتقاطع مع بعضها ولا تنفصل. ومن ثم فإن النجاح في جولة مفردة في أحد الصراعات لا يعني النجاح في باقي الصراعات. وتلك واحدة من أعقد مشكلات حماس. فهي لا تخوض حرباً ضد إسرائيل فقط وإنما تشتبك في معركة مفتوحة ضد استراتيجية عالمية كبرى تقودها الولايات المتحدة. ولا شك أن اسم حماس سيكتبه العالم بحروف من نور لو أنها استطاعت أن تحبط تلك الاستراتيجية أو أن تغير من ملامحها، بعد أن حسبت دول كثيرة حساباتها وقدرت أن خيار المقاومة المستدامة كما تتبناه حماس ليس إلا انتحارا مؤكدا واستنزافا بالغا.

    ومن يراجع الفترة ما بين سقوط الاتحاد السوفياتي في 1991 إلى اليوم يستطيع أن يتأكد من أن تصفية قواعد النظام الدولي القديم ما زالت جارية. وبما أن النظم الدولية القديمة لا تموت بالضربة القاضية وإنما تنتهي على مراحل، وبما أن النظم الجديدة لا تولد بين عشية وضحاها وإنما تنمو بالتدريج، فإن الولايات المتحدة تهتم بتصفية مجموعة القضايا الإقليمية العالقة كي تتأكد من أن النظام الدولي السابق قد فارق الحياة بغير رجعة.

    ولهذا نجدها تعمل في البلقان على استقلال كوسوفا عن صربيا، وتصر في الشرق الأوسط على حسم القضايا الموروثة من النظام الدولي القديم. وأمام هذه الاستراتيجية الكونية ستجد حماس أن الإعلان عن «الانتصار العظيم» تصريح جاء مبكراً جداً عن اللازم.

    5- إن واحداً من أبرز مؤشرات تحقيق الانتصار على أي عدو في الخارج هو زيادة السيطرة على ساحة العمل السياسي في الداخل. فالمنتصر خارج الوطن يجبر خصومه داخل الوطن على الإدانة له بالفضل والتقدير. لكن أين حماس من ذلك إذا كان الانقسام الفلسطيني يزيد ولا يتراجع.

    وعلى ضوء هذه الضوابط لا يمكن أن يكون ما حدث في غزة «انتصاراً عظيماً». يمكن أن يُسمى صموداً. لكن الصمود غير الانتصار. فالصمود هو أن تمنع عدوك من القضاء عليك. أما الانتصار فهو أن تقضي أنت على عدوك أو على الأقل أن تفرض عليه شروطك.

    لكن لا هذا ولا ذاك استطاعت عليه إسرائيل أو نتصرا. وما تسرع قياديي حماس بتصوير الصمود في وجه إسرائيل على أنه انتصار عظيم إلا مبالغة ضارة لأنها تنزل بمستوى الطموح الميداني إلى حده الأدنى وتكشف عن تواضع مقاييس الانتصار وكأن الوقوف في وجه العدو هو النصر المبين والفتح المكين.

    ولأن الصراع طويل ومعقد، فإن ادعاء النصر العظيم أو الخلاص النهائي أو الحلول الختامية لا يخرج عن كونه شعارات. والشعارات بطبيعتها كلام كبير لا يقود إلا إلى الجدل وإلى مزيد من الاختلاف. والكلام الكبير عادةً ما ينتهي بنتائج هزيلة.
    تعقيب ..


    مع أنه النص الأول لصاحبه الذي "يقع بين يدي" , ولكن ذلك لا يشكل فرقا كبيرا لأننا نقرأ طريقة تفكير وتسويق سياسي , وعولمة ثقافية , تتجاوز كاتبها إلى منهج أمريكي تبريري بلاغي , يحمل في داخله تناقضاته الحادة .
    إذن لنتجاوز أرضية الكاتب , وندخل إلى النص فورا .

    النص يقول :
    لم ينقطع الجدل حول حرب تموز صيف العام 2006 ضد إسرائيل ..!!
    كانت حرب تموز عدوان إسرائيلي همجي , وفرط استخدام قوة , في مواجهة مدنيين عزل , من قبل سلاح الجو الإسرائيلي .
    وكانت من ضمن سياق تاريخي من الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة , ومنذ قيام الكيان اليهود العام 1948 , ومن ضمن رؤية الكيان اليهودي وإستراتيجيته القائلة بان حدود هذا "الكيان الإلهي" تبدأ من (نهر الليطاني شمالا) , أي أن كامل ارض الشيعة في جنوب لبنان "هي ارض يهودية" .

    تقرير لجنة فينوغراد كشف عن فشل خطة هجومية معدة سابقا للاجتياح والتهجير على امتداد ارض الجنوب .
    وهذا لم يوقع الجيش الإسرائيلي في "حرج" , بل هو وصف عسكري تقني لما يسمى (الهزيمة) .
    فالمقاومة في لبنان , حررت الجنوب , وانتقلت إلى تقنيات الدفاع عنه , ونجحت .
    وكذلك فعلت حماس في غزة , ونجحت .
    لذلك الوصف الصحيح , فعلا , وعلى طرفي المواجهات العسكرية , سواء حزب الله أو حماس , في مواجهة إسرائيل , هو انتصار للمقاومة , وهزيمة للعدو .

    لأن غزة ارض فلسطينية محررة , ولأن جنوب لبنان أرض لبنانية محررة , فالمقاومتين الباسلتين , تدافعان عن ارض يملكها جمهورهما تاريخيا , وهما لذلك ليستا "لعبة" بيد سوريا أو إيران .
    وهذه المقولة هي مقولة "شركاء في الوطن" , يراهنون على إسرائيل وأمريكا , فهم بذلك وفي ابسط المقاييس , (لعبة بيد إسرائيل وأمريكا) .
    وما يعطي المقاومة شرعيتها في حربها على إسرائيل وشركاء الوطن عملاء إسرائيل , هو تاريخ إسرائيل الهمجي والدموي باعتراف العالم كله .
    وحقيقة أن إسرائيل تحتل ارض فلسطينية ولبنانية , وليس إيران أو سوريا .

    عملاء إسرائيل وأمريكا في لبنان وفلسطين , وهم سلطة سياسية ونخب وميليشيات ومفكرين وجمهور , لا يمكن أن يشاركهم عاقل في قرار الحرب والسلم .
    ومنطق التاريخ يقول أن هكذا انقسام عمودي حاد , لا يمكن حله عبر حكومة وحدة وطنية أو حوار وطني داخلي أو حوار برعاية عربية أو إقليمية .
    بل هو حتمية صراع متعدد المستويات والآليات , وسينتهي حكما (بهزيمة فريق وانتصار آخر) .
    لنتذكر حكومة فيشي في فرنسا برئاسة الجنرال الوطني الفرنسي "بيتان" .
    تعاملت مع النازية التي احتلت أوروبا كلها تقريبا , ولكن المقاومة الفرنسية , انتصرت في النهاية , حررت فرنسا , وقتلت العملاء جميعا , تلك صيرورة تاريخية لا لبس فيها .
    وكذلك فعلت المقاومة الفيتنامية , حررت أرضها وقرارها الوطني من الجبار الأمريكي نفسه , أقوى قوة نووية وعسكرية في العالم , وقتلت العملاء جميعا .
    وهذا ما سيحدث قريبا في لبنان وفلسطين بل والعراق أيضا .

    لقد انتصر حزب الله , لأن ارض الجنوب لا زالت خالية من الإسرائيلي , لم يستطع أن يعيد احتلالها ولن , وبقي السلاح بيد المقاومة , وازدادت قوة ومناعة وجهوزية .
    والحاجز العسكري الدولي على ارض الجنوب , ليس هزيمة للمقاومة بل لإسرائيل .
    إذا كانت قرارات مجلس الأمن إبان حرب تموز هي (انتصار على المقاومة) , فتلك قضية فيها نظر , تماما كالقوات الدولية في الجنوب , "ولو بعد حين" .
    .
    .
    والنص يقول :
    وبينما يتواصل الجدل حول ما حققه حزب الله، إذ بجدل آخر يدخل على الخط . فقبل أيام قليلة خرج السيد محمود الزهار القيادي في حركة حماس بتصريح وصف فيه انسحاب القوات الإسرائيلية من شمال غزة بأنه انتصار عظيم..!!

    وكذلك قول قيادات المقاومة الفلسطينية بأنها انتصرت على الإسرائيلي في غزة .
    فإسرائيل إبان حرب غزة , لم تستطع حتى نشر قوات دولية , إذن هو انتصار أهم من انتصار حزب الله , "والحالة هكذا" .
    من البديهي أن يكون الحفاظ على ارض غزة محررة , هو انتصار كبير , وخصوصا أن العدو هو جيش إسرائيل بكامل عدّته وعتاده .

    ثم هل هناك حرب في الضفة أو القدس , لماذا يقوم اليهودي يوميا بهدم البيوت , وهذه الأرض وهذه المدينة المقدسة , تحت قرارات دولية تقول أنها أرض الدولة الفلسطينية "تحت الاحتلال" .
    إذن هي ليست قضية حرب أو احتلال أو قرارات دولية , لتحديد الهزيمة من الانتصار والبداهة من المبالغة .
    بل هي قضية كيان ديني يهودي , قائم بعكس المنطق والشرائع والحقائق التاريخية , على مفهوم (ما ورائي , غيبي ومزيف) بالقول : "بالوعد الإلهي" , "وشعب الله المختار" .
    وهو لذلك أولا وأخيرا , كيان يسيء كثيرا للإيمان التوحيدي اليهودي , والمسيحي , والإسلامي تحديدا .
    وهو لذلك أيضا , كيان شيطاني وتجب إزالته , إيمانيا , وإنسانيا , وأخلاقيا .
    وهو كيان قام أصلا على اختراعات متناقضة لغويا ودينيا وتاريخيا , أسقطها العلم الحديث , والاكتشافات الأثرية , والدراسة الغوية المختصة .
    ليعيد المشهد اليهودي في ارض فلسطين العربية , إلى حقيقته (( منتج استعماري )) , صنعه ولا يزال يحميه (( كبار الرعاة الدوليين )) .
    وهم جميعا على آية حال , لم يستطيعوا أن يهزموا المقاومة المحاصرة أصلا في غزة , قبل الحرب وبعدها , غزة التي انتصرت .

    السلطة في رام الله وحكومتها , كالحكومة اللبنانية في حرب تموز .
    شركاء في الوطن هذا صحيح , ولهما جمهورهما , وهذا صحيح أيضا , ويتعاملون مع العدو الإسرائيلي والأمريكي , وهذا أكثر من صحيح , إذن نحن نتحدث عن معسكرين متقاتلين , وجوديا لا مجرد شماتة وشامتين , لتحديد :
    مستقبل وجود الشيعة في الجنوب وبيروت , أرضه التاريخية , من عدمه .
    ومستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه في الدولة والقدس والعودة , من عدمه .
    هي بكل المقاييس , حرب وجود .
    لذلك سيكون دائما (( الانتصار الحقيقي )) , في البقاء على قيد الأرض والوجود .
    .
    .
    والنص يفجر :
    فلا مهمة أميركا في العراق قد أنجزت إلى اليوم ولا انتصار حماس «العظيم» في غزة قد رأى أحد ثماره. .!!
    مقارنة حماس بالأمريكان , مقارنة عاهرة وفاجرة , ومولودة بالزنى من رحم العمالة , من مهبل زانية يهودية فاجرة , صارت قاضية , وصارت سفر , وصارت شبهة توراة , وصارت رمز قداسة إسرائيل .
    تلك "راحيل" تظهر عهرها في غزة الطاهرة .

    حماس هي المقاومة في العراق , وأمريكا هي إسرائيل .
    .
    .
    والنص يكشف وجهه اليهودي بالتزييف القذر :
    وأشدد هنا على الضوابط الخمسة التالية ...
    1_ أن الانتصار تفوق واضح وصريح لا يحتمل لبسا أو إبهاما،
    مقياس طفولي غبي ساذج خبيث , كان البائس أعلاه , يتحدث عن مباراة ملاكمة , وضربة قاضية لا لبس فيها .

    2_ طالما أن حساب التكاليف والأرباح يدخل في تحديد المنتصر،
    ما دام الكاتب البائس , قد قال أن الحرب مستمرة , فلنأمل أن وفق الله المقاومة الفلسطينية بسلاح تدمير شامل يوما , فتبيد نصف اليهود في فلسطين , ثم نعود إلى هذا المقياس .
    على أية حال هو مقياس يقود إلى هكذا منطق , الإبادة , منطق اليهودية في كتبها المقدسة الموضوعة لخدمة الاستعمار الغربي , عبر تحويل شتات بل هوية , إلى مرتزقة دمويين , وهمج بأشكال إنسانية .

    3_ إن الانتصار المرحلي غير الانتصار النهائي. فالحروب جولات لا تحسب نتيجتها إلا بنهاية آخر جولة.
    على هذا الكاتب التافه فعلا , أن يقول هذا الكلام لإسرائيل أسياده , وليس لحماس .

    4_ إن الصراعات تتقاطع مع بعضها ولا تنفصل.
    صحيح , ولو أنها كلمة حق يراد بها باطل .
    سيكتب التاريخ يوما بحروف من نور , كيف انتصرت المقاومة في فلسطين ولبنان على اليهود , وكيف انتصرت المقاومة في العراق على أمريكا .
    ولكن القول بأن (( حماس تشتبك مع إستراتيجية عالمية تقودها الولايات المتحدة )) .
    حماس وبقية فصائل المقاومة , تدافع عن وجودها وأرضها وجمهورها وحقوقها وهويتها الفلسطينية , في مواجهة الكلاب الذين تقودهم الولايات المتحدة الأمريكية , تقودهم إلى حتفهم وحتفها .

    الكاتب يسقط إلى أكثر من التزوير والتسويق للإله اليهودي والأمريكي , بل إلى هاوية العهر السياسي ذات نفسه .
    الاتحاد السوفييتي سقط من الداخل , كما هو حال أمريكا نفسها اليوم , تسقط من الداخل .
    بل أن النظام العالمي الذي كان قائما على الثنائية الأمريكية السوفيتية , عبر آليات الحرب الباردة .
    سقط بعضه الضعيف , مع السوفييت , ويسقط بكامله اليوم , مع الأمريكان .
    ثم من في هذا العالم كله يستطيع القول أن كوسوفا مستقلة اليوم ..!!
    البارحة وعلى الفضائيات , "قرر" , الرعاة الأوربيون تخفيض رواتب السياديين في كوسوفا , وخفض نوعية ورفاهية سياراتهم حتى .

    هل هذا هو الاستقلال الذي يريد الغرب وأمريكا والأداة القذرة اليهودية , لفلسطين ولبنان والعراق ..!!

    5_ إن واحداً من أبرز مؤشرات تحقيق الانتصار على أي عدو في الخارج هو زيادة السيطرة على ساحة العمل السياسي في الداخل. فالمنتصر خارج الوطن يجبر خصومه داخل الوطن على الإدانة له بالفضل والتقدير.
    هذا ليس انقساما فلسطيني , بل هو صراع معسكرين , معسكر مع العدو , ومعسكر يقاومهما معا .
    والانتصار الفلسطيني واللبناني وحتى العراقي , (ليس صمود بل انتصار) , ولكنه (( ناقص )) , لان المقاومة لا تزال "لينة ومترددة" , في حسم معركتها مع العملاء .

    الكاتب تافه فعلا , وعميل قولا واحدا .

    أصاب عين الحقيقة عندما وصف نفسه جيدا فقال :
    والكلام الكبير عادةً ما ينتهي بنتائج هزيلة.

    الإسرائيلي أو الصهيوني أو اليهودي أو المرتزقة أو حثالة الاستعمار ..
    هو من وضع شعارات :
    من الفرات إلى النيل .
    ارض اللبن والعسل .
    ارض بلا شعب .
    .............

    المقاومة وضعت شعارات :
    القدس لنا .
    عائدون .
    ........


    23/5/2009

    ..


  10. #10
    عضو لجنة محور المستجدات والأخبار الصورة الرمزية ياسين عز الدين
    تاريخ التسجيل
    12 2008
    الدولة
    مع أهل الأنفاق
    المشاركات
    47,012
    مشاركات المدونة
    43

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    مشكور على مجهودك أخي ....
    توقيع ياسين عز الدين


  11. #11

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    مشكور على مجهودك أخي

    فى ميزان حسناتك

  12. #12
    عضو لجنة محور المستجدات والأخبار الصورة الرمزية ياسين عز الدين
    تاريخ التسجيل
    12 2008
    الدولة
    مع أهل الأنفاق
    المشاركات
    47,012
    مشاركات المدونة
    43

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    للرفع والأهمية ......

  13. #13
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    الاخوة الكرام ..

    على طريق القدس .


    ..

  14. #14
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    اليد العربية ليست ممدودة للسلام .

    والإسرائيلي لا يريد أي سلام .

    اليد العربية في سياق دورها التاريخي والحتمي والمستمر , في ما يختص بالقضية العربية المركزية فلسطين , يد مقاتلة ويد مقاومة , في وجه الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية .

    اليد الممدودة اليوم للسلام ليست عربية , بل يد استخباراتية أمريكية عبر الأنظمة الرسمية العربية المكملة للدور الإسرائيلي الاستعماري , وتحديدا نظامي آل سعود في بلاد الحرمين وهيمنتهم على النظام العربي كله , والهاشميين شرق الضفة .

    وهذه اليد لا تريد السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين , (بل تريد أن يستسلم الفلسطيني للإسرائيلي تماما) , ويتحولوا إلى عبيد زراعيين في الضفة في أرضهم عند المحتل الإسرائيلي , ودولة الاونروا الفلسطينية في غزة , على باب الله .

    هذه اليد الاستخباراتية الرسمية العربية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية , تريد أن تتكامل مع إسرائيل لحمايتها من شعوبها , وضمان استمراريتها , أنظمة عائلية أبدية .

    والنتيجة أن السلام ليس مطلبا لا عربيا ولا إسرائيليا , بل هو مجرد مصطلح مخادع , ومسار عبثي , لتغطية العمالة والتبعية والاستعمار والديكتاتورية الرسمية العربية الإسرائيلية المتحدة , على الشعوب العربية والفلسطينيين .

    صحيح أن الشعوب العربية لا تزال تمتلك نظريا أرضها وبيوتها , وليسوا مهجرين أو لاجئين كالفلسطينيين .


    ولكننا بالتأكيد لا نملك مستقبلنا , ونحن عبيد الحكام وعائلاتهم , ونعيش على أبوابهم , شحادين أذلاء خائفين مرتعبين , وتحت سياط كلابهم ومرتزقتهم , والالعن أنهم من جلدتنا , وليسوا يهودا , ولكنهم وصولوا وتحكموا وتنمّروا وفظّعوا فينا .

    العدو إذن ليس الإسرائيلي بل اليهودي , اليهودي العربي والإسرائيلي .
    إسرائيل تهاجم وتفتك في فلسطين ولبنان , والهاشميين شرق الضفة , يقدمون العملاء الميدانيين والدعم اللوجستي , وآل سعود يمولون بسخاء .

    لا يمكن أن يكون العدو , هو نفسه المفاوض , هذا هو مسرح اللامعقول ذات نفسه فعلا .

    مقولة التدمير والتدمير المتبادل ..!!
    قضية بالغة الحساسية , شديدة الدقة , عالية السقف الاستراتيجي .
    إذا كان هذا الموضوع (( محير )) , فهذا يعني أن العقل الذي يُعالج هذا الموضوع , يمتلك بُنية تقليدية , ولا يمتلك بنية فوق تقليدية وخلاقة ومبادرة .

    المقاومة في لبنان وفي فلسطين أيضا ..
    ليست جيشا , وليست في حالة حرب تقليدية , بل قامت على اثر احتلال , أو اجتياح , يتوسع , ويحاول إفناء تاريخ وهوية وإنسان ومستقبل , الأرض التي يقوم باحتلالها أو يتوسع فيها .
    هي لذلك ((مقاومة وجودية)) , ومستمرة , ولا علاقة لها بالجغرافية التي تحررت في الحالة اللبنانية , أو بعض الجغرافيا التي تحررت في غزة , وقد تتحرر مستقبلا في الضفة .

    المقاومة الوجودية ..
    مقاومة لا تملك ما يمكن أن تخسره , فالعدو الوجودي يريد كل شيء , وبالتالي لا يمكن لا مفاوضته , ولا عقد سلام معه , ولا الطمأنينة إلى جواره , وبالتالي استحالة التعايش معه عبر جغرافية متصلة .
    وهذه الرؤية وشعاراتها , ليست شعارات فلسطينية , بل هي الرد الفلسطيني , على هذه الشعارات اليهودية المعلنة .
    الإسرائيلي يريد دولة يهودية دينية عرقية , إذن يريد ترانسفير عربي من أراضي العام 1948 ,
    ويريد القدس ويريد هدم المسجدين ,
    ويريد بقاء المستعمرات في الضفة مع ضمان حتمية نموها وتوسعها ,
    ويريد في بقية ارض فلسطين التاريخية (10%) من تلك الأرض المباركة , نظاما امنيا يضمن أمنه وامن مستعمراته وحرية التنقل عبر الطرقات ..!!
    (( ثم تبدأ المفاوضات )) .
    الحقيقة المجردة أن أقصى ما يمكن للإسرائيلي أن يقبل به هو :
    دولة فلسطينية في غزة (1%) من ارض فلسطين التاريخية , وتحت الحصار , وببرنامج مساعدات الاونروا , وبلا مطار .
    ولا عودة , ولا تعويض , ولا حتى دولة فلسطينية في الأردن , ولا حدا يحلم حتى بذلك .

    طيب ..
    أي فلسطين نصف عاقل , ولّا ربع عاقل , يمكن أن يقبل بذلك .
    يعني الفلسطيني نوع وشكل من أشكال الحياة (معرض للانقراض) , لازم يقعد بمحمية غزة ويتفرجوا عليه العالم .
    هذا منطق يهودي , مستنسخ من منطق أمريكي , أو استرالي , مطبق على السكان الأصليين , ولكن الزمن تغير والفلسطيني لا يزل على قيد الحياة , والزمن قادم .

    مفكري مصر الوطنيين والمخلصين ..
    يريدون أن يراجعوا معاهدة السلام مع إسرائيل , (معاهدة كامب ديفيد) , التي أعادت لهم كل أرضهم التاريخية , كل سيناء , حتى آخر حبة رمل .
    لأنهم يعتقدون صادقين ومحقين , أن السيادة المصرية على سيناء , وبعد تجربة حصار غزة , هي سيادة منقوصة .
    إذن الأرض الوطنية , (( ملكية وسيادة )) .

    السؤال الاستراتيجي ..
    كيف يمكن لمفكر وطني مصري مخلص ومقاوم فعلا , أن يطلب من الفلسطيني أن يتنازل عن (( كل السيادة , و 99% من ملكية الأرض )) ..؟؟

    ما جرى , وما سوف يجري في غزة وجنوب لبنان ..
    هو إصرار إسرائيلي على إفناء الإنسان , وامتلاك الأرض .
    لذلك التضحيات لا حدود لها ,
    والتدمير أمر جيد ,
    والإصرار على البقاء خيار وحيد ونهائي ,
    والصراع صراع وجود على جغرافية (تتسع لكل التنوع الإنساني) , ولا تتسع لأي فكر الغائي يهودي , مقدسا كان أو شيطاني .

    الصواريخ الفلسطينية أو اللبنانية ..
    هي صواريخ هوية إنسان لن يقبل الفناء ,
    ولن يخسر الأرض ,
    وهي شعار الحرب الوجودية .
    وهي المسار المعلن لسير المقاومتين المباركتين , إلى امتلاك حتمي , لسلاح يمكن أن يصل إلى كل سقف ممكن , وعبر كل خيار متاح , وبأي ثمن .

    ..

  15. #15
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    رجال الظلال في طهران



    د. كمال خلف الطويل



    07/07/2009



    في الأول من ايار /مايو 1980 توجه حجة الإسلام علي خامنئي أحد قادة الحزب الجمهوري الإسلامي إلى القنصلية الأمريكية في تبريز حيث احتجاز الملحق العسكري الأمريكي الكولونيل تشارلز سكوت.
    طلب خامنئي من سكوت التعاون من أجل تمرير صفقة إطلاق الرهائن الأمريكيين ـ وهو أحدهم ـ في عهد الرئيس كارتر، سيّما بعد فشل الغارة الأمريكية لتخليصهم في نيسان /أبريل.
    لم يكن عند سكوت إلا ظنّه الآبار مسممة وتحتاج مرور بعض الوقت.
    مرّت شهور الصيف دون كثير حراك في موضوع الرهائن رغم توسط العديد أو محاولة واشنطن ـ بالأحرى ـ توسيطهم (ومنهم الأستاذ هيكل(
    في ايلول (سبتمبر) بدأ تحرك على مسار آخر تماماً.... كان كارتر يترنح تحت وطأة الأزمة الإقتصادية الحادة، ويرتب لتحريض العراق على شن الحرب على إيران، ويعاني من منافسة إدوارد كينيدي له على ترشيح الحزب الديمقراطي، ويسعى جاهداً لاستنزاف السوفييت في أوحال أفغانستان .
    ذاك المسار كان سعي اليمين الجمهوري للمؤسسة الأمريكية الحاكمة إلى منع كارتر من النجاح في إطلاق الرهائن كي لا يكون ورقة رابحة في انتخابات الرئاسة أوائل تشرين الثاني (نوفمبر)، سيّما والتنافس على أشده، وتصميم اليمين على نيل الرئاسة حاسم ولفرط شعورهم أن كارتر كفيل بأخذ الولايات المتحدة إلى القاع ... في رأيهم .
    ما الذي جرى؟ عرفت وكالة المخابرات المركزية أن فريقاً مؤثراً في نظام طهران هو على درجة فائقة من البراغماتية سمحت له أن يقبل عرض مناحيم بيغن في ايار (مايو) 80 بتزويد إيران بقطع غيار طائراتها الحربية (والذي نال موافقة واشنطن المسبقة)، وأن نواته الصلبة تتألف من هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس الشورى ومهدي كروبي أحد أقطاب حزب النظام، وآخرين.
    ما دعا هذا الفريق ليتجاوب مع طلب الجمهوريين الحوار حول الرهائن مركّب الأسباب، إذ جمعت بين النفور من كارتر - الذي حاول اللجوء للسلاح بعد أن بذل جهده لإنقاذ حكم الشاه طيلة عام 78 -، وترجيحهم فوزاليمين لأسباب عدة أهمها داخلي، وردّ الفضل لبيغن مرسال اليمين الأمريكي ومزكّيه .
    في تشرين الأول (أكتوبر) 80 توجه جورج بوش، المرشح لنائب الرئيس ومدير الوكالة الأسبق ومصحوباً بوليم كيسي، مدير الحملة الإنتخابية ومدير الوكالة القادم، إلى باريس للإجتماع بمهدي كروبي مبعوث الفريق النافذ في طهران .
    توصل الطرفان للإتفاق على موعد وترتيبات إطلاق الرهائن بحيث يتم لحظة حلف ريغان اليمين.
    أقنع رفسنجاني الخميني بتفضيل الصفقة مع الجمهوريين لما سلف من أسباب، فيما بقي خامنئي على موقفه غير المحبذ لذلك المسار، بل وكان معارضاً للتسلح من إسرائيل قبل الحرب مع العراق وأثناءها، لكن الخميني أفتى بضرورتها على قاعدة أنها لحظة عابرة لا مفر من إقتناصها، وليست سابقة يقاس عليها.
    كانت صفقة كانون الثاني (يناير)81 تكتيكيةً الطابع وشملت تنازلات مالية، وتعهد أمريكي بعدم التدخل في الداخل الإيراني (وهو ما لم تلتزم به واشنطن) وتسليح إسرائيلي مقابل الرهائن.
    واظبت واشنطن على تكتيف طهران تسليحياً عبر العالم ـ باستثناء قناة التنقيط الإسرائيلية ـ مع تزويد بغداد بالمعلومات الإسـتخباراتية عن القوات الإيرانية طيلة أعـوام الحرب ـ باستثناء قصة الفاو مطلع 86.
    ردّت طهران برعاية إنشاء حزب الله 82/83، وبتدمير السفارة الأمريكية ببيروت في نيسان (أبريل) 83 وقتل 11 من أفضل عناصر الوكالة في الشرق الأوسط وعلى رأسهم كبيرهم روبرت إيمز، ثم بتدمير مقر المارينز في تشرين الأول (أكتوبر) 83 وقتل 241 جنديا، ثم باختطاف وقتل وليم باكلي مدير محطة الوكالة في آذار (مارس) 84، مسبوقاً باغتيال مالكولم كير مدير الجامعة الأمريكية ببيروت في كانون الثاني (يناير) 84، ثم ما تلاها من موجة اختطاف لعديد من الأمريكيين في بيروت طيلة عامي 84-85 .
    أرادت واشنطن مع فشل هجومات كربلاء -1/82 و 2/83 و 3/84 و 4/85 على العراق أن تعزّز من قدرات إيران على مواصلة الهجوم وإطالة أمد الحرب وتخليص رهائنها في ذات الحين فأرسلت لطهران - أنها جاهزة لتزويدها بصواريخ تاو المضادة للدبابات بأمل تمكينها من تحييد دور الدروع العراقية في صد الهجومات الإيرانية.
    ما كان مفاجئاً أن الفريق المفاوض للأمريكيين هو هاشمي رفسنجاني وحسين موسوي رئيس الوزراء - وصديق غورباينفار عبر مساعده محسن - ومهدي كروبي، فيما نأى خامنئي بنفسه عن كل تلك القصة.
    بلغ الأمر أن طار روبرت ماكفرلين مستشار ريغان للأمن القومي لطهران في ايار (مايو) 86 حاملاً معه أول شحنة من التاو على الحساب ومنسِّقاً مع رفسنجاني جدول الإرساليات اللاحقة.
    ولدوافع صراع داخلي على السلطة بين نائب الأمام - حينها - حسين منتظري وبين رافسنجاني قام صهر الأول مهدي هاشمي ـ مسؤول مكتب حركات التحرر - بتسريب خبر الصفقة سيئة السمعة الى مجلة الشراع اللبنانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 86 .
    دفع الاثنان الثمن بإعدام مهدي عام 87 وبعزل منتظري مطالع 89 .
    دلالة ما سلف هي أن جذور التباين بين فصائل النظام لجهة العلاقة مع الغرب وإسرائيل تعود إلى أيامه الأولى، لا لأن فريق رفسنجاني موسوم بعمالة أو ارتباط خفي وإنما لأن مصالحه تتوسم علاقة وظيفية مريحة مع الغرب، تتميز عن الشاه في الأسلوب والطريقة وتتقاطع معه في الأهداف والمنى : إيران قوية إقليمياً ومستقلة في قرارها، ولكن متوائمة مع مقاصد الولايات المتحدة في القريب والبعيد ونائية عن مخالفتها فيما تُعزّ وتبغي.
    ذات الفريق طفا الآن على سطح المؤسسة الإيرانية الحاكمة مشهراً طلاقه البائن مع مؤسسة الأمن القومي والجيل القيادي الثاني والمرشد الراعي لهما.
    نسّق مع مقرن آل سعود ومع ليون بانيتا ـ عبر مدير محطة الوكالة بدبـي ـ ترتيبات إشعال ثورة ملونة تتواقت مع إنتخابات الرئاسة، يمهد لها خطاب أوباما الموجه للأمة الإيرانية والمدغدغ للمؤسسة الايرانية الحاكمة بغرض التخدير، ثـم ترشيح موسوي - الغائب عن الحوادث لعقدين - لتشابهه مع نجاد في سمعة النزاهة وعلى خلفية اقتداره كرئيس للحكومة خلال ثمانينات الحرب، مصحوباً بترشيح كروبي ورضائي لاجتذاب أصوات عن طريق نجاد من طرفي المحافظين والإصلاحيين وبالتالي تدعيم فرصة موسوي، فإن فاز كان بها وإن لم يفز فالرفض هو السبيل.
    ثم وُقّت خطاب أوباما لعالم الإسلام عشية الإنتخابات اللبنانية والإيرانية لينوّم نواة الحكم في طهران على سرير نية المسالمة والحوار والوصول لكلمة سواء.
    تمّ تحضير أحدث وسائل الحرب العنكبوتية لتدخل الحرب دفعة واحدة من الخارج بهدف تحريض الداخل وتأليبه على النظام، وأُطلقت فرق تخريب من جند الله البلوشيين وحزب السعادة الكردستاني ومجاهدي خلق لتعبث بشوارع المدن الكبرى وطهران بالذات، بل وسعت الوكالة لوضع عمال النقل والنفط وتجار البازار على سكة الإضراب العام مستخدمة ميزانيتها الضخمة المخصصة لزعزعة النظام بـ 400 مليون دولار سنوياً .
    فشلت الثورة الناعمة وفشل فريق رفسنجاني، وبقي أن يتساقط أقطابه واحداً إثر الآخر، وبأيديهم لا بيد خامنئي .


    كاتب من فلسطين


    .
    .


    ايران : نظرة متأنية ..


    زياد هواش


    مجلة بوهيميا الثقافية


    _ ثم جاءت المناورات البرّية ..
    استكمالا للمناورات الجوية ذات الرسالة الخارجية الإقليمية والدولية , واضحة الدلالات .
    لتعطينا (أهم مؤشرات حِراك إيران الداخلي) , وامتداده الدولي , لاستيعاب أبعاد وتداعيات ما حدث .
    الاستثمار الروسي الإقليمي والدولي في إيران , استند على تقوية الجيش الإيراني , ومن هنا نبدأ في ترتيب المشهد , مشهد القلق في إيران .
    عودة الجيش الإيراني إلى الحياة:
    كان سببا مباشرا , في ارتفاع معنويات طبقة الأغنياء في إيران , والتيار الإصلاحي , وتيار البازار .
    وكان سببا مباشرا , في القلق الذي أصاب الحرس الثوري , والتيار المحافظ .

    _ القلق في إيران..
    قلق طبيعي , اتخذ مساراته الصحيّة ليعبر عن حتمية الانتقال بالثورة إلى فلسفة الدولة / الأمة .
    هذا القلق الجيّد نتلمسه في فسيفساء المشهد الإيراني:
    - الدور الإقليمي والدولي المطلوب من إيران , كان ايجابيا في التحول من هيمنة الحرس الثوري , إلى ضرورة الوصول إلى بناء الجيش الإيراني الوطني , ولكنه سبب قلقا في ما بين المؤسسات الأمنية الإيرانية , ولو انه انعكس بطءا ايجابيا خلال المشهد الداخلي.
    - التأخر في الوصول إلى نظام سياسي حزبي على امتداد الأمة الإيرانية جغرافيا وإثنيا , وحصر نشاط القيادات السياسية في طهران وحدها , لا يزال تكريسا خطيرا لنموذج هيمنة أبجدية زمن الشاه على المشهد الإيراني الاجتماعي تاريخيا , ولا يزال خطيئة إستراتيجية قاتلة للثورة , استمرارية مشهد القلق الحزبي والتنظيمي .
    - كل ما سبق انعكس قلقا في الخطاب السياسي , في لحظة واجهت فيها إيران تحديان خطرة للغاية وحروبا مستعرة في جوارها المباشر . ثم جاء الخطاب الرئاسي عاصفا منفلتا من أي ضوابط , انفعاليا وحيدا في مشهد داخلي يزداد قلقا , ومتربصين سياسيين يزيدون من تعقيدات ومستويات القلق , ويكرسون بصمتهم المريب "فردية الخطاب الرئاسي" .
    - وتجلى القلق كله , في اخطر شرائح المجتمع , شريحة الشباب الالكتروني , شباب المدن الإيرانية المترفة نسبيا , وتحديدا في عاصمة الإمبراطورية الخارجة من الذاكرة إلى الحياة على وقع شعارات النهوض للمحافظين أنفسهم , من دون ضوابط ثورة الفقراء المتراجعة على وقع الصراع الصامت على السلطة , وفي مركز الثقل , في طهران , وقد غابت عنها وجود القيادات الثورية الالكترونية الشابة تماما بل ونهائيا .

    _ في حالة الفراغ السياسي هذه..
    وفي المركز , تحولت قيادات الباسيج الشابة إلى ضباط أمنيين قمعيين , وتحول شباب الثورة المخلصين إلى حرس إمبراطوري رهيب.
    وخلى المشهد من أي نقاش , أو حوار , أو جدل , أو حتى صدامات طبيعية ومطلوبة , في الجغرافية الإقليمية الإستراتيجية , وفي زمن الحروب الهائلة والتحولات السريعة والتقنيات الكونية والقلق الشديد .
    لقد تم تأجيل كل شيء , كل شيء , إلى الانتخابات , فتحولت من معركة سياسية طبيعية , إلى ساحة تُختزل فيها كل المعارك , ويلفها القلق الداخلي والإقليمي والكوني المسيطر على الجميع .
    ولذلك وحده خسر الجميع , بطريقة ما , في الانتخابات , وتم تأجيل الصراعات كلها إلى زمن قادم , إذا ما امتد إلى أي تجربة انتخابية قادمة , فسيتحول إلى كارثة أمنية أو ديكتاتورية , لا فرق .

    _ حتى لا يعود الشاه إلى الحكم..
    هناك الكثير الذي يجب أن يتغير , بمعنى أن يعود ليتخذ مسارا طبيعيا في عملية النمو التلقائي للثورة , في بيئة قوانين التاريخ الناظمة والحتمية .
    - اللامركزية , والإدارة المحلية واسعة الصلاحيات الحقيقية في إيران مطلوبة وبشدة .
    - التعديل الاستراتيجي في قوانين الانتخاب , على مستويات العملية الانتخابية كلها .
    - الدفع باتجاه ربط العملية السياسية والانتخابية بالتنظيمات الحزبية وعبر نظام اللوائح والنسبية .
    - فصل السلطات والعودة بالبلاد إلى استيعاب الحيوية السياسية داخل بنية تنظيمية أوسع وأكثر حيوية ومرونة .
    - التخلي التدريجي والحاسم عن هيكلية إسلامية رقابية معقدة وبطيئة وغير قادرة على أكثر من تأزيم أي مشكلة وليس حلها بالتأكيد .

    _ ثم ماذا بعد !
    من الضروري أن يكون النظام في إيران رئاسي قوي ومركزي , يمسك بالملفات الخارجية والإستراتيجية , والى جواره جيش حقيقي بتراتبية قانونية مقدسة , جامعة للفسيفساء الإيراني الغني والشديد الوطنية .
    ومن الضروري العودة إلى وجود حكومة مركزية ذات صلاحيات تنفيذية تمسك بملفات التنمية , وتشرف على إدارات محلية تشبه الحكومات المصغرة .
    ومن الضروري الحفاظ على نظام انتخاب الرئيس عبر انتخابات عامة , ومن قبل الشعب مباشرة .
    والاهم هو أن تتحول وظيفة المرشد الأعلى إلى غير ما هي عليه الآن .

    _ إيران والعالم العربي ..
    قد يكون لهذا الملف أبواب لا نهاية لها وهي بدورها تحتاج إلى ملف مستقل .
    الأكيد هو أن إيران إلى جانب القضية الفلسطينية ومن بقي من العرب على قيد هذه القضية المركزية .
    وهنا , الخيار الاستراتيجي الإيراني , أفضل بما لا يقارن من إيران الحليفة لإسرائيل , أو الصديقة لإسرائيل , أو حتى الحيادية .

    _ نحن لا نراهن على إيران ..
    في صراعنا الحتمي مع إسرائيل وحلفائها العرب والإقليميين والدوليين , بل نراهن على فلسفة المقاومة وحتمية انتصارها .
    ونقرأ جيدا ودائما , بأبجدية المشهد الإقليمي , مسارات الصراع الكوني , وأهمية المنطقة العربية , وأفاق التحالفات الطبيعية , والتطورات الايجابية , باتجاه مستقبل , ودور مستقبلي , نحتاجه ونستحقه , ويعكس إنسانيتنا وحضارتنا وتراثنا التوحيدي كله .


    المجموعة العربية


    3/7/2009

    ..

  16. #16
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2008
    المشاركات
    1,384

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    الصراع العربي الصهيوني من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس*

    د. شاكر مصطفى**
    ذات يوم من صيف 1969 كنت في المكتبة الشرقية في بيروت، أختار بعض الكتب الفرنسية حين وقع لي كتاب صغير من مائتي صفحة، اسمه الإسلام والصليبيات، لمؤلف لم أسمع به بين العلماء، اسمه عمانويل سيفان، ووضعت الكتاب بين ما اخترته من الكتب، وسألني الكتبي، وهو يضع قائمة الحساب: هل أصر عليه؟ إنه غال؟ .. ووافقت، فموضوعه ضمن اهتماماتي، لكني لم أتصور أن يكون الثمن في ذلك العهد أربعين ليرة لبنانية، وأعترف أني صدمت، ولم أستطع التراجع، فكان أول ما فعلت ذلك اليوم أن أرى ما في هذا الكتاب.
    وفوجئت فيه بعدد من الكشوف، لو دفعت ثمنها الآلاف لكان ذلك رخيصاً رخيصاً: أولها: أن الجماعات اليهودية التي تحتل فلسطين تدرك تشابه غزوها واحتلالها للبلاد مع الغزو والاحتلال الصليبين، تدركه بوضوح وتعالجه جدياً في المنظور العلمي كتجربة رائدة، وثانيها: أنها تدرس الموقف، وفي الشرق العربي الإسلامي، في جذوره، وتحلل عناصره لتتفادى نهاية كنهاية حطين وما بعد حطين، وثالثها: ولعل الأهم، أن ثمة فرق عمل كاملة في الجامعة العبرية، تتخصص في هذا الموضوع، وعلى رأسها جوزيف براور صاحب كتاب تاريخ المملكة اللاتينية في القدس (وهو في مجلدين بالعبرية نشر سنة 1963). وتستعين هذه الفرق بالعلماء المتصهينين في الجامعات الغربية لهذا الغرض، فلهم مراكز بحث ومستشارون في جامعة باريس لدى العالم اليهودي كلود كاهن، وفي الجامعات الأخرى الأمريكية أمثال: آشتور شتراوس، وبرونشفيك، وكيستر، وأيالون المختص بالعصر المملوكي، وغريتاين الذي كتب عشرات الأبحاث حول قدسية القدس والصليبيات واليهود والإسلام.
    هذه النقلة من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس، يجد فيها اليهود الغارقون في التوراة، وفي الحق التاريخي، طقساً من طقوس العبادة، إنها عندهم نقلة بين التاريخ وبين المستقبل، وليست تهمهم الصليبيات بالطبع بوصفها صليبيات، وإنما تهمهم بوصفها رموزاً تاريخية، وبوصفها إسقاطاً على المستقبل، زاوية اهتمامهم محصورة فيها في نقطة وحيدة كيف تم طرد الصليبيين من هذه البقاع نفسها التي يحتلونها؟ لهذا لا يهمهم بحثها الذي قتله الغربيون بحثاً، ولكن تهمهم الرمال المتحركة تحت الغزاة في فلسطين وحول فلسطين، الاستيطان ووسائله في الأرض هي الهاجس المؤرق، إن جذور الحاضر موجودة في الماضي، وممدودة إلى المستقبل، دراساتهم كلها ها هنا محورها.
    إنهم يدرسون معنى الجهاد، وكيف استيقظ في المشرق العربي، ومدى حيويته في الشام بالذات، وتأثير فكرة الجهاد قبل الصليبيات وأثنائها وبعدها، يحللون مدى قدسية القدس وعناصرها في نقوس المسلمين، وردود فعلهم ضد الاحتلال الغريب، يرون كيف تمت الهدنات، وتم التعايش الفرنجي- الإسلامي أولاً، وكيف انقلب ذلك حروباً وجهاداً من بعد، رغم تطاول الزمن، كيف تحول مفهوم الجهاد القديم فحل في مفاهيم جديدة ألهبت الناس يبحثون عن مرتكزات الدعاية التي حولته دينياً إلى عنصر كره للفرنج، وعن جذور الترابط في المنطقة من مصر إلى العراق، وعن أسباب توحدها في حطين وما بعدها، بل يحللون "نصر" عين جالوت ضد المغول، ويلحقون بالتحليل الفتاوى الشرعية، ويحللون أسباب سقوط عكا الأخير سنة 1921، وخروج آخر الصليبيين على آخر المراكب من المشرق، يبحثون عن أسباب ذلك وجذوره حتى في لاوعي الشعب نفسه.
    ولاحقت أعمال الجماعة الصهيونية في الأسئلة التي تطرحها، فإذا بين هذه الأسئلة:
    1- لماذا لم تستيقظ فكرة الجهاد في العصر الحمداني إلا على الثغور والحدود، رغم دعاية سيف الدولة ورغم خطب ابن نباتة وأشعار المتنبي؟ ولم استيقظت في العصر الصليبي في دمشق وحلب خاصة؟
    2- لماذا أخذ الجهاد الشكل الدفاعي السلبي والمحدود قبل الصليبيات؟ ثم أخذ الشكل الهجومي الواسع بعدها؟
    3- كيف أقيمت الصلة بين فكرة الجهاد وبين قدسية القدس مع أنها لم تكن موضوع جهاد قبل ولا موضوع قدسية.
    4- ماذا زادت الصليبيات من العناصر على قدسية القدس لدى المسلمين؟
    5- لماذا كانت معركة (ملازكرد) سنة 1071 نصراً إسلامياً نسيه الناس بسرعة، مع أنها كانت معركة حاسمة أسر فيها امبراطور بيزنطة لأول مرة ولآخر مرة في التاريخ بيد سلطان السلاجقة ملك شاه، ولماذا لم تثر المعركة فكرة الجهاد لدى أهل الشام والعراق خاصة؟
    6- لماذا لم يذكر علماء الإسلام في القرن الثاني عشر فكرة، "طلب الشهادة"، بين دوافع الجهاد؟ ولم يذكروا القدس؟ إن أعمال 12 عالماً في ذلك العصر لم تذكر ذلك، لم يذكرها إلا عالم داعية هو عز الدين السلمي في العهد الأيوبي، والإمام النووي أيام بيبرس.
    7- ما موقف الشرع الإسلامي من الأموال الإسلامية التي تقع في يد الكفار؟ هل تبقى ملكاً للمسلم مهما طال العهد، أم هي غنائم للمتحابين؟ المذهب الحنفي وحده يجعلها غنائم، لكن استعادة القوى الإسلامية لتلك الأموال تعيدها إلى أصحابها، ومع ذلك فإن زنكي رغم أنه حنفي أعاد أملاك معرة النعمان سنة 1136 إلى أصحابها، وابنه محمود وهو مثله في الحنفية أعاد أملاك أعزاز سنة 1150 لأصحابها، فما تفسير ذلك؟
    8- ما معنى ألا نجد لدى الشعراء الذين رثوا الدولة الحمدانية عند سقوطها أي ذكر الجهاد، ويذكر الكرم وحده؟
    ولاحقت نصوص التراث الذي تتداولها المجموعة الصهيونية بالدراسة، فإذا التراث الذي نتصور أنه نائم في دمائنا وفي أدراجنا هو لديهم كيان كامل على المشرحة، يستنطقونه ويحكمون علينا من خلاله يدرسون:
    1- خطب الجهاد منذ عهد الفتوح مروراً بالحمدانيين حتى العهد المملوكي.
    2- كل الكتب التي ألفت في الجهاد، أو كتبت عنه، ويتوقفون بخاصة عند كتب الجهاد التي ظهرت قبيل العصر الصليبي وخلاله ومن بعده، وبخاصة عند كتاب الجهاد الذي ألفه علي بن ظاهر السلمي النحوي (المتوفى حوالي سنة 498- 499هـ) والذي كان يدرسه في دمشق في الجامع الأموي في 12 جزءاً إثر الاحتلال الصليبي للقدس مباشرة (وقد أخذوا صورة الكتاب من المكتبة الظاهرية ونشروا بعضه سنة 1966)، هذا الرجل كان أول من قال إن الحركة الصليبية واحدة في الأندلس وصقلية والشام، قالها قبل ابن الأثير بمائة سنة.
    ويدرسون كذلك كتاب أحكام الجهاد وفضائله لعز الدين السلمي، وكتاب الجهاد مجهول من العهد نفسه، وكتاب الجهاد الذي وضعه القاضي بهاء الدين بن شداد لصلاح الدين الأيوبي ضمن كتابه دلائل الأحكام، فكان كتاب المخدة عنده لا يفارقه، ويتساءلون لماذا لم يضع ابن شداد في هذا الكتاب كلمة واحدة عن القدس؟ ولا قال هو ولا أحد قبله إن الجهاد من أركان الإسلام الأساسية إلا الخوارج وإلا علماء العصر المملوكي؟
    3- وبين ما يدرس الصهيونيون كل الكتب التي تتحدث في فضائل الشام والقدس ومقارنتها بمكة والمدينة، ويلاحظون أن الاسم في زيارة مكة هو الحج وفي القدس لا أكثر من زيارة، ويحللون في هذا السبيل خمسة وثلاثين كتاباً تتحدث في فضائل القدس والشام، ككتاب ابن الخوري (فضائل القدس الشريف)، وتقي الدين بن تيمية (قاعدة في زيارة القدس)، والكنجي الصوفي (فضائل بيت المقدس وفضل الصلاة فيها)، وشهاب الدين المقدسي (مثير الغرام في فضائل القدس والشام)، وأبي إسحاق إبراهيم المكناسي (فضائل بيت المقدس)، وعز الدين السلمي (ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام)، وابن المرجى (فضائل بيت المقدس والخليل)، وابن الفركاح إبراهيم الفزازي (باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس)، ومجير الدين العليمي (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل).
    4- وبين ما يدرسه الصهيونيون دواوين الشعراء، يلاحقون حتى الصغار منهم، لا يهملون المتنبي والمعري، لكنهم يدرسون الغزي، وديوان ابن النبيه، وابن الساعاتي، وابن الخياط، وابن سناء الملك، والبوصيري، وابن عنين، والبهاء زهير، وعمارة اليمني، والملك الأمجد، وسبط ابن التعاويذي، وغيرهم وغيرهم ممن عاشوا الفترة الصليبية لعلهم يكتشفون آثارها في قوافيهم.
    5- ويدرسون مؤلفات العماد الأصفهاني، والقاضي الفاضل، والثعالبي، وابن جبير، ورسائل ضياء الدين ابن الأثير، وكتاب الإشارات للهروي، ورسائل ابن عبد الظاهر، وكتابات أسامة بن منقذ وخطب عبد الرحيم ابن نباتة.
    6- ويدرسون كتب الفقه والفتاوى، بخاصة التي أصدرها العلماء، كالإمام النووي، وكتاب المغنى لموفق الدين بن قدامة.
    7- ويدرسون ويسألون حتى السير الشعبية، ويرونها منجم المشاعر العميقة للجموع المتتالية، يرون فيها المرأة الحقيقية، فهل فتح أحد منا قصة الأميرة ذات الهمة (سيرة المجاهدين وأبطال الموحدين)، أو أسيرة عنترة، أو فتوح الشام للواقدي، أو فتوح الشام الأخرى للأزدي البصري، أو قصة علي نور الدين المصري مع مريم الزنارية، إنه سيرى فيها ما يكشفه الصهيونيون من المشاعر، إنهم يصلون حتى إلى تحليل النكات والنوادر، لماذا كل هذا العناء والجهد؟ ليس العلم وحده هو ما يقصدون، وإلا كانت لديهم آلاف المواضيع الأخرى الجديرة بالدراسة، إنهم يتحسسون في الصليبيات ونهايتها وجعهم، قلقهم، مصير الغد.
    إن عقدة الصليبيات تلاحقهم، تؤرق استقرار المشروع الصهيوني كله، توغل وراءه فيوغل وراءها بحثاً ودرساً، السؤال الأساسي المطروح: كيف يتخلصون من مصير مملكة القدس الصليبية وتوابعها؟ كيف يأمنون من حطين أخرى مقبلة؟ .. كل قرون الاستشعار في هذا الأخطبوط الوحشي موجهة نحو الحروب الصليبية بالذات، يريدون أن يعرفوا كيف نبتت خيول حطين وامتطتها العواصف؟ وكيف عبرت مملكة القدس إلى التاريخ المنسي من الباب الخلفي فلم يبق لها من آثر؟ كان الناس عند وصول الفرنج إلى الشام أكواماً من الرمال ذرتها السيوف الصليبية مع الريح.
    فكيف تحول مواطنو الريح هؤلاء إلى كتلة صخرية صلدة تحطم عليها الفولاذ الفرنجي فجأة ومرة واحدة، دايان قال سنة 1967 إن جيوشه انساحت خلال القوى العربية كالسكين في الزبدة، فهل تتحول الزبدة قنبلة تذهب بالسكين وصاحب السكين؟ هذا القلق المصيري سببه أن اليهود الغارقين في التاريخ والمعتمدين في استراتيجيتهم الدعائية على التاريخ يريدون أن يخرجوا من نفق التاريخ.
    إسرائيل تبحث عن المستقبل وهي مندفعة بكليتها نحو الماضي: دينها، لغتها، رجالها، قيمها، تشريعها، صلواتها، شمعدانها، رموزها، وطواقي رجالها كلها موصولة مع الماضي بخيط عنكبوتي ممدود، لهذا تشكل الصليبيات جرحها الذي تريد أن تتجاوزه، إنها تريد التسلل من أحد الثقوب في التاريخ (وما أكثر الثقوب) إلى هذا العصر.
    ويعرف الصهيونيون، يدرسون، يحللون كل التوازيات بين الصليبيات الغربية وبين الصهيونية، ويتوقفون عند النهاية المأسوية يريدون تفاديها، إنهم وهم المهرة في استخدام التاريخ ولي عنقه، يحاولون أن يهربوا من لحظته الأخيرة! فأين هذا التوازي وأين ينتهي؟
    سآتي على التشابهات فقط وأترك التباينات القليلة، وهي ناجمة عن اختلاف العصرين، إن كل الاستراتيجية والتكتيك الصهيونيين موجودان في الصليبيات.
    إنا لا نكاد نجد في التاريخ حركة كالحروب الصليبية كان نصيبها من الخيال وتأثير الأسطورة بقدر نصيبها من الآلام المآسي، إلا الحروب الصهيونية، والغريب أن مكان الكارثتين واحد، هو فلسطين، ولسنا نحتاج إلى أي جهد في التقاط التوازي الذي يصدم العين بين المغامرة الصليبية الفاشلة والمغامرة الصهيونية التي تقلدها، المغامرتان من نسيج واحد، يكفي أن نقرأ قصة إحداهما لتقفز الأخرى أمامك على الأسطر، على كل سطر وفي النقاط والفواصل، وإن شئت تحركت في الحديث قافزاً من هذه إلى تلك ومن تلك إلى هذه دون أن تحس بأنك تقفز 800 أو 900 سنة بعواصفها وأثقالها، دعونا نمش في المغامرتين خطوة خطوة، إن التشابه يبدأ هنا منذ الخطوة الأولى.
    أولاً: القضية الصهيونية في منظورها الشامل إنما هي مشكلة أوروبية داخلية خالصة، وجدت حلها في عمل خارجي وعلى أرض خارج أوروبا، والقضية الصليبية بدورها إنما هي مشكلات أوروبية داخلية بدورها حلت على الطريقة ذاتها، التكاثر السكاني قبل الصليبيات مع تدهور الزراعة وانتشار المجاعات وكوارث الطبيعة والأوبئة سنوات طويلة بعد أخرى، وتعاظم المشاعر الدينية، إضافة إلى الظلم الإقطاعي وتراكم الديون الربوية وكثرة الفرسان، ولا أرض للفرسان فيما الحروب الداخلية تفترس الأمن والبشر، كل ذلك كوّن مشكلة التكاثر السكاني وحقد الأوروبيين على اليهود المرابين ومشكلات العمال الفقراء في شرق أوروبا والزحام القومي الهتلري وكلها غارقة في الجذور الاقتصادية بإلقاء هذه الفضلات البشرية- في نظرها من النافذة على الجيران!
    ثانياً: ونمضي خطوة أخرى، لنرى أن الحركة الصليبية شملت كل أوروبا، في الصليبيات تحركت جموع شتى من مختلف الأمم الأوروبية من السويد والنرويج، من إنكلترا وفرنسا ومن ألمانيا والدانمرك وقلب المجر، كلهم تحركوا نحو إغراء المشرق! لم تكن الحركة ثماني حملات كما يزعمون، كانت مدداً لا ينقطع، وسيلاً من البشر يتحرك على السفن وفي البر مدار السنوات المائتين التي امتدتها الحروب، قد تكون الحملات بدورها أكثر من مائتين أو ثلاثمائة حلمة صغيرة وكبيرة لبضعة ملايين، بعضهم حجاج، وبعض محاربون، وكثير منهم تجار أو مغامرون، وأكثرهم فقراء، الكل نزحوا وراء حلم يمتزج فيه المسيح برفيف الذهب، هل يذكركم هذا بمجموعة الأمم التي تحشد منذ مائة سنة في فلسطين، بابل القرن العشرين، لغات وأجناساً وعادات ومن كل زوج غير بهيج؟ وتحشد وراء حلم يمتزج فيه الإله يهوا بطائرات الفاتنوم؟
    ثالثاً: وكما انتصب للصليبيات قائد فكري في شخص البابا أوربان الثاني، الذي أعلن الحركة في مجمع كليرمون سنة 1095، وحدد لها الطريق والهدف النهائي: فلسطين أرض المسيح، أطلقها وترك لمن بعده المسير بها وتحمل عقابيلها، كذلك كان للصهيونية رائدها الفكري في شخص ثيودور هرتزل، الذي كتب لها كتاب الدولة اليهودية سنة 1967، ثم أعلن مع المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 في بال أن مكان هذه الدولة هو فلسطين: أرض إسرائيل، كان هرتزل هو بابا الصهيونيات، أطلقها وترك للآخرين مهمة التنفيذ.
    رابعاً: ونصل إلى العامل الديني في الحركتين الصليبية والصهيونية، لنرى أشكالاً لا تنتهي من التوازي والتشابه تحتاج إلى التوقف الطويل والتعداد الطويل:
    أ- ما الذي رفعه الصليبيون هدفاً، وما الذي رفعه الصهيونيون؟ شعار واحد رفعه الطرفان الصليبيون تحركوا لتخليص القبر المقدس، والصهيونيون تحركوا لتخليص الهيكل المقدس، ولو أنه لم يبق منه إلا في الذاكرة التوراتية شيء على الأرض! الإيديولوجية التي رفعت في المشروعين واحدة، وراء كل من الشعارين حينئذ لا ينتهي من المشاعر الدينية المتقدة، ولكنها تتمركز في النهاية في كلمة محددة، وفي نقطة من الأرض محددة بدورها، وكما سمي الصليبيون فلسطين أرض المسيح يعنون بذلك أنها أرضهم، كذلك يقول الصهاينة إنها "أرتز إسرائيل" أرض الميعاد، بوعد توراتي لا يزول.
    ب- إذا كانت الحرب الصليبية أول حرب إيديولوجية، بعد الفتوح الإسلامية، وكانت هذه الإيديولوجية دينية بالضرورة، ولم يكن بالإمكان تحريك الجموع في العصور الوسطى الغارقة في الدين دون إيديولوجية دينية، فإن هذه الإيديولوجية نفسها قد استخدمت من قبل الصهيونية في تحريك آخر جماعة متحجرة مغلقة من الجماعات الأوروبية، وهم اليهود، للغرض نفسه في الحرب الصهيونية القائمة، محو الإثارة عند الطرفين هي فلسطين والقداسة فيها للقبر أو للهيكل.
    ج- لم تحمل الحروب الصليبية هذا الاسم الديني أبداً لا في عهدها ولا بعده، في القرن السابع عشر ولأسباب تبريرية دينية شاع هذا الاسم ليغطي برداء الصليب فترة مائتي سنة من المآسي والحروب ليس لها ما يبررها، المسلمون الذين عاصروها والكاثوليك الغربيون الذين شنوها كانوا على السواء يسمونها باسمها: الأوائل يسمونها حروب الفرنجة، والآخرون يسمونها المآثر والأعمال التي تمت فيما وراء البحار، أو التي تمت في الشرق، أو أعمال الفرنجة، الحركة الصهيونية بدورها لم تسم نفسها الحركة اليهودية، وسمت نفسها الحركة الصهيونية، ولو أن العنصرية اليهودية المتزمتة تلفها بكلمات التوراة وإسرائيل والناموس والشمعدان السداسي العتيق.
    صحيح أن الحرب الصليبية معقدة الدوافع، كالحركة الصهيونية سواء بسواء ولو جمعت مختلف دوافعها بعضها إلى بعض لوجدت أن العامل الديني قد يأتي بين العوامل الأولى لا سيما في فترة الإعداد وأيام الحملات الأولية، وقد يعصف بالنفوس تارة بعد أخرى، لكن العوامل الدنيوية كانت هي التي تعصف بهذه النفوس نفسها في حالات أخرى، والخليط الصليبي، كالخليط الصهيوني، متباين الطبقات والمشارب، فيه المغامرون والحجاج واللصوص والتجار والنبلاء والمحاربون وشذاذ الآفاق والرهبان والهاربون من العدالة والباحثون عن الثروة وفي كل واحد من هؤلاء جانب ديني قد يلتهب في بعض الظروف، لكن من الذي يكبح الجوانب الأخرى المادية اللاأخلاقية أو الوحشية في ظروف أخرى؟.. وهكذا كانت إيديولوجية الصليبيات الدينية غطاء مناسباً، وإن يكن أحياناً غير مخالف لأطماع النبلاء في الأرض، والرهبان الكاثوليك في الانتشار والسيطرة على كنيسة المشرق، والتجار بالربح والامتيازات، والفلاحين العاديين بالخلاص من الديون ومن المجاعات ومن الظلم الإقطاعي والفوز في النهاية بالسماء! أليس هذا هو الوضع الصهيوني نفسه؟
    د- الصليبيات بدأت حجاً إلى القبر المقدس تحول إلى حج مسلح، ولقد استغلت الحج، وشجعته الأساطيل البحرية الإيطالية النامية على مياه البحر المتوسط (من جنوية وبيزية والبندقية وكاتلان)، تذهب ملأى بالحجاج وتعود من الشرق ملأى ببضائع الشرق من فلفل وبخور وأفاوية ونسيج وزجاج .. صارت سيدة البحر العربي بعد أن انهزمت القوى العربية الإسلامية في الأندلس، وتضاءلت أساطيلها، أو انقطعت أحياناً ما بين شمالي إفريقيا والمرافئ الإسبانية، وخرجت فرخشنيط وجبل القلال في جنوب فرنسا وجزر الباليار من السيطرة الإسلامية، فأين إذن الحج المقدس؟ وأين القبر المقدس نفسه، حين طرحت هذه الأساطيل نفسها بالصليبيات وبغزو الصليبين إلى القسطنطينية مرة وإلى مصر مرتين وإلى تونس أيضاً، فهل كانوا يحسبون أن القبر المقدس انتقل هناك؟ وفي الحركة الصهيونية، ألم يكن الحج والحج المسلح إلى حائط المبكى وبقايا الهيكل هما بدء الطريق إلى وعد بلفور ثم إلى أحداث 1948؟ ألم تكن العملية الاقتصادية الاجتماعية من تجارة وحلول للمشاكل العمالية والأطماع المادية وراء الهجرة الصهيونية ووراء أخذها الأرض واحتلالها النقب وتوسعها في المصانع والزراعات بعد أن تخاذلت القوى العربية سنة 1948 وما بعدها؟ أم أنهم يبحثون عن الهيكل في تونس أو عنتيبي أو حول المفاعل الذري ببغداد؟
    هـ ضمن هذا الإطار الديني نفسه: يسمي الصليبيون أنفسهم في النصوص بفرسان المسيح "والشعب المقدس" و"شعب الرب" أليس يسمى الصهيونيون أنفسهم بشعب الله المختار، مقابل الغوييم الهائم الذين هم كل البشر الآخرين؟ وإذا قال البابا أوربان الثاني، وهو يعلن الصليبيات: حرروا هذه الأرض من الجنس الشرير .. فهذه الأرض التي يقول الكتاب المقدس إنها تفيض باللبن والعسل قد منحها الرب ملكاً للمؤمنين، أفلا يقول الصهيونيون بدورهم إنها ملكهم وعدهم الله بها من الفرات إلى النيل؟
    و- وضمن الإطار الديني أيضاً، ألم تحاول البابوية، وهي الكاثوليكية الغربية، إبراز نفسها حامية لمسيحي الشرق المضطهدين؟ فماذا يقول اليهود الإشكنازيم (الغربيون) الواردين من روسيا ووسط أوروبا وألمانيا وفرنسا؟ أليسوا يجعلون أنفسهم حماة لليهود السفار أديم، يهود الشرق؟
    ز- الطابع الديني استطاع أن يكون واضحاً في الأيام الأولى للصليبيات، لأنه كان الدافع المعلن، ولقد استطاع أن يغطي إلى فترة ما حقيقتها الاقتصادية- الاجتماعية، اختفى التجار وراء سواد المحاربين، وتوارى الإقطاعي بجشعه وراء الرهبان ورجال الكنيسة، لكن الأطماع في الأرض والقلاع والمدن والامتيازات التجارية كانت واضحة مسيطرة، وفيما نهب الجناح العسكري من نبلاء وفرسان: الأرض عماد الثروة والسلطة في المجتمع الإقطاعي الغربي، تقاسم التجار الغربيون الأسواق والامتيازات والأحياء والفنادق في المدن وحين دارت العجلة بالأحداث والناس، تكشف التناقض العجيب، وتجلى الإفلاس الإيديولوجي في الحملات التالية، وبلغ الذروة في الحملة الرابعة التي توجهت إلى القسطنطينية المسيحية تفتحها، ظهر أن البابوية والتجار الإيطاليين وإقطاعي أوروبا يستخدمون الدين سلاحاً سياسياً عسكرياً ضد المسلمين وضد بعضهم بعضا على السواء، ولو كان هذا "البعض" من أخلص المدافعين عن الكاثوليكية.
    ج- إن كل الغطاء الديني للصليبيات يطير إذا استعرضنا الصليبيات الرسمية الثمانين فوجدنا أن ثلاثاً منها فقط توجهت إلى القدس، في حين توجهت الخمس الأخرى إلى أهداف أخرى فالثانية إلى دمشق، والرابعة إلى القسطنطينية، والخامسة والسابعة إلى مصر، والثامنة إلى تونس، لعلها كانت تفتش عن آثار المسيح هناك، وأما حملات القدس فقد احتلتها الحملة الأولى فقط وفشلت الثالثة في الوصول إليها، ووصلتها الحملة السادسة سلماً ومجاناً في حين كان البابا يستنزل على هذه الحملة اللعنات من الرب، ويرمي صاحبها بالحرمان.
    ونعود إلى الصهيونية المعاصرة لنرى الصورة نفسها، وإن تكن متطورة على مقياس القرن العشرين: افتراس للأرض لا ينتهي، محاولات لربط العلائق التجارية بكل الموانئ، استخدام للإيديولوجية الدينية في التوسع العسكري، وإفلاس إيديولوجي يتجلى في حروب 1956و 1967و 1973، ويبلغ الإفلاس أوجه حين تكشف إسرائيل عن دورها الحقيقي في تونس، وفوق المفاعل الذري بالعراق، وفي حروبها في المنطقة، فإذا هي أجير أمريكي صغير، مجرد حاملة طائرات أمريكية تحمل قوى مرتزقة تموّن بالمعونات، وعملها الأساسي استنزاف قوى المنطقة ومراقبة الاتحاد السوفيتي.
    هل انتهت المقارنة الدينية؟ لم تنته بعد، فثمة أيضاً الحديث عن الإرهابيين المدنيين أيضاً، عن مئير كاهانا وحزبه أغودات إسرائيل، وهن الحاخام شلوموغورين، والنائبة عئولة كوهين، وأركان مجلس الحاخامين، وأعضاء غوش أمونيم، وحركة هاتحيا، وغيرهم ممن ينفخون في الرماد التوراتي ويعميهم دخانه ومثاره، إن دور هؤلاء جميعاً هو الحفاظ على الحقد الديني في حالة الغليان ليصب الحساء ساخناً في الصحن الصهيوني- الأمريكي، مقابل هذه المؤسسات كان للصليبين أيضاً مؤسسات دينية- عسكرية مماثلة، وهكذا نقرأ عن الداويّة، وعن الاستبيارية، وهن مؤسسة النيوتون ... والمؤسسات الصليبية المشابهة في إسبانيا: فرسان القنطرة، وفرسان قلعة ترافاً، وفرسان القديس يوحنا (سانتياغو) .. والدور هو الدور نفسه: تأييد اعتداءات الدولة على الأرض والناس، ومسحها بالممحاة الدينية، وإيجاد أيد أخرى بجانبها تحول التوراة إلى سيوف أو قنابل، وشيء من عمى غير قليل! ترى هل يتضح، بعد هذا كله، أن السبب الحقيقي وراء الصليبيات أو وراء الصهيونيات ليس هو الدين ولكن الأطماع الدنيوية للمتاجرين بالدين؟
    خامساً: ونعود إلى الصليبيات والصهيونيات لنرى أن المشروعين إنما قاما على الدعاية المكثفة وعلى استغلالها الأقصى، ولقد طافت تدعو إلى الصليبيات مجموعات شتى من القسس والرهبان والتجار والمتشردين، كان جيش الدعاة الذي لا ينقطع يطوف أوروبا قرى وجبالاً وعبر الأنهار وفي عتمة الكنائس والغابات ومداخن البيوت، منهم بطرس الراهب وسان برنارد وجوسياس (رئيس أساقفة صور) وهرقل (بطريك بيت المقدس)، بل قام الدعاة من الأطفال، وقامت حملات من الأطفال بعشرات الألوف زحفت تريد تخليص القبر المقدس ببراءتها وحدها ( ولو أنهم انتهوا بمساعي الصليبيين أنفسهم إلى أسواق النخاسة)، كانت الدعوة للصليبيات بضاعة رائجة، أليس هذا ما يفعله الكهنة والربانيون في كل كنيس، وما تقوم به الصحف الصهيونية منذ مائة سنة؟ وكما استغل الصهيونيون جهل العالم بالتاريخ وبالواقع الجغرافي ليحوروهما كما شاؤوا، ليلغوا آلاف السنين العربية من التاريخ في فلسطين، وليلغوا وجود الشعب الفلسطيني من الجغرافيا، وليجعلوا من البلد الصحراء فارغة، كذلك استغلت الدعاية الصليبية سدوف الجهل الأسود في تلك العصور، فجندت في ما سموه، بجهل الخيال المنتصر، كل القوى في اتجاهين:
    1- اتجاه يضع كل تراث الجهل والخرافة لدى الناس في خدمة الإيديولوجية المعلنة من الأساطير في السحر القديم، وجيوش الأشباح والموتى، والشياطين الشريرة والأشجار صانعة المعجزات، وقصص النجوم التي تتساقط من السماء، والشهب الملتهبة، ومعجزات الأطفال الذين يولدون بأطراف مضاعفة، والرعاة الذين يرون مدناً متألفة في السماء، والقسس الذين يشهدون سيفاً ضخماً تحمله الريح في الأفلاك، أو معركة بين فارسين يضرب أحدهما الآخر بصليب يرديه، وقصص النار والحساب والفردوس المقبل ونعيم الخلاص والغفران، بل وقصص الغنائم المنتظرة في الشرق الأسطوري، كل ذلك لإثارة حماسة الناس في الغرب حتى الحد الأقصى.
    2- اتجاه يوجه هذه الدعاية كلها ضد عدو "شيطاني" الملامح: فالرسول الأعظم في منظورهم "ساحر هدم الكنيسة في إفريقيا والشرق بالسحر والخديعة" وجعلوا من المسلمين وثنين وعباداً لمجموعة من الآلهة والأصنام، ومحمد هو الصنم الرئيسي، وهو كبير آلهة الشرقيين "السراسنة" تمثاله المصنوع من المواد النفيسة بالأحجام الهائلة منصوب في أصبهان أو مكة، يرافقه 700 من مريديه! غربيو القرون الوسطى صدقوا هذا كله، وصدقوا معه ما يترشح لهم عن المسلمين من أنشودة رولاند وأغاني الـ Gueste وروايات الحجاج الذين كانوا يعودون بالمبالغات والغرائب لإضفاء الأهمية على مغامراتهم ولإثارة الدهشة والإعجاب.
    وقد ثبت أن أصحاب الإيديولوجية الصليبية استخدموا في الاتجاهين الكذب وتزوير الوثائق والمبالغات إضافة إلى قصص الأحلام المقدسة والرؤى العجائبية، وكان لهم من سذاجة الناس وجهلهم ما يطمئنهم إلى النتائج.
    أليس هذا يا ترى ما فعلته الصهيونية في الاتجاهين: فمن جهة استغلت كل موروث الغربيين من الحقد على اليهود في صيغة "اللاسامية" لتضخيم الشعور بالاضطهاد لدى اليهود، ولدفعهم إلى التكتل حولها والهجرة إليها، فما زالت إلى اليوم تحاكم النازيين القدامى، وتتهم غيرهم، وتتقاضى من ألمانيا ثمن الجثث المحروقة في أوشويتز، وترفع العصا في وجه كل داعية إلى التعقل في الغرب باسم اللاسامية، وهكذا ضخمت الأساطير وصاغت الروايات وصنعت الأفلام وكتبت واستكتبت كل الأقلام المكنة وكررت مسكنة اليهود وعذاباتهم كل يوم في كل إذاعة مسموعة أو مرئية، إنهم المضطهدون الوحيدون في العالم، هكذا قال زارادشت!!
    ومن الجهة الأخرى فمادام الناس يجهلون كل شيء عن فلسطين وتاريخها وناسها فلماذا لا تصوغ دعايتها في كل ذلك على ما تشتهي؟ سكانها العرب: تجاهلتهم أولاً بالإلغاء الكامل، ثم لحقتهم بالتهم حين ظهروا على سطح الأحداث فهم في أدبها "برابرة" أنذال، مخادعون، وأخيراً "إرهابيون" وعلى العالم كله أن لاحقهم بالرصاص والإبادة، ألم تستخدم الكذب الدائم والمبالغات والتشويه وتزوير الوثائق؟
    أي فرق في النتيجة بين ذلك التضليل القروسطي وبين التضليل الصهيوني الأمريكي عن "قادة الإرهاب ومصاصي الدماء والقتلة العرب الفاسدين المفسدين في الأرض". الذين لا يهمهم في الحياة إلا القمار والقتل وجسد امرأة؟ أي فرق بين المهووس الصليبي القديم الذي جاء من أقصى الأرض يحارب "الشيطان" المسلم وبين مئير كاهانا الذي يقول:"كيف نضع أيدينا بأيدي الأيالسة؟"
    أو أي فرق بين صورة "المسلم الوحش" في عيني الصليبي وصورة العربي التي ينشرها الصهيوني في العالم عن العرب:"صورة النخلة والجمل في صحراء ينبع فيها بئر النفط وأسنان العربي المكشر فوقها؟".
    سادساً: وتدفق الصليبيون على الشرق سنة 490هـ وما بعدها (1096م وما بعدها) وحين احتلوا القدس سنة 493هـ/ 1099م ذهب الصريخ إلى خليفة بغداد: يهز منبر المسجد الجامع ويكسره، ولكن يشكو هجوم "الروم" البيزنطيين! كانوا يجهلون أن العدو هم الفرنجة، مضت سنوات قبل أن يتبينوا أنهم فرنجة وليسوا من الروم الذين اعتادت دول الإسلام سماع قعقعة السيوف معهم على الحدود كراً وفراً أربعمائة سنة، ودون طائل، لا أكثر من غزوات تنسحب بعد حين، أبداً ما انتهت يوماً إلى الاحتلال النهائي ولو هددت به.
    الشاعر أبو المظفر الأبيوردي، على طريقة الشعراء الذين تنفجر قوافيهم اليوم في الفراغ، صاح في قصيدة طويلة:
    وشر سلاح المرء دمع يفيضه
    وكيف تنام العين ملء جفونها
    وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم
    تسومهم "الروم" الهوان وأنتم
    وتلك حروب من يغب عن غمارها
    إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
    على هفوات أيقظت كل نائم
    ظهور المذاكى أو بطون القشاعم
    تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
    ليسلم يقرع بعدها سن نادم!
    وغابت القصيدة والعشرات من أمثالها في المستنقع الكبير.
    كانت قوى المنطقة تجهل من هو العدو الذي تحارب صحيح أن القدس السلجوقية بعيدة المرمى ولكن السيف الصليبي كان ثقيلاً جداً وقاطعاً جداً، ولم يعرفه المحاربون في المشرق من قبل وحين تبينوا الواقع كان الفرنجة قد استقروا.
    أليس هذا هو جو المستنقع الأخرس الذي تعيشه القضية الفلسطينية اليوم، جو البكائيات دون دموع، والصياح في غرف كتيمة من البلور، في حين يقوم في القدس عجل ذهبي له خوار يأكل عيون الأطفال حتى في بيروت! ألسنا نقول تلك القصيدة الأولى اليوم ألف مرة وبألف لحن؟
    على الجانب الفرنجي كان الأمر بالعكس، اعتبر الكثيرون في الغرب نصر الفرنجة نصراً للكتاب المقدس ونبوءاته، تماماً كما يعتبر ذلك الصهيونيون، وتشجع الكثيرون على أن يسلكوا سبيل الشرق حجاجاً، محاربين، تجاراً، باحثين عن الثروة، فهم على كل شراع، كلهم كان يعتبر الاحتلال الفرنجي نهائياً، والتوسع فيه أمراً مقضياً، الجيل الثاني من الصليبيين الذي نشأ في البلاد أخذ يكتب ما كتبه المؤرخ اللاتيني فولشير أوف شارتر:"فيم يتعجب المرء من أن الله يظهر المعجزات في السموات في حين أنه أتى بمعجزة على الأرض نفسها بتحويله الغربيين إلى شرقيين .. ومن كان من روما أمس فرنجياً من قبل قد أصبح جليلياً ومن أهل فلسطين أو من صور، نسينا أوطاننا الأصلية، وأولئك الذين كانوا من قبل أجانب قد أصبحوا أهالي البلد، ومن كانوا فقراء أصبحوا يمتلكون هنا ما لا يحصى، فلم يرجع المرء إلى الغرب بعد أن وجد الشرق صالحاً إلى هذا الحد؟ إن الله لا يريد لأولئك الذين حملوا الصليب (ونستطيع أن نضع بدل هذه الكلمة اليهود) أن يقاسوا حتى النهاية .. إن الله يرغب أن يغنينا لأننا من أعز أصفيائه". أليس هذا هو ما يكتبه اليوم بألف شكل ولسان كتاب الصهيونية؟ ونمضي مع المقارنة قدماً.
    سابعاً: يطنب المؤرخون ويعيدون ويبدون في سبب النصر الصليبي الأول الذي بدأ عند إنطاكية سنة 1097م وانتهى باحتلال القدس سنة 1099، ويذكرون أن تمزق القوى في المنطقة هو الذي سمح للفرنجة بالنصر، ما في ذلك أي شك، وحين يكون رضوان صاحب حلب أخا لدقاق صاحب دمشق، ويكون في الوقت نفسه أعدى أعدائه، وحين يتصيد الفاطميون في مصر انشغال دقاق مع الصليبين في الشمال لينقضوا على القدس فيأخذوها، ويكون صاحب إنطاكية قيباً للسلطان علي صاحب حلب، وينفرد أمير شيرز بشيرز، وابن ملاعب بحمص، والقاضي ابن عمار بطرابلس، وبعضهم لبعض عدو، فماذا تنتظرون إلا انهيار الجميع قوى متفرقة أمام الموجة الغازية؟
    ومن عجب أن تكون القوى التي تصدت للفرنجة في غزوتهم الأولى سبع قوى، وتكون الدول التي وقفت لموجة الاحتلال الإسرائيلي بدوره سبع دول، ولعلنا نتذكر هنا ذلك السائل الذي سأل: كيف تهزمون وأنتم سبع دول؟ فأجابه المجيب- لأننا سبع دول! على أن المؤرخين ينسون أن يضيفوا أن حائط الدم قام منذ اليوم الأول بين هذه القوى- على تفرقها- وبين الفرنجة، امتد كاللعنة الأبدية من إنطاكية إلى المعرّة، حتى وصل ساحة المسجد الأقصى حيث خاض الصليبيون في آلاف الجثث وسواقي الدماء! وقد ظل هذا الحائط يتكاثف على الدوام ويرعف على الدوام مع المعارك الدائمة، أضحى سوراً خانقاً حول الإمارات الفرنجية، أبداً ما صفا قلب أحد لها ولا نسي الدماء أحد، أليس حائط الدم نفسه يقوم اليوم حول المنطقة المحتلة؟ يحولها إلى "غيتو" كبير رغم الخروق التي فتحتها فيه بعض السياسة الخرقاء! الفيتو الصليبي انهزم في النهاية، أما الفيتو الصهيوني فهل تنجده يا ترى هذه الخروق؟
    قوى المنطقة أقامت قاعدة المقاومة الصلبة للفرنجة فيها على النهب والعزل والتطويق، تماماً كما تطوق الكائنات الحية الأجسام الغريبة حتى تنفقئ كالدمامل، صحيح أن التجارات كانت تسير دون عائق، عابرة آمنة، ولكن صحيح أيضاً أن ذلك لم يؤد إلى أي تقارب فكري أو ثقافي أو "تطبيقي" مما يُطبعون من الطرفين، حتى الصهيونيون سجلوا أن الحوار بين الفرنجة وأهل البلاد كان "حوار الطرشان"، والعلاقة الوحيدة كانت علاقة المصلحة المادية المباشرة، ظلت الخلية الفرنجية المتوضعة على الساحل الشامي غريبة، في لسانها، في عقيدتها، في نظام حكمها الإقطاعي، في رجالها ونسائها، بل في عادات الطعام والشراب فيها، ربما كانت سياسة العزل متبادلة من الجانبين، لكن النفي الإسلامي للفرنجة كان هو الأول والأقوى والأصلب، لأنه الأقوى حضارياً والأعمق ألماً، كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ هو ضحكة استهزاء عريضة بكل حياة الفرنجة، تشبه الاحتقار، إلى أن جاء الوقت في حطين وما بعدها فإذا بالمحتلين الفرنجة قشرة تسقط وتزول كأن لم تكن! المحتلون الصهيونيون تنبهوا مبكرين إلى هذه الخطيئة الصليبية المميتة، أما ترون أن كل همهم كان، حتى قبل سنة 1948، أن يصبحوا جزءاً من المنطقة؟ أن ينتصروا على "لاءات" الخرطوم الثلاث، أن يمرروا، التطبيع؟ أن تعترف المنطقة بهم.
    ثامناً: واعتمد الفرنجة في توطنهم على المعونات مما وراء البحر: الأسلحة، الرجال، الأموال، الطاقات البشرية كانت دوماً تأتيهم على الأشرعة، حتى الكهنة والنبلاء والتجار المدد البشري لم ينقطع، ومعظمه من الشباب المحاربين، أوروبا الغربية كلها كانت تصب في هذا المشروع ليعود عليها بالخيرات، ولينعم أصحاب النذور والهبات والتطوع بالفردوس الآخر! ريتشارد قلب الأسد بحث عمن يشتري منه لندن لينفق أموالها في الحرب ضد صلاح الدين، الأمراء والملوك كانوا يأتون بثرواتهم وثروات أتباعهم لينفقوا منها على الحرب، ولم تكن موارد أجزاء من الشام أو من مصر تكفي كما هي اليوم، حرب حاسمة أو ناجحة على الأقل ضد الجماعة المحتلة، إلى أن استطاعت إمبراطورية صلاح الدين أن تقيم التوازن في الموارد وبالتالي في القوى بينها وبين الفرنجة، ولم تكن هذه الموارد ضخمة على أي حال، بدليل أنها شحت بعد الفتوحات الأولى، وقصرّت عن إمداده في المراحل اللاحقة، وجفّ الذهب عنده، فلم يعد يضرب الدنانير ولكن الدراهم، وهو ما أبقى الصليبيين في صور ثم في عكا وفي الساحل مائة سنة أخرى.
    ألستم ترون أننا، ونحن نتحدث عن الحروب الصليبية، إنما نتحدث أيضاً عن الحروب الصهيونية، وعن مليارات الدولارات التي تصب سنوياً في المشروع الصهيوني؟
    ويبقى في هذا المجال أمر أخير لا بد من ذكره، هو التمويل اليهودي للصليبيات، يهود أوروبا ومن باب الربا، ساهموا في تمويل الصليبين، الأمراء والملوك، وبخاصة حين فترت الحماسة الصليبية الأولى، وفرضت ضريبة صلاح الدين في أوروبا لإيجاد الموارد التي شحت، كانوا يلجؤون إلى الاقتراض من المرابين اليهود، وكما غطى أغنياء اليهود في حروب سنة 1948 ثم سنة 1967 ثم 1973 ما تكبدته إسرائيليهم من نفقات، كان المرابون يغطون بعض تكاليف الصليبيات المتأخرة من الثالثة حتى الثامنة .. وحين فشلت الصليبيات الفشل النهائي، انصبت النقمة في أوروبا على اليهود! لا انتقاماً للفشل فقط، ولكن لأكل الديون أيضاً، وانضاف هذا السبب إلى السبب التاريخي القديم الذي يتهم اليهود بصلب المسيح ليشكلا معاً النواة الأولية للعزل اليهودي في أوروبا كلها.
    تاسعاً: وقد قام المجتمع الفرنجي الخليط على طول الساحل الشامي، أسقف فرنسي معاصر للصليبيات يقول عن المجتمع الغربي إن "بيت الرب ذو جوانب ثلاثة، فبعض يصلي فيه، وبعض يحارب، وبعض يعمل". هذا المجتمع الغربي الإقطاعي نفسه هو الذي تشكل في الشام في ثالوث ضلعاه: الذين يحاربون والذين يصلون، وقاعدته الذين يعملون، بل كان المحاربون (النبلاء) والمصلون (الكهنة) جناحين عسكرياً ودينياً لطبقة واحدة تقود المشروع الصليبي.
    أليس هذا يا ترى وضع الجماعات الصهيونية المحتلة، جماعة تحارب، وأخرى تهز أجسادها جيئة وذهاباً وراء التوراة، وجماعة ثالثة تعمل في الأرض والمصانع؟ قد يكون الفرق في وجود طبقة رأسمالية إضافية في المجتمع الصهيوني الحديث، ولكن أليست هذه الطبقة امتداداً للطبقة الغربية نفسها والجزء المكمل بها والإفزاز الطبيعي للتطور الغربي الحديث نفسه؟
    وكما بقيت في فلسطين تحت الاحتلال قوى عربية واسعة، تتمسك بالأرض والزيتون ومزراب العين، كذلك بقيت تحت الحكم الفرنجي طبقة عربية مسلمة تملأ الريف الفلسطيني يستثمر جهدها الرجل الفرنجي (كما يستثمرها اليوم الرجل الصهيوني) تحت رقابة الفرنجة، ولا تستطيع حتى الهرب من القرى، وكما للعرب اليوم مقاومتهم وتحركاتهم الجماعية والفردية ضد المحتلين، كذلك كانت لأجدادهم الأولين في تلك الأرض مقاومتهم الرافضة، في نابلس والناصرة كانوا يحتالون لها على الحجاج العابرين فيقتلونهم ويقطعون الطرق، ويتركون العمل بحجة الصلاة، فمن أعجزه الأمر هرب مهاجراً، ونواة حي الصالحية في دمشق إحدى نتائج الهجرة من "جماعيل" إحدى قرى نابلس أواسط القرن الثاني عشر، في أوج القوة الصليبية.
    وإننا لنستطيع أن نرى التشابك الفرنجي الصهيوني على مستوى آخر: فطبقة العاملين، في القطاع، في الأيام الفرنجية كانت تتشكل من المسلمين ومن أفراد الطوائف المسيحية غير الغربية، ومن فقراء الغرب في حين يحتكر النبلاء والكهنة السيف والكتاب المقدس، أليس هذا هو الوضع الصهيوني الذي يعمل فيه، في القطاع، العرب واليهود الشرقيون وفقراء المهاجرين؟ في حين ينعم أمراء الإشكنازيم بالحكم وقيادة الجيوش وتفسير التلمود؟
    ونتابع المضي مع المقارنات أيضاً ما أشبه الليلة بالبارحة.
    عاشراً: اعتمد الفرنجة السابقون والصهيونيون اللاحقون على السواء أسلوباً واحداً في التشبث بالأرض وفي التوسع عند الإمكان، القلاع التي نثرها الفرنجة على جميع المعابر إلى المنطقة المحتلة قابلها الصهيونيون بقلاع عسكرية من مثلها ترونها في أنواع المستعمرات التي زرعوها على طول الحدود وفي داخل البلاد وكل منها مسلحة كاملة، وكما كان المحاربون القدماء يعيشون على أراضي الزراعة حولهم، يعيش المحتلون الجدد محاربين مزارعين في المستعمرات الجديدة، وكما كانت القلاع الفرنجية في القديم تتوزع بين منظمات الداوية والاسبتارية والملك والإقطاعيين نجد المستعمرات الصهيونية موزعة بين الأحزاب والمنظمات الإرهابية.
    حادي عشر: منذ الأيام الأولى للتوضع الصليبي في القدس، لم تكن الموانئ الشامية وحدها هي الهدف، بلى! كانوا يحتلونها واحداً بعد الآخر، الأساطيل التجارية الإيطالية وضعت كل ثقلها لاحتلالها، لكن عينها وعين مملكة القدس الصليبية معها كانتا على مصر وعلى "العقبة" مصبي طرق التجارة العالمية إلى المتوسط، حاولوا احتلال مصر مرات حتى سبقهم إليها نور الدين وصلاح الدين، بنوا قلعتين في الطريق إلى أيلة بشرقي الأردن، بنوا قلعة في جزيرة فرعون بخليج العقبة بالقرب منها، أقاموا إمارة في الكرك تسلمها قبيل حطين فارس من أعتى فرسانهم: أرناط المعروف الذي حاول بمشاريعه البحرية السيطرة على البحر الأحمر حتى عدن، كما حاول الوصول إلى المدينة وكان من الأسباب المباشرة لموقعة حطين، والسبب؟ السبب ليس حب الصحراء ولا الماء، ولكنه الدور الاستراتيجي والتجاري، كانت طرق التجارة العالمية بين الشرق البعيد، طرق الأفاويه والتوابل والبخور والنسج، تمر من هذه المنافذ، وما جاء بهم إلى الشرق الأدنى إلا الطمع بهذه المنافذ وتجاراتها، وحين انقطع الطريق البري بظهور المغول عليه في القرن الثالث عشر، وفقدوا السيطرة على القدس والمناطق في شرقها، وصارت مصر هي الطريق التجاري الأكبر توجهت الحملات إليها، وإلى دمياط الثغر الأول بالذات، الحملتان الخامسة والسابعة توجهتا إليها، وفشلت الحملتان، هل يذكرنا هذا بقتل الكونت برنادوت الوسيط الدولي بأيدي الصهاينة لكي يتوسعوا في النقب، وبإصرار بن غوريون على احتلال أيلة بأسرع وقت سنة 1948، أو بما أعقب ذلك من أحداث حول خليج العقبة البحر الأحمر حتى مشكلة طابا اليوم والجزر في مدخل خليج العقبة؟ وهل يكشف هذا نفسه لأعيننا عن معنى محاولات إسرائيل النفوذ من البحر الأحمر إلى ما وراءه لتكون مثلها مثل مصر المطلة على البحرين الأبيض والأحمر؟ وله يكشف ذلك دورها التجاري والاستراتيجي؟
    ثاني عشر: حرص الفرنجة الصليبيون منذ أيامهم الأولى حتى أيامهم الأخيرة على إبقاء التمزق السياسي قائماً في المنطقة، كان كنزهم الثمين، وحرصوا أكثر من هذا على عقد هدنة مع كل طرف على حدة: مع إمارة دمشق، مع إمارة حلب، مع أمراء الجزيرة، مع مصر التي ظلت تحتفظ بعسقلان في أقصى الجنوب الفلسطيني خمسين سنة تماماً كما احتفظت مصر في العصر الحاضر بقطاع غزة، البند الأساسي في هذه الهدنات: فتح طرق التجارة والسبل الآمنة، هل يذكرنا هذا بشعار "التطبيع" اليوم؟ وبما تحاوله السلطات الصهيونية من العلاقات مع مصر؟ ومع غير مصر؟ الفرنجة في القديم كانوا كذلك يفعلون، ينفردون بالإمارات في المنطقة، يضربونها الواحدة بعد الأخرى ضربات خاطفة صاعقة، أو يهادنونها واحدة واحدة! كانوا يعرفون أن في لقائها بعضها مع بعض نهاية المشروع المهووس، يخشون هذا اللقاء خشيتهم للموت لأنه الموت! ألم يكن ذلك في حطين؟ ألسنا نرى استماتة إسرائيل منذ بن غوريون وشاريت إلى بيريز وشامير في المطالبة بالمفاوضات الفردية والمباشرة؟ ورعبها من أي لقاء بين دولتين، لقد جرت بعض هذه اللقاءات في القديم، أمير الموصل مودود اتفق مع أمير دمشق طفتكين وواقعا الفرنجة، فكانت لحظة من أخطر لحظات المملكة الصليبية، وأمير دمشق اتفق مع أمير حلب، على بينهما من تباين، فتمكنت الإمارتان من الوقوف يومذاك، وحارب معها أمام غزة، كما دافع عن ثغرها (صور) بجنده وماله، لكنها كانت اتفاقات عابرة غير واعية، ألا تذكرنا هذه المحاولات بمحاولات الوحدة بين سورية ومصر، أو بين سورية والدول العربية الأخرى؟
    وكان أقصى ما تتمناه مملكة القدس أن تعقد الصلة مع إمارات الشام ودمشق بالذات، لقد أفشلت الحملة الصليبية الثانية كلها لتبقى لها دمشق التي كانت تهادنها، وعقدت معها حلفاً منفرداً استمر قرابة اثنتي عشر سنة هو "كامب ديفيد" الزمن القديم الذي أنهاه نور الدين محمود بتحرير دمشق من الأمير المتحالف، لقد ظلت مملكة القدس تلعب على حبال التفرقة، حتى سقطت بين الحبال!
    ثالث عشر: أضاع العرب المسلمون، أيام الفرنجة، فرصاً ذهبية لإنهاء الوجود الاحتلالي الفرنجي، ارتسمت حطين عشرات المرات في الأفق قبل حطين بزمن طويل، قصر النظر السياسي وحده هو المسؤول عن عدم اغتنامها، السنوات التسعون التي انقضت بين سنتي 492هـ (سنة الاحتلال) وسنة 583هـ (سنة التحرير) شهدت مئات المعارك كما شهدتها مثلها مائة سنة أخرى من بعد، وبعضها في عنف حطين ونصرها الحاسم، أولى هذه الفرص كانت أمام إنطاكية عشية وصول الفرنجة إلى الشام، دخلوا أنطاكية الفارغة من المؤن وهم حوالي مائة ألف، وبعد ثلاثة أيام فاجأهم الحصار الإسلامي بستة جيوش فدب فيهم الجوع حتى أكلوا النعال والجلود وعشب الأرض، وبادر الكثير منهم بالهرب، حتى الداعية بطرس الراهب! ثم خرجوا بهجمة واحدة يائسة، فلم يحاربهم أحد من الجيوش المتربصة حولهم واكتفوا بالفرار، كانت هذه المعركة هي التي أدت إلى التوطد الصليبي وإلى احتلال القدس! هل يذكركم هذا بحرب سنة 1948؟
    وبعد أشهر من الاحتلال والمذابح، تحمل الفرنجة عائدين إلى بلادهم، لقد أدوا مهمتهم، لم يبق في فلسطين كلها سوى ثلاثمائة فارس وألفي محارب، ولم تستفد من هذه الفرصة مصر، وكانت تستطيع أن تسوق فيما يذكرون ثلاثين أو خمسين ألف فارس، ولم تستعملها دمشق وكان لديها عشرة آلاف فارس، كل ما صنعه طفتكين أتابك دمشق أنه ذهب في كواكب من فرسانه إلى طبرية فأخذ منها مصحف عثمان فدخل به دمشق في موكب حافل وأغلق الأبواب!
    ومرت فرص بعد فرص من هذه اللحظات الحرجة أضاعها المصريون، كان أخطرها حلمة مايو/أيار سنة 1102م التي سحق فيها الفرنجة عند الرملة فاختفى ملك الفرنجة الهارب في أجمة قصب أحرقها المسلمون فلحقته النيران، والقدس فارغة دون حامية، ولكن النجدات الغربية التي وصلت على المراكب قلبت الميزان، هل تذكرون قصة حرب 1973 والجسر الجوي الأمريكي وثغرة الدفرسوار؟.
    أخطر تلك الفرص كانت معركة الأقحوانة عند طبرية سنة 507هـ/1113م، أربع عشرة سنة بعد الاحتلال، التقى جيشا دمشق والموصل مع الجيوش الفرنجية قرب حطين، وتراءت حطين نفسها في المعركة، بحيرة طبرية اختلط فيها الماء بالدم حتى امتنع الشرب منها أياماً، وحشر الجيش الفرنجي محاصراً مهزوماً في الجبال شهرين بجرحاه وأثقاله لا يجرؤ على الحركة، لم يكن في كل مملكة فلسطين من حامية، ووصلت طلائع الجيش الإسلامي حتى مشارف القدس، ودانت لهم البلاد بالطاعة، ثم خشي أمير دمشق أن يختطف منه أمير الموصل إمارة دمشق فأقنعه بالعودة واستئناف القتال في الربيع القادم، ولم يأت هذا الربيع أبداً لأن الأمير الموصلي قتل.
    أخطرها في هذه الفرص القديمة الضائعة أن الثمن الذي كان سيدفع فيما بعد كان دوماً أغلى فأغلى، أليس هذا هو قدرنا اليوم مع الاحتلال الصهيوني: الفرص دوماً تضيع والثمن دوماً يرتفع؟
    رابع عشر: المقاومة الإسلامية للفرنجة لم تتبلور التبلور السريع لأسباب عديدة، كانت تتصاعد حالاً على حال مع ازدياد اندماج المنطقة ووعيها للكارثة، المعارك التي استمرت تسعين سنة أفرزت الكثير من البطولات كما سفحت على التراب الكثير من الشرايين، في حين كان الحزن يعشش أكثر فأكثر في الصخور والعيون، من هذا الصمود صاغت المنطقة عشرات الرجال، وكان لكل منهم "حطينه" على مقداره، كل منهم ضرب سيفاً في حطين المقبلة ولو لم يحضرها: كربوغاً، جكرمش، جاولي، مردود، أقسنقر البرسقي من الموصل، سقمان بن أرتق، إيلغازي أخوه، برسق، نجم الدين ألبي من الجزيرة، طفتكين، إسماعيل بن بوري، أتر من دمشق، علي كوجك، مظفر الدين كوكبوري من إربل، الأفضل الجمالي، إبنه شرف المعالي، الوزير المأمون، رضوان الولخشي من مصر .. هي أسماء كثيرة لا يذكرها أحد، ولكنهم كانوا الشرط الأساسي لظهور صلاح الدين، لقد كانوا ربيع السيوف الذي برز منه عماد الدين زنكي، ثم نور الدين ثم صلاح الدين، وإذا كان صلاح الدين وحده يخرج من الأسطر ويفرض نفسه على الذاكرة والتاريخ فإنه، بكل تأكيد، لم يخرج وحده من عتمة الإنهزامية والسكون، ما كان ممكناً أن يخرج لو لا "صلاح الدينون" الآخرون الذين سبقوه، كان لا بد أن يوجد السابقون الذين انطفؤوا في مستنقع السلبية والتمزق، ليوجد صلاح الدين من بعدهم محرراً أخيراً، أليس في سجل الصمود اليوم عشرات الأسماء التي تسجل في انتظار حطين المقبلة؟
    خامس عشر: كانت عملية تحرير فلسطين من الفرنجة من عمل مصر والشام بالذات، وكان شمال العراق هو العمق الاستراتيجي للعملية، ويبدو أن المنطق الجيو- بوليتكي لا يزال قائماً ولا تزال عملية التحرير من مهمات هذه المنطقة بالذات قبل غيرها، وإن كان منطق العصر لا يكتفي بها ويدخل في التحرير ما لا ينتهي من العناصر الأخرى، على أنك تستطيع أن تفهم لماذا ارتجفت أركان إسرائيل والدول التي تستخدمها للوحدة التي قامت سنة 1958 بين مصر وسورية، لقد رأت فيها- كما ظلت ترى في كل مشروع وحدوي- بداية النهاية، إنها إنما تقوم على تمزق المنطقة وفتاتها، الضباع لا تعيش إلى على الجيف، وهي تفهم هذا الدرس جيداً، بقي أن نعي نحن بدورنا هذا الدرس.
    سادس عشر: وأخيراً كانت حطين، لكنها لم تكن إلا بعد أن وجدت عاصمة ومركزاً ديناميكياً لها في دمشق، وقيادة واعية ملهمة، وقوة موحدة ساحقة، وعمقاً استراتيجياً وراءها، وموارد تدفع ثمن الدماء وإعداد سياسياً طويلاً مضنيا، ولن تكون حطين الأخرى إلا إن وجدت مثيل كل ذلك وعلى مقياس العصر هو العنصر الحاسم.
    ونصل بعد إلى المحاور الأساسية وإلى تطبيقاتها في سياسة الصليبيين في المنطقة وفي سياسة الصهيونيين، كان الصليبيون يدركون، وهم يتجهون إلى الشرق أمرين أساسين:
    1- يدركون وحدة العدو العربي المسلم ما بين الأندلس إلى المشرق الكثيرون ممن شاركوا في الحملة الأولى كانوا من قبل يقاتلون في جبهة إسبانيا ضد المسلمين، واستمر الأمر على ذلك من بعد.
    2- ويدركون أن موانئ الشرق الغنية هي مصب التجارات القادمة من المحيط الهندي وما وراءه، الأساطيل الإيطالية كانت قبل ذلك بكثير تقوم على هذه التجارات في البحر المتوسط واستمرت هذه الأساطيل سيدة هذا البحر من بعد.
    وهكذا كانت استراتيجية الصليبين تقوم على الأمرين معاً:
    1- ضرب العالم العربي الإسلامي في وسطه تماماً بجانب ضربه في الأندلس وشمال إفريقيا وصقلية، لينقطع اتصال الكتلة الغربية الإسلامية بعضها مع بعض.
    2- استثمار الموقع الاستراتيجي لفلسطين حتى الحد الأقصى تجارة ودوراً، والتحكم في عقدة الاتصال الأساسية في التجارة الدولية فيها، ولما كانت مصر تشارك فلسطين الموقع الاستراتيجي فقد كان هم الصليبيين موجهاً إلى مصر دوماً لفصلها عما حولها أو أخذها، يوم وصلت الحملة الأولى الرملة سنة 1099 وقبل أن تحتل القدس أخذوا يتشاورون في متابعة المسير إلى مصر! وظلوا بعد ذلك على مهاجمتها دون انقطاع، وحاولوا أخذها أيام نور الدين، وتوجهت إليها الحملتان الخامسة والسابعة بعد ذلك.
    هذه الاستراتيجية مرت خلال العهد الصليبي بمرحلتين: في المرحلة الأولى التي امتدت حوالي نصف قرن: كانت المملكة الصليبية والإمارات التابعة لها تعمل لحسابها في عملية استعمارية مبكرة، وكان لها سند قريب قلق في بيزنطة وسند عريض بعيد في دول الغرب، في المرحلة التالية: وبعد أن أدركت الحركة الفرنجية عجزها عن ابتلاع المشرق بكتلتها المحدودة، باعت نفسها لبيزنطة طلباً للمعونة المباشرة أيام نور الدين وأوائل أيام صلاح الدين، وقبل أن تقع حطين كانت قد باعت نفسها لمن يشتري في الغرب، كانوا يفتشون عن ملك، أي ملك، رموا هزيمة حطين على رأس الملك (غي) النبيل الفرنسي الذي اتفق أن قاد الجمع الصليبي ضد صلاح الدين، ثم بعد أن تضاءل المشروع الصليبي إلى مجرد شقة ساحلية بين صور ويافا أخذوا يبحثون له عن منقذ يعينه: فيليب أوغوست أو ريتشارد قلب الأسد، ثم جاءت أيام الحملة الخامسة فتحكم في المشروع ملك هنغاريا أولاً وفشل، ثم قاده الكاردينال بلاجيوس مندوب البابا سنة 1218- 1229م فغرق به في وحول الدلتا وبعد دمياط، ثم تولاه فريدريك الثاني صاحب صقلية فكانت مملكة القدس مجرد ملحق إضافي لمملكة الإمبراطوري، وجاء لويس التاسع بالحملة السابعة وقاد المشروع مرة أخرى إلى دمياط، وأغرقه مرة أخرى في مياه النيل عند المنصورة.
    لو أغمضنا الأعين لحظات، نتأمل في كل هذا الذي مضى من تاريخ الصليبيات، استراتيجية ومراحل، واستبدلنا بكلمة الفرنجة كلمة الصهيونية فهل يختلف الأمر؟ تجاوزوا القرون الثمانية التي مرت، وضعوا مكان بيزنطة والغرب في المرحلة الأولى بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدول الأخرى حتى حرب 1967، وضعوا اسم الولايات المتحدة في المرحلة الثانية بعد تلك الحرب، وراقبوا الذيلية الصهيونية للاستراتيجية الأمريكية منذ ذلك الوقت إلى اليوم، أليس تنبئ مطالع الخط بنهاية المصير؟
    لقد كانت إسرائيل في الجيو- استراتيجية البريطانية إسفين التحطيم للكتلة العربية، وعقدة الطريق إلى الهند، ولهذا خلقت في مكانها، فلما ثبت التمزيق للبلاد العربية، وأقيمت الحدود والدول المنعزلة، واستقلت الهند، انتقلت إلى الجيو استراتيجية الأمريكية لتصبح جزءاً من الحزام الأمني الاستراتيجي ضد الاتحاد السوفيتي، ووسيلة للإبقاء على التخلف العربي، وضاعت فلسطين بين أرجل الاستراتيجيتين، كما ضاعت من قبل أيام الصليبيات، وإلا فاسألوا إذن أنفسكم عن إسرائيل، هذا الحائط اللاهوتي الذي انتصب على العدوة- المفصل لتمارس الأمة العربية الموت على طرفيه، وليعزل مصر عن الوطن العربي بين اللاهوت اليهودي من جهة وبين بحار الماء والصحراء من جهة أخرى، ترى ما دوره في استراتيجيات الدول الكبرى؟ ولماذا تحقنه أمريكا كل سنة بنصف مساعداتها للعالم وهو في شبرين من الأرض وفي ملايين قليلة معدودة من البشر؟ إن الولايات المتحدة تحاول أن تجعل الجغرافيا الصغيرة تقوم بدور الدول الكبرى وتحقنها بالسلاح والمال حقناً في حين تعكف الجماعة المحتلة على اختراع التاريخ واللاهوت والمرتزقة.
    وأخيراً هل يعني هذا الذي سلف كله أن لا جديد تحت الشمس؟ وأن التاريخ يعيد نفسه بنفسه؟ وأن حطين ذاتها قادمة في حطين أخرى مماثلة؟ لست أعني هذا أبداً ولا أعتقده، ثم كل يوم جديد تحت الشمس، وحذار أن ننظر إلى حطين من خلال الماضي، إنها لن تكون إلا من خلال المستقبل وأهوال المستقبل، حذار أن نطلب منها أكثر من أن تكون ملهمة بدورسها والمعاني لأنها لن تتكرر إلا بهذه الدروس والمعاني، إن التاريخ أعجز وأعظم من أن يعيد نفسه، وأنا أعرف أن الدنيا الدولية كبرت جداً وتعقدت مصالحها المشتبكة، وأن الأسلحة اختلفت حتى جهنم الذرة وعدميات الفضاء، وأن الأفكار والإيديولوجيات تطورت فما تلمها الخطوط والرؤوس، وأن حطين المقبلة سوف تكبر بهذا المقدار نفسه لتكون نصراً! لقد تكون قطعة من جهنم أو أشد عذاباً، ولقد لا تكون حطين واحدة حاسمة، ولكن سلسلة حطينات، ولقد تدخل تيه التعقيد الدولي فلا تكون بيننا وبين الصهيونية فحسب ولكن مع القوى التي توظفها أيضاً، ولقد لا تكون في ذلك المثلث المقدس من تراب اليرموك- حطين- عين جالوت، ولقد تلعب بها التكنولوجيا الحديثة لعباً ما عرفه العالم قط من قبل، ولقد تختلط فيها الرؤى فما "يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر".
    وإذا احتاجت حطين الأولى إلى صلاح الدين وصحبه، يعدون لها ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل، ومن الإعداد الدولي، والدبلوماسي، ومن الموارد الاقتصادية ومن الخطط التكتيكية، ويخوضون المعركة سنبابك تقدح الشرور، وأشلاء ممزقة على الوديان، ونيراناً تحصد الوجوه، وسيوفاً تبصق الدماء، إلا أن كل ذلك ليس أكثر من لعبة أطفال أمام ما يجب لحطين المقبلة التي لا بد فيها من حرّاقة هوقل الأسطورية وهو يحارب الهيدار الأفعوان ذا الرؤوس السبعة الذي كلما قطع له رأس نبتت منه سبعة رؤوس فلا بد من حريق كل رأس حتى الجذور.
    أعرف كل هذا الرعب المنتظر، وأعرف أبعاده المأساوية، ولكني إنما أفسر اهتمام الصهيونية بالصليبيات ودوافع هذا الاهتمام خارج إطار العلم والعلماء لأصل إلى معرفة السر وراء احتفال إسرائيل أيضاً بحطين.
    إن حطين كانت معركة النهاية كما كانت معركة البداية، ومن خلال حطين تريد إسرائيل أن تفتح لنفسها ثقباً من ثقوب الشرعية، إنها تموت رعباً من التاريخ الذي ينذرها، ولو أنها تبني كيانها كله عليه، تخشى أي مناقضة تاريخية لئلا ينهار البناء كله، وهي تعرف أن الناس يلتهمون الطعم إن كان تاريخياً كما يلتهمون الفاكهة النادرة، مساحات الغبار التي تفصل بينهم وبين التاريخ تدفعهم إلى تصديق كل أسطورة، وإسرائيل تريد أن تخرق جدار العهد الإسلامي في فلسطين في أروع لحظاته بأسطورة تاريخية جديدة تصادر على المطلوب، وإذا كان العالم كله يرى في فلسطين نصراً لصلاح الدين فإن إسرائيل تريد أن تجير هذا النصر لليهود، تريد أن تطبع قبلة يهودية على جبين صلاح الدين، قد يكون من المضحك حتى القرف أن تسوق إسرائيل أسطورة تقول إن صلاح الدين كان عميلاً يهودياً، وما صنع حطين وفتح فلسطين إلا ليقدم القدس على طبق من فضة لليهود، مع ذلك سوف تسمعون هذا، وسوف يطلبون له بوسائل الإعلام معتمدين على تزييف بن غوريون.
    بلى! يهودا الحريزي الشاعر الأديب اليهودي الذي زار القدس حوالي سنة 1216م، أي بعد ثلاثين سنة تقريباً من حطين كتب في مذكراته التي نقل عنها المؤلف اليهودي مان "لو تساءلنا عن السبب في منع الصليبيين المسيحيين لليهود من البقاء في فلسطين لسمعناهم يقولون بأننا المستببون في قتل إلههم ولذلك أنذرونا بأنهم سيأكلوننا أحياء .. لكن الله أرسل الملك العادل صلاح الدين وزوده بالحكمة والشجاعة وحاصر القدس: فأسقط الله بعونه المدينة في يده، وعندما أرسل السلطان منادياً ينادي في أرجاء البلاد بأن يعود كل أبناء إبراهيم إلى القدس من العراق ومصر ومن كل البلاد التي لجأوا إليها، ذكر خبر آخر، يهودي بدوره: أن ثلاثمائة من يهود الغرب وصلوا سنة 1211م إلى فلسطين ومعهم الربانيون بن شمشون والإشكنازي واللونلي، فلم يجدوا سوى عشرة من اليهود معهم يصلون على جبل الزيتون، والتقط هذه الجمل عدد من كتاب اليهود وتبعهم بعض العرب ليعتبروا ذلك من بعض التاريخ، غير أن أكثر الجميع كذباً كان بن غوريون، لقد حور هذه الكلمات فكتب:"أصدر صلاح الدين نداء غداة فتحه القدس يحث في اليهود الفارين من حكم الصليبيين صغاراً وكباراً على أن يعودوا إلى القدس، وفي خلال سنوات قليلة من حكم هذا السلطان العادل أعيد تجمع اليهود في القدس، ووفد اليهود عليها من كل صوب، ولقد عاد مع هؤلاء العائدين عدد من كبار علماء اليهود ورابانييهم، منهم ثلاثمائة من فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وسكنوا المدينة.
    ولقد ذكر مؤرخ يهودي أن الملك العادل أخا صلاح الدين استقبل سنة 1211 هؤلاء العلماء الثلاثمائة استقبالاً طيباً، وسمح لهم ببناء مدارس ودور عبادة يهودية، وكان على رأسهم الرابي شمشون بن إبراهيم الشنازي والرابي يوناتان الونلي، ولقد استمرت هجرة العلماء اليهود الغربيين إلى القدس وفلسطين طول عهد صلاح الدين وعهد أسرته من بعده (بن غوريون، اليهود في أرضهم، ص 217- 218).
    الهوس البن غوريوني زيّف النص ونفخ فيه حتى صار بالوناً ضخماً، إن معلمه غوبلز هو الذي قال: أكذب أكذب دائماً فلا بد أن يبقى من كذبك في النهاية شيء، وهكذا زيّف بن غوريون النص والتاريخ في عدد من النقاط ومد لسانه للجميع: زيفه في قوله:"يحث اليهود صغاراً وكباراًَ على أن يعودوا إلى القدس وفي سنوات قليلة أعيد تجمع اليهود في تجمع اليهود في القدس ووفدوا عليها من كل صوب، ولم يكن شيء من ذلك، ولا كان لليهود تجمع في القدس ليعودوا، ولم يذكر أحد من المؤرخين أن صلاح الدين بعث المنادين، إضافة إلى أن "أبناء إبراهيم" إنما يستعملها اليهود للدلالة على جميع أبنائه من سارة وهاجر، من عرب ويهود، وأضاف بن غوريون زيفاَ آخر في قوله: إن 300 من علماء اليهود بدلاً من 300 من اليهود وإنهم من فرنسا وإنكلترا وإسبانيا، وهم من إسبانيا فقط ممن طردهم الإسبان عند نشأة محاكم التفتيش كما طردوا غيرهم، فاسما الربانيين اللذين كانا بينهم هما شمشون بن إبراهيم الإشكنازي وهو اسم عربي إسباني، ويونان اللونلي من بلده لونة في الأندلس، وكانت البلاد الإسلامية كلها مفتوحة لليهود السفار أديم قبل حطين وبعدها، لا في القدس وحدها، فمنهم آلاف يتوزعون ويتنتقلون في كل من بغداد والبصرة ونيسابور وتبريز والموصل وحلب ودمشق والقاهرة والإسكندرية والقيروان وفاس وقرطبة وغرناطة وطليطلة. ويضحكنا قوله: استمرت هجرة العلماء اليهود طوال عهد صلاح الدين وأسرته إلى القدس بالذات، ولو كان هذا حقاً فلماذا لم يوجد سوى عشرة يهود في القدس بعد حطين بثلاثين سنة يستقبلون وفد اليهود الثلاثمائة.
    ولو كان هذا حقاً لما دفن كبير فلاسفتهم ورئيس جالوتهم ابن ميمون في طبرية، ولكن في القدس عند بقايا الهيكل، ولو كان حقاً لذكر ذلك الذاكرون، ومصادر العهدين الأيوبي والمملوكي بما فيها أقوال الرحالة اليهود مجمعة على أنهم لم يجاوزوا في القدس في أحسن أحوالهم بضع عشرات أو بضع مئات حسب العصور والأحوال، وكان وجودهم ينعدم تماماً في القدس في بعض الفترات ويكمل تزييف بن غوريون في قوله:"بناء مدارس ودور عبادة يهودية" وإنما سمح لهم بكنيس فيه مدرسة هو معبد ناحوم، وسمح للمسيحيين- وهم الأعداء يومذاك- بأمثال ذلك.
    إن عباقرة الإعلام الصهيوني سوف يحاولون أن يلبسوا صلاح الدين الطاقية اليهودية ويدوروا به على بوابات العالم باعتباره خادماً من خدمهم بدوره، وكما كان بإمكانهم أن يسرقوا مختلف الأساطير من قبل: أسطورة أرضهم من الفرات إلى النيل، وأسطورة أرض الميعاد، أسطورة الديمقراطية الفريدة، وأسطورة الملايين الستة التي أحرقها هتلر، وأسطورة الدولة المسكينة المهددة بالذبح، وأسطورة الإرهاب العربي .. فإنهم يريدون أن يركبوا اكتاف صلاح الدين ليسرقوا باسمه اعترافاً به المنادون: أن القدس لليهود.
    ونعود إلى التشابه بين المشروعين الصليبي والصهيوني، التشابه الذي ليس ينقصه إلا كلمة الختام: حطين ولتكن حطين حلماً، إن المشاريع الإنسانية الكبرى إنما بدأت أحلاماً وليكن الطريق إلى حطين مفروشاً بعذاب جهنم، فلا خيار لنا في عدم سلوك الطريق. "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً هو خير لكم". أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين".
    ـــــــــــ
    *مجلة شؤون عربية/ فصلية فكرية - العدد 52 كانون أول/ديسمبر - 1987م/ربيع الثاني 1408هـ - تصدر عن جامعة الدول العربية - رئيس التحرير هيثم الكيلاني
    **أستاذ التاريخ بجامعة الكويت

  17. #17
    عضوية مجـمـدة الصورة الرمزية ابن الاسكندرية
    تاريخ التسجيل
    06 2009
    الدولة
    فلسطين الحبيبة
    المشاركات
    2,144

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    مشكووووووووووووور اخى بارك الله فيك

  18. #18
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد اليمام مشاهدة المشاركة
    مشكووووووووووووور اخى بارك الله فيك
    العفو ..



    .
    .

    إسرائيل كيان له وظيفة استعمارية ..
    ترتبط الآن بعصر النفط كمادة إستراتيجية , ولكن هذا العصر سينتهي يوما .

    ما يحاول اليهود القيام به لضمان بقائهم بعد ذلك , هو التالي :
    _ الدولة المركزية .
    حائط الفصل العنصري وداخله دولة يهودية صافية , (وهذا بحد ذاته مقتل استراتيجي لهم) .
    _ الأطراف المختلطة الحاجزة والوقائية .
    مستعمرات في الضفة , تشكل قلاع أمنية متقدمة للحماية .
    وهذه المستعمرات/المستوطنات ستمتد حتما إلى الجولان السوري , الجغرافيا التي يستحيل أن ينسحب منا الإسرائيليون .
    وستمتد عبر صيغ مطورة ومستقبلية غير معلنة على كامل سيناء وصولا إلى قناة السويس .
    وستمتد تحت مسميات مختلفة وأساليب جيدة على كامل جنوب لبنان وصولا إلى بيروت وطريق بيروت دمشق .
    _ الجغرافية العربية تحت الهيمنة المباشرة .
    كما هو حال جغرافية مصر والأردن , عبر نظاميهما السياسي المتحالف علنا مع إسرائيل في الضراء قبل السراء .
    وكما هو حال جغرافية بلاد الحرمين ولبنان , نظام سياسي موالي للغاية وأكثر تحالفا , ولكن غير معلن .
    ويبقى إسقاط المعارضة والمقاومة في لبنان .
    وإسقاط النظام في سوريا ليكتمل الطوق الأمني العربي لحماية دولة اليهود البائسة .
    _ الجغرافيا الإقليمية تحت التحالف القسري .
    أنظمة إقليمية تتحالف استراتيجيا مع إسرائيل , إيران وتركيا واليونان واريتريا والحبشة , وهنا يبدأ المشروع اليهودي في التآكل .
    فعليا إسرائيل تحتاج لكل ما سبق , لتعيش آمنة بعد عصر النفط , إذا ما وصلت إلى ذلك العصر أصلا .

    تغيير النظام في إيران لم ينجح , المغامرة بانقلاب عسكري في تركيا فشل فشلا ذريعا .
    المسلمون في تركيا وإيران لن يقبلوا يوما هدم المسجد الأقصى وتهويد القدس , هذا الرهان اليهودي , غلطا استراتيجيا قاتلا أيضا .
    المسلمون عبر العالم (باستثناء العالم العربي) يتجهون إلى كره ابدي لأمريكا وإسرائيل , ويخرجون من عمليات غسل الدماغ الممتدة من أيام الحرب الباردة , (المسلم العربي) يتجه معاكسا للتيار الاممي الكوني , بدون أي تبرير منطقي اللهم إلا في بنية العقل القاصرة .
    الصين لن توافق على وجود إسرائيلي في أفريقيا بالشكل الذي يتمناه الإسرائيليون .
    الروس لن يسمحوا بتحويل بحر العرب إلى منطقة عمليات إسرائيلية .

    الاستنتاج الطبيعي ..
    انعكاس هذا المشروع اليهودي الواسع كثيرا على إمكانيات أمريكا الآن , فكيف إسرائيل .
    إذن إسرائيل ستذهب مع أو بدون أمريكا إلى الانتحار , أو التقلص والموت البطيء , هذه حقائق التاريخ .
    ليراجع جميع الحالمين تاريخ آشور , أو مقدونيا , أو مملكة إسرائيل نفسها في جنوب غرب شبه جزيرة العرب في بلاد عسير .

    لم يكن يوما الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ..
    صراعا محليا , أو عربيا , أو حتى إقليميا , كان وسيبقى صراعا كونيا وحادا جدا .
    ولو كان يوما كذلك , لما بقي هذا الصراع دائرا إلى يومنا هذا .
    ومن يعتقد أن المقاوم الفلسطيني أو اللبناني يقف وحيدا أو يستند لوجستيا إلى سوريا وإيران , يكون تائها إلى درجة يمكننا القول انه يهودي , بمعنى العقل الذي لا يفكر ولا يحلم ولا يتخيل ولا يفقه إلا ذاته الالهية /الشيطانية .

    الاستيطان في الضفة ..
    ليس هدفا بذاته , وليس خطوة أخيرة ليقوم بها يهود الكيان الزائل , ثم يرتاحوا .
    بل هو مسار تاريخي إنساني لكل حالة شاذة , ترتفع سريعا وتتوسع أفقيا دائما , وتهوي أسرع .

    15/7/2009

    ..


    زياد هواش _ المجموعة العربية _

    ..

  19. #19
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    سليل الرسول وظهـير إسرائيل

    ذكرت الصحافة الأردنيّة أخيراً ان اختيار العاهل الأردني وقع ــ حسماً للجدال والتكهّنات ــ على ابنه ذي الخمسة عشر عاماً ليكون وليّاً للعهد
    ولا شك أن الاختيار جاء نتيجة لبحث معمّق اعتمد فقط على المؤهّلات والمواهب والاختصاصات
    ولا يلومَنّ أحدٌ الملكَ الأردني إذا وجد كل صفات الكمال مجتمعة في ابنه البكر حسين

    أسعد أبو خليل


    أبناء الزعماء العرب ليسوا نجباء بالسليقة فقط، لكن المواهب والكفاءات تظهر في سيمائِهم في سن الرضاعة

    والأمة الأردنيّة ـــــ أو ما اتُّفق اعتباطاً على تشكيله اعتباطيّاً كـ«أمة» ذات صفات مشتركة (مع أن ونستون تشرشل الذي، وفق روايات الدبلوماسيّة البريطانيّة، رسم خريطة الأردن بعد وجبة غداء في مطعم في القدس، اقترح أن يُشار إلى من يقطن في المملكة الجديدة كـ«فلسطينيّين أردنيّين»، لكن الاستعمار عاد وغيّر فكره في هذا الصدد)، أو مُتخيّلة لأن المُستعمر البريطاني جهد ليخلق من عدم هويّة وثقافة لفصل شعب عن محيطه
    خدمة للمشروع الصهيوني الذي تبنّته الإمبراطوريّة - التي غابت عنها الشمس - في وعد بلفورعام 1917

    ويفرد جوزف مسعد في كتابه المرجعي، «آثار استعماريّة»، عن تشكيل الوطن الأردني، فصلاً خاصاً لتحليل كيفيّة تشكيل الثقافة الوطنيّة الأردنيّة والمواطنيّة المُصطنعة على يد الاستعمار البريطاني والتي أنتجت ما سمّاه مسعد «مقلّدي المُستعمِر» المُحترفين

    الإنشاء العسكري كان نموذجاً ودليلاً للإنشاء الوطني، والبريطاني ملمّ بشؤون الرعيّة أكثر من الرعيّة ومن وكلائه

    ولا يمكن الفصل بين خلق الكيان الصهيوني وخلق كيانيْن مصطنعيْن لتسوير إسرائيل دفاعاً عنها مستقبلاً
    ولا شك أن لبنان والأردن كانا خير معينيْن لإسرائيل في كل المراحل التاريخيّة، حتى في تلك المراحل التي تصنّع فيها الأردن الحرب على إسرائيل

    ولا شك أن الكيان الأردني حمى إسرائيل في محطّات تاريخيّة مفصليّة، لا بل إن النصر الصهيوني عام 1948 يعود في الدرجة الأولى إلى التواطؤ الهاشمي الذي أدّى إلى تولّي الأردن (بإصرار بريطاني) «قيادة» العمل
    الحربي العسكري (الكوميدي) ضد إسرائيل وذلك لا لمنع قيام إسرائيل وإنما من أجل قيامها ومن أجل منعِ منعِها

    تذكر المراجع التاريخيّة (مثل كتاب «جذور الوصاية الأردنيّة» لسليمان بشير وكتاب ماري ولسن عن «الملك عبد الله وإنشاء الأردن») كم كان عبد الله حريصاً على تلقّي الرشى الصهيونيّة , وكانت الأموال التي ضَمَنت دعمه للصهيونيّة زهيدة جداً : بضع مئات من الجنيهات هنا وهناك وهنالك، وكان أحياناً يطلب المزيد في المواسم والأعياد لأنه ـــــ كما قال في رسالة ـــــ يريد أن يؤثّر على الصحافيّين والكتّاب الذين يناهضون الصهيونيّة
    لكن الرشى تقليد لم يحدْ عنه العرش الهاشمي منذ إنشاء الكيان

    والعودة إلى عام الفصل في 1948 ودور عبد الله مهمة للغاية ليس فقط لتمحيص درجة التواطؤ العربي على أكثر من جبهة، بل لتلمّس الدور المرسوم للأردن منذ بداية الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي

    فماذا فعل وقال سليلُ الرسول القادم من مكة ؟ قال ما يلي ردّاً على الغضبة العربيّة العارمة بعد مجزرة دير ياسين: «لقد تلقيت برقيّة من الوكالة اليهوديّة تستنكر فيها مذبحة دير ياسين وتعلن سخطَها على الإرهابيّين الذين اقترفوا الجريمة»..... خاف حضرته أن تعمّ الغضبة وتؤثّر على اتفاقاته مع الصهاينة والتي تناقضت مع ما كان يتّفق مع العرب عليه

    وعندما كان العرب مُجمعين على ضرورة التصدّي للخطر الصهيوني، كان عبد الله هذا يُولول ويرغي ويزبد محذِّراً من الخطر الشيوعي : «إني والله أحب السلام... ولكن إذا ازداد الموقف سوءاً فإني أشدّ الناس مراساً في العمل، وخاصة إذا شممت رائحة الشيوعيّة هناك» (نص تصريحات عبد الله مُدرَج في كتاب عبد الله التل القيّم، «كارثة فلسطين

    وعندما كان شعب فلسطين يستنجد بالجيوش العربيّة، وَعدهم بـ«ذئاب العرب» لكن فقط إذا تعرّضت المُقدّسات للخطر (ص 63 من المرجع المذكور

    ولا داعي لفتح جروح شعب فلسطين بسرد تفاصيل التدخل العربي المسرحي، وخصوصاً أن القائد العربي، الملك عبد الله، كان مُرتَهناً للمستعمِر البريطاني والوكالة اليهوديّة في آن واحد

    حرص غلوب باشا أن لا يحيد دور الجيش الأردني عن الاتفاق السرّي , وسرعان ما اجتمع عبد الله مع وفد إسرائيلي بعد انتهاء المعارك وقال له : «وأنت تعلم يا ساسون ـــــ والأخير باني علاقة مُبكّرة مع حزب الكتائب اللبنانيّة رغم اختلاق جوزف أبو خليل لرواية الإبحار العفوي إلى إسرائيل عام 1976 ـــــ أننا لم نحاربكم ولم نعتدِ على ما خُصِّص لكم في الاتفاق الأردني ـــــ الإسرائيلي السرِّي

    وسارع بن غوريون إلى تقديم هديّة ثمينة لعبد الله الذي، للأمانة، كان يُفضِّل الهدايا النقديّة من الصهاينة لا الخرائط القديمة والجلود المزركشة

    ما علينا.... عرف شعب فلسطين بسرعة ما فعله بهم عبد الله، وكان ما كان

    لا شك أن دور حسين كان مؤثِّراً.... لم يحد الوطن الأردني المسخ عن دور الظهير لإسرائيل الذي بدأه جدّ حسين من قبل، وفق الإرادة البريطانيّة السامية منذ الإنشاء

    والحديث عن حسين واجبٌ هذه الأيام وخصوصاً أن كتابيْن صدرا حديثاً هنا لسرد سيرة رجل وَقع كتّاب الغرب في هيامِه ـــــ لا لإقامته مملكة فاضلة وإنما لسهولة إذعانِه ولتقديمه خدمات جلّى للعدو الإسرائيلي على مرّ العقود

    يمكن التعميم بالقول إن الحكومة الهاشميّة كانت إلى جانب إسرائيل في كل مراحل الحروب العربيّة ـــــ الإسرائيليّة وفي كل مسار ما يُسمّى «الحل السلمي» , أي إن الملك الأردني ناصر إسرائيل سلماً وحرباً

    لكن اغتيال عبد الله أمام ناظريْ حسين ضمن ألا يكون الأردن الدولة العربيّة الأولى التي توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل

    آفي شلايم أصدر كتاباً ضخماً عن حسين ضمنه تفاصيل من لقاءات خَصّه بها الملك، بالإضافة إلى حثّه خلصائِه للتحدّث لشلايم
    وشلايم مؤرّخ من فريق ما يُسمّى «المؤرخين الجدد»، وهو من منتقدي إسرائيل في احتلالها الضفة الغربيّة وغزة , وقد استطاع أن يحصل على ثقة الطلاب العرب في جامعة أوكسفورد حيث يُعلّم
    قال لي بعض تلاميذه هذه السنة إنه يقول لهم إنه خدم في الجيش الإسرائيلي لكن في حرس الحدود فقط
    ذكّرتُ الطلاب العرب بأن حرس الحدود هو الذي قتل «الآلاف» ـــــ وفق تعداد المؤرخ اليميني بني موريس في كتابه «ضحايا مؤمنون بأحقيّتهم» ـــــ من الفلسطينيّين العزّل بين 1948 وأوائل الستينيات وكان هؤلاء يحاولون التسلّل إلى فلسطين المحتلّة لتفقّد ممتلكاتهم

    وسيرة شلايم (تحت اسم «أسد الأردن» ـــــ يكفي الاسم للتيقّن من ولاء شلايم للهاشميّين) عبارة عن 700 صفحة من الدعاية المجّانية للهاشميّين.... فهو لا يخالف الملك في رأي ولا ينتقد ممارسات لا بل مجازر الملك في أيلول الأسود

    وفي مخالفة لمعايير البحث العلمي، لا يحاول شلايم حتى مراجعة المصادر المخالِفة للملك : فروايات الفلسطينيّين لأيلول الأسود (والمراجع العربيّة) لا تهمّ : يعتمد شلايم فقط على الرواية الهاشميّة وكتب إسرائيليّة

    ويضفي في روايته مسحة عاطفيّة رومنسيّة على وصفي التلّ (مثلما يحاول بعض مدّعي اليساريّة في الأردن من الذين يؤمنون بديكتاتورية قائد الاستخبارات السابق عوضاً عن ديكتاتوريّة العمّال - إضراب هابط حتر)، ويعتمد في روايته عنه والزعم أنه كان يمتلك خطة لتحرير فلسطين (ص. 189) على... أفراد عائلته، لا على ثوّار فلسطين الذين تدلّوا كالفراريج في أقبية تعذيب النظام

    لكن شلايم يوضّح منطلقاته في مقدمة الكتاب عندما يصف الملك بأنه يجمع بين «الإنسانيّة والتواضع».... لا يمتنع حتى عن تسويغ المواقف الشخصيّة للملك، مثل منعه مطلّقته الأولى من رؤية ابنتها (ص. 98 من الكتاب)

    لكن الأمر يُثير تساؤلات : ما الذي يجعل من ملك لم يحكم طيلة حياته إلا عبر الجمع بين القمع والتدخّل الخارجي الغربي والإسرائيلي لإنقاذ نظامه مثارَ إعجاب من ليبراليّين غربيّين ؟ الجواب طبعاً يكمن في خدماته لإسرائيل

    وكان شلايم أول من صارحه الملك برواية أخبار كل لقاءاته مع الإسرائيليّين عبر طبيبه البريطاني الصهيوني , وإن فات شلايم أن الملك تمتّع بأكثر من صلة بأصدقائه في إسرائيل، ولم تمرّ دائماً لقاءاته بهم عبر الوسيط اللندني

    ونذكر أن الملك كان حريصاً على نفي ما يصدر في كل مطبوعة غربيّة تذكر خبراً عابراً عن لقاءاته بالإسرائيليّين عبر السنين

    وينسى من يحاول من الغربيّين إضفاء مسحة من التهذيب وحسن الخلق على الملك أنه كان من أصدح الشتامين بين الحكام العرب في الستينيات

    هذا الذي لا يخاطب الغرب إلا بأقصى مظاهر التهذيب وعبارات الترحيب احتراماً منه للرجل الأبيض، كان قبل أشهر فقط من حرب 1967 يصبّ جام غضبه على جيرانه العرب فيقول عنهم ـــــ لا عن الصهاينة : «دكاكين الشرّ التي نصبها أولئك السفاحون وكهوف الانتهازيّة التي أقامها أولئك المجرمون...» (جريدة «القدس»، 24 أيار، 1967)

    ويخفى في الروايات العربيّة عن حرب 1967 أن النظام الأردني أدّى دوراً غير بريء في دفع النظام المصري , والذي يتحمّل مسؤوليّة تاريخيّة في الهزيمة , نحو التهلكة

    إن المؤتمر الصحافي الذي عقده وصفي التل في 7 كانون الثاني 1967 لم يكتم النوايا: الهدف كان الضغط على النظام المصري لسحب قوات الطوارئ الدوليّة.... لقد «ألقى عبد الناصر سلاحه»، ظل التل يُكرّر، ودعا النظام الأردني عبد الناصر إلى سحب قوات الطوارئ الدولية إذا كان حقاً ينوي قتال إسرائيل

    وفي حرب 1973، القصة معروفة : اشتمّ حسين (من خلال جاسوس أردني - عواد السالم - في الجيش السوري كما كشف كتاب أشتون المذكور أدناه) رائحة التخطيط لحرب مصريّة ـــــ سوريّة فطار إلى إسرائيل على عجل ليحذّر صديقة العائلة الهاشميّة، غولدا مائير

    الحميميّة بين حسين وإسرائيل بلغت درجة جعلت من سليل الرسول قابلاً بِـ (ومُتقبِّلاً لِـ) الغارات التي كانت تشنّها إسرائيل على قوات الشرطة... الأردنيّة نفسها، كما ورد في وثيقة أميركية أُفرج عنها وتعود إلى 18 تشرين الثاني 1966

    لكن إنشاء الأردن ـــــ مثل إنشاء لبنان ـــــ اشترط القبول بالتنازل عن السيادة، وإلى الأبد

    هناك معلومات إضافيّة عن الملك في كتاب آخر صدر حديثاً عن دار نشر جامعة ييل لنايجل أشتون.... وليس ما نُشر في الكتابيْن جديداً لمن كان دائماً يُشكّك في الدور الأردني في الشرق الأوسط

    التفاصيل والروايات وحدها جديدة.... كتاب أشتون يُظهر المدى الذي كان فيه الملك أسيراً لمديري الاستخبارات التي كان يثق بها : في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل

    مدير محطة الاستخبارات الأميركيّة في عمان، جاك أوكنيل، كان حاكماً بأمره، وهو الذي تولّى بنفسه دفع المخصّصات السريّة التي رصدتها الوكالة للملك (كما روى بن برادلي، رئيس تحرير «الواشنطن بوست» في مذكّراته) من أجل تعزيز أجهزة استخباراته، وإن كان يستعين بها لغايات اللهو والمرح والحماية الشخصيّة

    وعلاقاته بقادة الموساد كانت تاريخيّة، وكانوا يمدّونه بما يحتاج إليه من معلومات لم تتوافر لأجهزته

    ويكشف الكتاب سرّاً : أن الملك دعم وبقوة ترشيح بنيامين نتنياهو عام 1996 وروّج له بين الزعماء العرب، وإن شعر بالخذلان بعد ذلك

    لكن كتاب أشتون كان أكثر صراحة في الحديث عن التحالف الوثيق بين حسين وصدام .... كانا صديقيْن حميميْن (كما كان عبد الله صديقاً شخصيّاً لعدي , وإن أرادنا أن ننسى ذلك اليوم)

    ومن المعروف أن صدّام سمح لحسين بمساهمة رمزيّة في القصف في الحرب العراقيّة ـــــ الإيرانيّة

    كتاب أشتون يتحدّث عن وساطة بين نظام صدّام وإسرائيل
    تلك الأيام من الاحتلال العراقي للكويت، أطلق حسين لحيته وتذكّر أنه سليل أشراف مكة.... أصابته نوبة الدين مرّة أخرى.... قد يكون حلم بالعودة إلى الحجاز.... عاد ووجد صعوبة في كسب ودّ الأميركيّين.... قدّم سلسلة من الاعتذارات للراعي الأميركي وانتظر بضع سنوات للحصول على صك الغفران مقابل مزيد من التنازلات ومزيد من الإذعان وتنفيذ الأوامر بحذافيرها

    ولكنْ كلا الكتابيْن لم يصلا إلى حقيقة ما جرى بالنسبة إلى تعيين عبد الله خليفة لوالده.... اعتمد شلايم على روايات أفراد في العائلة المالكة غير أن الرواية ناقصة

    نحن نعلم اليوم عن الصراع بين الأمين والمأمون وخلافة هارون الرشيد أكثر مما نعلم عن الصراع بين حسن وزوجة شقيقه أثناء مرض الحسين في أميركا

    وتعيين عبد الله بكره أخيراً وليّاً للعهد زاد الغموضَ غموضاً بالنسبة إلى الصراع داخل العائلة

    سيرة عبد الله لم تُكتب بعد، لكن هناك الكثير عنه في كتاب رون سسكند «أسلوب العالم» الذي صدر في العام الماضي..... يروي سسكند أن حسين، الذي لم يكن مقرَّباً يوماً من ابنه (ويعترف الابن بذلك في مقابلاته مع شلايم)، سلّم أمر تربية ابنه السياسيّة، وحتى الشخصيّة، في الثمانينيات إلى بوب ريشر، مدير محطة الاستخبارات الأميركيّة في عمّان

    وعبد الله ،الذي يحتاج إلى جولة سنويّة في ولاية كاليفورنيا للتنزه في شوارعها البحريّة على درّاجته الناريّة، يصطحب ريشر (الذي اتُّهم في كتاب سسكند بتزوير رسالة من مدير استخبارات صدّام من أجل الترويج لعلاقة بين صدام والقاعدة، والذي تبوأ بعد تقاعده من الوكالة منصب نائب الرئيس في شركة «بلاك ووتر» التي تركت بصماتها الدامية في العراق) حتى في رحلات الدرّاجة الناريّة

    واعتمد الابن، شأن الأب، على شركات إعلان وعلاقات عامّة أميركيّة لتحسين الصورة والتأثير على الرأي العام , وشركة «ساتشي وساتشي» التي ساعدت (بعقود باهظة) الاحتلال الأميركي على الترويج لنفسه باللغة العربيّة ـــــ وجهود اللبنانيّين في الشركة كانت حثيثة ـــــ قامت بالواجب واجترحت له شعار «الأردن أولاً» والذي تحوّل إلى بداية إطلاق حملة عنصريّة ضد الشعب الفلسطيني في الأردن، مثلما كان شعار «لبنان أولاً» لسعد الدين الحنيف الحريري مناسبة لإطلاق حملة عنصريّة ضد الشعبيْن السوري والفلسطيني

    ويتميّز حكم عبد الله بتسليم الأمر للمحتل الأميركي في العراق وللحليف الإسرائيلي

    لم يعد الحكم الهاشمي ولا الراعي الأميركي يحلم بتسليم أمر القيادة الفلسطينيّة إلى الهاشميّين كما حلم الصهاينة منذ الثلاثينيات

    تبيّن للجميع مدى كراهية الشعب الفلسطيني للحكم الهاشمي على مرّ السنين، كما أن القيادة الفلسطينيّة الحاليّة تماثل في طواعيّتها للأميركي والإسرائيلي الحكومات العربيّة المعروفة بمعسكر الاعتدال، رغم ابتكارها لوسائل تعذيب فظيعة

    والاستخبارات الأردنيّة سبّاقة في هذا المضمار.... يروي صديق عانى من سطوة الاستخبارات كيف أن أجهزة التعذيب والتحقيق كانت متخصّصة إلى درجة أن هناك من تولّى أمر حركة فتح، وهناك من تولّى أمر الجبهة الشعبيّة وهلّم جرّا

    ولو لم يكن الأردن يأوي اليوم عدداً وافراً من الثوار الفلسطينيّين المتقاعدين الممنوعين من البوح، لكنا قرأنا مذكرات حافلة بالتفاصيل في هذا المضمار (كان أبو داود مقتّراً جدّاً في هذا القسم من مذكّراته

    ويشكو دبلوماسيّون غربيّون في الأردن من انصراف الملك عن شؤون الحكم وقضاء الوقت في ألعاب الفيديو (وهذا يشبه هوس سعد الحريري بلعبة «إكس. بوكس» كما روت مجلة «فوربز)

    الملكة متحالفة مع قطاع من رجال الأعمال الذين لا يؤرقهم الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه ويتشاركان في الحكم بالاتفاق مع الراعي الأميركي

    لكن الملك ينصرف بالتوافق مع بهاء الحريري، إلى الاستفادة من تملّك العقارات القسري لبناء ثروة شخصيّة خاصة به (ثروة حسين انتقلت إلى زوجته)

    كان القوميّون العرب في الخمسينيات والستينيات يصفون الكيان الأردني بـ«صنيعة الاستعمار».... كانت التوقّعات بالثورة على الحكم الملكي على كل شفة ولسان والمنظمات الفلسطينيّة تؤلف الأناشيد عن حتميّة سقوط النظام

    أيلول الأسود كانت المرحلة التي وثّقت من الدعم الغربي والإسرائيلي للهاشميّين (يروي كتاب أشتون أن الملك الأردني حدّد موعد بدء مجازر أيلول بناءً على مشورة مُنجّمة)

    تعاونت إسرائيل وأميركا في الحرص على حماية الحكم الهاشمي

    والتوقيع على اتفاق وادي عربة سهّل لحسين ولابنه من بعده التعاون العلني مع إسرائيل في كل شؤون المنطقة

    والمراجع الأميركيّة أشارت إلى أن الأردن كان عضواً سريّاً في التحالف الذي أقامته الولايات المتحدة في غزوها للعراق

    لم يجرؤ النظام المغربي على إرسال جنود لدعم المحتل الأميركي فتطوّع بإرسال سعادين مدرّبة على كشف الألغام، ربما عبر التطوّع بالتضحية بأطرافها من دون علمِها.... سعادين المغرب لك يا بوش، هديّة من أمير المؤمنين في الرباط

    حظي الملك الهاشمي بشرف أول إعلان للمخطط الأميركي من أجل إذكاء الفتنة المذهبية (والذي يحظى بحماسة شديدة من شمعون بيريز الذي يكاد أن يُدعى لإلقاء خطبة في جامع الأزهر) عندما بكّر في التحذير من الهلال الشيعي

    لكن الدور الهاشمي تقلّص بعد ذلك : تسلم الحكم السعودي الملف.... فقد الحكم الأردني بريقه الذي كان يحظى به في الستينيات والسبعينيات ... كان أكثر مجاهرة من غيره من الأنظمة العربيّة بقربه من حكومات الغرب المُستعمِر

    السعوديّة والإمارات ومصر ساهمت في تهميش الدور الأردني..... لم يعد يُمسِك بأي من الملفّات العالقة

    حكومة الإمارات تدعم بإشراف أميركي عصابات دحلان، مثلاً , هؤلاء الذين هربوا بالسراويل الداخليّة من غزة

    لم يعد هناك حديث عن تهديد للأردن على يد الثورة الفلسطينيّة

    إن وجود أمثال دحلان وسلام فيّاض ومحمود عباس ينفي الحاجة إلى دور معيّن للنظام الأردني الذي كان يتطوّع لفعل ما لا يجرؤ أي فلسطيني على فعله

    الكل في سلطة أوسلو بات اليوم ـــــ كما قال مظفر النواب ـــــ «لا يشرب إلا بجماجم أطفال البقعة
    ..

  20. #20
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    السعوديّة وإسرائيل الحلف غير المُعلن
    أسعد أبو خليل *
    نشرت «صنداي تايمز» أخيراً خبراً عن تقرير للموساد يفيد بأن السعوديّة ستسمح بعبور الطائرات الإسرائيلية فوق أراضيها إذا ما قرّرت ضرب إيران. وأضافت الصحيفة أن الموساد تعمل بجهد لتطوير العلاقة السريّة مع المملكة السعوديّة. طبعاً، السعوديّة نفت الخبر. والإعلام العربي يتجاهل كعادته أية أخبار تسيء إلى سمعة المملكة التي يتقاطر إليها ليبراليّو العالم للثناء على طقوسها في قطع الرؤوس ورجم العشّاق
    الحديث عن علاقة بين السعوديّة وإسرائيل ليس ابن عصر بوش. فمن المعروف أن السعوديّة اختارت أن تكون بمنأى عن الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي منذ البداية. لم تكن في وارد النظر في أمر مساعدة شعب فلسطين لصدّ العدوان الصهيوني. طبعاً، كان الملك بن عبد العزيز ينظر بعين الريبة إلى كل ما يفعله الهاشميّون. لكن رغم نصائح مستشاريه من أهل الشام ومن الرحالة «فيلبي»، لم ينظر في أمر تدخل سعودي جدّي لنصرة شعب فلسطين. على العكس: كان عبد العزيز يمثّل الجناح الأكثر تآلفاً مع الصهيونيّة منذ الثلاثينيات. ولنتذكّر أن الموقف السعودي (كما نتبيّنه من وثائق الأرشيف البريطاني ومراسلات حافظ وهبة، مستشاره البولاقي) كان مهادناً لقرار لجنة «بيل» في 1937 بتقسيم فلسطين (وكان القرار يتضمّن طرد عشرات الآلاف من العرب من المواقع الخصيبة التي خُصِّصت لدولة يهوديّة). كذلك نصح بريطانيا بجعله أكثر قبولاً من العرب فيما كان العرب (وحتى بعض الحكومات) يرفضون القرار بالقاطع. لكن الحكومة السعوديّة خافت من أن تجاهر بموقف صريح من القرار المذكور، واختارت أن تلحق بالركب العربي في رفض القرار (علناً).


    أراد الملك فهد أن يثبت لواشنطن أنّ خدمات السعوديّة لا تنحصر بالنفط ومعاداة الشيوعيّة
    وكان موقف الملك عبد العزيز تتحكّم به أهواء متناقضة: فهو كان كريهاً جداً في خطابه العنصري تجاه اليهود (كيهود) وتجاه ما كان يسمّيه «المرض اليهودي». وكان يخشى أن يؤثّر أي موقف مُعلن بمهادنة الصهيونيّة على الوضع الداخلي في المملكة، وخصوصاً أنّ النقمة على الحكم كانت تتنامى من جانب «الإخوان» المتشدّدين. كذلك كان الملك طامعاً بلقب خليفة المسلمين أو حاكم العرب المطلق، مع أن الملك المصري كان ينازعه في هذا الطموح. وإذا كان هناك من أي ترسّب لمعارضة سعوديّة للصهاينة، فإنها لم تكن تتعلّق بشعب فلسطين: كان الملك يخشى فقط توسّع الدولة اليهوديّة المُزمعة وإلحاق أراضٍ سعوديّة بها. لكن الارتباط السعودي بالحكم البريطاني (بالرغم من تودّد سعودي نحو الحكم النازي في أواخر عام 1937، لكن عبد العزيز عاد وثبّت تحالفه الذيلي مع بريطانيا بعد تمنّع هتلر عن بيعه السلاح ـــــ ويحتفظ الملك السعودي الحالي في مكتبه الخاص بخنجر نازي ممهور بالصليب المعقوف مُهدى من هتلر إلى عبد العزيز، كما أخبرني سفير أميركي سابق في السعوديّة).
    لكن الأبرز في الموقف السعودي من القضيّة الفلسطينيّة والموقف من الصهيونيّة كان في تلك المبادرة السريّة للرحالة «فيلبي» (وهو أبو الجاسوس المعروف فيلبي). مبادرة فيلبي لا تزال سرّ الأسرار (خصوصاً في العالم العربي) والوثائق البريطانيّة لا تعلم عنها الكثير. ما نعلمه أن الرحالة «فيلبي» جال في بريطانيا في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات مُروِّجاً لفكرة بيع فلسطين لليهود مقابل 20 مليون جنيه إسترليني تُدفع نقداً للملك عبد العزيز، بالإضافة إلى تبنٍّ بريطاني (وصهيوني ضمني) لجعل عبد العزيز ملكاً على كلّ العرب. لم يتحدّث «فيلبي» يوماً عن تفاصيل المبادرة وخلفيّتها، والسعوديّة كعادتها تلعب السياسة بالسرّ، وغالباً ما تأتي التصاريح العلنيّة إما لستر فضيحة وإما لإخفاء مؤامرة شنيعة. لكن الحكومة البريطانيّة أخذتها على محمل الجدّ وبحثتها رسميّاً مع حاييم وايزمان في عام 1942، كذلك فإنّ الرئيس الأميركي، روزفلت، كان على علم مسبق بها. ولا ندري إذا كان الدبلوماسيّون السعوديّون الذين كانوا يلتقون دوريّاً بالمسؤولين الصهاينة (كما روى بن غوريون في كتابه عن لقاءاته مع العرب) قد بحثوا في شأن تلك المبادرة. والمؤرخة القديرة إليزبث مونرو (التي كتبت تاريخاً مرجعيّاً عن أفول السياسة البريطانيّة في الشرق الأوسط) أدرجت قسماً في سيرتها عن «فيلبي» لتحليل القليل المعروف عن المبادرة. فقد ذكرت أن الملك السعودي كان مضطرّاً للنأي بنفسه عن المبادرة بسبب الخوف من ردّة الفعل لأنها تسرّبت إلى دول لم يُفترض أن تعلم بها. وافترضت مونرو أنها أتت من «فيلبي» أصلاً مع أنها لم تقدّم دليلاً. النفي السعودي الرسمي لا يبدِّد الشك، بل يزيده. ما علينا. ماتت تلك المبادرة، وإن كنّا نعلم من خلالها أن آل سعود كان يمكنهم أن يبيعوا فلسطين وشعبها بنحو عشرين مليون جنيه. لم تُبَع فلسطين، والملك السعودي لم يتّسع ملكُه.
    لكن الدور السعودي الرسمي خفت بعد إنشاء دولة فلسطين. الصراع بين أخوة آل سعود في الخمسينيات وأوائل الستينيات (حتى تثبيت دعائم حكم فيصل) ساد في تلك الفترة، وكانت السياسة الخارجيّة مهووسة بالصراع مع عبد الناصر، كما يروي «مالكولم كرّ» في كتابه عن «الحرب العربيّة الباردة». لكن الملاحظ أن آل سعود شاركوا العداء الإسرائيلي لعبد الناصر، ومثّلوا جزءاً من التحالف الأميركي الغربي ضد الشيوعيّة، الذي كانت إسرائيل جزءاً منه. وهنا المهم. لا نستطيع اليوم التحدّث بملء الثقة عن معلومات أو أسانيد لعلاقات رسميّة بين السعوديّة وإسرائيل في تلك الحقبة أو ما تلاها. قد ننتظر سنوات وعقوداً طويلة قبل نشر الوثائق المتعلّقة بذلك. والحكم السعوديّ أكثر تكتّماً من كلّ الأنظمة العربيّة بسبب الهوّة بين السياسة المُعلنة والسياسة الحقيقيّة. العقيدة الوهابيّة والزعم بحماية الحرميْن لا يسمحان بالصراحة من سلالة لم تحد عن طاعة الراعي البريطاني والأميركي. لكن ليس من الصدفة أن السعوديّة كانت جزءاً من أحلاف متعاقبة على مرّ التاريخ العربي الحديث إلى جانب الولايات المتحدة و... إسرائيل. كل الأحلاف المعادية لأميركا وإسرائيل في المنطقة العربيّة كانت في الخندق المقابل للحكم السعودي. صدفة؟
    والملك فيصل عزّز من أواصر الحلف مع المعسكر الرجعي المحلّي والعالمي بعدما استولى على كلّ السلطة. كان الخطاب السعودي الكريه تجاه اليهود (لكونهم يهوداً) لا يمثّل سياسة سعوديّة رسميّة تجاه إسرائيل: على العكس. كان الخطاب العنصري يمثّل غطاءً لسياسة مهادنة نحو إسرائيل على مرّ العقود. كان فيصل يجهر بكراهية تجاه اليهود والشيوعيّة، ولا يميّز بيْن الاثنيْن. لكن هذا لم يمنعه من تعليق عدائه المُعلن لليهود (لكونهم يهوداً) في لقاءاته العديدة مع من تنتدبهم واشنطن للقائه مثل هنري كيسنجر الذي كان عزيزاً جداً على قلب الملك الذي كان يجد صعوبة في ردّ طلباته. ووقف الحظر النفطي (الشكلي، لأن بيع النفط السعودي في السوق الفوريّة استمرّ من دون توقّف) في 1973 أتى تلبية لطلب من «العزيز هنري». وخطاب فيصل ضد اليهود كان شكليّاً بالنسبة إليه لأنه لم يكن يتورّع عن ترداده حتى في لقاءاته مع اليهود الصهاينة. لكن طبيعة التحالف أو التعاون مع إسرائيل في عهده كانت سريّة للغاية، ولا نملك إلا التهكّن والملاحظة هنا. أعداء إسرائيل كانوا هم أعداء السعوديّة، وكان الملك السعودي ينطق بكلام عام لا معنى له عن النيّة بالصلاة في القدس (سبقه إلى ذلك أنور السادات). لكن المملكة كانت تموّل خطاب الإخوان والسلفيّة الجهادي لأسباب تتعلّق باستجداء المشروعيّة السياسيّة في عهد عبد الناصر، كذلك فإنّ التيّاريْن كانا مهادنيْن لإسرائيل. شغلهما الصراع مع الأنظمة الاشتراكيّة على ما يبدو.


    لا نستطيع في عهد
    الملك عبد الله التحدّث عن سياسة خارجيّة سعوديّة، بل عن سياسات خارجيّة للأمراء السعوديّين
    أما ما نُشر من وثائق من تلك الفترة في أميركا، فيبرز الدور السعودي في الضغط على حركة فتح لإسعاد الحكومة الأميركيّة. وقد نصل في تأريخ رصين لحركة فتح لدور سعودي خفي في الصعود المفاجئ أواخر الستينيات لياسر عرفات وجناح خالد الحسن في حركة فتح، وكان عامل المال مقرّراً. هناك من يشير ـــــ دفاعاً عن آل سعود، والدفاع عن آل سعود مهنة مثلها مثل المهن الأخرى في العالم العربي، وإن درّت أرباحاً أكبر ـــــ إلى العطاءات والتمويل السعودي لحركات فلسطينيّة. أولاً، إن المال السعودي كان في أكثره مالاً فلسطينياً مُقتطعاً من ضرائب تُجبى من الحكومة السعودية وتُعلن (في الماضي لأنها توقّفت) لغايات دعائيّة فقط. ثانياً، أما بعض الأموال السريّة والعلنيّة التي دفعتها بعض الأنظمة الخليجيّة لمنظمات فلسطينيّة، فهي كانت أقرب إلى خوّات أو دفعات ضمانة: كانت المنظمات المَحظيّة تتكفّل بحماية الأنظمة من أي نوع من الاعتداءات على أراضيها. قصة أبو أياد مع حكومة الإمارات معروفة: كيف وشى أبو أياد بمجموعة بقيادة أبو العبّاس كانت تنوي سرقة بنك في الإمارات. لم تعلم حكومة الإمارات أن أبو العباس حصل على جوازات السفر المُزوّرة من أبو أياد نفسه. وحصل أبو أياد على مبلغ كبير (لمصلحة جهازه) لوشايته. ولا ننسى أن بعض قيادات حركة فتح كانت تقوم بخدمات قذرة بالنيابة عن الاستخبارات السعودية، كما حصل مع المعارض السعودي، ناصر السعيد، الذي تعرّض للخطف من واحد من أسوأ الفاسدين في الثورة الفلسطينيّة في لبنان، أبو الزعيم (الذي انتفض في عام 1986 على ياسر عرفات بإيعاز أردني)، على ما يعتقد كثيرون.
    أما حكم الملك فهد (والإخوة السديري)، فقد بدأ في عهد الملك خالد، لأن الأخير انصرف ـــــ على غير عادة أمراء آل سعود ـــــ للتقوى والورع، فيما انصرف الملك فهد لشؤون الحكم وشؤون ابتكار اللذّات، وخصوصاً المحرّمة. والملك فهد ارتقى بالعلاقات مع واشنطن إلى درجة التعاون في الأعمال الاستخباريّة السريّة في مناطق بعيدة جدّاً عن الشرق الأوسط. أراد فهد (الذي لا يزال رضوان السيّد يتفجّع عليه على الأقنية السعوديّة) أن يُثبت لواشنطن أن خدمات السعوديّة لا تنحصر بالنفط ومعاداة الشيوعيّة. أراد فهد إثبات الجدوى الاستراتيجيّة. الدور السعودي انتشر إلى أفريقيا وحتى إلى أميركا اللاتينيّة في عصر ريغان. لكن تظهير التحالف السعودي ـــــ الإسرائيلي برز بعد أحداث 11 أيلول.
    نستطيع أن نحلّل مختلف أبعاد السياسة الخارجيّة السعوديّة ومنطلقاتها ومُقرِّراتها من جوانب مختلفة. لكن عنصر ما سمّاه المعارض السعودي فهد القحطاني في كتابه القيّم عنه «صراع الأجنحة» برز بعد 11 أيلول. لا نستطيع في عهد الملك عبد الله أن نتحدّث عن سياسة خارجيّة سعوديّة. نستطيع فقط أن نتحدّث عن سياسات خارجيّة للأمراء السعوديّين: لكل أمير سياسة خارجيّة خاصة به وجهاز استخباري خاص به. فالصلح السعودي ـــــ القطري مثلاً، لم يعبّر عن توجّهات الأمير سلمان (الساعي بجهد وراء المُلك، الذي تلقّى صفعة قويّة بإبعاده عن ولاية العهد عبر تعيين شقيقه، نايف، خليفة لسلطان، وخصوصاً أن نايف هو الأمير الأقل شعبيّة بين الأمراء ربما بسبب تمرّسه بالتعذيب في وزارته وفي بثّ الذعر من خلال شرطة الأخلاق السلفيّة، مع أنه يحظى بتأييد شديد من سمير عطا الله الذي ينفي ـــــ إيه يا محسنين ومحسنات ـــــ عن نفسه تهمة التملّق لأمراء آل سعود، أي إن مديحته للأمير مقرن كانت خالصة وصافية في عواطفها). وإعلام الأمير سلمان (في جريدة الشرق الأوسط) يسير في نهج مستقل عن سياسات الملك عبد الله ونياته (والأمير سلمان، مثله مثل الأمير سلطان، يلازم قصره في المغرب منذ أشهر طويلة سعياً وراء الراحة، وهي غير «راحة الحلقوم»). والأمير بندر كان يتمتّع بدرجة عالية من السلطة في أمور الاستخبارات والسياسة الخارجيّة، وذلك بسبب قربه من عمّه فهد، لا من أبيه سلطان (يمكن مراجعة سيرة بندر لويليام سمبسون ـــــ غير النقديّة ـــــ التي يتطرّق فيها إلى نشاطات السعوديّة في آسيا وأفريقيا دعماً لحركات مناهضة للشيوعيّة، كذلك فإنه يتعرّض للعلاقة الباردة بين بندر وأبيه).
    لكن موت الأمير فهد فتح الباب واسعاً أمام صراعات الأجنحة: لم يتآلف من بقي من الأخوة السديريّين مع فكرة الملك عبد الله ملكاً، وخصوصاً أنّه برز ضعيفاً أمامهم لأنه لا أخوة أشقاء له. وجناح أبناء الملك فيصل لم يتقبّل فكرة استمرار بندر في إدارة العلاقات مع واشنطن: وهذا ما دفع الأمير تركي إلى الاستقالة من منصب السفير بعدما تبيّن له أن بندر لا يزال يقوم بزيارات سريّة من وراء ظهره إلى واشنطن لغايات لا علم له بها. كان تركي كالسفير المخدوع. لكنّ الأكيد أن بناء العلاقة بين إسرائيل والسعوديّة وتوثّقها بدآ (أو كبُرا) بعد 11 أيلول. علم الحكم السعودي أن تدهور العلاقات مع أميركا لا يمكن إلا أن يمرّ عبر إسرائيل: وهذا السرّ مكنوه من كل الحكّام العرب. بدأت السعوديّة عبر أكثر من صلة الاتصال المباشر مع الحكومة الإسرائيليّة كما ذكرت تقارير صحافيّة. هناك من يقول إن بندر كان مُبادراً، لكن العلائم كانت بادية. سعوديّون يتقاطرون للحديث عن الخطر الإيراني أمام الذراع الفكرية للوبي الصهويني في واشنطن (الذي استضاف أيضاً وليد جنبلاط ـــــ في مرحلة الغشاوة الثانية التي انقشعت بعد 7 أيار ـــــ ونهاد المشنوق ومصباح الأحدب، السلفي المُتنوِّر). لكن جوانب التقارب مع، أو قُل التملّق السعودي نحو، إسرائيل تبلورت في مبادرة توماس فريدمان. حلم الملك السعودي بموافقة إسرائيليّة تكفل له الخروج العلني بحلفه مع إسرائيل. لكن كان عليه أن يقبل أكثر (ويزهو مروان المعشر في كتابه عن «الوسطيّة العربيّة» بدوره في محاربة حق العودة في المبادرة «العربيّة») ما يسبّب إحراجاً له في صراع الأجنحة وفي محاولته البروز كملك السنّة العرب غير المُتوّج.
    لكن جوانب الاتفاق مع إسرائيل كانت على أكثر من صعيد: توقفت السعوديّة على الفور عن دعم أي فصيل فلسطيني يدعو إلى الكفاح المسلّح ضد إسرائيل. حتى التبرّعات السعوديّة الخاصة والشعبيّة (والشعب السعودي على خلاف حكّامه متعاطف بقوة مع شعب فلسطين) تعرّضت للتحريم الرسمي. انحصر الدعم السعودي بعصابات الدحلان التي تتلقّى الدعم الأميركي والإسرائيلي. أي إن الدور السعودي في القضيّة الفلسطينيّة يمرّ اليوم بما هو مُجاز إسرائيليّاً. وفي حرب تموز، توضّحت الصورة أكثر بعدما أدّى اغتيال رفيق الحريري إلى عداء قوي للنظام السوري وإلى رسم حدود الفريقيْن في لبنان، وكانت السعودية إلى جانب الفريق الذي يعارض مقاومة إسرائيل. والإعلان السعودي المُبكِّر في دعم إسرائيل في عدوان تمّوز كان سابقاً لأوانه ومثّل (ولا يزال يمثّل بالمقياس التاريخي، وإن تمنّع حزب الله عن انتقاد السعوديّة ربما تلبيةً لطلب إيراني بالمهادنة) إحراجاً لموقف المملكة من الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. لكن البيان صدر عن «مصدر مسؤول»، والإشارة يمكن أن تخفي صراع الأجنحة على السياسة الخارجيّة، وهزيمة حزب الله التي كان يمكن أن تخرج بالحلف الإسرائيلي ـــــ السعودي إلى العلن، لم تتحقّق. سارعت المملكة كعادتها لمحاولة إنقاذ نفسها عبر إعلان برنامج مساعدات سخيّ للبنان (وصل بعض هذه الإعلانات فقط وبعضها الآخر أسهم في إنجاح فريق «الأمير مقرن أولاً» في الانتخابات النيابيّة) للتغطية على الموقف المُبكِّر. ساعدت إسرائيل السعودية عندما سمحت فقط لأعوانها من الأنظمة العربيّة بالهبوط في مطار بيروت لتقديم المساعدة للبنان أثناء العدوان. العداء لحماس بعد انهيار اتفاق مكة أسهم في تعزيز أواصر الصداقة الوهابيّة ـــــ الصهيونيّة، وسارع الملك عبد الله إلى الترويج لمبادرة أخرى: الحوار بين الأديان.
    وهناك بعض الأسئلة البريئة: هل يفترض الحوار بين الأديان اختصارها بالإسلام ممثلاً بالملك السعودي واليهوديّة ممثّلة بشمعون بيريز (حتى حليف السعوديّة في لبنان، بطريرك الموارنة ـــــ العروبي ليوم واحد فقط ـــــ لم يُدعَ إلى الحوار بين الأديان، مع أن البطريركيّة المارونيّة حاورت الصهيونيّة قبل توقيع الاتفاق السرّي بين البطريركيّة والحركة الصهيونيّة في عام 1946)؟ هل الصدفة وحدها وراء الترويج لمعلّقين غربيّين (وعرب) من عتاة الصهاينة في الغرب؟ هل الاستفادة من حكمة البريطاني عادل درويش في كل الإعلام السعودي تدخل في باب الصدفة، مع أنه ليكودي عريق، وقد أسّس في لندن منظمة لمناصرة إسرائيل في الإعلام البريطاني؟ هل الصدفة هي في التخفيف من وتصغير تغطية حجم المعاناة الفلسطينيّة في الإعلام؟ هل هذا التركيز على الرياضة والتسلية والمنوّعات المبتذلة (التي تروّج لتسليع المرأة وإهانتها) في الثقافة المُموّلة سعودياً على حساب أخبار السياسة هو أيضاً صدفة؟ هل الحماسة الإسرائيليّة للفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة وتنصيب شمعون بيريز مفتياً في شؤون المسلمين في الإعلام الغربي والسعودي صدفة؟ هل المسارعة السعوديّة للترويج للخطر الإيراني عندما تكون إسرائيل تخوض غمار عدوانها على لبنان وفلسطين هي صدفة أيضاً؟ هل المؤامرة لاحتلال العراق والتلاقي السعودي ـــــ الإسرائيلي جريا من دون تنسيق وتوزيع أدوار؟ هل إعلان النظام العربي الأمني بقيادة الأمير نايف «الحرب على الإرهاب» والاستعارة من مصطلحات إسرائيل ووسائلها (من يلاحظ في لبنان مثلاً أن إعلان «الحرب على الإرهاب» هناك تزامن مع تدمير مخيم فلسطيني آهل بالسكّان؟) هل كان انسحاب السعوديّة من المقاطعة العربيّة لإسرائيل هكذا أمراً عفوياً لا سابق ولا لاحق له؟ وهل التناغم والغزل بين الإعلام الإسرائيلي والصهيوني عامةً والإعلام السعودي هو أيضاً محض صدفة؟ ولماذا اضمحلّت وزالت بعض الأصوات الليبراليّة في الغرب التي كانت تندّد باستمرار بخرق حقوق الإنسان في السعوديّة؟
    إذا كان «فيلبي» قد عرض مشروعاً سعودياً لبيع فلسطين للصهاينة مقابل 20 مليون جنيه، فإن خادم الحرميْن الحالي قد يعرض في يومٍ ما بيع الحرميْن مقابل أقلّ من ثلاثين من الفضة.
    * أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
    (موقعه على الإنترنت:
    angryarab.blogspot.com)

    الأخبار اللبنانية

  21. #21

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    بارك الله فيك على هذا الجهد الرائع

    ما احوج الحركة الاسلامية الى انشاء مركز دراسات ااستراتيجية

    واعداد الباحثين لكى يصوغوا استراتيجية الحركة فى مرحلة
    مليئة بحقول الالغام

  22. #22
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    07 2009
    المشاركات
    3,010

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    بل عمر اباءنا بدا مع النكبه وليس عمرنا فقط وعشناها وتجرعنا مرارتها
    ولكن ما لم افهمو ما قصده الاخ بتجيش الاخوان
    الاخوان جيشو انفسهم بانفسهم وسعيد صيام رجل محترم علي سلامتو
    وعلي كل تسلم خيو علي الموضوع الرائع ودمت سالمين

  23. #23
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    الاخوة الكرام ..




    ..

  24. #24

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    يرفع عاليا عاليا


    للتذكير

    والاثراء

  25. #25
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    من الإبادة الجسدية إلى الإبادة الثقافية
    د. ثائر دوري

    الكتاب: أميركا والإبادات الثقافية
    المؤلف: منير العكش
    الناشر: رياض الريس، تموز 2009

    يُعد هذا الكتاب محطة على طريق بدأه المؤلف لتشريح ثقافة وتاريخ الواسب الزنابير (البيض، الأنغلوساكسون، البروتستانت)، ولشرح فكرة أمريكا التي تعني استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة، وتاريخ بتاريخ، فأنجز في سبيل ذلك عدة كتب "تلمود العم سام"، و"حق التضحية بالآخر"، و" فكرة أمريكا ".

    بعد المقدمة يُصّدر الكاتب الفصل الأول من كتابه "أمريكا والإبادات الثقافية" الصادر حديثاً عن دار رياض الريس باستشهاد لتوماس مكولاي مهندس سياسة التعليم الإنكليزية للشعوب المستعمرة، إذ يقول عن الهند:
    "لا أظن أبداً أننا سنقهر هذا البلد "الهند" ما لم تُكسر عظام عموده الفقري التي هي لغته، وثقافته، وتراثه الروحي".

    يُعد توماس مكولاي واضع دستور الإبادة الثقافية الأنغلوساكسوني وهو النهج الذي اتبعه الأنغلوساكسون في كل البلدان والقارات التي استعمروها في سبيل خلق جيل من أولاد مكولاي وظيفتهم استعمار شعوبهم لصالح الأنغلوساكسون.

    فالإبادة الثقافية تُكمل مهمة الإبادة الجسدية وأحياناً تغني عنها وقد تكون أكثر نجاعة، كما يقول مارك توين باستشهاد آخر للمؤلف. يقول:
    "وقفت بجانب وزير الحرب وقلت له إن عليه أن يجمع كل الهنود في مكان مناسب ويذبحهم مرة وإلى الأبد. وقلت له إذا لم توافق على هذه الخطة فإن البديل الناجع هو الصابون و التعليم soap and education ، فالصابون والتعليم أنجع من المذبحة المباشرة، وأدوم وأعظم فتكاً. إن الهنود قد يتعافون بعد مجزرة أو شبه مجزرة، لكنك حين تعلم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه حتماً، عاجلاً أم آجلاً. التعليم والصابون سينسفان كيانه ويدمران قواعد وجوده. وقلت له: سيدي، اقصف كل هندي من هنود السهوب بالصابون، والتعليم، ودعه يموت".

    بعد كل الإبادات الجسدية بالأسلحة النارية وبالأسلحة البيولوجية عبر نشر جراثيم الجدري، وبعد التجويع والمطاردة جاء دور "المحرقة الأخيرة للوجود الهندي" عبر سياسة الإبادة الثقافية الممنهجة التي اتبعها الغزاة الزنابير ضد من تبقى من 400 أمة وشعب كانوا يشغلون فضاء أمريكا قبل مجيء المستوطنين الغزاة. فكان يتم انتزاع أطفال الهنود الحمر بالقوة من أمهاتهم وآبائهم وضمهم إلى مدارس داخلية أشبه بمعسكرات اعتقال وعمل، حيث تُزرع في ذاكرة الهندي لغة الغزاة وثقافتهم، ويعلموه كره واحتقار حضارته وعاداته وتقاليده. ويشرح المؤلف الذي قضى سنوات يراجع الوثائق الحكومية الأمريكية الخاصة بهذا الموضوع، أن الأمر يتم منذ لحظة إدخال الطفل إلى المدرسة فيتم قص شعره الطويل الذي يعد مفخرة عند الهنود، وله مكانة كبيرة في الثقافة الهندية فلا يتم قصه إلا كعقاب على جريمة كبيرة، كما تحرق ثيابه الهندية ويحشر الطفل في بنطلون ويجرد من اسمه الهندي ويطلقون عليه اسماً أنغلوساكسونياً، كما يحرمون عليه التحدث بلغته الأم. وأما الحياة داخل هذه السجون التي أطلقوا عليها اسم مدارس فهي أشبه بالجحيم إن لم تكن. فالراتب الغذائي لا يسد الرمق والأطفال يعملون أعمالاً شاقة كما في معسكرات الاعتقال فينظفون ويمسحون ويفلحون ويزرعون ويصل يوم عملهم إلى ستة عشر ساعة ليتناولوا بعدها أردأ أنواع الطعام، ثم يناموا بأسوأ الظروف، ويتعرضون للاغتصاب والانتهاك الجنسي بشكل منظم من قبل وحوش بشرية أسندوا إليها إدارة هذه السجون، والنتيجة النهائية لكل ذلك أن أكثر من خمسين بالمائة من الأطفال في هذه المدارس قد ماتوا. "وبكلمة أخرى قضت هذه المدارس على ربع الهنود الناجين من المذابح المباشرة على مدى خمسة أجيال متعاقبة". ومن بقي على قيد الحياة إما مدمر نفسياً يحاول الانتحار أو يرى الدنيا بعيني الزنابير، لقد دمروا حضارة الهنود وتاريخهم تدميراً تاماً إلى حد أن أبناء الهنود الحمر اليوم يصدقون أن أجدادهم كانوا متوحشين يأكلون لحوم البشر قبل أن يدخلهم الزنابير البيض في الحضارة!

    أُوكلت إدارة هذه المدارس إلى حثالة المجتمع الأمريكي الأبيض من متخرجي السجون وأصحاب السوابق والساديين ومغتصبي الأطفال لذلك لم تخلُ مدرسة من الاغتصاب الجنسي. فتقرير المجلس الأعلى لهنود كاريبو (1991) يذكر استناداً إلى شهادة 187 تلميذاً أن 89 منهم تعرض للاغتصاب. ورفض 60 تلميذا الإجابة. بينما قال 38 تلميذاً أنهم لم يتعرضوا. أما تقرير وزارة الصحة لعام 1993 فيقول إن نسبة اغتصاب الأطفال في هذه المدارس بين عامي 1950 – 1980 تبلغ 100%.

    واستباحة الجسد هذه التي رأينا تكراراً لها في العراق في فضائح سجن أبو غريب وغيره ليست عملاً عشوائياً، ولا نزوة من سجان سادي أو مختل كما يحاول إعلام الزنابير تصوير الأمر بل تدخل ضمن سياق عملية منظمة لكسر الضحايا وإفقادهم الأمل في المقاومة، فلا يبقى أمام الشخص المُنتهك إلا أن ينتحر أو أن يستسلم لشهوات الرجل الأبيض التي يلخصها لانسلوت أندروس بقوله:
    "الأرض قطعة من اللحم موضوع على المائدة. يقطع منه الإنسان ما يشتهي. وما أن يضع القطعة في صحنه حتى تصبح له. كذلك إذا اقتطعنا بلداً لا يوجد فيه سكان (بيض)... فإنه يصبح لنا".

    الاستعمار الداخلي

    يطلق الكاتب على الفصل السابع من كتابه اسم أولاد مكولاي. ومكولاي هو مخطط سياسة كسر العمود الفقري للهند بواسطة التعليم "علينا أن نربي طبقة تترجم ما نريد للملايين الذين نحكمهم، طبقة من أشخاص هنود الدم والبشرة، لكنهم انكليزيو الأفكار، والتوجه، والأخلاق، والعقل".

    إن خلق جيل من السماسرة عبر التعليم يرى العالم بعيون البيض "وجوه بيضاء أقنعة سوداء" كما يعبر فرانز فانون يُغني الغزاة عن الجيوش والأساطيل. وسياسة الاستعمار الداخلي هذه طبقها الأنغلوساكسون أينما حلوا، ونجد آثارها اليوم في كل مكان من العالم وصلته موجة "التحضير" الأنغلوساكسوني عبر خلق جيل نغل من المثقفين يرون العالم بعيون أنغلوساكسونية، فيشنعون على أهلهم ودينهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وطريقة حياتهم، ويحتقرون تاريخ أمتهم، ويرون أن لا خلاص لأمتهم إلا بتحولها إلى خادمة في مطابخ سادتها، وأن تستلم للمصير الذي قرره هؤلاء السادة، فإن فكرت بالتمرد والمقاومة نعتوها بأشد النعوت تحقيراً وكانوا أقسى عليها من أعدائها فحملوها مسؤولية ما يجري لها، وإن أتيح لأحدهم أن يمسك بندقية فلن يتردد بالتصويب على أمه وأهله. يقول مكولاي:
    ".. صياغة العقل الهندي تحتاج أولاً إلى جهود حثيثة لإعادة كتابة التاريخ والثقافة الهندية المكتوبة بالعربية أو بالسنسكريتية، على أن يتم ذلك بأقلام هنود انكليزيي الثقافة والذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل".

    وهذه السياسة استنسخها الأنغلوساكسون في كل مكان ومن ذلك وطننا العربي. وعندما يصبح عدد نغول مكولاي كافياً تنتفي الحاجة للجيوش والأساطيل، لأن هؤلاء المشحونين بكراهية أهليهم، وثقافتهم، وتاريخهم يتكفلون بالمهمة". فلا الاحتلال يسمى باحتلال ولا المقاومة تسمى بمقاومة، وتبرعوا بأقسى حملات التشنيع على ثقافتهم وأهليهم، فبفضل هؤلاء السماسرة صارت حضارة الهنود موضع شك وسفسطة، و صارت مساهماتها في الفلسفة والعلم والأدب والفن موضع جدل والتباس. وبفضلهم سُلب الهنود كثيراً من إنسانيتهم، وسُلقت مقاومتهم للاحتلال بأشنع الأوصاف. وصار الغزاة منقذين ومخلصين ولم يجيئوا إلى الهند إلا لانتشال أهلها من مستنقع الجهل والتحجر وتمدينهم".

    من كنعان المجاز إلى كنعان الحقيقة

    إن أهمية هذا الكتاب ليس لأنه يرصد مأساة إنسانية تعرض لها الهنود الحمر ومتمثلة بإبادة ثقافتهم وحضارتهم بعد إبادة أجسادهم، بل لأنه يكتسب أهمية راهنة، فعندما خرج الانكليز من جزيرتهم إلى أراضي الهنود الحمر توهموا أنهم عبرانيون وأن الهنود الحمر كنعانيون فأنشأوا إسرائيل الكبيرة التي هي أمريكا، ومع بداية القرن العشرين حان الوقت للانتقال من المجاز إلى الحقيقة، وبدل إبادة الكنعانيين المتوهمين حان وقت إبادة الحقيقيين، فأقاموا إسرائيل الحقيقية الصغرى في فلسطين، وما زالت القصة تتوالى فصولاً حتى اليوم. فالطرد والإبادة الجسدية والثقافية هو المصير المقرر لنا على يد العبرانيين المتوهمين والحقيقيين.

    كتاب على كل عربي مقاوم، أم متردد، أو حتى مساوم أن يتمعن في معانيه لأن مصير الجميع مقرر سلفاً على يد العبرانيين، فحتى الذين خانوا قومهم من كنعانيي المجاز، الهنود الحمر، لم يكن مصيرهم أفضل من الذين قاوموا فالجميع طُردوا وأبيدوا جسدياً وثقافياً.

  26. #26
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    بإشراف سلاح الهندسة الأميركي

    الجيش المصري يستكمل تركيب أنظمة أميركية لكشف الأنفاق على الحدود المصرية-الفلسطينية

    واشنطن-محمد سعيد 12/9/2009

    استكملت وحدات عسكرية وأمنية مصرية بإشراف سلاح الهندسة الأميركي تركيب أنظمة أميركية خاصة للكشف عن الأنفاق التي يستخدمها أبناء قطاع غزة على جانبي حدود قطاع غزة مع مصر لـ "تهريب" جزءا من احتياجات سكان القطاع من السلع الأساسية التي يفتقدونها بسبب الحصار المضروب على القطاع الذي شارف على عامه الرابع.
    وذكرت مصادر أميركية ومصرية أن معدات الكشف الإلكتروني التي قدمها سلاح الهندسة الأميركي قد تم تركيبها على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة.
    وقالت المصادر ذاتها إن وفدا من الجيش الأميركي قام يوم الثامن من سبتمبر الجاري بجولة على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة التي تبلغ 14 كيلومترا وتأكد من تركيب أنظمة الكشف عن الأنفاق وقد تلقى الوفد الأميركي تقريرا من الطاقم الأمني المصري حول الأداء الأولي لتلك الأنظمة والجهود المبذولة لمنع وصول الأسلحة والبضائع الأخرى من سيناء إلى قطاع غزة.
    وتوقعت المصادر الأميركية والمصرية إن يتم استكمال عملية تشغيل انظمة الكشف بشكل كامل مع حلول نهاية العام الجاري باستخدام أجهزة سونار.
    ويذكر أن الولايات المتحدة قد خصصت 23 مليون دولار من قيمة المساعدة العسكرية لمصر لتعزيز الجهود المصرية لوقف ما تزعم أنه تهريب للأسلحة إلى قطاع غزة عبر سيناء كما تم تدريب أطقم من الجيش المصري على تلك المعدات. وقد زعمت سلطات الأمن المصرية أنها قد صادرت نحو 12 طنا من المتفجرات من نوع ( تي إن تي ) كانت في طريقها إلى قطاع غزة عبر الأنفاق.
    وتزعم الولايات المتحدة وإسرائيل أن هناك نحو 800 نفق بين سيناء وقطاع غزة غير أن 200 نفق فقط صالحة للتشغيل.
    ويؤكد فلسطينيو قطاع غزة أن تلك الأنفاق تعتبر بمثابة شريان الحياة لسكان القطاع في ظل الحصار الذي يقولون إن الحكومة المصرية تساهم في فرضه على قطاع غزة إلى جانب إسرائيل.

    ****

  27. #27
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    أسرار" المداولات الإسرائيلية - الأميركية لضرب الجيش السوري في "أيلول الأسود"

    أمير أورن - هآرتس 19/ 09/ 2009


    لا يحبّ العرب القتال في الليل، قال اسحق رابين. عمان، العاصمة الاردنية، بلدة "نتنة"، لاحظ هنري كيسنجر. الملك حسين، بيأسه، ناشد اسرائيل أن تنقذه من م.ت.ف ومن سورية. أبا ايبان تسلى بفكرة دولة فلسطينية شرقي الاردن وقال انه اذا اختفى حسين من الساحة "فلن تكون هذه نهاية العالم". الرئيس الاميركي، ريتشارد نكسون، اراد ارسال الجيش الاسرائيلي لمهاجمة الجيش السوري، ولكنه تردد عبر الجو فقط أم في البر أيضا، في شمال الاردن أم في جنوب سورية. في البنتاغون، حيث خطط التنسيق بين الجيشين قال موظف كبير، إن من الافضل أن يعمل الجيش الاسرائيلي بداية والجيش الاميركي ينضم في المرحلة الثانية، إذ في الترتيب المعاكس من شأن القوات الاميركية أن تظهر عديمة الوسيلة والجيش الاسرائيلي سيظهر كمن هرع لانقاذها

    وقع كل هذا في ايلول 1970، "ايلول الاسود" أو بلغة الجيش الاسرائيلي أزمة "الجمر"، التي بدأت بصدام اردني- فلسطيني وانتهت بوفاة الرئيس جمال عبدالناصر. وقد غطيت القضية بتوسع في مذكرات اللاعبين الرئيسين فيها، في الكتب وفي البحوث، ولكن هذه السنة صبت عليها الادارة الاميركية دلواً من الالوان في شكل ملف محاضر مشوقة للمباحثات، البرقيات، والمكالمات التي رفعت السرية عنها

    الدروس لم تتقادم، إذ إن الصلات التي بين السياقات السياسية والحملات العسكرية تتواصل وفي الخلفية تحوم امكانية ان تستفز ايران القدس او واشنطن لتوجيه ضربة لها
    وعلى هذا السبيل تتضح اهمية ايلول 1970 كنقطة انعطافة، سواء في التخطيط العسكري المشترك لاسرائيل والولايات المتحدة أم بوضع البنية التحتية لما اصبح بعد ثلاث سنوات من ذلك، في تشرين الاول 1973، القطار الجوي والبحري الاميركي لتسليح اسرائيل في حربها ضد مصر وسورية

    الوثائق تمنح وصف أحداث ايلول 1970 بعدا جديدا، مهماً وراهناً.... في الشهر متعدد التحولات كان هناك اسبوعان وقفت فيهما المنطقة على شفا الفوضى، ولا سيما في ثلاثة ايام مصيرية، 20 - 22 ايلول , وهي تجعل "ايلول الاسود" حدثا جديراً بالتحليل المعمق

    الشخصية الاسرائيلية المركزية ظاهرا هي شخصية السفير في الولايات المتحدة، اسحق رابين.... مرجعية أمنية، رئيس أركان الانتصار في حرب الايام الستة، كان بعد سنتين ونصف السنة في واشنطن مقربا من الادارة ولا سيما من مستشار الامن القومي كيسنجر
    الاتصالات بين الادارة الاميركية ورئيسة الوزراء، غولدا مائير، التي مكثت في تلك الايام في نيويورك وكذا مع القائم باعمالها يغئال الون، ووزير الخارجية ايبان، ووزير الدفاع موشيه دايان، دارت اساسا من خلال رابين
    الرجل الاساس في الادارة كان هنري كيسنجر..... ومع انه كان لا يزال مجرد ضابط أركان بعيد عن المكانة العالمية التي تبوأها في السنوات التالية، فقد تمكن من توجيه سياسة نيكسون في الاتجاه الذي يرغب فيه، ولكنه حرص على أن يوقع على ذلك مسؤولون اكبر منه، وعلى رأسهم خصمه وزير الخارجية، وليم روجرز

    ينبع تعقيد الازمة من الوضع العالمي (مواجهة اميركية - سوفييتية، وغرق أميركي في حرب فيتنام)، من التخوف من أن يؤدي صدام بين الدول التابعة للقوتين العظميين الى تصعيد الدور المباشر للقوتين العظميين في حرب شرق اوسطية، ومن الرغبة في اعطاء فرصة لمبادرة روجرز لوقف النار في حرب الاستنزاف بين اسرائيل ومصر ومحادثات غير مباشرة بينهما، دارت بوساطة مبعوث الامم المتحدة غونار يرنغ
    قبيل وقف النار، الذي أعلن في 7 آب 1970، توقفت النار، ولكن المصريين خرقوا بند تجميد الوضع وقدموا الى الامام صواريخ ارض - جو نحو قناة السويس. وقد فعلوا ذلك بتشجيع السوفييتيين الذين شارك طياروهم في الدفاع الجوي عن مصر، بل ان خمسة منهم سقطوا في المعركة مع سلاح الجو الاسرائيلي

    "ابن الكلبة"..
    !

    بدأت الازمة في عملية جوية متزامنة قامت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي اختطفت اربع طائرات مسافرين لشركات غربية، وانزلتها في مطار اردني واحتجزت مئات المسافرين - بينهم اسرائيليون ذوو جنسية مزدوجة - كرهائن. ولم يرضَ الاميركيون من الوهن الذي ابداه حسين في فرض سيادته على ياسر عرفات وعلى منافسيه من منظمات "الفدائيين"، وعملوا على اخلاء مواطنين اميركيين علقوا في المعارك في عمان
    في محادثاته مع مساعده العسكري الكسندر هيغ، ابدى كيسنجر استياءه من سلوك روجرز ("الفيلد مارشل ابن الكلبة") ومساعده لشؤون الشرق الاوسط، جوزيف سيسكو، الذي اصبح لاحقا مساعد كيسنجر في ذات المنصب
    "ابن الكلبة هذا سيكون على الخط مع روجرز في غضون ثانيتين"، حذر كيسنجر هيغ
    مناورة مميزة لكيسنجر كانت الحديث مع رابين وتوجيهه لما يقول (وما لا يقول) لسيسكو
    أخفى كيسنجر اجزاء من المعلومات عن رابين ايضا

    وهاكم جملة مشوقة من الاقوال من تلك الايام

    :

    سيسكو لكيسنجر: "لتوي تحدثت مع رابين. حسب اقواله لا تقلق، لا تقلقوا، حل الظلام ولن نصطدم بعرب مستعدين للقتال في الليل"
    كيسنجر لسيسكو: "روجرز وأنا تحدثنا مع الرئيس، الذي لا يزال يميل الى تفضيل استخدام طائرات اميركية وليس اسرائيلية، اذا ما تحرك السوريون او العراقيون داخل الاردن"
    سيسكو: "ولكن روجرز يتساءل: لماذا نفضل (الطائرات) الاميركية على الاسرائيلية"
    كيسنجر: "السؤال ليس ما الافضل، بل من الذي يملك سبباً اكثر وجاهة للعمل، فبالنسبة للاميركيين سيكون هذا تدخلا اجنبيا، بينما بالنسبة للاسرائيليين سيكون موضوع أمن قومي، وهم ايضا يمكنهم أن يقوموا النشاط بشكل افضل. مسألة اخرى هي من يملك قوة ردع أكبر"
    مساعد وزير الدفاع دافيد بكارد: "كل ما تم في اعداد القوات داخل الولايات المتحدة سيتسرب. قد نتمكن من عمل شيء ما مع قوات في المانيا"
    كيسنجر: "الرئيس ليس متحمسا لاستخدام قوات اسرائيلية"
    مورر: "وقف النار (في القناة) سيطير من النافذة، اذا ما استخدمت قوات اسرائيلية"
    سيسكو: "الافضلية الاولى هي لاستخدام قوات اردنية، الثانية للاميركيين، الثالثة للاسرائييين"
    كيسنجر: "في الوضع الحالي في الاردن، لا أمل في مبادرة السلام. لا يمكن ان نطلب من الاسرائيليين التفاوض على تسوية حدودية مع حكومة لا تسيطر في بلادها"
    مورر: "اذا استخدمنا فرقة 82، ستكون لنا أربعة ألوية، منها واحد في اوروبا، ولكن ستكون لنا مشكلة في المرحلة الثانية؛ قوة صمودنا محدودة. يحتمل ان نقف ايضا امام امكانية هجوم سوري وعراقي على لبنان وعلى الاردن"
    رئيس قسم العمليات، الجنرال ملفن زايس: "سرية اولى ستصل في غضون عشرين ساعة وباقي اللواء في اعقابها"
    كيسنجر: "سرية واحدة هل يمكنها أن تنجو؟"
    زايس: "سنقرر لاحقا. أحد ما يجب أن يكون الاول"
    كيسنجر: "هل يمكننا التظاهر بتدريب مفاجئ، كتبرير لحالة التأهب؟"
    زايس: "هذا لواء مع هدف مزدوج، منزل من الجو وبري. في اللحظة التي نبدأ فيها بتحميل المظليين وإعداد الطائرات سنطلق اشارة"
    كيسنجر: "اذا لم نفرض الامر على الفدائيين في الاردن، فان مبادرة السلام ستسقط. اسرائيل بحاجة الى حكومة تعمل حيالها ويكون بوسعها تنفيذ تعهداتها. احساس الرئيس هو سحق الفدائيين اولاً. فهل يمكننا أن ننفذ عملية لتحسين مكانة حسين؟ كم من الوقت سنضطر للبقاء؟"
    رئيس الاركان الادميرال تومس مورر: "لدينا خطة لحملة كهذه. السؤال هو: ماذا يحصل اذا ما اتسعت؟ وباعتبار الاحتياجات في فيتنام فقد يكون من الصعب علينا تجنيد الذخيرة وعناصر اخرى. دوما نحن ملزمون بالتفكير بالخطوة الممكنة التالية"
    كيسنجر: "هل يمكننا أن نفترض أن العراقيين والسوريين سيتدخلون؟"
    مورر: "الحذر يستدعي ذلك"
    كيسنجر: "وعندها؟"
    مورر: "ندخل الى الاردن أربعة الوية، لمعالجة الوضع"
    رئيس الـ "سي.اي.ايه" ريتشارد هلمز: "هل معنى هذا ان نبقى في الولايات المتحدة دون احتياطي استراتيجي؟ هذا يذهلني"
    مورر: "صحيح، هذا كل ما لدينا"
    زايس: "لا توجد أي وحدة قائمة اخرى في الولايات المتحدة. يتعين علينا أن نقيم وحدة ونرسلها الى اوروبا للحلول محل اللواء هناك. اضافة الى ذلك فان فرقة 82 ليست في وضع لامع. هي في مستوى جاهزية ب، أي 85 في المائة من الملاكات مأهولة"
    مورر: "ومع ذلك نبعثها"
    كيسنجر: "كيف ستتطور المعركة؟"
    سيسكو: "سنهبط في المطار ونتحرك من هناك، لمساعدة الجيش الاردني في تطهير المدينة. اذا تدخل العراق وسورية، لا اعتقد ان اسرائيل ستجلس مكتوفة الايدي. المعنى هو في واقع الامر حملة اميركية اسرائيلية لمساعدة الحسين ضد الفلسطينيين، السوريين والعراقيين. العالم العربي بأسره سيضطر الى دعم سورية والعراق"
    كيسنجر: "اذا عمل الملك ضد الفدائيين دون دعم اميركي، فهل العراقيون سيتدخلون؟"
    سيسكو: "اذا تدخلوا، فسيتدخل الاسرائيليون، بناء على طلب الاردنيين، بقوات برية"
    كيسنجر: "هذه ستكون نهاية الملك"
    سيسكو: "صحيح، ولكن القوات الاسرائيلية افضل من الاميركية. الاسرائيليون والاردنيون سبق أن تحدثوا في ذلك"
    مورر: "دوماً يمكننا ان نعطي الاردنيين مساعدة جوية من حاملات الطائرات". (في السياق اعرب رئيس الاركان عن تخوفه من ان الطيارين الاميركيين الذين قطعوا الاتصال في المعارك الجوية مع السوريين، من شأنهم أن يقودوا اعداءهم الى حاملات الطائرات، التي ستهاجم من الجو

    كيسنجر: "اذا عملت اسرائيل لمساعدة حسين فهذا سيرضينا، واذا ما استعد السوفييت او المصريون للتحرك، فسنستعد لابقاء السوفييت في الخارج"
    سيسكو: "وعلينا أن نستعد لتزويد اسائيل بالكثير من المعدات الاضافية، إذ إنها ستستهلك معدات كثيرة بسرعة"
    هلمز: "اذا كان الحديث يدور عن اربعة ألوية، فهذه تصفية لاحتياطنا الاستراتيجي، هذا غير وارد، سياسيا"
    كيسنجر: "ولهذا يفضل قوات اسرائيلية. العنصر الناقص سيكون تظاهرة قوة اميركية تكفي لابقاء السوفييت والمصريين في الخارج"
    سيسكو: "لا اعتقد أن المصريين سيتدخلون، ولكن سيتعين علينا ان نوفر طوق دفاع ضد السوفييت. في الوضع السائد في الاردن، ستحتاج اسرائيل ايضا الى علاوات لصيانة نفسها ضد العراقيين. وسنضيف الى الرزمة طائرات وقذائف. المصريون لا بد سيحركون صواريخ ارض - جو الى مقربة من القناة. ومن المعقول ان يكون الطيارون السوفييت اكثر تدخلا. وسيتعين على ناصر تشديد معركته ضد اسرائيل، على ما يبدو في اجتياحات تظاهرية صغيرة"
    هلمز: يحتمل أن يقصف خط بارليف
    سيسكو: "اذا عالج الفدائيين في الاردن، فالفدائيون في لبنان قد يعملون، بدون تدخل خارجي، وسيعالجهم الجيش اللبناني جيدا، اذا حصل على معدات عسكرية اضافية، على الاقل حاملات جنود مجنزرة
    كيسنجر: "بعد نهاية هذه الازمة قد نكون مطالبين بحسم مسألة هل نسحق أم لا نسحق الفدائيين"
    سيسكو: "التسوية السياسية لا تزال هي الوسيلة المفضلة لدى الفدائيين. اجزاء كبيرة في اوساط الفلسطينيين لا تزال تفضل الحل السياسي على الحل العسكري. ومع ذلك، يحتمل أن تغير نتائج الازمة موقفنا من العناصر الواقعية للتسوية. منذ سنين ونحن نقول للاسرائيليين، إن مشروع ألون لن ينجح. لعلنا ندرسه من جديد، باعتبار الظروف المتغيرة"
    كيسنجر: "اذا نشبت حرب أهلية في لبنان، كنتيجة لعملية فلسطينية وطلب لبنان أن نتدخل، ماذا سيكون موقفنا؟
    هلمز: "كان هذا جد أصعب في 1958، الان، مع الفدائيين كعنصر تعقيد..."
    كيسنجر: "اذا لم نفعل نحن ذلك، فهل نرغب في ان يفعله الاسرائيليون، او احد آخر؟ يجدر فحص الوثائق
    هارولد سوندرز من مجلس الامن القومي: "كما تذكر، كان لنا خيار اسرائيلي"
    كيسنجر: "أليس لدينا شيء افضل من الاسرائيليين؟ لنفحص مرة اخرى الوثائق"

    في عشرين ايلول في الساعة 22:00 حسب توقيت واشنطن، 00ر5 في صباح اليوم التالي في اسرائيل، اعلن كيسنجر لرابين ان الحسين يطلب، في رسالة نقلها من خلال السفير البريطاني في عمان، ان يهاجم سلاح الجو الاسرائيلي المدرعات السورية التي اجتاحت الاردن، احتلت اربد وتستعد للتقدم جنوبا
    وفيما كانا يتحدثان، وصلت برقية ارسلت قبل ساعتين من ذلك من السفير الاميركي في عمان: "حسين هاتفه ليطلب من نيكسون تدخلا ماديا فوريا عبر الجو والبر للحفاظ على سيادة ووحدة اراضي واستقلال الاردن. هناك حاجة لهجمات جوية فورية على القوات الغازية، من اي مصدر كان مضاف اليها غطاء جوي. أبلغونا رجاء في أقرب وقت ممكن متى يمكن لقواتكم ان تنزل"؟

    كيسنجر، في حديث مع روجرز، حلل طلب حسين كدعوة لعملية جوية اسرائيلية وتدخل بري اميركي. وافق روجرز: لا مفر، سلاح الجو الاسرائيلي يجب أن يعمل والا سيتفكك كل شيء
    نيكسون لكيسنجر: "مهما يكن من أمر علينا أن نعمل، سواء نحن أم الاسرائيليون. خسارة أن ليس لدينا مزيد من القواعد البرية. عمليتنا يجب أن تكون سريعة وحادة"
    كيسنجر: "وساحقة. من المحظور أن نتورط مع السوريين الملاعين اولئك في حرب اخرى لثلاثة اشهر
    كيسنجر: "هم يريدون ان يمزقوا السوريين بعض الشيء، الامر الذي لم يكن من نصيبهم حتى الان
    روجرز: "دايان أسف دوماً لانه لم يفعل هكذا في هذه الجبهة"

    ورطة حسين، في نظر الاميركيين، كانت انه دون تدخل اسرائيلي سيفقد حكمه، ولكن نتيجة مشابهة كانت متوقعة ايضا لتدخل اسرائيلي، لان الملك سيندد به كعميل
    افترض التحليل العسكري، ولكن مع خطر التعقيب السياسي في حالة عدم الانسحاب من المنطقة التي ستحتل، أم في جبهة الجولان لقطع خطوط التموين للقوة الغازية وانطلاقا من التخوف من أن يغرى السوفييت بالتدخل
    في نهاية المطاف اختار البديل الثاني، "الافضل ان يهاجم الاسرائيليون سورية"
    تحفظ رابين..... اذا كان الهدف هو تدمير القوة الغازية، فلا معنى لمناورات التمويه في جبهة اخرى
    الجيش الاسرائيلي، كما افاد الجنرال روبرت كاشمان من الـ "سي.اي.ايه"، جند الاحتياط ونقل لواءين مؤللين الى الجولان. وقال الادميرال مورل: التجنيد لديهم لا يحتاج وقتا طويلا. "بين 48 و 72 ساعة"، ادلى كيسنجر بدلوه. طلب نيكسون من اسرائيل ان تعلن، مع ادخال القوات الى الاردن، ان ليس لها نية للاحتلال والضم ولكن لم يكن يهمه ان تنسى الميليشيات اذا تغير الوضع. "قل لهم انه ينبغي لهم أن يكونوا ظاهرين جيدا في البداية"، أمر كيسنجر. "اذا تفككت الامور يمكنهم أن يخلوا باقوالهم ونحن نقبل ذلك بتفهم"
    قرأ مساعد وزير الدفاع باكر مسودة بيان زعم انه صيغ في القدس، ولكن عمليا كتب في واشنطن، ستتلوه غولدا مائير لتبرير "هجمات قوات الجو والبر الاسرائيلية على القوات السورية التي غزت الاردن، بدبابات من انتاج سوفييتي وعلى المستويات المساعدة لها". بعد أن صيغ موقف اسرائيل ترددت قيادة ادارة نيكسون هل تقبل الاعلان عن تأييدها أم تلتزم الصمت

    بعد قليل من الساعة 00ر12 استعد نيكسون للنوم المبكر كي يستيقظ منتعشا للقاء مع اعضاء الكونغرس ونفد لدى كيسنجر الحبر في ذروة كتابة مذكرة، روجرز ذهب الى المرحاض - كل شيء موثق - وهيغ ابلغ كيسنجر بان الوضع في عمان يتضعضع. "اعتقدت أنهم يسيطرون في هذه البلدة النتنة"، عقب كيسنجر. "الملك حقق تقدما معقولا في عمان"، قدر مورر. "منذ اربعة ايام وهو يحقق تقدما معقولا"، هزئ كيسنجر
    المعلومات من عمان لم تكن لا لبس فيها، وفي واشنطن شككوا بمصداقية السفير هناك، دين براون. "الملك غاضب ومهزوز نفسيا"، قدر نيكسون. زيد الرفاعي، المقرب من حسين، "تحرك بين الروح المعنوية العالية وبين الاكتئاب جيئا وذهابا"، حذر سيسكو رابين. عندما نشر في الصحف بأن الاردن طلب المساعدة، انفعل نيكسون في ضوء حقيقة ان "للاردن أيضا مشكلة تسريب"
    ماذا عرف السوفييت؟ "لديهم مستشارون عسكريون في الوحدات السورية"، قال كيسنجر. "التأهب السوري لا بد صار معلوما لهم". مسؤولان كبيران في وزارة الخارجية اختلفا معه: في الجيش السوري، خلافا للجيش المصري، المستشارون السوفييت يوجدون في قيادات اعلى، "كان لنا مستشارون في فيتنام ومع ذلك لم نعرف كل نواياهم ولم نتمكن من التحكم بهم

    لم يكن التدخل الاسرائيلي لازما. كان يكفي الردع. رفض حافظ الاسد، وزير الدفاع وقائد سلاح الجو، مساعدة القوات البرية التي بعث بها خصمه صلاح جديد؛ وفي غضون شهرين أسقط الاسد جديد
    وفي الملفات بقيت مناشدة غير مسبوقة من رئيس اميركي لاسرائيل بارسال جيش لمساعدة دولة عربية وتعهد من جانبه، هو ايضا غير مسبوق، للدفاع عنها من تدخل سوفييتي في هذا السياق
    قبل أن تنتهي الازمة خططوا في وزارة الخارجية الاميركية لابلاغ السفارات في العواصم العربية التي يوجد لديها "تخوف على رجالنا"، ببداية هجمات لسلاح الجو الاسرائيلي "لاعطائهم إنذارا مبكراً بضع ساعات للاستعداد"
    كيسنجر، العالم بخطر التسريب، تساءل اذا كان ممكنا توقيت الانذار مع بداية الهجوم، ولكن الموظفين رفضوا التعهد بذلك .

    ..

    الصراع داخل تيارات البيت الأبيض , قضية دائمة الحضور , وخصوصا أن النظام الأمريكي شخصي وفردي وعلى المستويات العليا كلها .
    ومن هنا يجب أن نعيد كتابة تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي , بدءا من إعادة التسمية نفسها إلى :
    الصراع الفلسطيني و العربي في مواجهة الاستعمار الأمريكي والحلفاء العرب الملكيين النفطيين والمرتزقة الإسرائيليين .


    ..

  28. #28
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو يمن مشاهدة المشاركة
    الصراع العربي الصهيوني من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس*

    د. شاكر مصطفى**

    *مجلة شؤون عربية/ فصلية فكرية - العدد 52 كانون أول/ديسمبر - 1987م/ربيع الثاني 1408هـ - تصدر عن جامعة الدول العربية - رئيس التحرير هيثم الكيلاني
    **أستاذ التاريخ بجامعة الكويت
    للاهمية مع تصحيح في بعض التواريخ .

    ذات يوم من صيف 1969 كنت في المكتبة الشرقية في بيروت، أختار بعض الكتب الفرنسية حين وقع لي كتاب صغير من مائتي صفحة، اسمه الإسلام والصليبيات، لمؤلف لم أسمع به بين العلماء، اسمه عمانويل سيفان، ووضعت الكتاب بين ما اخترته من الكتب، وسألني الكتبي، وهو يضع قائمة الحساب: هل أصر عليه؟ إنه غال؟ ..
    ووافقت، فموضوعه ضمن اهتماماتي، لكني لم أتصور أن يكون الثمن في ذلك العهد أربعين ليرة لبنانية، وأعترف أني صدمت، ولم أستطع التراجع، فكان أول ما فعلت ذلك اليوم أن أرى ما في هذا الكتاب.
    وفوجئت فيه بعدد من الكشوف، لو دفعت ثمنها الآلاف لكان ذلك رخيصاً رخيصاً:
    أولها: أن الجماعات اليهودية التي تحتل فلسطين تدرك تشابه غزوها واحتلالها للبلاد مع الغزو والاحتلال الصليبين، تدركه بوضوح وتعالجه جدياً في المنظور العلمي كتجربة رائدة،
    وثانيها: أنها تدرس الموقف، وفي الشرق العربي الإسلامي، في جذوره، وتحلل عناصره لتتفادى نهاية كنهاية حطين وما بعد حطين،
    وثالثها: ولعل الأهم، أن ثمة فرق عمل كاملة في الجامعة العبرية، تتخصص في هذا الموضوع، وعلى رأسها جوزيف براور صاحب كتاب تاريخ المملكة اللاتينية في القدس (وهو في مجلدين بالعبرية نشر سنة 1963).
    وتستعين هذه الفرق بالعلماء المتصهينين في الجامعات الغربية لهذا الغرض، فلهم مراكز بحث ومستشارون في جامعة باريس لدى العالم اليهودي كلود كاهن، وفي الجامعات الأخرى الأمريكية أمثال: آشتور شتراوس، وبرونشفيك، وكيستر، وأيالون المختص بالعصر المملوكي، وغريتاين الذي كتب عشرات الأبحاث حول قدسية القدس والصليبيات واليهود والإسلام.
    هذه النقلة من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس، يجد فيها اليهود الغارقون في التوراة، وفي الحق التاريخي، طقساً من طقوس العبادة، إنها عندهم نقلة بين التاريخ وبين المستقبل، وليست تهمهم الصليبيات بالطبع بوصفها صليبيات، وإنما تهمهم بوصفها رموزاً تاريخية، وبوصفها إسقاطاً على المستقبل، زاوية اهتمامهم محصورة فيها في نقطة وحيدة كيف تم طرد الصليبيين من هذه البقاع نفسها التي يحتلونها؟
    لهذا لا يهمهم بحثها الذي قتله الغربيون بحثاً، ولكن تهمهم الرمال المتحركة تحت الغزاة في فلسطين وحول فلسطين، الاستيطان ووسائله في الأرض هي الهاجس المؤرق، إن جذور الحاضر موجودة في الماضي، وممدودة إلى المستقبل، دراساتهم كلها ها هنا محورها.
    إنهم يدرسون معنى الجهاد، وكيف استيقظ في المشرق العربي، ومدى حيويته في الشام بالذات، وتأثير فكرة الجهاد قبل الصليبيات وأثنائها وبعدها، يحللون مدى قدسية القدس وعناصرها في نفوس المسلمين، وردود فعلهم ضد الاحتلال الغريب، يرون كيف تمت الهدنات، وتم التعايش الفرنجي- الإسلامي أولاً، وكيف انقلب ذلك حروباً وجهاداً من بعد، رغم تطاول الزمن، كيف تحول مفهوم الجهاد القديم فحل في مفاهيم جديدة ألهبت الناس يبحثون عن مرتكزات الدعاية التي حولته دينياً إلى عنصر كره للفرنج، وعن جذور الترابط في المنطقة من مصر إلى العراق، وعن أسباب توحدها في حطين وما بعدها، بل يحللون "نصر" عين جالوت ضد المغول، ويلحقون بالتحليل الفتاوى الشرعية، ويحللون أسباب سقوط عكا الأخير سنة 1291، وخروج آخر الصليبيين على آخر المراكب من المشرق، يبحثون عن أسباب ذلك وجذوره حتى في لاوعي الشعب نفسه.
    ولاحقت أعمال الجماعة الصهيونية في الأسئلة التي تطرحها، فإذا بين هذه الأسئلة:
    1- لماذا لم تستيقظ فكرة الجهاد في العصر الحمداني إلا على الثغور والحدود، رغم دعاية سيف الدولة ورغم خطب ابن نباتة وأشعار المتنبي؟
    ولم استيقظت في العصر الصليبي في دمشق وحلب خاصة؟
    2- لماذا أخذ الجهاد الشكل الدفاعي السلبي والمحدود قبل الصليبيات؟
    ثم أخذ الشكل الهجومي الواسع بعدها؟
    3- كيف أقيمت الصلة بين فكرة الجهاد وبين قدسية القدس مع أنها لم تكن موضوع جهاد قبل ولا موضوع قدسية.
    4- ماذا زادت الصليبيات من العناصر على قدسية القدس لدى المسلمين؟
    5- لماذا كانت معركة (ملازكرد) سنة 1071 نصراً إسلامياً نسيه الناس بسرعة، مع أنها كانت معركة حاسمة أسر فيها إمبراطور بيزنطة لأول مرة ولآخر مرة في التاريخ بيد سلطان السلاجقة ملك شاه، ولماذا لم تثر المعركة فكرة الجهاد لدى أهل الشام والعراق خاصة؟
    6- لماذا لم يذكر علماء الإسلام في القرن الثاني عشر فكرة، "طلب الشهادة"، بين دوافع الجهاد؟
    ولم يذكروا القدس؟
    إن أعمال 12 عالماً في ذلك العصر لم تذكر ذلك، لم يذكرها إلا عالم داعية هو عز الدين السلمي في العهد الأيوبي، والإمام النووي أيام بيبرس.
    7- ما موقف الشرع الإسلامي من الأموال الإسلامية التي تقع في يد الكفار؟
    هل تبقى ملكاً للمسلم مهما طال العهد، أم هي غنائم للمتحابين؟ المذهب الحنفي وحده يجعلها غنائم، لكن استعادة القوى الإسلامية لتلك الأموال تعيدها إلى أصحابها، ومع ذلك فإن زنكي رغم أنه حنفي أعاد أملاك معرة النعمان سنة 1136 إلى أصحابها، وابنه محمود وهو مثله في الحنفية أعاد أملاك أعزاز سنة 1150 لأصحابها، فما تفسير ذلك؟
    8- ما معنى ألا نجد لدى الشعراء الذين رثوا الدولة الحمدانية عند سقوطها أي ذكر الجهاد، ويذكر الكرم وحده؟
    ولاحقت نصوص التراث الذي تتداولها المجموعة الصهيونية بالدراسة، فإذا التراث الذي نتصور أنه نائم في دمائنا وفي أدراجنا هو لديهم كيان كامل على المشرحة، يستنطقونه ويحكمون علينا من خلاله يدرسون:
    1- خطب الجهاد منذ عهد الفتوح مروراً بالحمدانيين حتى العهد المملوكي.
    2- كل الكتب التي ألفت في الجهاد، أو كتبت عنه، ويتوقفون بخاصة عند كتب الجهاد التي ظهرت قبيل العصر الصليبي وخلاله ومن بعده، وبخاصة عند كتاب الجهاد الذي ألفه علي بن ظاهر السلمي النحوي (المتوفى حوالي سنة 498- 499هـ) والذي كان يدرسه في دمشق في الجامع الأموي في 12 جزءاً إثر الاحتلال الصليبي للقدس مباشرة (وقد أخذوا صورة الكتاب من المكتبة الظاهرية ونشروا بعضه سنة 1966)، هذا الرجل كان أول من قال إن الحركة الصليبية واحدة في الأندلس وصقلية والشام، قالها قبل ابن الأثير بمائة سنة.
    ويدرسون كذلك كتاب أحكام الجهاد وفضائله لعز الدين السلمي، وكتاب الجهاد مجهول من العهد نفسه، وكتاب الجهاد الذي وضعه القاضي بهاء الدين بن شداد لصلاح الدين الأيوبي ضمن كتابه دلائل الأحكام، فكان كتاب المخدة عنده لا يفارقه، ويتساءلون لماذا لم يضع ابن شداد في هذا الكتاب كلمة واحدة عن القدس؟ ولا قال هو ولا أحد قبله إن الجهاد من أركان الإسلام الأساسية إلا الخوارج وإلا علماء العصر المملوكي؟
    3- وبين ما يدرس الصهيونيون كل الكتب التي تتحدث في فضائل الشام والقدس ومقارنتها بمكة والمدينة، ويلاحظون أن الاسم في زيارة مكة هو الحج وفي القدس لا أكثر من زيارة، ويحللون في هذا السبيل خمسة وثلاثين كتاباً تتحدث في فضائل القدس والشام، ككتاب ابن الخوري (فضائل القدس الشريف)، وتقي الدين بن تيمية (قاعدة في زيارة القدس)، والكنجي الصوفي (فضائل بيت المقدس وفضل الصلاة فيها)، وشهاب الدين المقدسي (مثير الغرام في فضائل القدس والشام)، وأبي إسحاق إبراهيم المكناسي (فضائل بيت المقدس)، وعز الدين السلمي (ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام)، وابن المرجى (فضائل بيت المقدس والخليل)، وابن الفركاح إبراهيم الفزازي (باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس)، ومجير الدين العليمي (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل).
    4- وبين ما يدرسه الصهيونيون دواوين الشعراء، يلاحقون حتى الصغار منهم، لا يهملون المتنبي والمعري، لكنهم يدرسون الغزي، وديوان ابن النبيه، وابن الساعاتي، وابن الخياط، وابن سناء الملك، والبوصيري، وابن عنين، والبهاء زهير، وعمارة اليمني، والملك الأمجد، وسبط ابن التعاويذي، وغيرهم وغيرهم ممن عاشوا الفترة الصليبية لعلهم يكتشفون آثارها في قوافيهم.
    5- ويدرسون مؤلفات العماد الأصفهاني، والقاضي الفاضل، والثعالبي، وابن جبير، ورسائل ضياء الدين ابن الأثير، وكتاب الإشارات للهروي، ورسائل ابن عبد الظاهر، وكتابات أسامة بن منقذ وخطب عبد الرحيم ابن نباتة.
    6- ويدرسون كتب الفقه والفتاوى، بخاصة التي أصدرها العلماء، كالإمام النووي، وكتاب المغنى لموفق الدين بن قدامة.
    7- ويدرسون ويسألون حتى السير الشعبية، ويرونها منجم المشاعر العميقة للجموع المتتالية، يرون فيها المرأة الحقيقية، فهل فتح أحد منا قصة الأميرة ذات الهمة (سيرة المجاهدين وأبطال الموحدين)، أو أسيرة عنترة، أو فتوح الشام للواقدي، أو فتوح الشام الأخرى للأزدي البصري، أو قصة علي نور الدين المصري مع مريم الزنارية، إنه سيرى فيها ما يكشفه الصهيونيون من المشاعر، إنهم يصلون حتى إلى تحليل النكات والنوادر، لماذا كل هذا العناء والجهد؟
    ليس العلم وحده هو ما يقصدون، وإلا كانت لديهم آلاف المواضيع الأخرى الجديرة بالدراسة، إنهم يتحسسون في الصليبيات ونهايتها وجعهم، قلقهم، مصير الغد.
    إن عقدة الصليبيات تلاحقهم، تؤرق استقرار المشروع الصهيوني كله، توغل وراءه فيوغل وراءها بحثاً ودرساً، السؤال الأساسي المطروح:
    كيف يتخلصون من مصير مملكة القدس الصليبية وتوابعها؟
    كيف يأمنون من حطين أخرى مقبلة؟
    .. كل قرون الاستشعار في هذا الأخطبوط الوحشي موجهة نحو الحروب الصليبية بالذات، يريدون أن يعرفوا كيف نبتت خيول حطين وامتطتها العواصف؟
    وكيف عبرت مملكة القدس إلى التاريخ المنسي من الباب الخلفي فلم يبق لها من آثر؟
    كان الناس عند وصول الفرنج إلى الشام أكواماً من الرمال ذرتها السيوف الصليبية مع الريح.
    فكيف تحول مواطنو الريح هؤلاء إلى كتلة صخرية صلدة تحطم عليها الفولاذ الفرنجي فجأة ومرة واحدة، دايان قال سنة 1967 إن جيوشه انساحت خلال القوى العربية كالسكين في الزبدة، فهل تتحول الزبدة قنبلة تذهب بالسكين وصاحب السكين؟
    هذا القلق المصيري سببه أن اليهود الغارقين في التاريخ والمعتمدين في استراتيجيتهم الدعائية على التاريخ يريدون أن يخرجوا من نفق التاريخ.
    إسرائيل تبحث عن المستقبل وهي مندفعة بكليتها نحو الماضي: دينها، لغتها، رجالها، قيمها، تشريعها، صلواتها، شمعدانها، رموزها، وطواقي رجالها كلها موصولة مع الماضي بخيط عنكبوتي ممدود، لهذا تشكل الصليبيات جرحها الذي تريد أن تتجاوزه، إنها تريد التسلل من أحد الثقوب في التاريخ (وما أكثر الثقوب) إلى هذا العصر.
    ويعرف الصهيونيون، يدرسون، يحللون كل التوازيات بين الصليبيات الغربية وبين الصهيونية، ويتوقفون عند النهاية المأسوية يريدون تفاديها، إنهم وهم المهرة في استخدام التاريخ ولي عنقه، يحاولون أن يهربوا من لحظته الأخيرة!
    فأين هذا التوازي وأين ينتهي؟
    سآتي على التشابهات فقط وأترك التباينات القليلة، وهي ناجمة عن اختلاف العصرين، إن كل الاستراتيجية والتكتيك الصهيونيين موجودان في الصليبيات.
    إنا لا نكاد نجد في التاريخ حركة كالحروب الصليبية كان نصيبها من الخيال وتأثير الأسطورة بقدر نصيبها من الآلام المآسي، إلا الحروب الصهيونية، والغريب أن مكان الكارثتين واحد، هو فلسطين، ولسنا نحتاج إلى أي جهد في التقاط التوازي الذي يصدم العين بين المغامرة الصليبية الفاشلة والمغامرة الصهيونية التي تقلدها، المغامرتان من نسيج واحد، يكفي أن نقرأ قصة إحداهما لتقفز الأخرى أمامك على الأسطر، على كل سطر وفي النقاط والفواصل، وإن شئت تحركت في الحديث قافزاً من هذه إلى تلك ومن تلك إلى هذه دون أن تحس بأنك تقفز 800 أو 900 سنة بعواصفها وأثقالها، دعونا نمش في المغامرتين خطوة خطوة، إن التشابه يبدأ هنا منذ الخطوة الأولى.
    أولاً: القضية الصهيونية في منظورها الشامل إنما هي مشكلة أوروبية داخلية خالصة، وجدت حلها في عمل خارجي وعلى أرض خارج أوروبا، والقضية الصليبية بدورها إنما هي مشكلات أوروبية داخلية بدورها حلت على الطريقة ذاتها، التكاثر السكاني قبل الصليبيات مع تدهور الزراعة وانتشار المجاعات وكوارث الطبيعة والأوبئة سنوات طويلة بعد أخرى، وتعاظم المشاعر الدينية، إضافة إلى الظلم الإقطاعي وتراكم الديون الربوية وكثرة الفرسان، ولا أرض للفرسان فيما الحروب الداخلية تفترس الأمن والبشر، كل ذلك كوّن مشكلة التكاثر السكاني وحقد الأوروبيين على اليهود المرابين ومشكلات العمال الفقراء في شرق أوروبا والزحام القومي الهتلري وكلها غارقة في الجذور الاقتصادية بإلقاء هذه الفضلات البشرية- في نظرها من النافذة على الجيران!
    ثانياً: ونمضي خطوة أخرى، لنرى أن الحركة الصليبية شملت كل أوروبا، في الصليبيات تحركت جموع شتى من مختلف الأمم الأوروبية من السويد والنرويج، من إنكلترا وفرنسا ومن ألمانيا والدانمرك وقلب المجر، كلهم تحركوا نحو إغراء المشرق!
    لم تكن الحركة ثماني حملات كما يزعمون، كانت مدداً لا ينقطع، وسيلاً من البشر يتحرك على السفن وفي البر مدار السنوات المائتين التي امتدتها الحروب، قد تكون الحملات بدورها أكثر من مائتين أو ثلاثمائة حلمة صغيرة وكبيرة لبضعة ملايين، بعضهم حجاج، وبعض محاربون، وكثير منهم تجار أو مغامرون، وأكثرهم فقراء، الكل نزحوا وراء حلم يمتزج فيه المسيح برفيف الذهب، هل يذكركم هذا بمجموعة الأمم التي تحشد منذ مائة سنة في فلسطين، بابل القرن العشرين، لغات وأجناساً وعادات ومن كل زوج غير بهيج؟
    وتحشد وراء حلم يمتزج فيه الإله يهوا بطائرات الفاتنوم؟
    ثالثاً: وكما انتصب للصليبيات قائد فكري في شخص البابا أوربان الثاني، الذي أعلن الحركة في مجمع كليرمون سنة 1095، وحدد لها الطريق والهدف النهائي: فلسطين أرض المسيح، أطلقها وترك لمن بعده المسير بها وتحمل عقابيلها، كذلك كان للصهيونية رائدها الفكري في شخص ثيودور هرتزل، الذي كتب لها كتاب الدولة اليهودية سنة 1867، ثم أعلن مع المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 في بال أن مكان هذه الدولة هو فلسطين: أرض إسرائيل، كان هرتزل هو بابا الصهيونيات، أطلقها وترك للآخرين مهمة التنفيذ.

    يتبع ..

  29. #29
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    عطفا على ما جاء في البحث , حول اعتبار آخر أيام الصليبيين في المشرق كانت عند خروجهم من عكا عام 1291م .

    وهذا التاريخ اعتاد الباحثين في التاريخ العام , على الإشارة إليه عند حديثهم عن خروج الصليبيين من المشرق وجغرافيا من مدينة عكا تحديدا .

    وبسبب أهمية تأريخ خروج الصليبيين من بلادنا علميا , اقتضى منا تحديد زمان ومكان الخروج بدقة .

    إن المرحلة التي تلت خروج الصليبيين من مدينة عكا تزامنت مع خروجهم من مدينة طرطوس [انطرطوسا] , وقد دامت أكثر من عشرة سنوات تالية امتدت من العام 1291م حتى العام 1302م وهو عام الخروج النهائي للصليبيين من المشرق وتحديدا من جزيرة أرواد المقابلة لمدينة طرطوس .

    والواقع أن مركز قيادة [فرسان الداوية / الهيكليين] قد بدأ بالانتقال شمالا من عكا إلى طرطوس منذ حوالي منتصف العقد الثامن من القرن الثالث عشر , حوالي العام 1285م .
    وكان الوجود الصليبي في المشرق قد اقتصر في السنوات الأخيرة منه على فرسان الداوية .

    ومع تزامن الخروج من مدينتي عكا وطرطوس , اضطرت قيادة فرسان الداوية إلى الانتقال إلى جزيرة أرواد المقابلة لساحل طرطوس والتي طالما تمتعت بسور بحري ضخم ومنيع وقلعة حصينة لا تقل عنه مناعة .

    كان [الفارس جاك دي مولاي] الأستاذ العام الأعظم لتنظيم فرسان الداوية من العام 1293م إلى العام 1314م وهو عام نهاية التنظيم كوجود في فرنسا وسائر أنحاء أوروبا .
    ومن العام 1293م وحتى العام 1302م كان مقر قيادة جاك دي مولاي في قلعة الداوية في جزيرة أرواد .
    وقد تمكن دي مولاي من البقاء في جزيرة أرواد حتى العام 1302 حيث استطاع السلطان الاشرف خليل ابن قلاوون من إخراجه ومن بقي معه من الفرسان من جزيرة أرواد إلى قبرص , ومنها غادر إلى فرنسا .

    تعقيب : أ. بسام عيسى القحط

    ..

  30. #30
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : أبحاث ومقالات استراتيجية .

    رابعاً: ونصل إلى العامل الديني في الحركتين الصليبية والصهيونية، لنرى أشكالاً لا تنتهي من التوازي والتشابه تحتاج إلى التوقف الطويل والتعداد الطويل:
    أ- ما الذي رفعه الصليبيون هدفاً، وما الذي رفعه الصهيونيون؟
    شعار واحد رفعه الطرفان الصليبيون تحركوا لتخليص القبر المقدس، والصهيونيون تحركوا لتخليص الهيكل المقدس، ولو أنه لم يبق منه إلا في الذاكرة التوراتية شيء على الأرض!
    الإيديولوجية التي رفعت في المشروعين واحدة، وراء كل من الشعارين حينئذ لا ينتهي من المشاعر الدينية المتقدة، ولكنها تتمركز في النهاية في كلمة محددة، وفي نقطة من الأرض محددة بدورها، وكما سمي الصليبيون فلسطين أرض المسيح يعنون بذلك أنها أرضهم، كذلك يقول الصهاينة إنها "أرتز إسرائيل" أرض الميعاد، بوعد توراتي لا يزول.
    ب- إذا كانت الحرب الصليبية أول حرب إيديولوجية، بعد الفتوح الإسلامية، وكانت هذه الإيديولوجية دينية بالضرورة، ولم يكن بالإمكان تحريك الجموع في العصور الوسطى الغارقة في الدين دون إيديولوجية دينية، فإن هذه الإيديولوجية نفسها قد استخدمت من قبل الصهيونية في تحريك آخر جماعة متحجرة مغلقة من الجماعات الأوروبية، وهم اليهود، للغرض نفسه في الحرب الصهيونية القائمة، محور الإثارة عند الطرفين هي فلسطين والقداسة فيها للقبر أو للهيكل.
    ج- لم تحمل الحروب الصليبية هذا الاسم الديني أبداً لا في عهدها ولا بعده، في القرن السابع عشر ولأسباب تبريرية دينية شاع هذا الاسم ليغطي برداء الصليب فترة مائتي سنة من المآسي والحروب ليس لها ما يبررها، المسلمون الذين عاصروها والكاثوليك الغربيون الذين شنوها كانوا على السواء يسمونها باسمها: الأوائل يسمونها حروب الفرنجة، والآخرون يسمونها المآثر والأعمال التي تمت فيما وراء البحار، أو التي تمت في الشرق، أو أعمال الفرنجة، الحركة الصهيونية بدورها لم تسم نفسها الحركة اليهودية، وسمت نفسها الحركة الصهيونية، ولو أن العنصرية اليهودية المتزمتة تلفها بكلمات التوراة وإسرائيل والناموس والشمعدان السداسي/السباعي العتيق.
    صحيح أن الحرب الصليبية معقدة الدوافع، كالحركة الصهيونية سواء بسواء ولو جمعت مختلف دوافعها بعضها إلى بعض لوجدت أن العامل الديني قد يأتي بين العوامل الأولى لا سيما في فترة الإعداد وأيام الحملات الأولية، وقد يعصف بالنفوس تارة بعد أخرى، لكن العوامل الدنيوية كانت هي التي تعصف بهذه النفوس نفسها في حالات أخرى، والخليط الصليبي، كالخليط الصهيوني، متباين الطبقات والمشارب، فيه المغامرون والحجاج واللصوص والتجار والنبلاء والمحاربون وشذاذ الآفاق والرهبان والهاربون من العدالة والباحثون عن الثروة وفي كل واحد من هؤلاء جانب ديني قد يلتهب في بعض الظروف، لكن من الذي يكبح الجوانب الأخرى المادية اللاأخلاقية أو الوحشية في ظروف أخرى؟
    .. وهكذا كانت إيديولوجية الصليبيات الدينية غطاء مناسباً، وإن يكن أحياناً غير مخالف لأطماع النبلاء في الأرض، والرهبان الكاثوليك في الانتشار والسيطرة على كنيسة المشرق، والتجار بالربح والامتيازات، والفلاحين العاديين بالخلاص من الديون ومن المجاعات ومن الظلم الإقطاعي والفوز في النهاية بالسماء!
    أليس هذا هو الوضع الصهيوني نفسه؟
    د- الصليبيات بدأت حجاً إلى القبر المقدس تحول إلى حج مسلح، ولقد استغلت الحج، وشجعته الأساطيل البحرية الإيطالية النامية على مياه البحر المتوسط (من جنوية وبيزية والبندقية وكاتلان)، تذهب ملأى بالحجاج وتعود من الشرق ملأى ببضائع الشرق من فلفل وبخور وأفاوية ونسيج وزجاج .. صارت سيدة البحر العربي بعد أن انهزمت القوى العربية الإسلامية في الأندلس، وتضاءلت أساطيلها، أو انقطعت أحياناً ما بين شمالي إفريقيا والمرافئ الإسبانية، وخرجت فرخشنيط وجبل القلال في جنوب فرنسا وجزر الباليار من السيطرة الإسلامية، فأين إذن الحج المقدس؟
    وأين القبر المقدس نفسه، حين طرحت هذه الأساطيل نفسها بالصليبيات وبغزو الصليبين إلى القسطنطينية مرة وإلى مصر مرتين وإلى تونس أيضاً، فهل كانوا يحسبون أن القبر المقدس انتقل هناك؟
    وفي الحركة الصهيونية، ألم يكن الحج والحج المسلح إلى حائط المبكى وبقايا الهيكل هما بدء الطريق إلى وعد بلفور ثم إلى أحداث 1948؟
    ألم تكن العملية الاقتصادية الاجتماعية من تجارة وحلول للمشاكل العمالية والأطماع المادية وراء الهجرة الصهيونية ووراء أخذها الأرض واحتلالها النقب وتوسعها في المصانع والزراعات بعد أن تخاذلت القوى العربية سنة 1948 وما بعدها؟
    أم أنهم يبحثون عن الهيكل في تونس أو عنتيبي أو حول المفاعل الذري ببغداد؟
    هـ ضمن هذا الإطار الديني نفسه: يسمي الصليبيون أنفسهم في النصوص بفرسان المسيح "والشعب المقدس" و"شعب الرب" أليس يسمى الصهيونيون أنفسهم بشعب الله المختار، مقابل الغوييم الهائم الذين هم كل البشر الآخرين؟
    وإذا قال البابا أوربان الثاني، وهو يعلن الصليبيات: حرروا هذه الأرض من الجنس الشرير .. فهذه الأرض التي يقول الكتاب المقدس إنها تفيض باللبن والعسل قد منحها الرب ملكاً للمؤمنين، أفلا يقول الصهيونيون بدورهم إنها ملكهم وعدهم الله بها من الفرات إلى النيل؟
    و- وضمن الإطار الديني أيضاً، ألم تحاول البابوية، وهي الكاثوليكية الغربية، إبراز نفسها حامية لمسيحي الشرق المضطهدين؟
    فماذا يقول اليهود الإشكنازيم (الغربيون) الواردين من روسيا ووسط أوروبا وألمانيا وفرنسا؟
    أليسوا يجعلون أنفسهم حماة لليهود السفار أديم، يهود الشرق؟
    ز- الطابع الديني استطاع أن يكون واضحاً في الأيام الأولى للصليبيات، لأنه كان الدافع المعلن، ولقد استطاع أن يغطي إلى فترة ما حقيقتها الاقتصادية- الاجتماعية، اختفى التجار وراء سواد المحاربين، وتوارى الإقطاعي بجشعه وراء الرهبان ورجال الكنيسة، لكن الأطماع في الأرض والقلاع والمدن والامتيازات التجارية كانت واضحة مسيطرة، وفيما نهب الجناح العسكري من نبلاء وفرسان: الأرض عماد الثروة والسلطة في المجتمع الإقطاعي الغربي، تقاسم التجار الغربيون الأسواق والامتيازات والأحياء والفنادق في المدن وحين دارت العجلة بالأحداث والناس، تكشف التناقض العجيب، وتجلى الإفلاس الإيديولوجي في الحملات التالية، وبلغ الذروة في الحملة الرابعة التي توجهت إلى القسطنطينية المسيحية تفتحها، ظهر أن البابوية والتجار الإيطاليين وإقطاعي أوروبا يستخدمون الدين سلاحاً سياسياً عسكرياً ضد المسلمين وضد بعضهم بعضا على السواء، ولو كان هذا "البعض" من أخلص المدافعين عن الكاثوليكية.
    ج- إن كل الغطاء الديني للصليبيات يطير إذا استعرضنا الصليبيات الرسمية الثمانين فوجدنا أن ثلاثاً منها فقط توجهت إلى القدس، في حين توجهت الخمس الأخرى إلى أهداف أخرى فالثانية إلى دمشق، والرابعة إلى القسطنطينية، والخامسة والسابعة إلى مصر، والثامنة إلى تونس، لعلها كانت تفتش عن آثار المسيح هناك، وأما حملات القدس فقد احتلتها الحملة الأولى فقط وفشلت الثالثة في الوصول إليها، ووصلتها الحملة السادسة سلماً ومجاناً في حين كان البابا يستنزل على هذه الحملة اللعنات من الرب، ويرمي صاحبها بالحرمان.
    ونعود إلى الصهيونية المعاصرة لنرى الصورة نفسها، وإن تكن متطورة على مقياس القرن العشرين:
    افتراس للأرض لا ينتهي، محاولات لربط العلائق التجارية بكل الموانئ، استخدام للإيديولوجية الدينية في التوسع العسكري، وإفلاس إيديولوجي يتجلى في حروب 1956و 1967و 1973، ويبلغ الإفلاس أوجه حين تكشف إسرائيل عن دورها الحقيقي في تونس، وفوق المفاعل الذري بالعراق، وفي حروبها في المنطقة، فإذا هي أجير أمريكي صغير، مجرد حاملة طائرات أمريكية تحمل قوى مرتزقة تموّن بالمعونات، وعملها الأساسي استنزاف قوى المنطقة ومراقبة الاتحاد السوفيتي.
    هل انتهت المقارنة الدينية؟
    لم تنته بعد، فثمة أيضاً الحديث عن الإرهابيين المدنيين أيضاً، عن مئير كاهانا وحزبه أغودات إسرائيل، وهن الحاخام شلومو غورين، والنائبة عئولة كوهين، وأركان مجلس الحاخامين، وأعضاء غوش أمونيم، وحركة هاتحيا، وغيرهم ممن ينفخون في الرماد التوراتي ويعميهم دخانه ومثاره، إن دور هؤلاء جميعاً هو الحفاظ على الحقد الديني في حالة الغليان ليصب الحساء ساخناً في الصحن الصهيوني- الأمريكي، مقابل هذه المؤسسات كان للصليبين أيضاً مؤسسات دينية- عسكرية مماثلة، وهكذا نقرأ عن الداويّة، وعن الاستبيارية، وعن مؤسسة النيوتون ... والمؤسسات الصليبية المشابهة في إسبانيا:
    فرسان القنطرة، وفرسان قلعة ترافاً، وفرسان القديس يوحنا (سانتياغو) .. والدور هو الدور نفسه:
    تأييد اعتداءات الدولة على الأرض والناس، ومسحها بالممحاة الدينية، وإيجاد أيد أخرى بجانبها تحول التوراة إلى سيوف أو قنابل، وشيء من عمى غير قليل!
    ترى هل يتضح، بعد هذا كله، أن السبب الحقيقي وراء الصليبيات أو وراء الصهيونيات ليس هو الدين ولكن الأطماع الدنيوية للمتاجرين بالدين؟
    خامساً: ونعود إلى الصليبيات والصهيونيات لنرى أن المشروعين إنما قاما على الدعاية المكثفة وعلى استغلالها الأقصى، ولقد طافت تدعو إلى الصليبيات مجموعات شتى من القسس والرهبان والتجار والمتشردين، كان جيش الدعاة الذي لا ينقطع يطوف أوروبا قرى وجبالاً وعبر الأنهار وفي عتمة الكنائس والغابات ومداخن البيوت، منهم بطرس الراهب وسان برنارد وجوسياس (رئيس أساقفة صور) وهرقل (بطريك بيت المقدس)، بل قام الدعاة من الأطفال، وقامت حملات من الأطفال بعشرات الألوف زحفت تريد تخليص القبر المقدس ببراءتها وحدها (ولو أنهم انتهوا بمساعي الصليبيين أنفسهم إلى أسواق النخاسة)، كانت الدعوة للصليبيات بضاعة رائجة، أليس هذا ما يفعله الكهنة والربانيون في كل كنيس، وما تقوم به الصحف الصهيونية منذ مائة سنة؟
    وكما استغل الصهيونيون جهل العالم بالتاريخ وبالواقع الجغرافي ليحوروهما كما شاؤوا، ليلغوا آلاف السنين العربية من التاريخ في فلسطين، وليلغوا وجود الشعب الفلسطيني من الجغرافيا، وليجعلوا من البلد الصحراء فارغة، كذلك استغلت الدعاية الصليبية سدوف الجهل الأسود في تلك العصور، فجندت في ما سموه، بجهل الخيال المنتصر، كل القوى في اتجاهين:
    1- اتجاه يضع كل تراث الجهل والخرافة لدى الناس في خدمة الإيديولوجية المعلنة من الأساطير في السحر القديم، وجيوش الأشباح والموتى، والشياطين الشريرة والأشجار صانعة المعجزات، وقصص النجوم التي تتساقط من السماء، والشهب الملتهبة، ومعجزات الأطفال الذين يولدون بأطراف مضاعفة، والرعاة الذين يرون مدناً متألفة في السماء، والقسس الذين يشهدون سيفاً ضخماً تحمله الريح في الأفلاك، أو معركة بين فارسين يضرب أحدهما الآخر بصليب يرديه، وقصص النار والحساب والفردوس المقبل ونعيم الخلاص والغفران، بل وقصص الغنائم المنتظرة في الشرق الأسطوري، كل ذلك لإثارة حماسة الناس في الغرب حتى الحد الأقصى.
    2- اتجاه يوجه هذه الدعاية كلها ضد عدو "شيطاني" الملامح: فالرسول الأعظم في منظورهم "ساحر هدم الكنيسة في إفريقيا والشرق بالسحر والخديعة" وجعلوا من المسلمين وثنين وعباداً لمجموعة من الآلهة والأصنام، ومحمد هو الصنم الرئيسي، وهو كبير آلهة الشرقيين "السراسنة" تمثاله المصنوع من المواد النفيسة بالأحجام الهائلة منصوب في أصبهان أو مكة، يرافقه 700 من مريديه!
    غربيو القرون الوسطى صدقوا هذا كله، وصدقوا معه ما يترشح لهم عن المسلمين من أنشودة رولاند وأغاني الـ Gueste وروايات الحجاج الذين كانوا يعودون بالمبالغات والغرائب لإضفاء الأهمية على مغامراتهم ولإثارة الدهشة والإعجاب.
    وقد ثبت أن أصحاب الإيديولوجية الصليبية استخدموا في الاتجاهين الكذب وتزوير الوثائق والمبالغات إضافة إلى قصص الأحلام المقدسة والرؤى العجائبية، وكان لهم من سذاجة الناس وجهلهم ما يطمئنهم إلى النتائج.
    أليس هذا يا ترى ما فعلته الصهيونية في الاتجاهين: فمن جهة استغلت كل موروث الغربيين من الحقد على اليهود في صيغة "اللاسامية" لتضخيم الشعور بالاضطهاد لدى اليهود، ولدفعهم إلى التكتل حولها والهجرة إليها، فما زالت إلى اليوم تحاكم النازيين القدامى، وتتهم غيرهم، وتتقاضى من ألمانيا ثمن الجثث المحروقة في أوشويتز، وترفع العصا في وجه كل داعية إلى التعقل في الغرب باسم اللاسامية، وهكذا ضخمت الأساطير وصاغت الروايات وصنعت الأفلام وكتبت واستكتبت كل الأقلام المكنة وكررت مسكنة اليهود وعذاباتهم كل يوم في كل إذاعة مسموعة أو مرئية، إنهم المضطهدون الوحيدون في العالم، هكذا قال زارادشت!!
    ومن الجهة الأخرى فمادام الناس يجهلون كل شيء عن فلسطين وتاريخها وناسها فلماذا لا تصوغ دعايتها في كل ذلك على ما تشتهي؟
    سكانها العرب: تجاهلتهم أولاً بالإلغاء الكامل، ثم لحقتهم بالتهم حين ظهروا على سطح الأحداث فهم في أدبها "برابرة" أنذال، مخادعون، وأخيرا ً "إرهابيون" وعلى العالم كله أن يلاحقهم بالرصاص والإبادة، ألم تستخدم الكذب الدائم والمبالغات والتشويه وتزوير الوثائق؟

    يتبع ..

 

 
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •