سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...



النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    آثار العقيدة الإسلامية في النفس البشرية

    آثار العقيدة في النفس:
    1 - تربية النفس وتوجيهها نحو المثل العليا: وهذا الأثر هو نتيجة المعرفة بأصول هذه العقيدة وأركانها، فالمعرفة بالله تعالى من شأنها أن تربي في النفس ملكة المراقبة لله سبحانه وتعالى وإخلاص العبودية له، والتحرر من كل ولاء لغيره، ولعل فاتحة الكتاب التي نرددها في صلواتنا كل يوم، تأكيد لهذا المعنى:"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" الفاتحة:5 ، فعبودية الإنسان لربه تحرِّره من عبوديته للعباد، وعبوديته للدنيا بما فيها من ترغيب وترهيب، والمعرفة بالملائكة تدعو إلى التشبه بطاعتهم لله، والتعاون على الحق والخير والوعي الكامل واليقظة التامة، فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو خير ولا يتصرف إلا لهدف أسمى، وكذلك الحال في كل ركن من أركان العقيدة، بل في كل جزئية من كل ركن.
    2- إحياء القلب وطمأنينة النفس: وهو من أهم الآثار، يقول الله تعالى:"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" الأنعام:122. فهذا المثل يضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً في الضلالة، هالكاً، حائراً، فأحيا الله قلبه بالإيمان، وهداه، ووفقه لإتباع رسله.
    فالعقيدة تملأ نفس المؤمن طمأنينة وسكينة، حتى إذا اطمأن قلبه، وسكنت نفسه، شعر براحة البال، فلا يتسرب إليه جزع، ولا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً. قال الله تعالى:"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" الرعد:28، ومن هذا المنطلق يرضى المؤمن بقضاء الله وقدره، فلا يجزع إن مسه الشر، ولا يمنع إن مسه الخير، ولا يندم على ما فات. لأنه يعلم أنه لا راد لقضاء الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى:"لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" الحديد:23. ويقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:"عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"." "
    والمسلم الذي استقرت العقيدة في أعماقه لا يقلق لأسباب منها:-
    1- عدم وجود أسئلة في الكون تحيِّره: فهو يعلم أن الله واحد، وأن هذا الكون كله من خلق الله عز وجل،قال تعالى:"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" الأنعام:102، وهو يعلم أن الإنسان قبضة من طين ونفخة من روح،خلقه رب العالمين بيديه، وبدأ رحلته من الجنة ونزل إلى الأرض،وأن له طريقا مستقيما توصله إلى منازله الأولى، وهذه الأسئلة التي حيرت الفلاسفة والمفكرين أخبره عنها ربه، فأراحه وطمأنه من مصدر موثوق صادق يجيب له عن جميع استفساراته.
    2- إنه يعلم أن هذه الدنيا ليست النهاية، والجزاء ليس في هذه الأرض قال تعالى:"وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى" النجم:39-41، فما فاته في الدنيا سيعوض عليه في الآخرة، والحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كساعة من نهار. قال تعالى:"أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ" التوبة:38. وهذا كله يسكب الطمأنينة في قلبه، والسعادة في أعماقه، وهذا يجعله يترفع على الصغائر وسفاسف القول والعمل، ويهتم بما عظم من الأمور.
    وهذا يربِّي عنده التضحية والبذل، حتى أنه ليبذل روحه في سبيل الله طمعا فيما هو أكبر من النفس والأرض وهو الجنة، ولعلك تذكر معي ما قاله خالد بن الوليد رضي الله عنه لملك الروم:"جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة". وهذه التربية الإسلامية العالمية هي التي جعلت المرأة من بني عبد الدار عندما أخبرت باستشهاد زوجها وأخيها وأبيها تقول:ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فقالوا:هو بخير..قالت:"كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل" أي هينة.
    وهذه العقيدة هي التي ربَّت أمينة قطب-الكاتبة الإسلامية المعاصرة شقيقة المرحوم الأستاذ سيد قطب، هذه المرأة التي تقدم لخطبتها أمير فرفضت، وتقدم سفير فأبت، وآثرت أن تخطب أحد المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة سنة 1963م، وانتظرته عشر سنوات-أطول خطبة في التاريخ كما نظن-وفي عام 1973م خرج زوجها من السجن وتزوَّجت.
    3- أنه مطمئن، لأنَّه يعلم أنَّ الرزق محدود، والأجل مقدر:"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ"، "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ". والاطمئنان إلى أنَّ كل شيء فيه هذا الكون بقدر، وأنَّ الله عز وجل وراء كل حدث، وفوق كل نفس وهو"فعال لما يريد، وغالب على أمره، ولا معقب لحكمه، وإليه يرجع الأمر كله، ولله خزائن السموات والأرض، يعز من يشاء ويذل يشاء". وهذا الاعتقاد يجعل الإنسان أعز من على الأرض."وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" المنافقون:8،"مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً" وهذا الاعتقاد هو الذي أخرج أمثال ابن تيمية الذي تحدى حكام زمنه-الذين زجوا به في سجن القلعة- قائلا:"ماذا تصنعون بي؟إنَّ قتلي شهادة، وإنَّ سجني خلوة، وإنَّ نفيي سياحة".
    ولهذه العقيدة أبناء بررة في كل زمان، فالشيخ العز بن عبد السلام يردُّ على رسول الملك الصالح إسماعيل الذي رجاه أن يعتذر للسلطان ويقبل يده حتى يعيد إليه مناصب القضاء فيقول:"والله لو قبل يدي ما قبلت، يا قوم أنتم في واد ونحن في واد الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به".
    وفي هذا العصر الأستاذ سيد قطب الذي كانت تعرض عليه مناصب الدنيا من وراء القضبان، ولكنه آثر الزنزانة على البريق الخادع واللألاء الكاذب وكان يقول:"إنَّ أصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفا واحدا تقر به طاغية".وكان يقول:"لماذا أسترحم؟ إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكوما بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل".
    3- قوة العزم والشجاعة والإقدام:
    من ثمار هذه العقيدة إنَّها تبعث في نفس المسلم قوة العزم والثبات، وتحرره من سيطرة الغير، لعلمه أن الله تعالى معه، ومن كان الله معه فلا يهون ولا يحزن ولا يضعف. فهذه العقيدة تغرس قناعات أكيدة في أن الضار والنافع والمحيي والمميت هو الله تعالى، وبذلك فهي تحرر الإنسان من الخرافات والأوهام، وتمنعه عن كل ما فيه استعانة بغير الله تعالى ولجوءه إلى سواه، لدرجة أنَّ هذه الاستعانة تُعّد شركاً بالله. وفي تأكيد هذا المعنى جاءت وصيته رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما حيث قال:"يا غلام:أني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"." " كما أنَّ هذه العقيدة تبعث في النفس روح الشجاعة والإقدام، واستصغار الموت والرغبة في الاستشهاد طاعة لله، وانتصاراً لدينه، وإعلاء لكلمته، لأن هذه العقيدة تؤكد أن الأجل محدود وهو بيد الله، وإنَّ الإنسان لا يموت إلا إذا انتهى أجله، وأنه لا أحد يستطيع أن يسلب منه حياته، ولهذا فإن الجبن لا يطيل عمراً، والشجاعة لا تقصر أجلاً:"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً".
    4- الاطمئنان على الرزق:
    من آثار العقيدة الإسلامية أنها تطمئن المسلم على رزقه، فهو بيد الله وقد تكفل به، وما على المسلم إلا أن يسعى في طلب تحصيله بالطرق المشروعة:"وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" هود:6. ولما كان الإنسان شديد الحرص على الرزق، لكونه مفطوراً على حب المال وجمعه، فقد أقسم الله تعالى بذاته أن هذا الرزق مضمون لاشك فيه، فيقول الله تعالى:"وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ" وبهذا تتحرر النفس من رذيلة البخل والشح والذل لغير الله تعالى.
    إنَّ استقرار هذه العقيدة في أعماق النفس يجعلها عزيزة فلا تذل، تقف أمام كل قوى الأرض، لا ترهب سلطانا ولا تستجدي أمام صولة الملك وإغراء المال، هذه العقيدة ترفع صاحبها من أوحال الأرض ومستنقع الطين، فيقف في المرتقى السامي ينظر إلى الأرض من علو مع التواضع، وبالعزة مع المحبة والتضامن، دون استطالة ولا بغي على الناس، يود لو يرفعهم إلى هذا المستوى الذي رفعه الله إليه. بهذه العقيدة أضحى الرعيل الأول من الصحب الكرام يعيشون بحسهم وأرواحهم في الآخرة، مع أن أجسادهم تدبُّ على هذه الأرض، هم يتحركون فوق هذه المعمورة، مع أنَّ أنظارهم مشدودة بقوة إلى الجنة، إلى الحساب. وحسبنا في هذا الشأن أن نأخذ مثلا واحدا، ولكنه يدل كيف كان ذلك الرهط الكريم يفكر ويعيش ويتحرك.
    ودعنا-لنرى كيف نحيا بهذه العقيدة- نستمع إلى الإمام أحمد وقد دخل عليه رجل فقال:عظني يا إمام، فقال له:إن كان الله قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا؟ وإن كانت النار حقا فالمعصية لماذا؟ وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنية لماذا؟ وإن كان الحساب حقاً فالجمع لماذا؟ وإن كان كل شيء بقضاء الله وقدره فالخوف لماذا؟ وإن كان سؤال منكر ونكير حقاً فالأنس لماذا؟ فخرج الرجل من عند الإمام، وعاهد نفسه أن يرضى بقضاء الله وقدره.
    وكم يهزٌّ في النفس موقف الشيخ سعيد الحلبي أمام الوالي التركي إبراهيم باشا صاحب الجاه والسلطان، عندما دخل الوالي إبراهيم المسجد بقى الشيخ سعيد جالسا ماداً رجله، وأقبل الناس جميعا يحيون ويصافحون الوالي، ووقف إبراهيم باشا طويلا أمام الشيخ سعيد الذي لم يقبض رجله، وسار وهو يغلي غيظا وقد استشاط غضبا، فأخذ صرة من النقود وقال لحاجبه:ادفعها للشيخ، فعندما وضعت في حجر الشيخ سعيد قال للحاجب:"قل لسيدك:إنَّ الذي يمدُّ رجلَه لا يمدُّ يده"،لأنَّه أكبر من أن يأخذ شيئاً من الدنيا، ولذلك ليس في فمه ماء إذا رأى الخطأ قال:خطأ ولا يبالي؛ لأنَّه لن يخسر شيئاً." "
    5- العزة والتواضع:
    مثلما تبعث العقيدة الإسلامية في النفس قوة العزم والشجاعة والإقدام، فإنَّها تبعث فيها أيضاً شعوراً متأججاً بالعزة المستمدة من الله تعالى:"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ"المنافقون:8، فهذه العزة هي التي أطلقت لسان الشاعر المسلم خبيب بن عدي:
    ولست أبالي حين أُقتَلُ مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
    وفي المقابل فإن هذه العقيدة تحفز النفس إلى التواضع وخفض الجناح والرحمة، فمن صفات المسلم إنَّه يجمع بين العزة والتواضع، وبين الشدة على أعداء الله والرحمة بالمسلمين:"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ" الفتح:29.

    6 -الاستقامة والمسؤولية
    ومن آثار العقيدة الإسلامية أنَّها توقظ القلب، وتحيي الشعور، وتدفع بالنفس إلى السير في الطريق الذي رسمه الله، والاستقامة عليه. فالاستقامة هي جوهر الإسلام، والأمر المطلوب من كل مسلم. لذلك أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال:"فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" هود:121، كما أنَّ العقيدة الإسلامية تكسب النفس إحساساً بالمسؤولية والواجب المطلوب، لأنَّها تعرِّف الإنسان بدوره ووظيفته في الحياة كمستخلف وصاحب رسالة، وبذلك يكون المسلم مستقيماً في سلوكه قائماً بمسؤولياته.








  2. #2

    رد : آثار العقيدة الإسلامية في النفس البشرية

    آثار العقيدة في المجتمع:
    إذا أردنا أن نؤسس مجتمعاً نظيفاً، تسوده العدالة، وتحكمه الفضيلة، وتختفي منه الجريمة، وتظلله الطمأنينة، ويتعاون أفراده على كل ما فيه خيره وصلاحه، ينبغي أن نؤسسه على العقيدة الإسلامية التي هي الدعامة الأولى لبناء المجتمع. وعلى هذا الأساس ربى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأوجد المجتمع الفاضل، وتكونت الأمة الإسلامية التي دانت لها الدنيا من مشرقها إلى مغربها.
    يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي:"انحلت العقدة الكبرى، عقدة الشرك والكفر، فانحلت العقد كلها، وجاهدهم رسول الله ص جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر أو نهي، وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النَّصر حليفه في كل معركة.نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة، وكسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة. كلمة واحدة اجتثت عادة متأصلة في القوم ورثوها كابرا عن كابر"فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" المائدة:91، قالوا:انتهينا، انتهينا، بينما حاولت أمريكا أن تحرم الخمر، واستعملت جميع الوسائل المدنية الحاضرة كالمجلات والجرائد والمحاضرات والصور والسينما لبيان مضارها، وأنفقت ما يزيد على "60" ستين مليون دولارا ضدها، وطبعت حوالي عشرة بلايين صفحة، وتحملت لتنفيذ القانون حوالي "250" مليون جنيها، وأعدمت ثلاثمائة نفس، وسجنت ما يزيد على نصف مليون، وصادرت من الممتلكات بجوالي أربعمائة مليون وأربعة بلايين جنيه، ومع هذا لم يزد الشعب الأمريكي إلا معاقرة للخمرة، مما اضطر الحكومة إلى إباحته سنة "1033م".والسبب بسيط:إن التنفيذ للأوامر يكون ناتجا عن الاعتقاد."
    ومن أبرز آثار العقيدة الإسلامية في حياة المجتمع ما يلي:-
    - 1تنشئ مجتمعاً موحداً: تقيم العقيدة مجتمعاً على أسس ربانية واضحة ثابتة، وليس على أسس مادية آنية كالقومية والإقليمية أو المصلحة أو المنفعة المشتركة أو غيرها من الروابط؛ لأن هذه الروابط لا تصلح أساساً أن تكون دعائم يجتمع الناس عليها. وسرُّ توحيد العقيدة للمجتمع، إنها تقوم على التوحيد المطلق لله في كل شيء، فالرب واحد، والرسالة واحدة، والقبلة واحدة، واللغة واحدة، والأهداف واحدة، والآمال واحدة، فلابد معها أن تكون الأمة واحدة. قال الله تعالى:"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" الأنبياء:92. والتوحيد في الاعتقاد يؤدي إلى تحقيق الأخوة الحقة التي تنعدم معها كل صور الأثرة والبغضاء ويحل محلها الحب والإيثار:"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" التوبة:71. كما يؤدي التوحيد في الاعتقاد إلى تجانس أفكار الأفراد ومشاعرهم، وبالتالي وحدتهم وتماسكهم، مما يجعلهم قوة متراصة متكاملة. أما لو كان الاعتقاد متعدداً، فإن أفراد المجتمع يتفرقون أيدي سبأ، فتكون أفكارهم متباينة، ومشاعرهم متناحرة، وولاءتهم متضاربة، فيضعف حالهم وينتهي وجودهم
    2- تنشئ مجتمعاً نظيفا متعاونا: تنظم العقيدة حياة المجتمع الذي يقوم على أحكامها تنظيماً شاملاً، وتجعل منه مجتمعاً نظيفاً مستقيماً لا جريمة فيه ولا انحراف. فالعقيدة الإسلامية تحث على الإحسان والتقوى، وتنهى عن الإساءة والعدوان، وتحبب إلى قلوب الأفراد فعل الخيرات والطاعات بالقول والعمل، فيكون مجتمعها هو مجتمع البر والتقوى والأمر بالمعروف، وليس مجتمع الإثم والعدوان والمنكر. قال الله تعالى:"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" آل عمران:104. وهو مجتمع نظيف ليس فيه من الزبد ما يطفو على وجهه، ولا من الأقذار والمشاكل ما يعكر صفوه، مجتمع لا ترفع فيه قضية واحدة خلال عام كامل في زمن أبي بكر.
    وحسبنا أنَّ هذا المجتمع وفي ظل عقيدة الإسلام، وفي عهد خليفة عادل، هو عمر بن عبد العزيز استطاع أن يعيِّن لكل ضرير من يقوده من وإلى بيته وحاجته. وهذا ما لم يصل إليه مجتمع في الدنيا اليوم. وحسبنا كذلك أنّ الصدقات تجمع في هذا المجتمع دون أن يجد واليها يحيى بن سعيد على شمال إفريقيا، فقيراً أو محتاجاً، يمد يده ليأخذ منها، فيقرر الخليفة شراء الأرقاء ويطلق أيديهم ويعيد لهم حياتهم.
    إنَّ هذه الميزات والخصائص التي يتصف بها مجتمع العقيدة النظيف المستقيم، تفتقر إليها المجتمعات الأخرى، مجتمعات الغاب التي يسودها المخلب والناب، فهي مجتمعات يسود فيها سوء التوزيع والكبت والحرمان، والإرهاب والخوف والموت، والانحلال النفسي، والخلقي والقلق العصبي، والتوتر النفسي، والشذوذ الجنسي، إنها مجتمعات الجريمة المنظمة بكل ما تحمله من معنى.
    وهو مجتمع متراص متضامن لا خلل فيه ولا جيوب، فلا يستطيع أي جسم غريب أن يتخلل فيه أو أن يعيث فسادا، ولقد حاول ملك غسان أن يراود كعب بن مالك في أزمته التي وصفها القرآن:"حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه"التوبة:118.
    - 3تبني مجتمعاً عالمياً:
    العقيدة الإسلامية تبني مجتمعاً عالمياً، لأنها ليست مقصورة على أرض أو فئة من البشر، فهي في رسالتها لا يحدها زمان ولا مكان، وهي لكل الأجناس والألوان، مهما اختلفت ديارهم ولغاتهم، وقد استطاعت العقيدة أن تصهر شعوباً كثيرة وأمماً شتى في مجتمع عالمي له رب واحد، ودستور واحد، وقيادة واحدة، ولغة واحدة."وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" الأنبياء:107."وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" سـبأ:28. والعقيدة الإسلامية اليوم تستطيع أكثر من أية عقيدة أخرى أن توحِّد كما وحدت، وأن تجمع كما جمعت، وأن تصلح كما أصلحت.

 

 

تعليقات الفيسبوك







ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •