بسم الله الرحمن الرحيم

الدورة المبسطة على الإنترنت
حول المسجد الأقصى المبارك

الأسبوع الأول

المفهوم:

عندما نقول (المسجد الأقصى المبارك) تختلط الأمور في أذهان المسلمين في هذه الأيام، فمنهم من يعتبر أن الأقصى هو ذلك البناء ذي القبة الذهبية، والبعض الآخر يظن أن الأقصى المبارك هو ذلك البناء ذي القبة الرصاصية السوداء. ولكن مفهوم الأقصى المبارك الحقيقي أوسع من هذا وذاك، والحقيقة في المفهوم الإسلامي الصحيح لـ(المسجد الأقصى المبارك) ما يلي:

المسجد الأقصى المبارك هو كامل المساحة المسوَّرة الواقعة داخل البلدة القديمة بالقدس الشريف بشكل شبه مستطيل، وهو الذي يعرفه المعظم في هذه الأيام (خطأً) باسم (الحرم القدس الشريف)، مع العلم بأن هذه التسمية غير صحيحة وغير جائزة كما سنبين لاحقاً بإذن الله تعالى.

وبالتالي فيدخل في هذا المفهوم كلا القبتين: (الذهبية، والرصاصية).

ويتكون المسجد الأقصى المبارك من مجموعة من الأبنية والقباب والمحاريب والمساطب والسبل والآبار يبلغ عددها حوالي (200) معلم تاريخي، وأهمها على الإطلاق:

- قبة الصخرة المشرفة: وهي المبنى الثماني ذي القبة الذهبية، وتقع في موقع القلب بالضبط بالنسبة إلى المسجد الأقصى المبارك، أي أنها تقع في وسطه إلى اليسار قليلاً، وسميت بهذا الاسم نسبة للصخرة المشرفة التي تقع داخل المبنى، وتعتبر حالياً مصلى النساء في المسجد الأقصى المبارك.
- الجامع القِبلي: (بكسر القاف وتسكين الباء) وهو المسجد الذي يطلق عليه معظم الناس في هذه الأيام (خطأً) اسم (المسجد الأقصى المبارك).. وهذه التسمية هي تسميته الحقيقية الدقيقة، وسمي بهذا الاسم لأنه يقع في الناحية الجنوبية من المسجد الأقصى المبارك أي ناحية (القِبلة)، ويعتبر المصلى الرئيسي لصلاة الرجال في المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام، ومكان صلاة الإمام.
- المصلى المرواني: الواقع تحت أرضية المسجد الأقصى المبارك، في الجهة الجنوبية الشرقية، وبني في الأساس ليكون أساساً لتسوية الأرض واستعمل كمستودع، وهو المكان الذي حوله الصليبيون إلى إسطبل للخيول.
- الأقصى القديم: ويقع تماماً تحت الجامع القبلي، وبني في العهد الأموي ليكون في الأساس مدخلاً (ملكياً) للمسجد الأقصى المبارك من القصور الأموية التي كانت تقع خارج حدود المسجد الأقصى المبارك من الجهة الجنوبية.
- مسجد البراق: الواقع عند حائط البراق.
- سبيل قايتباي، ومجموعة السبل والآبار الكثيرة حول الأقصى المبارك.
- المدرسة الأشرفية، والمدارس الكثيرة حول الأقصى المبارك.
- القباب: مثل القبة النحوية وقبة المعراج وقبة النبي والأرواح والخليلي وغيرها..
- وغير ذلك من المعالم الكثيرة المتنوعة من محاريب وآبار ومآذن وغيره، إلا أن المجال لا يتسع خلال هذه الدورة المبسطة للحديث عنها بالتفصيل.

التسمية:

للمسجد الأقصى المبارك عدة أسماء، أهمها ثلاثة:

* (المسجد الأقصى): والذي سمى المسجد الأقصى المبارك بهذا الاسم هو رب العزة والجلال سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم، وذلك في الآية المعروفة: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) / الإسراء:1.

وكلمة (الأقصى) تعني (الأبعد).. وإذا لاحظنا أن ذكر (المسجد الأقصى) في الآية الكريمة جاء بعد ذكر (المسجد الحرام) لعرفنا أن المقصود هو تسمية المسجد الأقصى بمعنى الأبعد نسبة لبعده عن المسجد الحرام..!!

وهنا قد يقول قائل: إذن لماذا لم يقل سبحانه وتعالى (المسجد القصي) أي(المسجد البعيد) بدلاً من (الأقصى) بمعنى(الأبعد)، حيث إن المقارنة المطلقة بهذه الصيغة توحي بالمقارنة بين أكثر من اثنين...!! وهنا لا بد أن نتذكر أن هناك مسجداً ثالثاً في الإسلام هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولم يكن قد بني في وقت نزول هذه الآية الكريمة لأنها مكية)، وهنا يظهر المعنى واضحاً عند المقارنة بين المساجد الثلاثة الكريمة، فمركز الأرض هو المسجد الحرام، وبعده المسجد النبوي الشريف، أما المسجد الأبعد فهو المسجد الأقصى المبارك وليس بعده مسجد آخر له مكانة خاصة في الإسلام مثل هذه المساجد الثلاثة، ولو وصلت بين مواقع المساجد الثلاثة على الخريطة لوجدت أنه يتشكل لديك مثلث غير متساوي الأضلاع، حيث تكون قاعدته الواصلة بين المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف قصيرة جداً بالنسبة للمسافة بينهما وبين المسجد الأقصى المبارك، وهو ما يبين لك الأمر بشكل عملي.

* (بيت المقدس): وهذا الاسم هو الاسم الذي كان متعارفاً عليه قبل أن تطلق عليه التسمية القرآنية المعروفة اليوم، وفي معظم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكر فيها المسجد كان يقول: (بيت المقدس)، ومن ذلك مثلاً ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في حديث الإسراء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ ... إلى آخر الحديث)

لاحظ الضمير في كلمة (فيه) فهي عائدة على كلمة (بيت المقدس)، وبالتالي فالمقصود من كلمة (بيت المقدس) في الحديث الشريف هو المسجد الأقصى المبارك.

كذلك انظر إلى حديث بناء سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام للأقصى المبارك: حيث روى النسائي في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خلالاً ثَلاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (ورواه ابن ماجه).

والواضح من الحديث أن الكلام هو عن (المسجد) وليس المدينة. كما أن حديث الإمام أحمد التالي يبين ذلك، فقد روى أحمد في مسنده عَنْ ذِي الأصَابِعِ قَال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِ ابْتُلِينَا بَعْدَكَ بِالْبَقَاءِ أَيْنَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَأَ لَكَ ذُرِّيَّةٌ يَغْدُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَرُوحُونَ"، ولاحظ الضمير (ذلك المسجد) فهو عائد على ما ذكر سابقاً وهو (بيت المقدس)، كما أن اسم القدس أيام النبي عليه الصلاة والسلام في تلك الفترة كان (إيلياء) كما هو معروف.

والمحصلة أن هذا الاسم كان اسماً إسلامياً خالصاً، وأطلق من بعد على مدينة القدس الشريف كاملة، ولعلك تستعجب من اهتمامنا ببيان إسلامية هذا الاسم وعراقته الإسلامية، وسيتبين سبب ذلك معك عند الحديث عن عقيدة اليهود في المسجد الأقصى المبارك لاحقاً بإذن الله فكن مستعداً.

* (البيت المقدّس): هو اسم آخر للمسجد مأخوذ من الاسم السابق (بيت المقدس) ومقصوده تبيان الميزة لهذا المسجد كما أن اسم (المسجد الحرام) في مكة المكرمة يبين ميزته الأساسية وهي (الحرمة) فإن هذا الاسم يبين ميزة أساسية لهذا المسجد المبارك وهي: (القدسية)، والتقديس رفع المنزلة. ولذلك فهو مسجد رفيع المنزلة بدرجة كبيرة جداً عند رب العزة سبحانه وتعالى.

وذكر هذا الاسم الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله في بيتين من الشعر قالهما عند زيارته للمسجد الأقصى المبارك:

إلى البيت المقدَّس جئت أرجو جِنانَ الخُلدِ نُزلاً من كريــــــمِ
قطعنا في محبته عِقابــــــــــاً وما بعد العِقابِ سوى النعيــمِ

هذه أشهر الأسماء لهذا المسجد المبارك، وكلها تدل على مدى عظمته وقدسيته وعلو منزلته عند الله رب العالمين.. وليتذكر أولو الألباب.

الموقع والمساحة:

يقع المسجد الأقصى المبارك في الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس المسورة، والتي تسمى حالياً (البلدة القديمة)، ويشكل حوالي سدس مساحة البلدة القديمة، وتبلغ مساحته حوالي 144 دونماً (الدونم = 1000 متر مربع) أي 144 ألف متر مربع.

وهو يقع فوق هضبة صغيرة تسمى (هضبة موريا) (Moria)، وأعلى نقطة فيه هي الصخرة المشرفة الواقعة في موقع القلب بالنسبة للمسجد الأقصى المبارك.

جغرافية القدس:

التقتْ عوامل عديدة جعلت من القدس محطَّ أطماع الكثير من الأمم على مر الزمان، فـ "زهرة المدائن" تحمل على كتفيها تاريخًا طويلاً حافلاً بالأحداث، كما أنها جزء من تاريخ الديانات أو الشرائع السماوية الثلاث التي نزلت على موسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام.

لكن العامل الجغرافي كان له أثره الواضح - مع المكانة التاريخية والدينية - في منح القدس وضعًا خاصًا ومتميزًا؛ إذ تقع القدس ضمن منطقة تتوسط اليابسة عند البحر الميت، والبحرين المتوسط والأحمر المهمين في الربط بين شرق العالم وغربه. كما تقع المدينة على ربوة تشرف على وديان عميقة من جميع الجهات، عدا الشمال، وهو أمر لابد أن يكون له تأثيره في مناخ المدينة، وفيما تنتج من المزروعات.

ويبدو أن اختيار بناة المدينة الأُول لهذا الموقع لم يأت من قبيل الصدفة أو الانتقاء الجُزَافي، إذ إن هذا الموقع يُطل على المنطقة التي كان يمر بها الطريق القديم الذي يصل فلسطين بمصر، وعلى مقربة من مفترق الطرق التي تربط نابلس بالخليل والممر البري بين أريحا وشاطئ المتوسط.

والجغرافيا هي مسرح الأحداث، وللمدينة جغرافيتها الطبيعية وتكويناتها الجيولوجية، التي لم يرغب الناس عن القدس بسببها، مع صعوبتها الشديدة، واختفاء الأرض السهلية منها، وشيوع الطبيعة الجبلية، وعدم وجود أنهار.

وفي القدس يختلط التاريخ بالجغرافيا، فيبدو الموقع التاريخي للمدينة المقدسة ممثلاً الرصيد الأعظم لها بين المدن الكبرى في العالم، فتقرب قامتها من مكة والمدينة، وتعلو على روما التي منحها البشر القداسة في زمن متأخر، حينما انتقل إليها الكرسي البابوي الكاثوليكي.

وفي القدس يتداخل ما خلقه الله طبيعيًّا فيها مع ما أُلهمت اليد البشرية صناعته، فالجبال والوديان والتلال وطبيعة التربة، وعيون المياه - تتداخل مع الأسوار والأبواب التاريخية والطرق الممهدة.

وأما تضاريس المسجد الأقصى المبارك فإنه يتشكل من مرتفع هضبة (موريا) وتنخفض المنطقة الجنوبية فيه كثيراً عن المنطقة الوسطى والشمالية، ثم تنتهي الهضبة في نهاية ساحة الصخرة المشرفة، ويبدأ المكان بالارتفاع التدريجي باتجاه منطقة الساهرة خارج المسجد والبلدة القديمة. وأما تضاريس المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة من الشرق إلى الغرب، فإنه محاط بواديين: من الشرق وادي جهنم (وادي قدرون) قبل جبل الزيتون (الطور)، ومن الغرب وادي الربابة وما جاوره قبل جبل صهيون.

فضائل الأقصى المبارك:

حول معنى البركة، فإن التعبير القرآني الرائع (باركنا حوله) يعد أبلغ تعبير عن قدسية وبركة المسجد الأقصى المبارك، حيث أن البركة حوله تدل على أنه هو في الأصل منبع البركة، ومن كثرة هذه البركة عمت ما حوله كاملاً، ومعظم العلماء على أن البركة تشمل منطقة الشام بشكل عام، على تفاضل بالطبع حسب القرب من المسجد الأقصى المبارك.



أقوال وأحكام في بيت المقدس

- قال معاوية بن أبي سفيان في خطبة له بالمسجد الأقصى المبارك: "إن الله يحب هذه البقعة الواقعة بين جداري هذا المسجد أكثر من أي مكان".

- وكان بشر الحافي يقول: "ما بقي عندي من لذات إلا أن أستلقي على جنبي بجامع بيت المقدس".

- الوصية بالدفن في القدس:
"إذا وصى (أحد) بأن ينقل إلى بلد آخر، لا تنفّذ وصيته؛ فإنّ نقل الميت حرام على المذهب الصحيح المختار. قال الشافعي: إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فينقل اليها لبركتها." (من كلام النووي في كتابه الأذكار)

المسجد الأقصى المبارك في السُنّة النبوية الشريفة

- روي عن أبي ذر أنه قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلاً؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأقْصَى. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً.." (رواه البخاري ومسلم)
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى" (صحيح البخاري)
- وروي عن أمُّ المؤمنين أمُّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ـ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" (سنن أبي داود)
- وروى أبو الدرداء قولَ النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" (الطبراني)
- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ يَقُولُ: سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا (2123 أبو داود)
- روى النسائي في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خلالا (= صفات) ثَلاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ (= يطابق) حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ (= يُنهِضه ويخرجه) إِلا الصَّلاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (ورواه ابن ماجه).
- وروى أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلام ـ سَأَلَ اللَّهَ ثَلاثًا أَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَهُ الثَّالِثَةُ، فَسَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لا يُرِيدُ إِلا الصَّلاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
- روى البخاري في صحيحه عن عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَال: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ (= موت كثير) يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاص (= مرض يميت الدواب فجأة) الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا (= غير راضٍ)، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إلا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً (= راية) تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
- وروى أحمد في مسنده عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ قَالَ وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنَ الخَنْدَقِ لا تَأْخُذُ (= لا تؤثر) فِيهَا الْمَعَاوِلُ (= آلة للتكسير مفردها مِعوَل) قَالَ فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ عَوْفٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَضَعَ ثَوْبَهُ ـ ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ (= عاصمة الفرس) وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا".
- وروى أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ (= أطراف أقدامه) عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ (= بصره)، فَرَكِبْتُهُ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ قَالَ جِبْرِيلُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ .." الحديث.
- وروى أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ فَظِعْتُ بِأَمْرِي وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ. فَقَعَدَ مُعْتَزِلا حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ. فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا. قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ. قَالُوا إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا، لِلْكَذِبِ زَعَمَ، قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ. قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. قَالَ وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ. قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ!!
- وروى البخاري في صحيحه قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ، قَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ".
-روى أحمد في مسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ (= فريق أو مجموعة) مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ (= شدة وضيق معيشة) حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ (= جوانب) بَيْتِ الْمَقْدِسِ".
- وروى الترمذي في سننه عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلا خَيْرَ فِيكُمْ، لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن بَهْز بْن حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: هَا هُنَا، وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ. قَالَ أَبو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
- وروى أحمد في مسنده عَنْ ذِي الأصَابِعِ قَال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِ ابْتُلِينَا بَعْدَكَ بِالْبَقَاءِ أَيْنَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَأَ لَكَ ذُرِّيَّةٌ يَغْدُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَرُوحُونَ".

الصخرة المشرفة:

الصخرة المشرفة هي صخرة طبيعية غير منتظمة الشكل تقع في أعلى نقطة من المسجد الأقصى المبارك في موقع قلب المسجد بالضبط، وهي صخرة طبيعية تتراوح أبعادها بين حوالي 13 و18 متراً، وارتفاعها حوالي المترين تقريباً، وقد دارت حولها القصص الخيالية غير الصحيحة بشكل كبير، فمن قائل أنها طائرة في الهواء ومن قائل أنها طارت خلف النبي عليه السلام ومن قائل أن لها ضوءاً وغير ذلك.. والحقيقة أنها صخرة عادية ليس فيها أي ميزة إلا أنها كانت قبلة أنبياء بني إسرائيل قبل النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل إن النبي عليه الصلاة والسلام عرج من فوقها للسماء ليلة الإسراء والمعراج، وفيها مغارة صغيرة تسمى (مغارة الأرواح) وهي تجويف طبيعي أيضاً وليس فيه أي ميزة خارقة للعادة. وقد بني مسجد قبة الصخرة المشرفة فوق الصخرة، وهي ظاهرة للعيان إلى اليوم.

وحاكت القصص الشعبية خيالات وخزعبلات كثيرة حول الصخرة المشرفة، ذكرها الكثير من العلماء، فمن هذه الخزعبلات والأكاذيب:
• كان عليها ياقوته تضيء بالليل كضوء الشمس، ولا تزل كذلك حتى خرّبها بختنصر!!
• أنها من صخور الجنّة !!.
• تحول صخرة بيت المقدس مرجانه بيضاء!!.
• إليها المحضر ومنها المنشر!!.
• سيد الصخور صخرة بيت المقدس!!.
• مياه الأرض كلها تخرج من تحت الصخرةّّ!!
• صخرة معلّقة من كل الجهات!!.
• عليها موضع قدم رسول الله محمد –صلى الله عليه وسلم-!!.
• وعليها أثر أصابع الملائكة!!.
• الماء الذي يخرج من أصل الصخرة!!.
• أنها على نهر من أنهار الجنّة!!.
• المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة ببيت المقدس!!.
• عرش الله الأدنى، ومن تحتها بسطت الأرض!!.
• الصخرة وسط الدنيا، وأوسط الأرض كلها!!.
• عرج بالنبي –صلى الله عليه وسلم- منها إلى السماء، وارتفعت وراءه، وأشار لها جبريل أن اثبتي!!.
• لها مكانة الحجر الأسود في الكعبة!!.
وقد أنكر علماء المسلمين هذا التعلق بالصخرة، وبينوا أنها صخرة من صخور المسجد الأقصى، وجزء منه، وليس لها أية ميزة خاصة.
فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في ( مجموع الفتاوى مجلد: 27-كتاب الزيارة بتصرف ص11،12،13 ): " أما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظّمون الصخرة، وما يذكره بعض الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأثر عمامته، وغير ذلك، فكله كذب، وأكذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب، وكذلك المكان الذي يذكر أنه مهد عيسى –عليه السلام-كذب، وإنما كان موضع معمودية النصارى، وكذا من زعم أن هناك الصراط والميزان، أو أن السور الذي يضرب بين الجنة والنار هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد، وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعاً.
والصخرة لم يصل عندها عمر –رضي الله عنه-، ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، ومروان، وبنى عليها عبد الملك بن مروان القبة.
وقال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فتح البلد قال:لكعب الأحبار: أين ترى أن أبني مصلى المسلمين؟ قال: ابنه خلف الصخرة: قال خالطتك يهودية، بل أبنيه أمامها، فإن لنا صدور المساجد، فبنى هذا المصلى الذي تسميه العامة " المسجد الأقصى " وهو البناء الاول للجامع القبلي ولم يبقى من بناء عمر بن الخطاب رضي الله عنه شئ "أما البناء الحالي فهو البناء الأموي"، ولم يتمسّح بالصخرة، ولا قبلها ولا صلى عندها، كيف وقد ثبت عنه في الصحيح: " أنه لما قبل الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا إني رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقبلك لما قبلتك ".
وقد ضعّف الإمام ابن القيم كل الأحاديث الواردة في الصخرة، فقال في المنار المنيف (87-88): " وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقدم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين، الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين، وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود، وهي في المكان كيوم السبت في الزمان، أبدل الله بها هذه الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام، ولما أراد أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب أن يبني المسجد استشار الناس : هل يجعله أمام الصخرة، أو خلفها؟ فقال له كعب يا أمير المؤمنين ابنه خلف الصخرة، فقال يا ابن اليهودية،خالطتك اليهودية! بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون، فبناه حيث هو اليوم).
وقال عبد الله بن هشام صاحب كتاب "تحصيل الأنس لزائر القدس " ( مخطوط)ص64 : " قد بلغني أن قوماً من الجهلاء يجتمعون يوم عرفة بالمسجد، وأن منهم من يطوف بالصخرة، وأنهم ينفرون عند غروب الشمس، وكل ذلك ضلال وأضغاث أحلام ".
ومما تدل عليه عبارة صاحب المخطوطة: أن هناك تجاوزات لبعض عامة الناس في تقديس الصخرة .
وكان رفضاً واضحاً من علماء المسلمين لهذه التجاوزات، وتحذيراً للعامة منها.
ويقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله- عن تقديس الصخرة في المسجد الأقصى" الفضيلة للمسجد الأقصى، وليست للصخرة، وما ذكر فيها لا قيمة له إطلاقاً من الناحية العلمية، ولا ينبغي تقديس ما لم يقدسه الشرع، ولا تعظيم ما لم يعظمه الشرع" .
ومما يذكر في سيرة الصحابة وأئمة المسلمين أنهم إذا دخلوا المسجد الأقصى قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ( اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم ج2 ص817): " وأما المسجد الأقصى فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها الرحال، وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى، والأقصى اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرماً، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة.
فبنى عمر المصلى الذي في القبلة، ولم يصل عمر ولا المسلمون عند الصخرة، ولا تمسحوا بها، ولا قبلوها, وقد ثبت أن عبد الله بن عمر –رضي الله عنه- كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ولا يقرب شيئاً من تلك البقاع، وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين، كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم.
فصخرة بيت المقدس باتفاق المسلمين لا يسن استلامها، ولا تقبليها، ولا التبرك بها كما يفعله بعض الجهال، وليس لها خصوصية في الدعاء، ويجب تحذير المسلمين من هذا الفعل.
ولم يثبت حديث صحيح في فضل الصخرة، وكل ما قيل فيها لا يصح سنده على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وروى مسلم في صحيحه عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، " يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتون من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم " .
وقد برّر البعض ممن كتب في فضائل بيت المقدس التساهل في التدقيق بالأحاديث الواردة من باب أنه في فضائل الأعمال يعمل بالأحاديث الضعيفة، وقد تجاوز البعض حتى نقل المكذوب والموضوع، وأخذ من كلام القصاص مما لا ينبغي ذكره.
ويقول شهاب الدين أبو محمود المقدسي في مخطوطة ( مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام ) وهو يرفض التجاوز في تقديس المسجد الأقصى، والوصول به إلى ما فوق المنزلة المقبولة في عقيدة الإسلام: " قاتل الله القصاصين والوضاعين، كم لهم من إفك على وهب وكعب، ولا شك في فضل هذا المسجد، ولكنهم قد غلوا" .
وهما كعب الأحبار ووهب بن منبه أسلما بعد أن كانا يدينان باليهودية.
والبعض يسرد تلك الأحاديث، ولا يشير أدنى إشارة إلى ضعفها ووهنها، بل ويروونها وكأنها من الصحاح التي لا خلاف فيها.
وتنبيه الناس على أمر صخرة بيت المقدس لا يقلل من فضائل المسجد الأقصى وبيت المقدس بالبركة والفضيلة، وثبت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في كتب الصحاح والسنن الكثير من الأحاديث التي نصت على ما حباه الله تعالى من الخير والبركة، وبينت الخصائص التي تميز بها المسجد الأقصى وأرضه لما لها من مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة في الشرع الإسلامي.
وكما قيل: مهما جلست تحدث بفضائل المسجد الأقصى فلن تنتهي إلى ما انتهى الله إليه في قوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير". فبركة المسجد الأقصى ثابتة بالكتاب والسنة، ولنا غنى في الصحيح منها عن الموضوع والمكذوب.
والخلاصة: أن كل ما قيل في هذه الصخرة أصله من أهل الكتاب، وليس له أصل في كتب العقيدة الإسلامية، ولا في الصحيح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.



تسمية الأقصى المبارك (الحرم):

(هل هو حرم)..؟؟! هذا السؤال يخطر في الأذهان دائماً، وخاصة عندما يفاجأ المرء بأن الحكم الشرعي عدم جواز هذه التسمية، والواجب أولاً في هذه النقطة معرفة أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن الكريم ليس هو المسجد ذو القبة السوداء الذي أصبح معظم الناس يظنه هو المسجد الأقصى المبارك، وإنما منطقة المسجد الأقصى المبارك الحقيقي تشمل كل ما يسمى الآن (بالخطأ) اسم (الحرم القدسي الشريف)، شاملة قبة الصخرة المشرفة وغيرها..!! وكلمة (الحرم)لا يجوز أن تطلق على المسجد الأقصى المبارك لأنه ليس حرماً ولا تسري عليه أحكام الحرم، ولا حرم في الإسلام إلا مكة والمدينة فقط..!!

وقد شاعت تسمية المسجد الأقصى المبارك بالحرم عند عامة الناس في ديار فلسطين وعند بعض الكاتبين المعاصرين فنجدهم يطلقون على المسجد الأقصى الحرم . وهذه التسمية غير صحيحة لأن المعلوم عند أهل العلم أنه لا يوجد عند المسلمين إلا حرمان وهما حرم مكة وحرم المدينة وهذا باتفاق أكثر العلماء، وأضاف الشافعية حرماً ثالثاً وهو وادي (وج) قرب الطائف ولكن دليلهم في ذلك ضعيف.

وبالتالي لا يصح إطلاق اسم الحرم إلا على الحرمين حرم مكة وحرم المدينة ولا يجوز شرعاً إطلاق اسم الحرم على المسجد الأقصى المبارك ولا على المسجد الإبراهيمي في الخليل وتسميتهما حرماً بدعة لا أصل لها . قال شيخ الإسلام ابن تيمية :[ وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرماً ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن أحدها : هو حرم باتفاق المسلمين وهو حرم مكة شرفها الله تعالى والثاني حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي صلى الله عليه وسلم من عير إلى ثور بريد في بريد فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم والثالث " وج " وهو واد بالطائف فإن هذا روي فيه حديث رواه أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث وليس حرماً عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرماً عند أحد من علماء المسلمين فإن الحرم ما حرّم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن هذه الأماكن الثلاثة ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 27/14- 15 .

وقال شيخ الإسلام أيضاً :[ ... والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى هو ولا غيره حرماً وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة . وفي وادي وج بالطائف نزاع بين العلماء ] اقتضاء الصراط المستقيم ص 434 . ولم تثبت تسمية المسجد الأقصى حرماً عن أحد من العلماء المحققين ولما تكلم الإمام بدر الدين الزركشي عن الأحكام المتعلقة بالمسجد الأقصى لم يذكر منها شيئاً في تسميته حرماً وإنما سماه المسجد الأقصى كما هو شأن بقية العلماء . إعلام الساجد بأحكام المساجد ص 191 فما بعدها .

كما أن الشيخ مجير الدين الحنبلي لم يستعمل كلمة الحرم في وصف المسجد الأقصى في كتابه " الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل " وكذلك الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه " الحضرة الأنسية في الرحلة المقدسية ".

الأسبوع الثاني

مقدمة:

نتناول خلال هذا الأسبوع بداية الحديث عن مفصل هام جداً من مفاصل علوم المسجد الأقصى المبارك، وهو تاريخ المسجد الأقصى المبارك بشكل مفاصل تاريخية نحاول من خلالها التعرف على حقيقة تاريخ المسجد الأقصى المبارك، ونحاول توضيح النقاط غير الواضحة في تاريخ المسجد والمدينة المقدسة. ونتناول بالبداية خلال هذا الأسبوع تاريخ المسجد الأقصى المبارك منذ بداية بناء المسجد إلى وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يعني تاريخ المسجد قبل الإسلام.

البناء الأول والفترة اليبوسية:

"من أول من بنى المسجد الأقصى المبارك؟؟".. هذا السؤال هو أول الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن دارسي علوم المسجد الأقصى المبارك من الناحية التاريخية... وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نبدأ بالاطلاع على الحديث الشريف التالي:

عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلاً؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأقْصَى. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً.." (رواه البخاري ومسلم)

يعطينا الحديث الشريف إشارة واضحة إلى توقيت بناء المسجد الأقصى المبارك، أي بعد وضع المسجد الحرام في الأرض بأربعين عاماً، وقد اختلف العلماء والمؤرخون في مسألة البناء الأول للمسجد الأقصى المبارك على ثلاثة أقوال:

1- البعض قال إن المسجد الأقصى المبارك بني لأول مرة على يد الملائكة، وذلك قبل وجود البشر على الأرض.
2- والبعض الآخر قال إن الأقصى المبارك بني لأول مرة على يد سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام.
3- والقول الثالث ينص على أن الأقصى المبارك بني للمرة الأولى على يد سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.


ولتحليل هذه النقطة، نتناول كلمات هامة في الحديث الشريف، أهمها كلمة (وُضِعَ)، وكلمة الوضع في الأرض في هذا الحديث تعني التسمية والتحديد، فأول مكان سمي في الأرض مسجداً وتقرر أنه مسجد لله تعالى هو المسجد الحرام، ويجوز أن يكون المقصود بناؤه الأول، أي تحديد معالمه فوق الأرض، وفي هذا المعنى أيضاً يكون البناء الأول للمساجد على وجه الأرض كان للمسجد الحرام، وبعده بأربعين عاماً يأتي بناء المسجد الأقصى المبارك وتحديد معالمه.

وبالنسبة لهوية الباني الأول للمسجد الحرام فقد استدل أصحاب الفريق الأول بأن الملائكة هي التي بنت المسجد الحرام لأول مرة اعتماداً على بناء البيت المعمور في السماء، والذي ذكر في الحديث الشريف في حديث الإسراء والمعراج، ولكن رد أصحاب الأقوال الأخرى على هذا القول بأن البيت المعمور في السماء وضع للملائكة وصلاتهم فيه، فبنته، وأما البيت الحرام في الأرض فقد وضع للبشر ولصلاتهم، وبالتالي فإن الأرجح أن يكون من بناء البشر.

ويكون الخلاف الأهم بالتالي بين أصحاب القولين: (الثاني والثالث) وهو في بناء البيت الحرام بين (آدم) و(إبراهيم) عليهما الصلاة والسلام، فقد قال أصحاب الرأي القائل إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الباني الأول بأن القرآن الكريم ذكر في القرآن الكريم قصة بناء الكعبة على يد إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)/ البقرة127. والمعروف أن إبراهيم عليه السلام كان يعيش في فلسطين، والمعروف تاريخياً أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دخل المسجد الأقصى المبارك وصلى فيه والتقى فيه بالملك الصالح (ملكي صادق) اليبوسي.

ولكن رد عليهم أصحاب القول الآخر بأن كلمة (يرفع) تدل على أن بناء إبراهيم عليه السلام للمسجد الحرام كان بناء ترميم وليس بناء تأسيس، والدليل على ذلك قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما ترك السيدة هاجر وإسماعيل عليه السلام وهو صغير في مكة المكرمة: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة)/ إبراهيم37 ، والمعروف أن إبراهيم عليه السلام بنى البيت الحرام مع إسماعيل عليه السلام عندما كبر..!! ومعنى أنه ذكر أن هذا المكان الفارغ هو (بيت الله المحرم) فذلك يعني أن المكان كان معروفاً أنه مكان المسجد الحرام قبل إبراهيم عليه السلام وبنائه له..!! وبالتالي فإن بناء الأقصى يكون قبل إبراهيم عليه السلام أيضاً، ويرجح القول بأن آدم عليه السلام هو أول من بنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك لأنه أول البشر وأول الأنبياء أيضاً.

ومما سبق يرجح لدينا القول بأن أول من بنى المسجد الأقصى المبارك بعد بناء المسجد الحرام بأربعين عاماً كان سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام أول البشر والأنبياء، وبناء آدم عليه السلام للمسجد الأقصى المبارك كان بناء تحديد لحدوده المعروفة حالياً وهي 142 – 144 دونماً..!! والعجيب أن بناء وحدود المسجد الأقصى المبارك بقيت كما هي منذ ذلك الوقت إلى وقتنا الحاضر.. وسبحان من حفظ بيته المقدس كما حفظ بيته الحرام ومسجد نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم...!!!

بنى آدم عليه الصلاة والسلام المسجد الأقصى المبارك بأمر الله تعالى وبتحديد حدوده من عند الله سبحانه، وتعاهده من بعده المؤمنون، إلا أن أخبار المسجد الأقصى المبارك انقطعت فيما بعد ذلك في العهود البائدة من بعد آدم عليه السلام لانعدام التأريخ في تلك الفترة، ولم تذكر أي مصادر تاريخية أو تراثية أو أثرية تلك الفترة الموغلة في القدم القليلة البشر، إلى أن حفظت لنا سجلات التاريخ أول مجموعة من البشر قدمت لهذا المكان المبارك واستوطنته للمرة الأولى في التاريخ، وهم اليبوسيون من بطون العرب الأوائل، وذلك منذ أكثر من ستة آلاف عام.

واليبوسيون هم من بطون العرب التي هاجرت من موطنها الأصلي واستقرت في القدس الشريف وما حولها، وعرفت تلك الأرض باسمهم (أرض اليبوسيين) وتبعهم في الهجرة بطون الكنعانيين الذين سكنوا معظم مناطق الشمال الفلسطيني وسميت باسمهم (أرض كنعان)، وأهم المدن في فلسطين في تلك الفترة كانت (يبوس) وهي القدس الشريف التي دعيت بهذا الاسم نسبة لليبوسيين، وهناك مدن أخرى هامة في تلك الفترة مثل (شكيم) وهي نابلس اليوم، و(حبرون) وهي الخليل اليوم، وغيرها من مدن فلسطين التي اصطبغت بتلك الصبغة منذ البداية.

ومن أشهر ملوك القدس الشريف في تلك الفترة الملك (ملكي صادق) الذي عرف عنه صلاحه ودفاعه عن المدينة المقدسة، حيث وقف في وجه الغزوات المتتالية من الكثير من الشعوب المجاورة من مصر والعراق وغيرهم وصدها، وكان هذا الملك يحكم القدس الشريف حين جاءها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذكر في الآثار التاريخية أنهما التقيا، وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام صلى في الأقصى المبارك في عهد (ملكي صادق)، وجدد إعماره.

ومن الجدير بالذكر أن بقايا الآثار اليبوسية في المدينة المقدسة ما تزال باقية في سورها الجليل، حيث تظهر بعض الحجارة اليبوسية على سبيل المثال في أخفض زوايا السور المقدسي، وهي الزاوية الجنوبية الشرقية من سور الأقصى المبارك، والتي تشكل نقطة نهاية مقبرة (باب الرحمة) اليوم، وتعتبر هذه المنطقة أقدم الآثار الإنسانية في مدينة القدس كاملة.

الحكم الهكسوسي.. والفراعنة.. وحكم العمالقة:

وفي هذه الفترة تعرضت القدس للغزو الهكسوسي الذي ضمها إبان اجتياح الهكسوس لمصر والشام، وفي هذه الفترة ظهر سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد سيدنا إسحق عليه الصلاة والسلام، وظهر بنو إسرائيل الذين استوطنوا جنوبي بادية النقب مع يعقوب عليه السلام إلى أن انتقلوا للحياة مع سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في مصر حسب ما نص القرآن الكريم (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).

وفي تلك الآونة ظهرت قبائل جديدة بدأت تفد إلى أرض كنعان ويبوس من خلال البحر الأبيض المتوسط وجزر (كريت) وما حولها، وهم قبائل (بلستيا) الذين دخلوا البلاد واندمجوا بأهلها لتصبح البلاد معروفة باسمهم (فلسطين).

وما إن ضعف الوجود الهكسوسي في فلسطين حتى خضعت المدينة المقدسة كباقي مناطق فلسطين إلى سلطة الفراعنة في مصر، الذي كان لهم نفوذ كبير في تلك الفترة وخاصة في الحكام، إلا أن القدس وما حولها من الأراضي الفلسطينية كانت تتمتع بحكم شبه ذاتي مع وجود الحكام الموالي للفراعنة.

وقد وجدت عدة أدلة وآثار تاريخية تؤرخ لتلك الفترة، ونص الكثير من الباحثين الأثريين أن ما يسمى (طنطور فرعون) والموجود في وادي قدرون هو قبر يرجع للفترة الفرعونية لتشابه البناء فيه مع البناء الفرعوني، ووجود بعض الأدلة الأثرية المشابهة للآثار الفرعونية في المنطقة، وهذا الأمر في طريقه للبحث والتنقيب الدقيق لزيادة التأكيد على هذا الأمر، حيث تزعم سلطات الآثار الإسرائيلية في هذه الأيام أنه هذا النصب هو عبارة عن قبر يرجع للفترة اليهودية الأولى ويسمونه (نصب أَبشالوم) وهو في عقيدتهم من أبناء داود عليه السلام.

ولا تذكر لنا المصادر التاريخية أحوال المسجد الأقصى المبارك بالتحديد في تلك الفترة، أي فترة ما بعد يعقوب والأسباط عليه السلام، إلا أننا نعلم أن يعقوب عليه السلام ومن قبله أبوه إسحق عليهما السلام زارا المسجد الأقصى المبارك وصليا فيه، وعمراه، مع العلم بأن هذا الأمر لا يعطي أي حق لليهود في المسجد الأقصى المبارك..!! لأننا كمسلمين نعلم من القرآن الكريم أن الأنبياء جميعاً مسلمون، وأن إبراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط هم مسلمون كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، قل ءأنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادةً عنده من الله، وما الله بغافل عما تعملون)/ البقرة140 ،(يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون)/ آل عمران 65.

ونحن كمسلمين نعلم أن جميع الأنبياء على ديانة الإسلام الحنيف، وليس كما يدعي اليهود والنصارى، ولنا في القرآن الكريم خير دليل ورد على كل ادعاءاتهم، ثم إن اليهود الموجودين حالياً لا يمتون بصلة لا دينياً ولا عرقياً ليعقوب عليه الصلاة والسلام ولا لأبنائه الكرام...!! ولذلك وجب التنبيه.

وبحكم الفراعنة للمدينة المقدسة ودخول العناصر الخارجية من قبائل بلستيا واندماج أهل الأرض المقدسة معهم ومع باقي شعوب المنطقة دخلت العقائد المنحرفة عن ديانة إبراهيم الحنيفية عليه الصلاة والسلام، وبدأ الانحراف العَقَديُّ يظهر واضحاً في سلوك أهل المنطقة وعبادتهم، وبالتالي فإن الانحراف انتقل لمنطقة المسجد الأقصى المبارك بالتأكيد، وباتت الأرض المقدسة في حاجة لإعادة ترتيب العقيدة الصحيحة فيها..!!

ومع ضعف قبضة مملكة الفراعنة في مصر بسبب التناحر فيها على الحكم والتناحر العرقي بين بني إسرائيل من جهة والمصريين من جهة أخرى ضعف الحكم الفرعوني، وظهر الجيل الجديد من سكان مدينة القدس والأرض المقدسة من اليبوسيين والكنعانيين والفلسطينيين ممن تميزوا بالشدة والغلظة والقوة الشديدة، فحكموا مناطق واسعة من الأرض المقدسة مع موالاتهم المعلنة للفراعنة، إلا أن الحكم الذاتي شبه المستقل بدأ يظهر في المنطقة، وهؤلاء هم الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم على لسان بني إسرائيل: (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين) المائدة/22، كما أن لهم تسمية أخرى معروفة عنهم في التاريخ وهي (القوم العمالقة)، وهؤلاء القوم كانوا على أشد الانحراف الديني عن المنهج الصواب في العقيدة..!!

وهنا يأتي دور التوجيه الرباني للمحررين الأوائل لهذه الأرض المقدسة، سيدنا موسى عليه وسلم وقومه بني إسرائيل المسلمين.

رسالة سيدنا موسى عليه السلام، وحكم بني إسرائيل:

الحقيقة أن الكثير من المسلمين لا يعلمون حقيقة رسالة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وحقيقة دعوته الإسلامية الكريمة، فيظنها الكثيرون دعوةً لفرعون ليكون من المسلمين..!!! ويظن البعض أن سيدنا موسى عليه السلام أرسل لفرعون والمصريين، فإذا قرأوا آيات القرآن الكريم اختلط عليهم الأمر في دعوة فرعون في طلب موسى عليه السلام: (إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم)/ طه47. وإذا تلوت القرآن الكريم تجد الحديث بين موسى وفرعون ليس حول دعوته لنصرة موسى عليه السلام، وإنما حول عنوان واحد هو: (بنو إسرائيل) وتركهم يذهبون مع موسى عليه السلام..!! كذلك لم نجد في القرآن الكريم ما يفيد بأن موسى عليه السلام أرسل لدعوة بني إسرائيل لعبادة الله، وإنما الواضح من جميع الآيات المتحدثة عن قصة موسى عليه السلام أن بني إسرائيل مسلمون فعلياً.. وليسوا من عبدة غير الله تعالى.. بل يعلمون أنه لا إله إلا الله.. ولكن مشكلتهم كانت طغيان المادية عليهم، والواضح من رسالة موسى عليه السلام أنه أرسل إليهم ليخرجهم من مصر.. اقرأ الآيات التالية:

* (حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم بآية من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل)/ الأعراف 105.

* (أن أرسل معنا بني إسرائيل) / الشعراء 17

* (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل) / الأعراف 134

الآيات واضحة... والدليل واضح على أن هدف الدعوة شيء آخر.. والحقيقة أنه لو كان هدف دعوة موسى عليه السلام دعوة الفراعنة والمصريين لما أوحى الله تعالى إليه بالخروج من مصر كما في الآية الكريمة: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون) / الشعراء 52. وغيرها من الآيات الدالة على ذلك في سورة الدخان وسورة طه. وعندما خرج بنو إسرائيل خرجوا جميعاً من مصر، أي أن المقصود كان إخراج بني إسرائيل بصفتهم أهل الإيمان في الأرض في ذلك الوقت من مصر.. ولكن إلى أين؟؟؟ إلى فلسطين.. إلى القدس.. اقرأ الآية الكريمة: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) / المائدة 21.

إذن، يتبين لنا من كل هذه الآيات، ومن ترتيب الأحداث في قصة موسى عليه السلام، ومن قصة بني إسرائيل بعد ذلك ورفضهم دخول الأرض المقدسة (إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) المائدة/ 22، يتبين لنا أن هدف رسالة موسى عليه السلام كان إخراج بني إسرائيل من مصر، وقيادتهم إلى الأرض المقدسة التي كان فيها القوم الجبارون ليخرجوهم منها ويحلوا مكانهم.. أي بمعنى آخر: تحرير الأرض المقدسة من القوم الجبارين..!!!

المعنى واضح، والهدف الآن توضح، وعندما ندرس قصة وسيرة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل في سياق هذا الهدف الكبير تتبين لنا الأمور المبهمة في القصة، ويتبين لنا سبب عقاب بني إسرائيل بالتيه في الأرض لأربعين عاماً بعد رفضهم دخول الأرض المقدسة وتحريرها، ويتبين لنا أيضاً هدف وسياق قصتهم مع النبي الآخر الذي أدخل بني إسرائيل (المؤمنين في ذلك الوقت) إلى الأرض المقدسة في قتالهم لجالوت قائد العمالقة (الفلسطينيين الكافرين في ذلك الوقت) وبالتالي تحرير المسجد الأقصى المبارك وإعادته لشريعة الله تعالى.

وسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، فانقلبت الأحداث اليوم، واصبح مؤمنو الأمس هم كفار اليوم، وأصبح كفار الأمس هم مؤمنو اليوم الذين يدافعون عن الأرض المقدسة في وجه أصحاب السلطان الغائر الزائل...!!!!

وفعلاً، تاه بنو إسرائيل في الأرض أربعين عاماً حتى ظهر منهم جيل يستحق تحرير الأرض المقدسة، وعمرانها بشرع الله تعالى، ليقودهم بعد ذلك أحد أنبيائهم (تذكر مصادر اليهود بأن اسمه "يوشع") ويدخلهم الأرض المقدسة بعد أن اختار لهم (طالوت) ملكاً، وهذه القصة موجودة في سورة البقرة في القرآن الكريم، كما أنها موجودة بشكل قريب للقرآن الكريم في التوراة، مع تسمية (طالوت) باسم (شاول) في التوراة. ومضى بنو إسرائيل للأرض المقدسة، حيث كان خروجهم أيام موسى عليه السلام عن طريق لسان البحر الأحمر المواجه لسيناء، وبالتالي فإن أرجح مكان للتيه هو صحراء سيناء، على خلاف بين العلماء في ذلك، وينتقلون إلى شرقي الأردن ليدخلوا الأرض المقدسة من جانب الأردن الشرقي.

وأما دليل ذلك من التاريخ فهو ما عرف في التاريخ المعاصر باسم (رسائل تل العمارنة) التي عُثر عليها عام 1887م (وهي رسائل تبادلها كل من الفرعونين أمينوفيس الثالث وأمينوفيس الرابع (إخناتون) (اللذين عاشا فيما بين 1410 ـ 1360 ق.م) من ناحية، وبين أمراء وملوك الشرق الأدنى من ناحية أخرى، وخاصة (الفلسطينيين) الجبابرة الذين عاشوا في الأرض المقدسة، وكنا قد ذكرنا أن ملوك الفلسطينيين كان لهم حكم ذاتي واسع، إلا أنهم كانوا يبينون ولاءهم علناً للفراعنة، وسرعان ما انتهى هذا الولاء بانتقال الأرض المقدسة إلى غيرهم.

"في هذه الرسائل نقرأ أن "أديهبا" والي القدس أرسل إلى فرعون مصر يخبره أن قبائل وعشائر أخذت تنزح من الصحراء إلى فلسطين، وأن هذه القبائل تهدد الأمن، وتسبب كثير من الفوضى والاضطراب نظرًا لأعمال السلب والنهب التي تقوم بها. وإذا واصلنا قراءة هذه الرسائل وجدنا أديهبا يطلق على هذه القبائل اسم (خبري) أي (عبري) حسب التسمية المعروفة لنا الآن، إذ إن حرف "خ" يقابله حرف "ع". أما لفظ عبري فهو بدل عبر، بمعنى شاطئ أو ناحية، والمقصود هنا شاطئ الأردن لا الفرات كما ظُن قديماً"(منقول)، حيث أن هذا الرجل كان والياً للقدس، وليس للعراق.

ومن هناك وقعت معركة طالوت وجالوت، وقتل داودُ عليه السلام جالوتَ ملك الفلسطينيين، وبالتالي آل الأمر إلى بني إسرائيل المؤمنين وإلى سيدنا داود عليه السلام الذي سرعان ما انتقل بالمؤمنين لتحرير المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف، وأقام هناك (مملكة داود) التي كان مركزها في ما يسمى اليوم بقرية (سلوان)، ولم يقم عليه السلام مدينته في داخل السور المعروف اليوم، والسبب في ذلك وجود نبع المياه في سلوان (عين سلوان) الغزيرة، ودخل عليه السلام الأقصى المبارك وصلى فيه وعمره.

وهنا تذكر روايات اليهود قصة معينة حول شراء سيدنا داود عليه السلام لأرض المسجد الأقصى المبارك من رجل يبوسي اسمه (أرنان) كان يملكها ويقيم فيها بيدراً، وهذه الرواية لم يرد لها أصل لا في الواقع ولا في الآثار الإسلامية المختلفة، وإنما كانت هذه الرواية اختلاقاً كما نص العديد من المؤرخين والعلماء ليبدو الأمر وكأن اليهود فعلياً اشتروا أرض الأقصى من اليبوسيين أجداد العرب المسلمين الآن..!! وهذه الرواية ليست دقيقة.. وحتى لو صحت هذه الرواية فعلاً.. فإن هذا لا يعطي اليهود أي حق.. بل يعطينا نحن المسلمين المزيد من الحق في المسجد.. ذلك أن اليهود لا يؤمنون بأن داود عليه السلام نبي.. وإنما يسمونه (الملك داود).. ونحن نعتقد أنه نبي مسلم.. وبالتالي فإن ملكية المسجد تبقى للمسلمين.. على أن المعروف تاريخياً أن أرضية الأقصى لم يقم عليها أي بناء إلا المسجد (أي لم يقم عليها أي بناء سوى بيوت العبادة) طوال تاريخها...!!! والتاريخ شاهد حق..!!!

وهكذا قام الحكم الفعلي لأول مرة لبني إسرائيل في الأرض المقدسة، ودام سبعين عاماً فقط، حيث انتقل الأمر بعد سيدنا داود عليه السلام إلى سيدنا سليمان عليه السلام، الذي بنى المسجد الأقصى المبارك مرة أخرى بناء تجديد وإعمار، وفي ذلك ما رواه النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خلالاً ثَلاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وهذا البناء هو الذي يدعي اليهود نسبته إليهم علماً بأنهم لا يؤمنون بنبوة سليمان عليه السلام أيضاً، فيسمونه (الملك سليمان)..!! وعلى كل حال فالأمر سيتضح بإذن الله تعالى أكثر عند الحديث عن عقيدة اليهود والنصارى في المسجد الأقصى المبارك.

وقد يسأل سائل: (لماذا لا نجد أي أثر من آثار فترة سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام مع ضخامتها التي تصل حد الخيال..؟)

ولعل السائل لهذا السؤال لا ينتبه إلى آية عظيمة كريمة في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد) / ص35-38.

لماذا قال (لا ينبغي)؟؟؟

إن التاريخ هو مختبر القرآن الكريم، وقوله (لا ينبغي) يدل على أنه هذا الملك لا يكون لأحد من بعد نبي الله سليمان عليه السلام، وهذا ما يفسر انتهاء ملكه عليه السلام نهائياً بعد وفاته، فلا ينبغي لأحد من بعده عليه السلام أن يشاهد ملكاً كملكه أو يكون له مثله، ولعله بسبب هذه الدعوة الكريمة منه عليه الصلاة والسلام اختفت مملكته العظيمة من العالم الإنساني والله تعالى أعلم.

البابليون والفرس، وعودة اليهود:

وبوفاة سيدنا سليمان عليه السلام انتهى الحكم الفعلي لليهود في القدس الشريف، فبدأ الفساد يظهر بجلاء ووضوح، وابتعدوا عن منهج داود وسليمان عليهما السلام، وبالتالي استحقوا العقاب، فانقسمت دولتهم إلى قسمين: (مملكة إسرائيل) في الشمال، وعاصمتها شكيم "نابلس"، ودمرها بعد وقت قصير الآشوريون، و(مملكة يهوذا) في الجنوب وعاصمتها أورشليم "القدس". وأما هذه فقد صمدت سنوات عديدة بعد خراب مملكة إسرائيل، حتى انقض عليها الملك البابلي (نبوخذ نصر) ودمرها وأحرق الأقصى المبارك ودمر القدس الشريف، وسبى اليهود إلى خارج الأرض المقدسة، وبالتحديد إلى العراق، وأدبيات اليهود كثيرة في هذا المجال، حيث أن كثيراً من فصول التوراة التي بين أيدينا الآن كتبت في هذا العهد.

وما لبث الفرس أن تمكنوا من تدمير قوة البابليين وبسط سيطرتهم ونفوذهم على المنطقة، وكان لليهود أثر بالغ في مساعدتهم للنصر على البابليين، فقام (قورش) الفارسي بالسماح لليهود بالعودة إلى القدس الشريف، وعادوا وبنوا المسجد الأقصى المبارك مرة أخرى، حيث يدعي اليهود أن هذا البيت الذي بني في تلك الفترة هو (المعبد الثاني)، وسيتم مناقشة هذا الأمر في الأسبوع الخاص بعلاقة النصارى واليهود بالأقصى المبارك.

اليونانيون:

وما لبث الإسكندر الأكبر أن غزا المنطقة وبسط نفوذه عليها وعلى القدس، واصطبغت القدس بالصبغة اليونانية، حيث ذكرت بعض المصادر التاريخية الإسرائيلية أن اليونان حاولوا بسط نفوذهم على المنطقة المقدسة أي على المسجد الأقصى المبارك، وحاولوا السماح بعبادة الأوثان فيه، إلا أننا لا نعلم مدى صح هذه الأخبار إذ إنها من الإسرائيليات عموماً، على أن الأمر لا يستبعد صحته، إذ إن بني إسرائيل في تلك الفترة كانوا لا يزالون موحدين، وكانوا لا يزالون حملة الرسالة برغم فسادهم، فلم يجر عليهم قانون الاستبدال إلا بعد ذلك، بينما اليونانيون عبدة أوثان.

الرومان.. والمسيح عليه الصلاة والسلام:

إلا أن الوجود اليوناني عموماً لم يكن طويلاً في المنطقة، فما لبثت الدولة اليونانية أن تفككت وتقسمت بعد وفاة الإسكندر المقدوني، ولم ينتظر الرومان كثيراً، فسيطروا على المنطقة وعلى المدينة المقدسة، وأصبح اليهود سكان القدس في تلك الفترة مجرد مجموعة من رعايا الإمبراطورية الرومانية، وأعطاهم الرومان حكماً ذاتياً محدوداً، وكان للرومان في القدس آثار كبيرة، ومن أهم آثارهم الموجودة إلى اليوم في القدس شارع (الكاردو) الشهير الموجود إلى اليوم في حارة الشرف في البلدة القديمة.

وفي العهد الروماني اكتسبت القدس الطابع العنيف، فعرفت بين الرومان بأنها مدينة الثورات والاضطرابات، إلا أن سياسة الرومان فيها كانت كثيراً ما تتداول بين السيف والمال.. فأعطي الربانيون والأحبار حكماً واسعاً بين أفراد الشعب اليهودي، إلا أن هذا الحكم لم يكن سياسياً وإنما كان عبارة عن سلطة دينية متمثلة في سدانة المسجد الأقصى المبارك والسيطرة على الأحكام فيه.

وزاد الرومان في ذلك فعينوا على القدس فيما بعد حاكماً شهيراً من دهاة العالم القديم هو (هيرودوس) الذي أعلن أنه ولد من أب يهودي وأم رومانية، واعتنق اليهودية تقرباً لليهود، إلا أنه لم يكن محبوباً بين اليهود ولم يكن قريباً منهم ولم يعترفوا به نظراً لأن الأصل عندهم في إثبات يهودية الابن أن يكون من أم يهودية.

وهيرودوس هذا أقام في القدس الشريف آثاراً كبيرة كثيرة ما يزال بعضها موجوداً وظاهراً إلى هذه الأيام، ومن أهم آثاره في القدس أنه قام ببناء القلعة الكبيرة في القدس، والتي يسميها اليهود الآن (قلعة داود) خطأً، وإنما اسمها الصحيح هو (قلعة هيرودوس)، وهذه القلعة ما تزال موجودة إلى الآن عند باب الخليل في القدس الشريف، وقسمها إلى ثلاثة أبراج سمى كل برج منها على اسم أحد أعزائه، وأهمها وأعلاها برج (فصايل) الموجود إلى الآن بارتفاعه الشاهق، حيث يعتبر أعلى برج في القدس القديمة.

ومن أهم أفعاله وآثاره في القدس تجديد المسجد الأقصى المبارك، حيث قام بنقض بناء المعبد وإعادة بنائه، وعندما نقول (المعبد) هنا فإننا نقصد المسجد الأقصى المبارك، لأن هذه هي التسمية المتعارف عليها في تلك الأيام وفي المصادر التاريخية المختلفة. إلا أن اليهود لم يعترفوا ببنائه، وأصروا على أن معبدهم قد بني مرتين فقط، ورفضوا الاعتراف له بصنيعه.

ويبدو أن الوضع في القدس في تلك الفترة قد انحدر دينياً حتى الحضيض، فاليهود أخذتهم العزة بالإثم، وظنوا أن قانون الاستبدال الإلهي لن يمر عليهم، وبالتالي طغوا وفسدوا وأفسدوا في الأرض المقدسة أيما إفساد.. ولم يحركوا ساكناً لتحرير المسجد الأقصى المبارك من يد الرومان المحتلين الوثنيين، بل كانوا مستكينين للاحتلال يدفعون الجزية وهم صاغرون للرومان.

حتى ظهر فيهم بيت من بيوت اليهود الذين بقوا على الحق والعهد، وهو بيت (آل عمران) الذين اصطفاهم الله عز وجل، وهم عمران وزوجته، من ثم كان منهما ابنتاهما السيدة مريم عليها السلام، وأختها، وزوج أختها النبي زكريا عليه السلام، ونبت من هذه الشجرة الكريمة ابنا الخالة، النبيان الكريمان: يحيى، وعيسى عليهما وعليهم أجمعين أطيب الصلاة والسلام.

إن الناظر في الآيات الكريمة في سورة (آل عمران) التي تتحدث عن آل عمران وغيرتهم على هذا المكان المقدس الطاهر يلمس بوضوح مدى الهم الذي كان يؤرق عمران وزوجه من الوضع الذي آل إليه بنو إسرائيل ووضع المسجد الأقصى المبارك الأسير في أيدي العصاة المنحرفين من جهة، والطغاة المحتلين من جهة أخرى.. حتى كان منهما أن نذرت السيدة زوجة عمران عليها رضوان الله ما في بطنها لله، لبيت الله المقدس، (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم)/ آل عمران 35، وهذا ما يفسر استغرابها من ولادة أنثى هي السيدة مريم، لأن التحرير والدعوة تحتاج إلى رجل قادر على التحاور والتواجد في البيت المقدس واحتمال أذى اليهود في تلك الفترة..!!

لكن لله تعالى أمره.. فتكون تلك الصغيرة (مريم) هي البتول التي أخرج الله تعالى من رحمها معجزةً للبشرية هي سيدنا المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام، ومن رحم خالته زوجة زكريا عليه الصلاة والسلام أذن الله تعالى لنبي آخر من الأنبياء الكرام بالظهور وهو سيدنا يحيى عليه السلام، وبذلك يتكامل وجود ثلاثة أنبياء دفعة واحدة في بني إسرائيل، هم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الانحطاط الذي وصل إليه اليهود أصحاب الرسالة في تلك الأيام.. ولعل ظهور ثلاثة أنبياء في تلك الفترة فيهم كان بمثابة إنذار أخير لهذه الأمة التي بغت بعد أن كانت الأمة التي فضلها الله على العالمين، فكان ذلك هو الإنذار الأخير لها قبل أن يسري عليها القانون الإلهي في الاستبدال.

وبدا واضحاً أن اليهود فشلوا في هذا الامتحان، ولم يفلحوا في اقتناص الفرصة الأخيرة واستثمارها... فإذا بهم يقتلون نبي الله زكريا ويحيى عليهما السلام، فقطعوا رأس يحيى عليه السلام وقدموه على طبق من فضة لراقصة يهودية، ونشروا زكريا عليه الصلاة والسلام بالمنشار من مفرق رأسه الشريف، وزادوا على ذلك فحاولوا قتل نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام صلباً، إلا أن تداركته رحمة الله تعالى فرفعه الله إليه كما نعلم نحن المسلمون.

والواضح من دراسة سيرة الأنبياء الثلاثة وخاصة عيسى عليه الصلاة والسلام أن مجيئهم كان لتذكير اليهود وإعادتهم إلى الجادة القويمة قبل أن يأتي طوفان التغيير ويأتي عليهم وعلى المسجد الأقصى المبارك الذي كانوا هم المسؤولين عن سدانته وحمايته.

ويذكر العهد الجديد الموجود حالياً لدى النصارى أن اليهود حولوا المسجد الأقصى المبارك إلى سوق للبيع والشراء، فأتاهم المسيح فيه وأخذ يطرد الباعة وهاجمهم صائحاً: (مكتوب في الكتاب: بيتي يدعى مكاناً للصلاة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص) / لوقا 19 : 46.

كما جاء في العهد الجديد الموجود بين أيدينا حالياً أن عيسى عليه السلام أخبر بالنهاية التي تنتظر هذه المدينة المقدسة من بعده بسبب أفعال اليهود وقتلهم الأنبياء بغير حق، إذ يذكر العهد الجديد قوله مخاطباً القدس: (سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك ويطبقون عليك من كل جهة... ولا يتركون فيك حجراً على حجر) لوقا 19 : 43- 44.

وإن كنا لا نؤمن بكبل ما جاء في الإنجيل والتوراة الموجودين حالياً إلا أننا نعلم أنهما محرفان، وفيهما بقية من صحة، إذ إن هذه النبوءة تحققت فعلياً، فما إن صعد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام عام 33م حتى بدأت بوادر الثورات والاضطرابات تظهر في القدس الشريف وفي رحاب المسجد الأقصى المبارك، فبدأ اليهود يقطعون طريق الرومان، ويحاولون تخريب تجارتهم وتعاملاتهم، فأشعلوا بذلك غضب الدولة الرومانية التي أرسلت إليهم جيوشاَ متتالية كان أكبرها وأشدها عام 70م عندما قامت الثورة المعروفة باسم (الثورة المكابية)، والمكابيون هم اليهود المتدينون الذين قادوا الثورة ضد الحكم الروماني، وكان أشهر معارك هذه الثورة (حسب التصور اليهودي الحالي) هي معركة (جبل مسعدة) التي تقول المصادر اليهودية أنها كانت أشد المعارك التي حدثت، حيث تمت محاصرة الثوار في منطقة جبل مسعدة في صحراء الضفة الغربية قرب البحر الميت، وقتلوا عن آخرهم (مصادر اليهود تقول إنهم قاموا بعملية انتحار جماعي).

وقام الرومان بقيادة تيطس بمحاصرة المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس، واستباحوا المدينة ودمروا المسجد الأقصى المبارك وجميع معالم المدينة وتركوها خراباً بعد أن أجلوا سكانها اليهود وشردوهم في البلاد، حتى قيل إنهم لم يتركوا فيها حجراً على حجر، ولم يبقوا أثراً لأي معبد أو بيت في المدينة، وتركت المدينة خراباً فارغة، وذكر بعض العلماء والمؤرخين أن الرجل الصالح الذي ذكره القرآن الكريم في سورة البقرة زار القدس في هذه الفترة وأماته الله فيها 100 عام ثم بعثه بعد أن عمرها الرومان مرة أخرى، اقرأ الآية الكريمة: (أو كالذي مر على قريةٍ وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت، قال لبثت يوماً أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) / البقرة 259. وذلك على خلاف بين العلماء، وقال الكثير من أهل العلم إنه (عزير) الذي ذكره القرآن الكريم (وقالت اليهود عزير ابن الله)، وقيل إنه قد دفن في قرية قرب القدس الشريف خلف جبل الزيتون مباشرة هي قرية (العيزرية)، وله مقام ومسجد معروف إلى اليوم، والله تعالى أعلم.

وبقيت المدينة فارغة كذلك حتى عام 135م حيث ذكرت المصادر التاريخية أن الرومان حرثوا أرض المدينة بالمحراث، وأقاموا فيها مدينة جديدة سموها (إيليا كابيتولينا)، إلا أنهم أخرجوا حدود المسجد الأقصى المبارك من المدينة، وبقي مهملاً ومتروكاً أرضاً فارغةً لا شيء فيها إلا الصخرة المشرفة وسط أرض خواء.

البيزنطيون:

إلا أن انقلاباً هاماً حدث في العالم القديم بعد المسيح عليه السلام بحوالي ثلاثمائة عام، حين أعلن الإمبراطور الروماني (قسطنطين) وأمه الملكة (هيلانة) اعتناقهما الديانة النصرانية على المبادئ التي كان ينشرها (بولس) الذي يعتبر أول من حرف الديانة النصرانية عن حقيقتها أيام المسيح عليه السلام، فقال بألوهية المسيح، وأحل لحم الخنزير، وهو بالتالي يعتبر أبا النصرانية الحديثة المنحرفة عن الديانة المسيحية الصحيحة التي جاء بها المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

وما إن أعلن الملك وأمه اعتناقهما الديانة النصرانية حتى تم قلب النظام الروماني رأساً على عقب، لتصبح النصرانية هي الديانة الرسمية للدولة، وانقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، والإمبراطورية الرومانية المقدسة في الغرب، وبقيت الإمبراطورية البيزنطية هي المسيطرة على المدينة المقدسة.

وقد نتج عن هذا التحول التاريخي تغيير كبير في نظام وطبيعة المدينة المقدسة، حيث أصبحت القدس مدينة نصرانية، وبنى قسطنطين وأمه هيلانة الكثير من الأبنية والشواهد التاريخية التي بقي الكثير منها موجوداً إلى الآن، ومن أهمها على الإطلاق كنيسة (القيامة) التي بنتها الملكة هيلانة في المكان الذي قال النصارى إنه هو المكان الذي صلب فيه المسيح حسب عقيدتهم.

كما بنت الملكة (التي رفعت بعد ذلك إلى مرتبة القديسة فأصبحت تسمى القديسة هيلانة) كنيسة المهد في بيت لحم، وآثار ما يسمى (طريق الآلام) في القدس.. وغيرها من الآثار الكبيرة المعروفة.

ومع ذلك فإن العداء من اليهود كان على أشده في تلك الفترة، فترك اليهود خارج المدينة فترة من الزمن، حتى سمح لهم لاحقاً بالسكن في المدينة، وأما المسجد الأقصى المبارك فإنه بقي متروكاً كما هو دون أي بناء.

وبقي الأمر كذلك حتى بعث سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، ودخل المسجد الأقصى المبارك ليلة الإسراء والمعراج كما سيأتي لاحقاً في الموضوعات القادمة بإذن الله تعالى.

إلا أن أحد أهم الأحداث السياسية التي حدثت في تلك الفترة هي احتلال الفرس لمدينة القدس الشريف، حيث حصل ذلك أثناء فترة البعثة النبوية الشريفة في مكة المكرمة، إذ إن اليهود الموجودين في القدس تراسلوا مع الفرس ودبروا معهم وبالتعاون مع اليهود خارج المدينة تمهيداً لتدمير القوة البيزنطية، وخان اليهود عهدهم مع البيزنطيين الحاكمين للمدينة، فتعاونوا مع الفرس في حربهم الطويلة ضد البيزنطيين، وأعانوهم على دخول القدس، فارتكب فيها الفرس واليهود مذبحة كبيرةً ذكرتها العديد من الكتب والآثار التاريخية، حيث ذكر أن أكثر من سبعين ألفاً من أهل المدينة قتلوا على يد الفرس، وأحرقت المدينة بالكامل، وفي ذلك يقول الله تعالى (ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين) / الروم 1-4.

وبالفعل تحققت نبوءة القرآن الكريم خلال تسع سنوات، فقام البيزنطيون بهجوم شديد على الفرس نتج عنه احتلالهم القدس مرة أخرى، فطردوا منها اليهود نهائياً، وحرم (هرقل) على اليهود دخول المدينة أو حتى السكن أو التواجد قريباً منها، وأعادوا بناء ما تهدم من المدينة، واهتموا بتجديد كنيسة القيامة وغيرها، وأما المسجد الأقصى المبارك، فإن أرضه أصبحت مكباً للنفايات، وخاصةً عند الصخرة المشرفة، وذلك انتقاماً من اليهود الذين كانت الصخرة المشرفة قبلتهم.

وهكذا بقيت الظلام محيطاً بالأرض المقدسة زهاء سبعمائة عام ثمناً لكفر اليهود وفسادهم وإفسادهم، حتى أتى نور الله تعالى مع الفاتح الأكبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، وهو ما سيكون بداية الدراسة في المواضيع القادمة بإذن الله تعالى.


عبدالله معروف










الأسبوع الثالث
مقدمة:

تحدثنا في المادة السابقة حول تاريخ المسجد الأقصى المبارك قبل الإسلام، ونبدأ اليوم بالحديث في القسم الأول من تاريخ المسجد الأقصى المبارك في الإسلام، منذ حادثة الإسراء والمعراج حتى الاحتلال الصليبي.

الفتح الأول.... الإسراء والمعراج

شاء الله سبحانه بحكمته أن يكون أول الفتح الإسلامي لهذه المدينة المقدسة بعد عصور الظلام المريرة، على يد سيد الخلق والناس أجمعين، رسول الله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الأنوار وسيد الأنوار التي أضاءت أركان هذه المدينة الغالية، ولم يكن فتحه لها صلى الله عليه وسلم فتحاً عادياً، بل شاء الله أن يكون بمعجزة خالدة عجيبة مباركة، هي رحلة الإسراء والمعراج.

فبعد سنوات عجاف من الظلم الذي عانى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم من كفر أهل مكة، وظلم أهل الطائف، وبعد أن أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان لم يؤذ من قبله كما أوذي فيه وهو عام الحزن الذي توفيت فيه أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب، إذا بالله عز وجل يأذن له صلى الله عليه وسلم لينطلق من الأرض الضيقة إلى سعة السماء التي فتحت تستقبله بفرح في ليلة الإسراء والمعراج.

ولن نسرد هنا حادثة الإسراء والمعراج، وإنما سنأخذ منها ما يهمنا في دراسة علوم المسجد الأقصى المبارك، وفي نقاط مبسطة بإذن الله:

نلاحظ بدايةً أن الله عز وجل أفرد لرحلة الإسراء سورة كاملة سميت باسم (سورة الإسراء)، بينما لم يكن نصيب المعراج من القرآن الكريم إلا بضع آيات كريمة في سورة النجم.. بالرغم من أنه بمقياس البشر تكون رحلة المعراج أهم وأكبر من رحلة الإسراء، لأنها كانت عبر السماوات العلى، وأما الإسراء فكان فقط في الأرض، ولمسافة حوالي ألفي كيلومتر فقط..!!

إلا أننا من هنا يجب أن نتعلم أن مقاييس الله عز وجل تختلف عن مقاييسنا.. وبالتالي كانت رحلة الإسراء في ميزان الله عز وجل أكبر وأضخم من رحلة المعراج، فرحلة المعراج تتعلق بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم، وأما رحلة الإسراء فتتعلق بأمته جمعاء...!!

إن رحلة الإسراء كانت بمثابة تسليم للراية من جميع الأنبياء إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ممثلاً عن أمة الإسلام، وبالتالي كانت الرمز الأساسي الذي تستند عليه هذه الأمة في بيان أهليتها وكونها الأمة الخاتمة حاملة الرسالة الأخيرة للأمم كلها..!!

ولاحظ معي أخي الكريم أن تسليم الراية للنبي عليه السلام لم يكن في مكة، مع أنها مركز الأرض كلها، ولم يكن في السماء، ولكن كان في القدس، بل في قلب القدس، في المسجد الأقصى المبارك، لأن هذا المسجد هو الممثل للبشرية في ثلاثية المساجد في الإسلام التي ذكرناها في مادة الأسبوع الأول، فمكة تمثل الجانب الإلهي، والمدينة تمثل الجانب النبوي، والقدس تمثل الجانب الإنساني، ومن هنا كان الأجدر أن يتم تسليم الراية للنبي محمد صلى لله عليه وسلم وأمته الخاتمة في هذا المكان الطيب، في المسجد الأقصى المبارك، وليكون هذا المعنى هو أقوى ما يربط بين هذه الأمة وهذا البيت المقدس، فلو أنك نظرت الآن إلى المسلمين لرأيتهم ما إن يتذكروا الأقصى حتى يذكروا رابطتهم معه ليلة الإسراء والمعراج، ولكن كثيراً منهم لا يتفهم حقيقة هذا الرابط ولماذا كان الإسراء إلى هذا المكان بالذات، ولكن بما ذكرناه تتوضح الصورة كاملة للمسلمين.. فهذا المكان مقدس عندنا ليس لأنه مجرد مسجد..!! بل إنما هو المكان الذي اختار الله عز وجل أن نتسلم الراية من جميع الأمم وجميع الأنبياء السابقين فيه...!!! ولهذا فهو لنا بمثابة العرش الذي تم تسليمه لنا لنكون من خلاله قادة البشرية جمعاء إلى ما يرضي الله عز وجل.

هذا بالنسبة لمعنى الإسراء وحقيقة علاقتنا به كمسلمين، ويهمنا في هذا المجال (دراسة الإسراء) أمور معينة خاصة منها: من أين كان دخول النبي عليه السلام للأقصى؟؟ وأين كانت صلاته فيه بالأنبياء؟؟ ومن أين كان المعراج؟؟

نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما زار المسجد الأقصى المبارك وصلى فيه كان المكان فارغاً من البناء بعد هدم الرومان للأقصى المبارك عام 70م، وكان المكان عبارة عن مكب للنفايات، وهنا قد يتساءل سائل: (كيف يصلي في مسجد هو عبارة عن مكب نفايات؟؟) والجواب بسيط، فلا نعلم أبداً كيف كان المسجد عند دخول النبي عليه السلام إليه، ولعل المكان قد تطهر بأر الله استعداداً لهذه الزيارة.. ونحن لا نعلم.. والله تعالى أعلم.

أولاً: دخول النبي عليه السلام للأقصى وربط البراق:

إن مجرد نظرة إلى الاتجاهات في المدينة المقدسة تبين لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا بد قد دخل المسجد الأقصى المبارك من أحد أجزاء الجهة الجنوبية، لأنها الجهة التي تقع فيها مكة المكرمة، ولكن أرجح أقوال العلماء كانت أن دخول النبي عليه الصلاة والسلام للأقصى المبارك كانت من مكان ما في الزاوية الجنوبية الغربية، لأنها أقرب الأماكن للمار من مكة المكرمة، ولأنها تواجه المدينة المقدسة، ولأن الجهة الجنوبية الشرقية للأقصى هي عبارة عن واد عميق لا يوجد فيها بوابات أو مكان لوقوف البراق مثلاً، وهذا هام جداً لأننا كمسلمين نؤمن أن الإسراء كان بالجسد والروح، وبالتالي تنطبق بعض المعايير البشرية مثل دخول المسجد من بابه وغير ذلك.

إذن فقد كان دخول المسجد من الجهة الجنوبية الغربية، وهنا يقع حائط البراق الشريف، وهذا تأكيد آخر على هذا الترجيح، حيث كان هناك هذا الحائط الشريف الذي ربط فيه النبي عليه السلام البراق بعد أن ترجل منه.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (...ثم أتيت بالبراق، وهو دابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ثم منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء. قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء..)

هذا الحديث يدل على أن هناك حلقة معينة خاصة بالأنبياء ربط فيها النبي صلى الله عليه وسلم البراق في تلك الليلة، ونحن لا نعرف بالتحديد مكان تلك الحلقة،ولكن إذا بحثنا في منطقة حائط البراق، فإننا نجد موضع حلقة موجود في مصلى (مسجد البراق) الموجود حالياً في المسجد الأقصى المبارك ملاصقاً لحائط البراق، ولا ندري، فربما يكون هذا هو المكان بالتحديد،ونرى في هذه الأيام حلقة حديدية موجودة في المكان يظنها الناس الحلقة المذكورة في الحديث الشريف، ولكنها في الحقيقة حلقة حديدية من العصر العثماني، وضعت في ذلك المكان، ولكن نقصد مكان تلك الحلقة، حيث أنه يقع على حجر روماني كبير في المسجد، وموضعها حالياً تحت الأرض منخفضة، ومعروف أن مستوى تلك الأرضية من المسجد الأقصى المبارك كان منخفضاً عندما زاره النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن هناك أي بناء إلا سور المسجد الذي كان الرومان قد بنوه ليفصلوا المسجد عن المدينة عندما بنوا مدينة إيليا كابيتولينا عام 135م.

إذن قد يكون هذا المكان فعلاً هو مكان ربط البراق الشريف، وهذه كلها دلائل عقلية، ولا نستطيع الجزم بهذا بالتحديد لعدم ورود دليل نقلي ينص على مكان تلك الحلقة.

ثانياً: صلاة النبي عليه السلام في الأقصى:

(أين صلى النبي عليه السلام داخل الأقصى؟؟)... سؤال يتبادر إلى الأذهان، خاصة بعد أن عرفنا أن الأقصى ليس هو الجامع القلبي المتجه إلى مكة.. وإنما هو جميع المسجد بمساحة 142 دونماً...!! وهنا لا بد أن ننظر على الصخرة المشرفة.. فهي التي كانت قبلة الأنبياء قبل النبي عليه السلام،وبالتالي فمن المفروغ منه أن تكون هي قبلة النبي عليه السلام في الأقصى المبارك، إذ إن صلاة المسلمين في مكة كانت باتجاه الأقصى، فإذا كانت الصلاة داخل الأقصى فالاتجاه فيه يكون إلى نقطة محددة هي الصخرة باعتبارها قلب المسجد وباعتبارها قبلة الأنبياء السابقين، والنبي عليه السلام كان على قبلتهم بالطبع، فإذن يكون اتجاهه داخل الأقصى المبارك باتجاه الصخرة المشرفة.

ومثال ذلك، أنك عندما تصلي خارج مكة تتجه على السجد الحرام، ولكنك في المسجد الحرام تتجه إلى نقطة محددة فيه، وهي الكعبة المشرفة، فتكون الكعبة المشرفة هي القبلة، وهذا مثال المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة، ولذلك كانت هذه الصخرة مشرفة، ولكن نعود هنا ونؤكد مرة أخرى على أن هذه الصخرة الآن ليس لها أي ميزة تميزها عن الصخور العادية، فهي لم تعد قبلتنا، ولم تعد لها في شرعنا إلا الذكرى فقط...!! وعلينا أن لا نرفع أو نحط من قدرها إلا بقدر ما أعطاها الله عز وجل من القدر الكريم الطيب.

وما دام النبي عليه السلام قد دخل من الجهة الجنوبية الغربية، فإننا بالنظر إلى المسجد الأقصى المبارك وتخيل مشيه واتجاهه إلى الصخرة نستطيع القول بأنه عليه السلام قد صلى أمام الصخرة من الزاوية الجنوبية الغربية، بنفس اتجاه دخوله، وهكذا تكون صلاة الأنبياء الكرام خلفه عليه الصلاة والسلام عبارة عن حلقات ودوائر حول الصخرة المشرفة.. والله تعالى أعلم... ونعود لنؤكد مرة أخرى على هذا كله مجرد استنتاجات عقلية ليس عليها أي دليل من السنة أو من القرآن الكريم، ولذلك ففي الأمر وسع للاجتهاد، ولا بأس من الاختلاف فيه.

وهكذا صلى النبي عليه السلام بالأنبياء في الأقصى المبارك، ثم عرج به من هناك على السماء.

ثالثاً: مكان المعراج:

لم يسعفنا أي مصدر منقول ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام يدلنا على مكان المعراج بالتحديد، ولكن الخلاف بين العلماء يدور حول نقطتين: الصخرة المشرفة نفسها، والمنطقة المحيطة بها. وهناك بعض العلماء ذكر مكاناً آخر هو موقع حائط البراق، إلا أنه مستبعد لأنه يقع بعيداً عن الصخرة التي كانت القبلة في تلك الفترة.

وعندما نتفحص المكان بالتفصيل يمكن أن نقول إن الصخرة المشرفة هي أرجح الأماكن في الأقصى المبارك لتكون مكان المعراج إلى السماء..!! ذلك أنها تعد (كما أسلفنا سابقاً) أعلى نقطة جغرافية في المسجد الأقصى المبارك، وبالتالي فهي الأقرب إلى السماء من باقي أجزاء المسجد، أضف إلى ذلك موقعها المميز، حيث تقع في قلب المسجد الأقصى المبارك، أي في الوسط مائلة قليلاً إلى اليسار، وهذا الموقع مناسب ليؤهلها لتكون مكان ابتداء المعراج.

وبعض العلماء قال إن المكان الذي توجد فيه حالياً القبة المعروفة باسم (قبة المعراج) أرجح في أن يكون مكان المعراج، ولكن هذا القول لا دليل ثابتاً عليه، واستند قائلوه إلى روايات واهية ليستدلوا بها عليه... ولا يوجد له حتى أي دليل عقلي يبين ذلك أو يقربه إلى الأفهام. وعليه فإن أرجح الأماكن للمعراج هي ظهر الصخرة المشرفة، على أن الأمر – مرة أخرى – فيه متسع للخلاف، لأنه لا دليل عليه من القرآن أو السنة، بل هو بالاستدلالات العقلية.

* نقطة هامة:

(لماذا لم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان صلاته في الأقصى ومكان معراجه؟؟؟).. هذا سؤال وجيه.. والحق أنك عندما تتبع الأحداث التاريخية وما آلت إليه أحوال الأمة العلمية والفقهية في أدوار وأزمان مختلفة (وبالذات في هذا الزمان) تعرف فعلاً أن الحكمة من ذلك عظيمة جليلة، فالأصل أن يظل الأقصى المبارك كله في قلوبنا.. ولا يهتم فقط ببقعة من بقاعه الطاهرة، وتصور معي أخي الكريم لو أن النبي عليه السلام حدد لنا تلك الأماكن بالتحديد والقطع... في هذه الحالة فسيكون لكل أعداء المسلمين ولا سيما اليهود وأذنابهم وأعوانهم في هذه الأيام كل الفرصة لاقتطاع جزء من الأقصى وإعطاء الأجزاء الأكثر أهمية (وهي مكان المعراج ومكان الصلاة وغير ذلك) للمسلمين.... أليس هذا وارداً في ظل هذا الصمت المهين؟؟؟ أترك لكم الإجابة..!

إن الدارس لسيرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بتمعن يلاحظ أن النبي عليه السلام ما إن أمن جانبه مكة المكرمة حتى اتجه بنظره الثاقب إلى المنطقة الثالثة من حيث الأهمية في الإسلام: إلى الشام، والتي تعني (المسجد الأقصى المبارك)...!!! فتراه يرسل الرسل.. ويجهز جيش مؤتة ليكون أول طلائع الفتح الإسلامي إلى هناك، وليركز المسلمون نظرهم على هذه المنطقة بعده عليه السلام، حتى إذا استقر الأمر له في مكة المكرمة تراه ينطلق فوراً إلى الشام، إلى أرض المسجد الأقصى المبارك، وكأنه عليه السلام يريد لفت نظر المسلمين إلى هذه النقطة الغالية.. وانظر إليه عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك التي ذكرناها الآن يذكر هذا الحديث الهام جداً، والذي يرويه البخاري في صحيحه عن عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَال: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ (= موت كثير) يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاص (= مرض يميت الدواب فجأة) الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا (= غير راضٍ)، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إلا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً (= راية) تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".

ما نريد لفت النظر إليه في هذا الحديث الشريف هو بداية تسلسل الأحداث، فالنبي عليه السلام في تبوك.. ثم يذكر للصحابي الجليل عوف بن مالك رضي الله عنه أن هناك ستاً من علامات الساعة، أولها موته عليه الصلاة والسلام.. ثم فتح بيت المقدس...!!! وقد عرفنا سابقاً أن ذكر النبي عليه السلام لبيت المقدس يعني به المسجد الأقصى المبارك...!!! إذن فالأمر أصبح واضحاً.. وهدف النبي عليه السلام البعيد من هذه الغزوة ووصوله إلى هذا المكان أصبح واضحاً...!!

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما إن عاد من تبوك حتى اقتربت ساعة وفاته عليه السلام، ليلقى وجه ربه الكريم في العام العاشر من الهجرة... بل إن اللافت للنظر أن النبي عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه كان قد جهز جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه إلى الشام...!!! وتراه وهو في فراش الموت يردد: (أنفذوا بعض أسامة)...!!! وكأنه يوصي عليه السلام بإنفاذ جيش الفتح إلى الأرض المقدسة...!! وهذا ما لم يفهمه أحد من الصحابة بقدر ما فهمه أبو بكر الصديق.. فما إن تولى الخلافة حتى أنفذ البعث إلى الأرض المقدسة.. إلا أنه عاد في الطريق بعد أن توالت أنباء الردة.

الفتح العمري.. والعصرالراشدي:

ما إن تولى أبو بكر الصديق الخلافة حتى وجه ناظره إلى الأرض المقدسة، فسير جيش أسامة، الذي عاد بعد أن بدأ العرب في الردة عن الإسلام، مما أعاق فتح الشام في عهد الصديق رضي الله عنه، ولكن ما إن انتهت حروب الردة حتى سير الصديق رضي الله عنه الجيوش لفتح الشام، وتوفي في أثناء ذلك..!! وتولى الأمر سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حيث كان أول ما فعله أن ولى أبا عبيدة بن الجراح قيادة الجيش الفاتح للشام بدلاً عن خالد بن الوليد، وهذا الأمر كان مثاراً لبعض الحاقدين ليتهموا الإسلام ويعملوا اتهاماتهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترى بعض الحاقدين يدعون أن ذلك كان لخلاف بين عمر بن الخطاب وبين خالد رضي الله عنهما.. والبعض الآخر من غلاة الشيعة يرى أن الأمر كان لمصلحة شخصية بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما.... وهذا كله مرفوض...!! وكل من قال هذا الكلام أو تمخض فيه فإنما هدفه الأساسي ضرب رسول الله صلى الله وسلم وتربيته لصحابته، وبالتالي التشكيك فيه صلى الله عليه وسلم وفي دينه العظيم..!!! وهنا مكمن الخطر.

وإنما الأمر الحقيقي الواضح وضوح الشمس كان مقدرة أبي عبيدة أمين الأمة رضي الله عنه على التعامل بليونة مع سكان البلاد المفتوحة.. وكان ذلك كله استعداداً لفتح القدس.. فالمعروف أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه كان ميالاً للقتال وحسم الأمر في المعارك، وذلك له مجالاته وأماكنه ومواضعه التي بتناسب معها.. وأما أبو عبيدة رضي الله عنه فكان ميالاً للمسالمة والمصالحة.. وتلك هي حنكة الفاروق رضي الله تعالى عنه، والذي وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ولكل مقام مقال، فكان الأطيب والأفضل أن تفتح مدينة القدس الشريف ومسجدها الأقصى المبارك سلماً لا حرباً...!! وهنا موطن الحكمة، فمن الأجدر أن تفتح المدينة الثالثة في الإسلام والمسجد الثالث في الإسلام بشكل بعيد عن الحرب والمعارك، لكي تكون مثالاً يحتذى كما كان فتح مكة المكرمة فتحاً سلمياً مشرفاً يتضح فيه تعظيم تلك المشاعر.

وهذا ما كان بالفعل من أبي عبيدة، فإنه لما ورد القدس الشريف في عام 15 للهجرة، أوقف جيشه وحاصرها، ولم يهاجمها، بل أرسل إلى أهلها كتاباً جليلاً ذكره صاحب كتاب (إتحاف الأخصا) وغيره، وهذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم
(من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وبالرسول، أما بعد: فإنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فإن شهدتم بذلك، حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم، وكنتم لنا إخواناً، وإن أبيتم، فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أنتم أبيتم، سرت إليكم بقوم هم أشد حباً للموت منكم لشرب الخمرة وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله أبداً، حتى أقتل مقاتليكم وأسبي ذراريكم)

فما إن وصل الكتاب إلى نصارى القدس حتى دب الرعب فيهم، ولكنهم ثبتوا في الحصار حتى الشتاء رجاء أن يرجع المسلمون عنهم، ولكن جلد أهل الإسلام كان أشد وأكبر وهم يرون مسجدهم الثالث أمام أعينهم، فصبروا، حتى تعب أهل المدينة المحاصرون من الحصار، وأرسلوا يطلبون الصلح وتسليم المدينة، إلا أن بطارقتها اشترطوا شرطاً لم يحدث مع المسلمين من قبل، وهو أن يأتي خليفة المسلمين بنفسه إلى القدس فيتسلم مفاتيحها منهم. ولو دققنا في هذا الطلب لوجدنا فيه معرفة دقيقة من هؤلاء بمنزلة المدينة المقدسة في نفوس المسلمين، وإظهاراً لعظمتها ورفعتها في الديانتين.

فأرسل أمين الأمة إلى الخليفة الفاروق يخبره بما كان عليه الأمر مع أهل المدينة، واستشار عمر بن الخطاب الصحابة الكرام في ذلك، فأشار بعضهم بالسير إليها وإظهار عظمة المدينة المقدسة ومسجدها، وأشار البعض الآخر بعدم الخروج، إلا أن الخليفة ببعد نظره عزم على الخروج، وخرج مع غلامه.

ويذكر أصحاب السير قصة عجيبة حول مسيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الأقصى، فقد كان على جمل واحد هو وغلامه، وكانا يتبادلان الركوب مدة قراء سورة يس (قلب القرآن الكريم)، حتى إذا وصلا مدينة القدس كان عمر ماشياً وغلامه راكباً.. وهذا ما ذكره بعض أصحاب السير..

فما إن وصل رضي الله عنه وأشرف على المدينة من جبل المكبر الواقع في الناحية الجنوبية للمدينة المقدسة ورأى أسوار المدينة والأقصى حتى كبر وكبر معه المسلمون تكبيراً عظيماً عرف منه أهل المدينة أن خليفة المسلمين وصل.

ويشار هنا إلى أن هناك روايتين في التاريخ حول مكان دخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المدينة المقدسة المسورة، إحدى الروايتين تذكر أن المكان كان من الباب الذي يسمى في هذه الأيام (باب الخليل)، وهو ما يسميه اليهود (باب يافا)، والرواية الأخرى تبين أنه دخل المدينة من (باب العامود) المسمى أيضاً (باب دمشق) و(باب نابلس).

ويوجد إلى اليوم ساحة داخل سور المدينة أمام باب الخليل تسمى (ساحة عمر بن الخطاب) والجدير بالذكر أن هذا الاسم هو الذي تدعى به هذه الساحة باللغة العربية والإنجليزية والعبرية أيضاً.

ولا نعرف بالضبط أي باب منهما يمكن أن يكون المكان الأساسي لدخول الخليفة عمر بن الخطاب إلى المدينة، فباب الخليل أقرب إلى جبل المكبر من باب العامود، في حين أن باب العامود هو أضخم وأعرق أبواب المدينة المقدسة، وبالتالي فلا يمكننا الترجيح بينهما بالضبط إلى بدليل تاريخي، وهو غير متوفر على درجة التأكيد.

وتذكر الروايات القصة المعروفة حول دخول الفاروق للمدينة وزيارته لكنيسة القيامة بصحبة البطرك صفرونيوس، والتي أشار فيها صفرونيوس على الخليفة بالصلاة في الكنيسة فرفض وصلى قربها، والمكان فيه خلاف، فهناك من يقول إنه في نفس المكان الذي يقوم فيه اليوم مسجد عمر بن الخطاب مقابل كنيسة القيامة من الجهة الجنوبية، وهناك من يذكر أنه صلى في موضع ما يسمى اليوم (سوق الدباغة) في البلدة القديمة، قرب كنيسة القيامة من الجهة الشرقية.

إلا أن الأهم هو زيارة المسجد الأقصى المبارك، حيث ذكر أن عمر بن الخطاب طلب من صفرونيوس أن يوصله للمسجد الأقصى، فلما دخله كبر وقال: (الله أكبر، هذا المسجد الذي وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقد كان الأقصى المبارك كما أسلفنا في تلك الأيام عبارة عن هضبة خالية في قلبها الصخرة المشرفة، وهنا بدأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه تنظيف الصخرة المشرفة من الأوساخ التي حولها بثوبه في أجمل الأمثلة على التواضع واحترام مساجد الله، وأمر أن لا يقربها الناس ولا يصلوا قربها حتى تصيبها السماء (أي تمطر عليها) ثلاث مرات لتتطهر من رجس وقذارة مئات السنين.....!!!!

وفي هذا الوقت سأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كعب الأحبار، (وهو ليس من الصحابة، بل من التابعين) حول أنسب مكان – في نظره – ليكون مكاناً ليبنى فيه المصلى الرئيسي المغطى، فأشار كعب بأن يتم بناؤه خلف الصخرة: (فتجتمع قبلتا موسى ومحمد)، أي خلف الصخرة من ناحية الشمال، فتكون الصخرة أمام المصلين. فرفض عمر بن الخطاب هذا الرأي وقال: (خالطتك اليهودية) والمقصود بهذا أن كعباً بهذا الرأي قد خالطته بعض آثار الديانة اليهودية لأن جمع القبلة المنسوخة والقبلة الحالية هو من الجمع بين الديانة اليهودية والإسلامية، ونحن كمسلمين مأمورون بمخالفة أهلب الكتاب، قال عمر: (بل نبنيه في صدر المسجد، كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها) وهكذا اختار المكان المواجه تماماً للقبلة (أي صدر المسجد الأقصى) ليبني فيه المصلى المغطى الذي سيكون مكان الصلاة الرئيسي في الأقصى، وهو موقع الجامع القبلي اليوم.

وكان مسجد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عبارة عن مسجد خشبي يتسع لحوالي ألف شخص، وبقي إلى زمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

ومن أجمل المشاهد التي ذكرها الرواة حول تلك الزيارة التاريخية ما روي أن كبار مستقبليه من أهل المدينة لما رأوا عمر بن الخطاب على هيئته داخلاً المدينة بثيابه المرقعة ماشياً أكبروه وسجدوا له كعادتهم عند السجود لملوكهم، فمال عليهم رضي الله عنه بالدرة، وصاح: (لا تسجدوا لبشر.. واسجدوا لله).

كما أن من المواقف الجليلة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في القدس أنه لما دخلها طلب أهلها منه كتاباً بالأمان وأعطوه مطالب لهم، فكتب لهم (العهدة العمرية) المحفوظة المعروفة إلى هذه الأيام، وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم
(هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يَسْكن بإيلياء معهم من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما تعطي أهل المدائن (أي المدن الأخرى من بلاد الشام)، وعليهم أن يُخْرجوا منها الروم واللصوت (أي اللصوص). فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعَهم وصُلُبهم فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثلُ ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحْصَد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أَعْطَوا الذي عليهم من الجزية.
شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان. وكُتِب وحُضر سنة خمس عشرة).

ومن الجدير بالذكر أن بعض المؤرخين حاول تكذيب هذه العهدة، وبعض الكنائس أصدرت عهدة عمرية مكذوبة غير صحيحة، ولكن أحد العلماء المحققين وهو الدكتور موسى البسيط من علماء بيت المقدس استقصى هذه الروايات والأكاذيب ودحضها وأثبت فعلاً أن العهدة العمرية الحقيقية هي التي أوردناها، وضمن ذلك في كتيب لطيف مفيد أسماه: (العهدة العمرية بين القبول والرفض).

وبالمثل فقد كتب أهل المدينة المقدسة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عهدة أخرى مماثلة، نقلها الأستاذ عارف العارف في كتابه (المفصل في تاريخ القدس) بالنص التالي:

"هذا كتاب لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصارى مدينة إيلياء.. إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية (مسكن الأسقف) ولا صومعة راهب.
ولا نجس منها ما كان في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار. وأن توسع أبوابها للمارة وابن السبيل. وأن ننزل من مر من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نواري في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنع أحدًا من ذوى قرابتنا الدخول في الإسلام إن أراده وأن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا ولا نتشبه في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر.. ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية. ولا نبيع الخمور. وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيَّنا حيثما كنا. وأن نشد زنانير على أوساطنا ولا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا. ولا نرفع أصواتنا مع موتانا.. ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين. ولا نطلع عليهم في منازلهم".

كما يذكر في التاريخ من المواقف الجميلة جداً في هذا اليوم التاريخي العظيم أن بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جيش الفتح، فطلب منه عمر بن الخطاب أن يؤذن، فاعتذر حيث كان قد توقف عن الأذان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ألح عليه، قام فأذن في رحاب المسجد الأقصى المبارك بنفس الصوت الذي كان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنفس النفس الذي أذن يوم الفتح الأكبر لمكة المكرمة، ليعلن المسلمون بذلك أن المساجد الثلاثة وحدة واحدة لا تفرقها مسافات ولا احتلال، فلما وصلى رضي الله عنه إلى (أشهد أن محمداً رسول الله) اختنق صوته بالبكاء، وبكى معه المسلمون حنيناً إلى سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يتمكن عليه رضوان الله من إتمام الأذان.

وهنا نقول إنه ليبس صحيحاً ما ذكره بعض المؤرخين من أن أذان بلال لم يكن في الأقصى وإنما كان في هضبة الجولان..!! فهذا مستبعد جداً.. إذ إن هضبة الجولان بعيدة كل البعد عن المسجد الأقصى المبارك، والمسافة التي تفصلهما هي أكثر من مائتي كيلومتر، وتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين للوصول إليها مما يفقد الأذان بهجته وموعده ومناسبته...!!! وإنما الصحيح أن أذان بلال كان في داخل المسجد الأقصى المبارك.

معاوية بن أبي سفيان:

بقي المسجد الأقصى المبارك على حاله منذ تلك الفترة وحتى فترة حكم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وقد أخذ معاوية البيعة لنفسه في المسجد الأقصى المبارك، ثم بدأ عملية إعمار في الأقصى المبارك، ذلك أن المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب كان قد أصيب بالتعب وبليت أجزاء منه، فقام معاوية بن أبي سفيان بتجديد بناء الجامع الذي بناه عمر بن الخطاب، فبناه من الحجارة بدل الخشب، ووسعه فأصبح يتسع إلى ثلاثة آلاف مصلًّ. وبقي هكذا حتى زمن خلافة عبد الملك بن مروان، وهنا تبدأ فترة جديدة من تاريخ إعمار المسجد الأقصى المبارك على مر التاريخ.
عبدالله معروف
























الأسبوع الرابع
مقدمة:

بدأنا في المادة السابقة الحديث عن تاريخ المسجد الأقصى المبارك في فجر الإسلام، منذ الفتح الأول لنبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج إلى نهاية فترة الخلافة الراشدة وقيام الدولة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

تجديد معاوية بن أبي سفيان:

كان لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه باع طويل ومعرفة سابقة وعلاقة قوية مع مدينة القدس الشريف، فهو أحد الذين شهدوا الفتح العمري للمدينة، وكان أحد الشهود على العهدة العمرية التي كتبها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لنصارى مدينة القدس يوم الفتح.

وبتنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه لمعاوية بن أبي سفيان عن الخلافة بدأ عصر جديد من عصور الأمة الإسلامية ألا وهو عصر الدولة الأموية التي تنتسب لأمية، وهو جد أبي سفيان رضي الله عنه لأبيه، ومعاوية هو: (معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية).

عندما تنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما إلى معاوية بن أبي سفيان بالخلافة أراد معاوية أن يثبت ولايته بأحد أقدس البقاع في الأرض، والأقرب إلى عاصمة الخلافة الأموية (دمشق) فأخذ البيعة لنفسه في مدينة القدس تيمناً بها وطلباً لبركتها، كما قام معاوية بن أبي سفيان بسك أول نقد يحمل اسم (إيلياء) وهي القدس، وكانت صورته على الوجه الثاني، كما حمل هذا النقد اسم (فلسطين) لأول مرة.

وزاد رضي الله عنه فقام في بداية فترة خلافته بتجديد بناء الجامع القبلي الذي بناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد قدمنا سابقاً أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمر ببناء الجامع القبلي في مكانه المعروف اليوم باتجاه القبلة في المسجد الأقصى المبارك فبني من الخشب، وكان يتسع في زمانه لألف مصلٍّ.

فلما جاء زمن معاوية كان المسجد قد بدأ بالاهتراء وأصابه الخلل بسبب قدم أخشابه، فقام معاوية بإعادة بنائه على هيئة أوسع، فبناه من الحجارة، وصار في زمانه يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، وبقي هذا المسجد هو البناء الوحيد الموجود في المسجد الأقصى المبارك طوال تلك الفترة، وفيما بعد إلى أن تولى الخلافة عبد الملك بن مروان، الذي يعد أبرز الخلفاء الأمويين من نواحي التشييد والعمران، فقد كان هو الذي بدأ بتشييد العمران الضخم الكبير في المدن والبلدان المختلفة، وكانت أبرز إنجازاته تشييده لأجمل وأعظم صرح بشري عرفته الإنسانية، فقام ببناء قبة الصخرة المشرفة، التي تعد آية في الجمال والعظمة عجزت البشرية أن تنتج مثلها في الروعة والإتقان والجمال.

عبد الملك بن مروان، وبناء قبة الصخرة المشرفة:

عرف عن عبد الملك بن مروان غيرته الشديدة على مسألة العروبة والإسلام، فكان من إنجازاته تعريب الدواوين وسك النقود العربية الإسلامية الشهيرة.

وقد ذكر أن عبد الملك أمر بالبدء في تشييد وبناء مجمع عظيم البناء في المسجد الأقصى المبارك، يكون إظهاراً لقدسية هذا المسجد وعظمته، وتبياناً لأهمية هذا المكان في الإسلام، وكان البدء في البناء هو لقبة الصخرة المشرفة، على اعتبار أنها قبة المسجد الأقصى المبارك كله كما سيأتي بعد قليل.

هذا وقد ذكر مجير الدين الحنبلي نقلاً ما ورد أن عبد الملك بن مروان بلغه افتتان الناس بضخامة قبة كنيسة القيامة وعظمة بنائها وارتفاعها، فجمع عماله وأعلن عن نيته تشييد قبة أعظم وأجمل تبرز قوة الإسلام وعظمته، وتضاهي قباب البيزنطيين وأبنيتهم وتتفوق عليها، واختير لذلك قلب المسجد الأقصى المبارك، الصخرة المشرفة، حيث يتبين من دراسة الآثار الواردة عن ذلك العمل أنه بنى القبة فوق الصخرة لعدة اعتبارات أهمها:

- أن الصخرة المشرفة تقع موضع القلب من المسجد الأقصى المبارك وأنها أعلى نقطة في المسجد.

- أراد عبد الملك أن يجعل قبة الصخرة المشرفة تكريماً وتعظيماً للصخرة المشرفة على اعتبار أنها أرجح الأماكن لمعراج النبي عليه السلام، وهو القول المعروف والسائد عنها، وبالتالي يكون تشريفها بهذا القدر تذكاراً وتخليداً لحادثة الإسراء والمعراج.

- كما أراد عبد الملك (وهذه النقطة غير معروفة على نطاق واسع) أن تكون هذه القبة قبةً للمسجد الأقصى المبارك كله، حيث كان من المتعذر على الدولة الأموية (على غناها وقوتها) أن تقوم بتغطية كامل مساحة المسجد الأقصى المبارك بالبناء، وخاصة بعد ما كاد ينتشر بين الناس أن الأقصى هو الجامع القبلي الذي جدده معاوية (وكان هو البناء الوحيد في الأقصى)، فأراد أن تكون هذه القبة قبةً للمسجد الأقصى المبارك كاملاً، علماً بأن بناء القباب للمساجد كان قد بدأ ينتشر في تلك الفترة، فأصبحت القبة رمزاً للمسجد، وهكذا أراد أن تكون القبة رمزاً وقبةً للمسجد الأقصى المبارك.

ويظهر من شكل وبناء قبة الصخرة المشرفة فعلاً أنها لم تبن لتكون مسجداً خاصاً، بل كانت فكرتها منذ البداية أنها مجرد جزء من أجزاء المسجد الأقصى المبارك، وبالتالي تم بناؤها بشكل ثماني الأضلاع يختلف عن بناء المساجد عادة في الإسلام، والتي تكون في العادة مستطيلة أو مربعة الشكل، وباتجاه القبلة، على أنه لم يغفل هذه الناحية، فقام ببناء عدة محاريب في داخل القبة لتبيان اتجاه القبلة كما سيتبين لنا لاحقاً.

وذكر بعض المؤرخين أن عبد الملك بن مروان لما أمر ببناء القبة أقاموا له قبة صغيرة لطيفة كنموذج لقبة الصخرة، ولها أحد عشر ضلعاً من الخارج، وستة أضلاع تحمل القبة الصغيرة، فلما انتهت زارها وقال: (ابنوا قبة أكبر من هذه باثني عشر ضعفاً وأنقصوا من الأضلاع)، فتم تجهيز وإعداد المخطط لقبة الصخرة المشرفة بأضلاعها الثماني وبدئ بالعمل بها. ومن الجدير بالذكر أن هذه الرواية غير مؤكدة تاريخياً.. وإنما نقلت من مصادر مقطوعة السند، ولكن عند النظر إليها يمكن أن نفهم سبب بناء تلك القبة الصغيرة قرب قبة الصخرة المشرفة، ألا وهي (قبة السلسلة) ولعل هذه القصة وإن لم تحدث فإن شيئاً مماثلاً يمكن أن يكون قد حصل حتى استقر الأمر على بناء القبة بشكلها الحالي.. وإلا لكان بناء قبة السلسلة عبثاً.. ولم يعرف في التاريخ عن عبد الملك بن مروان العبث أو الهزل....!!! على أن قبة السلسلة بعد بنائها استعملت لعدة أغراض، حيث كانت المكان الرئيسي للإشراف على بناء قبة الصخرة، ثم استعملت لأغراض أخرى وبقيت على حالها إلى اليوم، وكان سليمان بن عبد الملك (الخليفة الذي جاء بعد الوليد بن عبد الملك) يحب الجلوس مع حاشيته تحت هذه القبة (قبة السلسلة) عندما كان يزور القدس، كما تزامن مع هذا البناء بناء باب الرحمة المعروف، والموجود حتى وقتنا الحاضر إلا أنه أغلق في زمن لاحق.

ونعود إلى قبة الصخرة المشرفة، حيث يذكر المؤرخون أن البناء فيها قد أشرف عليه مهندسان من أهل فلسطين هما: (رجاء بن حياة الكندي) من أهل بيسان، وهذا الرجل كان المسؤول عن التصميم العام والشكل العام للبناء، أي عن روح البناء وفلسفته، والمهندس الثاني هو (يزيد بن سلام) من أهل القدس من موالي عبد الملك بن مروان (وقيل إنه كان نصرانياً فأسلم بعد ذلك)، وكان هذا الرجل مسؤولاً عن النواحي العملية في هندسة العمارة في القبة. ولا غرو أن يكون رجاء بن حياة الكندي هو المسؤول عن روح المكان فهو فنان إسلامي وكان لذوقه الإسلامي الرفيع أكبر الأثر في إبراز النواحي الفنية الجمالية للروح والفلسفة الإسلامية بالبناء، ويشار هنا أيضاً إلى أن المشرف والمسؤول العام عن البناء كان ولي عهد الخلافة الوليد بن عبد الملك (ولم يكن قد أصبح خليفة بعد)، واستمر العمل في هذا البناء العملاق مدة سبع سنوات أنفق فيه خراج مصر بالكامل عليه، حتى انتهى البناء في القبة في عام 72 هـ تقريباً.

وهنا يذكر بعض المؤرخين قصة تتمثل في زيادة مبلغ من المال الذي أنفق على القبة، وبما فيه أيضاً المال الذي أعطاه الخليفة للمهندسين، فرفضا أن يأخذاه نظير عملهما، فأمر عبد الملك بن مروان أن يسك هذا المال إلى سبائك ذهبية ويفرغ على القبة وتكسى به أبواب المبنى، فتلألأت القبة بالذهب منذ ذلك الوقت.

وهنا يعترض بعض المؤرخين على هذه النقطة على اعتبار أن القبة ذكرت في أوقات لاحقة أنها كانت مغطاة بألواح الرصاص الأسود وليس بالذهب، وذلك في العصور المتأخرة.. ولكن يجاب على ذلك بأن بعض المؤرخين والرحالة ممن زاروا القدس في أيام الدولة العباسية والفاطمية ذكروا أن قبة الصخرة في زمانهم كانت مغطاة بالصفر المذهب (أي مغطاة بالذهب)، ومنهم ابن عبد ربه، وشمس الدين المقدسي وغيرهما، وهذا يبين صحة ما ذهب إليه المؤرخون القائلون بأن القبة كانت مغطاة بالذهب في زمن الأمويين، فمن المعلوم أن الدولة الأموية كانت أغنى بكثير من جميع الدول التي جاءت بعدها، وأقول بدوري (كباحث) إن الدولة الأموية كانت بالفعل أقوى وأغنى وأوسع دولة إسلامية عرفها التاريخ حتى الآن.. وجميع الدول التي جاءت من بعدها كانت أصغر منها حجماً وأقل غنى.. منذ الدولة العباسية إلى الدولة العثمانية..!! حيث أن الدولة الأموية كانت الدولة الإسلامية الوحيدة في التاريخ التي جمعت بلاد العالم الإسلامي كلها من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً في دولة إسلامية واحدة.. وهذا لم يتوفر لأي دولة تالية على الإطلاق...!!!!! حتى الدولة العباسية التي كانت أكثر تقدماً من الدولة الأموية من الناحية العلمية والثقافية.. إلا أنها كانت أقل منها شأناً في المساحة والغنى.

مميزات وجماليات قبة الصخرة المشرفة:

ومن الجدير بالذكر أن البناء في الفترة الأموية بالذات يتميز عن الكثير من الفترات اللاحقة بنظرته الروحانية التي تعتمد على تجسيد الإيمان ومفردات العقيدة الإسلامية على أرض الواقع لإعطاء مزيد من الانطباع بالجمال والعمق لهذا البناء..

فقبة الصخرة المشرفة مثمنة الشكل وقد بنيت على ثماني مدامك (أعمدة كبيرة) تحمل القبة المعروفة، وهذا يذكرنا بالآية الكريمة: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)، كما أن الأمويين بنوا في الجانب الغربي منها ثلاثة محاريب متجاورة تذكر بالأماكن الثلاثة المقدسة في الإسلام (مكة والمدينة والقدس)، كما أن الجانب الشمالي من القبة يحتوي على سبعة محاريب متجاورة تذكرنا بالسماوات السبع، وكذلك بالأراضين السبع..!!!

كما أن الداخل إلى قبة الصخرة المشرفة يلاحظ أن عدد الأعمدة التي تظهر أمامه في صفي الأعمدة هو خمسة أعمدة..!! وهذا يذكره فوراً بالصلوات الخمس، وبأركان الإسلام الخمس.

وبالنسبة للزخرفة الفسيفسائية الأموية الإسلامية التي تشتهر بها قبة الصخرة المشرفة فإن زوايا الأعمدة في التثمينة الداخلية (أي صف الأعمدة الثمانية الكبيرة في البناء) تحتوي على الثمار والزروع التي ذكرت في القرآن الكريم كالزيتون والرمان والموز والتين والعنب وغيرها، مما يذكر بفاكهة وثمار الجنة.

ولم يكتف البناة بذلك بل حاولوا أن يجمعوا معطيات الزمن في هذا البناء الجميل، فجعلوا حول الصخرة أربعة مدامك (أعمدة كبيرة) تذكر بالفصول الأربعة، وبين هذه الأعمدة الكبيرة أعمدة صغيرة رخامية ملونة عددها 12 عموداً، تذكرنا بأشهر العام، كما إن المحاريب السبعة التي ذكرناها سابقاً في الجهة الشمالية من القبة تذكر أيضاً بأيام الأسبوع السبعة، وكذلك يوجد في قبة الصخرة المشرفة شبابيك عددها 52 شباكاً هو عدد الأسابيع في السنة...!!!! وهناك غير ذلك من الجماليات التي تعطي المجال للمرء ليسرح بخياله ويحاول التقاط وتفهم هذه الأسرار البديعة في البناء الإسلامي، وهذا الكلام كله يثبت أن بناء هذه القبة وغيرها من الأبنية الإسلامية لم يكن تقليداً لفنون الأمم الأخرى، وإنما كان إبداعاً منقطع النظير في تشكيل وتجسيد إيمانيات الفرد المسلم وعقيدته.

الخلاف في باني القبة:

من المهم أن نعرف أن هناك من خالف الإجماع المعروف عالمياً وإسلامياً بأن باني القبة هو عبد الملك بن مروان، حيث أن بعض المؤرخين الأقلة قالوا بأن باني القبة هو الوليد بن عبد الملك وليس عبد الملك بن مروان..!! وهذا الأمر غير دقيق على الإطلاق، حيث ورد في النص الأثري الفسيفسائي الأصلي المثبت على التثمينة الخارجية لقبة الصخرة المشرفة أن سنة إتمام البناء كان سنة 72 للهجرة، ومعلوم أن عبد الملك بن مروان قد كان في تلك الأيام خليفةً للمسلمين، حيث كان قد تولى الخلافة في الفترة من 65 – 86 هـ، وبذلك ينتفي قطعاً احتمال أن يكون الوليد بن عبد الملك هو باني القبة، حيث أن توليه الخلافة كان عام 86 أي بعد الفراغ من بناء القبة بفترة طويلة.

ولكن يبدو أن هذا الرأي ظهر بسبب الخلط بين قضية باني قبة الصخرة والمشرف على البناء، فالمعروف أن عبد الملك بن مروان كان قد كلف ابنه الوليد بالإشراف على بناء القبة، وكان هو المشرف العام على البناء، وذلك لا يعني أنه هو الذي أمر ببنائها، حيث أنه أشرف على البناء بأمر من أبيه الخليفة عبد الملك بن مروان.

الوليد بن عبد الملك.. وبناء الجامع القبلي:

كما أسلفنا فإن الوليد بن عبد الملك كان المشرف العام على بناء قبة الصخرة المشرفة أثناء حكم والده عبد الملك بن مروان، فلما تم البناء رجع إلى دمشق عاصمة الخلافة، استعداداً للمرحلة الثانية من بناء المسجد الأقصى المبارك، وهي مرحلة بناء المصلى الجامع الذي يسمى (الجامع القبلي) وهذا ما حدث بالفعل بعد أن استقر الأمر تماماً لعبد الملك بن مروان بعد انتهاء خلافة عبدالله ابن الزبير رضي الله تعالى عنه على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، حيث أوفد الخليفة عبد الملك بن مروان ولي عهده الوليد إلى القدس مرة أخرى للإشراف على إتمام البناء في المسجد الأقصى المبارك، فشرع في بناء الجامع القبلي، وكان بداية ذلك بناء التسوية الجنوبية الممتدة من الشرق إلى الغرب في المسجد الأقصى المبارك، وهي عدة أقسام أهمها الجزء الشرقي وهو ما يسمى حالياً باسم (المصلى المرواني) الذي بني في الأصل ليكون تسوية ليبنى فوقها الجامع القبلي، ثم استعمل بعد ذلك كمخزن ومستودع لأدوات وأجهزة المسجد الأقصى المبارك، أما التسوية في المنطقة الجنوبية الغربية فقد تحولت إلى آبار لحفظ المياه، إلا منطقة مسجد البراق الذي ذكرناه في محاضرة سابقة.

وتزامن مع هذا البناء أيضاً بناء القصور الأموية التي تمتد في المنطقة الجنوبية خارج المسجد الأقصى المبارك، وكان لها مدخل يقع تحت الجامع القبلي بالضبط، ويفضي إلى ممر مزدوج ببوابتين مرتبط مع ساحات المسجد الأقصى المبارك، وما زال هذا المكان موجوداً إلى وقتنا الحاضر، وقد فتح للصلاة عام 1999م، ويسمى (مصلى الأقصى القديم).

ويذكر التاريخ أن عبد الملك بن مروان توفي أثناء بناء الجامع القبلي، فتم البناء على يد ابنه الخليفة الوليد بن عبد الملك، وكان بناء المسجد في زمانه عبارة عن خمسة عشر رواقاً، واحد كبير في الوسط يعلوه جملون (سقف مثلث) وسبعة عن يمينه وسبعة عن شماله، وهذا يعني أنه حجمه كان يبلغ ضعف حجمه الحالي.

اليعقوبي وفريته على الأمويين:

يم يترك المفترون أحداً من افتراءاتهم التي تطال كل أصحاب الإبداعات عبر الزمان، وكان للأمويين خصوصية كبيرة في هذه الافتراءات والأكاذيب، وخاصة عبد الملك بن مروان.

ومن أكثر الذين شنعوا وافتروا على الأمويين ذلك المؤرخ المعروف باليعقوبي، وهو من غلاة التشيع الذين ناصروا الدولة العباسية بشدة، وحمل كثيراً على الدولة الأموية إلى أن اختلق الأكاذيب والافتراءات على الأمويين وخاصة على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعلى عبد الملك بن مروان، والتي تجد أنصاراً لها بين أعداء المسلمين إلى اليوم وخاصة من اليهود، الذين اعتمدوا كثيراً على أكاذيب هذا الشخص في ادعاءاتهم الباطلة بملكية المسجد الأقصى المبارك وإظهار المسلمين على أنهم ليسوا أصحاب الحق في الأقصى والقدس.

من ذلك تشكك اليعقوبي من فعل معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه في أخذ البيعة بالخلافة لنفسه في القدس بعد نقل عاصمته إلى الشام، حيث ذكر أن معاوية قصد من ذلك إبعاد الأنظار عن مكة المكرمة والمدينة المنورة التي كانت تدين لآل البيت... وهذه فرية عظيمة على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعاء مرفوض على أصحاب النبي الذين تربوا في مدرسته الجليلة صلى الله عليه وسلم، وإنما كان ذلك من معاوية إظهاراً لقدسية هذا المكان المبارك واختاره كونه الأقرب إلى العاصمة (دمشق) في تلك الأيام، وهو بالتالي أفضل الأماكن بركة مما حول دمشق من البلاد القريبة.

كذلك ادعى اليعقوبي أن عبد الملك بن مروان عندما تولى الحكم عام 65 هـ أراد أن يلفت أنظار الناس ويبعدهم عن مكة المكرمة حيث عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، فأمر ببناء قبة الصخرة المشرفة لتكون "بديلاً" عن مكة المكرمة في الحج...!!! وهذا الكلام فيه من السخافة ما فيه..!! حيث لا يعقل ابتداءً أن يقوم رجل كعبد الملك عرف عنه حكمته ورشده بمحاولة تحويل قبلة المسلمين وحجهم إلى مكان غير مكة المكرمة كما فعل أبرهة من قبله..!! وتاريخ عبد الملك يشهد له اهتمامه وغيرته الشديدة على الإسلام، ففي زمانه عرب دواوين الدولة، وسك النقود الإسلامية الشهيرة، ولا ينسى أحد فضله في إرساء قواعد الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، وضم جميع بقاع الإسلام إليها عموماً، وهذا الأمر حفظ لهذه الأمة وحدة كيانها. ثم إن عمل عبد الملك بن مروان في القدس لم يكن أكبر اهتماماً منه بمكة والمدينة، فهاهو بعد أن ضم الحجاز يقوم فوراً بأداء فريضة الحج إجلالاً لمكة، وهذه الزيارة كانت وما زالت أكبر رد على جميع المدعين من أمثال اليعقوبي، وكذلك فإن عبد الملك بن مروان أمر بالبدء في تعمير الكعبة المشرفة، ومن بعده استمر الوليد على نهجه فأمر بتوسعة وترميم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وأنفق على ذلك من الأموال الطائلة دون حساب كما أمر أبوه من قبله.

هذا التاريخ الكبير الواضح للأمويين (على اختلافنا معهم في بعض الوقائع التاريخية) وعلى رأسهم عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك يرد بنفسه على هؤلاء المتعصبين لفرقهم لدرجة الزج بالافتراءات في صفحات التاريخ البيضاء التي تلفظها ببساطة.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية دراسة أهم العناصر في تاريخ المسجد الأقصى المبارك في العصر الأموي لنتم بعد ذلك بإذن الله تعالى دراسة تاريخ الأقصى في العصر العباسي والفاطمي والصليبي بإذن الله.



















الأسبوع الخامس
مقدمة:

بدأنا في المادة السابقة الحديث عن تاريخ المسجد الأقصى المبارك في الفترة الأموية، مع بدايات تجديد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى النقاط الهامة في بناء مجمع المسجد الأقصى المبارك في الفترة الأموية والذي ضم الجامع القبلي وقبة الصخرة والسلسلة وباب الرحمة وبوابات الأقصى والمصلى المرواني والأقصى القديم ومسجد البراق كأهم الأبنية التاريخية في تلك الفترة، ونتحدث في هذا الأسبوع عن المسجد الأقصى المبارك في الفترة العباسية والفاطمية من جهة وفترة الاحتلال الصليبي من جهة أخرى.

مميزات العصر العباسي والفاطمي:

نجد عندما ندرس تاريخ المسجد الأقصى المبارك في الفترة العباسية الأولى والثانية والحكم الفاطمي للقدس أن معظم دراستنا للأقصى في هذه الفترة هي دراسة أثرية لإعمار المسجد الأقصى المبارك، ولما كانت هذه الدورة مبسطة فإننا سنتناول هذا الموضوع مروراً بسيطاً، دون إسهاب فيه، حيث تتميز هذه الفترة بأنها أشهر فترة حصلت فيها الترميمات في المسجد الأقصى المبارك بسبب انهدامه أكثر من مرة.

أهم الترميمات في الأقصى المبارك في تلك الفترة:

يمكننا أن نختصر الترميمات التي حصلت في الأقصى المبارك في الفترة العباسية (متضمنة الحكم الطولوني والإخشيدي) والفاطمية إلى نقاط تعتبر مفاصل هامة جداً في العمارة والترميم، ونلاحظ أن معظم الترميمات في الأقصى المبارك تمت في مبنى الجامع القبلي وليس في قبة الصخرة التي كان ترميمها أقل أهمية من ترميم الجامع القبلي، ذلك أن الجامع القبلي كان أكثر تأثراً بالزلازل وانهدم أكثر من مرة، وسبب ذلك يعود إلى أن الجامع القبلي يقوم فوق أساس من صنع الإنسان، وهو التسوية الجنوبية، وأساساته بالتالي أضعف من أساسات قبة الصخرة المشرفة التي تقوم أساساً على الصخر الطبيعي، أضف إلى ذلك ضخامة مساحته في تلك الفترة، والتي كانت تبلغ ضعف مساحته الحالية. مما أثر على ثبات بنائه.

ترميم قبة الصخرة المشرفة:

أما قبة الصخرة المشرفة، فإن أهم الترميمات التي حصلت لها في تلك الفترة كانت كالتالي:

1- في زمن الخليفة المأمون أمر بترميم وإصلاح قبة الصخرة المشرفة وكان قد أصابها شيء من الخراب، وذلك في عام 216 هـ. وضرب بعد ذلك فلساً حمل اسم (القدس) لأول مرة في تاريخ القدس كذكرى لذلك الترميم. وذلك عام 217هـ.

2- في زمن الخليفة المقتدر بالله أمر بترميم أخشاب وسقف قبة الصخرة المشرفة، وعمل أبواب خشبية كبيرة مذهبة بأمر أم الخليفة، وذلك عام 301هـ.

3- في زمن الحكم الفاطمي تم عمل ترميم للقبة على أثر الزلازل المتعاقبة التي ضربت المنطقة وخاصة زلزال عام 407هـ الذي أثر في القبة، وبدأت في زمن الحاكم بأمر الله لتنتهي هذه الترميمات في من الظاهر لإعزاز دين الله، وتمت عام 413هـ.

ترميم الجامع القبلي:

وأما الجامع القبلي فإن الترميمات التي جرت عليه كانت عموماً اكثر من ترميمات قبة الصخرة المشرفة، للأسباب التي ذكرنا سابقاً، ويمكننا أن نلخص هنا أهم الترميمات التي جرت في الجامع القبلي في الفترة العباسية والفاطمية في النقاط التالية:

1- في عام 130هـ تعرضت فلسطين لهزة أرضية عنيفة تصدع على أثرها الجامع القبلي، مما حدا بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور إلى ترميم المسجد، وذلك عام 136هـ.

2- إلا أن المسجد ما لبث أن تصدع بفعل زلزال عام 158هـ وتهدم معظم ترميم أبي جعفر المنصور، فقام الخليفة العباسي المهدي بترميمه عام 163هـ.

3- وفي الفترة الفاطمية تعرض المسجد لزلزال عنيف آخر عام 425هـ فقام الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله بترميمه عام 426هـ واختصر حجمه إلى النصف، حيث حذف أربعة أروقة من كل جهة، فأصبح الجامع القبلي في زمانه يتكون من سبعة أروقة.

ويذكر أن بعض المؤرخين خاضوا كثيراً في تفاصيل الترميمات العباسية للمسجد الأقصى المبارك، حيث ذكر بعضهم أن الخليفة العباسي المهدي هو الذي قام باختصار حجم الجامع القبلي إلى شكله الحالي، ولكن هذا الكلام يدحضه وصف المؤرخ الشهير شمس الدين المقدسي الذي جاء في بدايات الفترة الفاطمية تقريباً (أي بعد زمن الخليفة المهدي)، حيث وصف الجامع القبلي في زمانه بأنه يحتوي على خمسة عشر رواقاً، وهذا يبين أن الجامع في ذلك الزمن كان يتكون من خمسة عشر رواقاً، وذكر الأستاذ "أحمد فتحي خليفة" رواية أخرى أشد غرابة تفيد بأن المهدي جعل للجامع القبلي خمسة أروقة وأن الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله أضاف رواقين..!!! وهذه الرواية غير دقيقة ومخالفة لما ورد في رواية المقدسي في وصفه للجامع القبلي، إضافة إلى أنها لم ترد في أي من المصادر التاريخية الموثوقة والله تعالى أعلم، ويوجد للخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله نص تأريخي في الجامع القبلي تخليداً لترميمه.

أهم الآثار:

من أهم الآثار العباسية والفاطمية في الأقصى المبارك الآثار التالية:

1- التربة الأخشيدية: وهي مجموعة من قبور الأمراء الأخشيديين الذين حكموا في الفترة العباسية الثانية، وتقع خارج المسجد الأقصى المبارك ملاصقة لباب الأسباط في الزاوية الشمالية الشرقية من المسجد الأقصى المبارك.

2- البائكة الشرقية: ذكر أنها أقدم بوائك المسجد الأقصى المبارك، وبنيت في القرن الرابع الهجري..

3- البائكة الجنوبية الشرقية: بنيت عام 412 هـ.

4- البائكة الجنوبية: بنيت في القرن الرابع الهجري.

5- البائكة الغربية: بنيت عام 340 هـ.

6- مهد عيسى: وهو بناء يقع في غرفة خاصة في الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصى المبارك ملاصقاً للمصلى المرواني، وينزل إليه بدرجات، وهو عبارة عن قطعة رخامية تشبه المهد وتقوم عليها حالياً قبة لطيفة بناؤها الأخير عثماني، قيل إنها كانت مكان مهد عيسى عليه السلام، وذكرت فيها روايات كثيرة، ولكن معظم هذه الروايات غير دقيقة وتفتقر إلى الصحة. ويبدو أنها بنيت لتكون تذكاراً لميلاد وقصة نبي الله عيسى عليه السلام في الأقصى المبارك.

الاحتلال الصليبي:

في زمن ضاعت فيه من الأمة ذاكرتها، ونسيت ما كانت عليه، ضاعت القدس.. وضاع الأذان في مآذنها زهاء مائة عام...!!! كان ذلك هو الاحتلال الصليبي الذي جثم على قلب الأمة الإسلامية عشرات السنين، حتى قيض الله لهذه الأمة من رفع قدرها وأعاد لها عزتها.

ومن الهام لنا أن نعلم أن الشخصية الرئيسية التي لعبت أهم دور في تسيير جحافل الصليبيين إلى القدس كان البابا (أوربان)، الذي أرسل رسائل إلى ملوك الغرب وأطلق نداءه ليبدأ الزحف الصليبي إلى ديار الإسلام، ومما جاء في إعلانه الشهير للحرب على ديار الإسلام عند بدء الحملة الصليبية الأولى احتلال القدس: "بأمر الله تتوقف العمليات الحربية بين المسيحيين في أوروبا، ويتجه هؤلاء بأسلحتهم إلى هزيمة الكفرة (يقصد المسلمين)، اذهبوا وأزعجوا البرابرة، وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار، وامتلكوها لأنفسكم، فإنها كما تقول التوراة تفيض لبنًا وعسلاً".

ويلاحظ الهدف الاقتصادي المحض في هذا الخطاب الناري..!!! فالأرض المقدسة أرض تفيض لبناً وعسلاً، كما يلاحظ تأثير التوراة بشكل أساسي على هذه الحملات..!! ومن المعروف أن أوروبا في تلك الفترة كانت تغوص في الظلام والجهل والمجاعات والأمراض، مما كان له أكبر الأثر في تجييش الآلاف من الجنود للذهاب إلى هذه الحملة، فالهدف الاقتصادي كما أسلفنا كان هدفاً أساسياً إن لم يكون هو الهدف الأول..!!!

كانت أول حملة من حملات الحروب الصليبية حملة بربرية هوجاء لا تنظيم فيها ولا ترتيب، وكانت تنشر الخراب والدمار في كل أرجاء أوروبا في طريقها، مما أدى إلى استعداء كافة الشعوب التي مرت بها، ولذلك سقطت الحملة في أرض السلاجقة قبل أن تصل إلى ديار الإسلام، وكانت هذه وقعة كبرى كادت تقضي على أحلامهم، لولا أن ملوكهم سارعوا لإنفاذ الحملة المنظمة الأولى التي كانت تتكون من جنود منظمين مسلحين بشكل جيد، وهذه الحملة تم إمدادها من المارونيين، الذين ساعدوا على وصول الصليبيين إلى أرض فلسطين، التي كانت تحكمها الدولة الفاطمية التي مزقتها النزاعات الطائفية والصراع على الحكم، ويذكر بعض المؤرخين أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يُشتمان علناً في شوارع ومنابر القدس في العهد الفاطمي (ومعروف أن الفاطميين شيعة مغالون في التشيع وهم من الفرق الباطنية)، ولذلك ليس من الغريب أن تسقط القدس في الاحتلال في تلك الفترة.

وكان على القدس الشريف في تلك الفترة أمير فاطمي هو (افتخار الدولة)، وفي عهده وصل الصليبيون إلى القدس الشريف بقيادة تانكرد وجودفري في شعبان من صيف عام 492هـ / 1099م. وكانت أنباء الزحوف الصليبية ترعب السكان في كل مكان، وتساقطت المدن الساحلية في أيديهم تباعاً، تلتها المدن الداخلية وخاصة الرملة، حيث تقدموا منها وحاصروا القدس الشريف حصاراً شديداً. وكان من تحصن بالقدس الشريف معظمهم من العلماء والزهاد والفضلاء وعامة الناس الذين ظنوا أن الصليبيين يمكن أن يراعوا قدسية هذه المدينة.

وكان مركز الدفاع الفاطمي في المدينة موجوداً في قلعة داود، حيث تحصن فيها افتخار الدولة، ثم راسل الصليبيين سراً على أن يسلمهم المدينة مقابل أن يسمحوا له بمغادرتها مع حاشيته، وهو ما تم له، حيث غادر القلعة جنوباً إلى الساحل فمصر، تاركاً المدينة تواجه مصيرها المحتوم.

ونترك هنا للمؤرخين ليرووا لنا ما حدث في تلك الفترة:

- يقول المؤرخ الصليبي الذي حضر الحروب الصليبية ريمونداجيل: "سفك تانكرد وجودفري في المقدمة كمية لا تصدق من الدماء، وأنزل زملاؤهما الذين كانوا في أعقابهم آلامًا شديدة بالمسلمين.. فقد قطعت رءوس بعض المسلمين بلا رحمة، بينما اخترقت الآخرين الأسهم الموجهة من الأبراج، بينما عذب آخرون لوقت طويل، وأحرقوا حتى الموت في اللهب المتأجج، وتكدست في الطرقات والبيوت الرءوس والأيدي والأقدام، وفعلاً فقد كان الفرسان والرجال يجرون جيئة وذهابا فوق الجثث".
(تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس: ريمونداجيل: صـ 30)

ـ يقول ابن الأثير: "ملكوها ضحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان (492هـ) وركب الناسَ السيفُ، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعًا يقتلون فيه المسلمين، وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم .. وأخذوا من عند الصخرة نيفًا وأربعين قنديلاً من الفضة، وأخذوا تنورًا من فضة، وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلاً، ومن الذهب نيفًا وعشرين قنديلاً، وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء".
(الكامل: 10 / 283 وما بعدها: ابن الأثير، و"البداية والنهاية 12 / 156 وما بعدها ابن كثير)

ـ ويقول ابن خلدون: "استباح الفرنجة بيت المقدس، وأقاموا في المدينة أسبوعًا ينهبون ويدمرون، وأُحصِيَ القتلى بالمساجد فقط من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد المجاورين فكانوا سبعين ألفًا أو يزيدون ..".
(ابن خلدون: العبر: 5 / 184)

- يقول جوستاف لوبون: "كان قومنا يجوبون، كاللبوات التي خطفت صغارها، الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، فكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا لا يستبقون إنسانًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة .. وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعًا ذهبية، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث ... ثم أحضر بوهيموند جميع الذين اعتقلهم في برج القصر، فأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعافهم، وبسوق فتياتهم وكهولهم إلى أنطاكية ليباعوا فيها ..
لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان (يقصد المسجد الأقصى المبارك)، فكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهنالك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة ..
وأراد الصليبيون أن يستريحوا من عناء تذبيح أهالي القدس قاطبة، فانهمكوا في كل ما يستقذره الإنسان من ضروب السكر والعربدة ..".
(جوستاف لوبون: حضارة العرب: 400 وما بعدها)

- "حدثت ببيت المقدس مذبحة رهيبة، وكان دم المقهورين يجري في الشوارع، حتى لقد كان الفرسان يصيبهم رشاش الدم وهم راكبون، وعندما أرخى الليل سدوله جاء الصليبيون وهم يبكون من شدة الفرح، وخاضوا الدماء التي كانت تسيل كالخمور في معصرة العنب، واتجهوا إلى الناووس، ورفعوا أيديهم المضرجة بالدماء يصلون لله شكرًا!! ..".
(wells : A short History of the middle east p: 74)

- "وتحركت جموع الصليبيين بعد أنطاكية تجاه بيت المقدس، وفي الطريق اتصل الصليبيون بالموارنة، وهم قوم أشداء، ومقاتلون بواسل، فأسدى هؤلاء إليهم خدمات جليلة لمعرفتهم تلك المنطقة، فكانوا الأدلاء لهم ..".
(willism of Tyrd vol : 2 p : 429) و(موسوعة التاريخ الإسلامي: الدكتور أحمد شلبي: 5 / 593 وما بعدها)

-"حتى إذا أطلت طلائع الصليبيين أمكن الموارنة أن يمدوهم بثلاثين ألف نبال، أجمع الفرنجة على الإعجاب بشجاعتهم ومهارتهم .. فالمارونية بنت لبنان، ولبنان في الكثير من مزاياه وخصائصه صنع المارونية .. فلا وطن لها سواه، ولا كيان له بدونها .."!!
(فؤاد أفرام البستاني في محاضرته عن مار مارون: التبشير والاستعمار: 28)

- مرتزقة الصليبيين في القدس:
بعد استيلائهم على القدس سنة 1099م و"عندما شعر الصليبيون بأنهم قد حققوا المهمة قفل أكثرهم عائدا إلى وطنه فلم يبق بفلسطين سوى 300 فارس ليدافعوا عن مكاسبهم. وراح المرتزقة يتدفقون على فلسطين لشد أزر هؤلاء الفرسان القلائل، بالإضافة إلى الرهبان الذين حملوا الأسلحة وخلعوا مسوحهم ليخوضوا الحرب، وعلى رأسهم فرسان الاسبتارية وفرسان الداوية المشهورون".
(مجلة كلية الملك خالد العسكرية العدد 15 صفر 1407 هـ)

هذه هي المذبحة.. وهذا هو ما تسبب فيه (عار الدولة) الذي أصبح مثالاً للخزي والعار...!!! وما أشبه اليوم بالبارحة.. فالألقاب واحدة والفعل واحد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

تعديلات الصليبيين في الأقصى:

قام الصليبيون بتعديلات في مباني المسجد الأقصى المبارك المختلفة تدل على نظرتهم وتعاملهم السيء مع هذا المكان المقدس، وذكر المؤرخ الصليبي الروسي (دانيال الراهب) وصف المسجد الأقصى المبارك في تلك الفترة، كما ذكره المؤرخ (الشريف الإدريسي) الذي زار القدس في تلك الفترة أيضاً، ومنهما نأخذ الوصف:

- فقد قام الصليبيون بتحويل قبة الصخرة المشرفة إلى كنيسة سميت (كنيسة أقدس المقدسات) كما ذكر دانيال الراهب، وتم نصب صليب كبير مغطى بالذهب فوقها، ونشرت التصاوير في أنحائها الداخلية.

- وأما الجامع القبلي فقد قاموا بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام: قسم جعلوه كنيسة، وقسم مكاتب، وقسم ترك مكاناً لمبيت الفرسان المسؤولين عن المكان.

- وبالنسبة للمصلى المرواني فقد تم تحويله على إسطبل للخيول، وتم ثقب أعمدته من الأسفل لربط الخيول فيها، وسموه (إسطبل سليمان).

- كما قام الصليبيون بإضافة عدة أبنية للمسجد، من أهمها (حسب تقديرات المؤرخين) المكان المسمى حالياً: (مصلى النساء) ملاصقاً للجامع القبلي من الجهة الجنوبية الغربية.

ويبقى المسجد الأقصى المبارك بهذا الشكل نهباً للظالمين قرابة ثمانين عاماً، حتى أذن الله تعالى بالفتح المبين للسلطان الجليل الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، خليفة الملك العادل نور الدين زنكي، خليفة الملك الشهيد زنكي بن آق سنقر، رحمهم الله أجمعين، وهو ما سنأتي على ذكره بإذن الله تعالى في المحاضرة القادمة.














الأسبوع السادس
مقدمة:

تحدثنا في المادة السابقة عن الفترة العباسية والفاطمية وفترة الاحتلال الصليبي في بيت المقدس، وبالذات حول أهم الترميمات والآثار العباسية والفاطمية ومن ثم الاحتلال الصليبي في الأقصى المبارك.

مادة اليوم استثنائية جداً، مختصرة ولكنها تمثل لب هذه الدورة وأهم ما فيها من نقاط، مركزين فيها على كيفية تحرير بيت المقدس الشريف أيام صلاح الدين، وهل صلاح الدين هو وحده الذي فتح القدس؟؟ أم أنه كان عبارة عن رمز لذلك الجيل واستمراراً لعقود من العمل المضني والسهر والتعب لتحرير هذا المكان الطاهر؟؟

ولن نأتي على الكثير من تفاصيل الفتح الزنكي والأيوبي، تاركين للطلبة مهمة البحث، فما هذه الدورة إلا مفتاح فقط، نعطيكه لكي تفتح أبواب أمجاد المسجد الأقصى المبارك وعلومه وآثاره وتاريخه، وسنذكر هنا ما يهمنا كباحثين مهتمين بتاريخ المسجد الأقصى المبارك من أحداث وأسماء وأماكن.

وننصح جميع الأخوة والأخوات في هذه الدورة المبسطة بالمبادرة لقراءة – وإن أمكن اقتناء – كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) للقاضي ابن شداد، وهذا القاضي الفاضل عايش الأحداث لحظة بلحظة وعاصرها، وألف بعد ذلك هذا الكتاب الجليل الذي يحكي أخبار (الدولتين) ويقصد بهما الدولة الزنكية، والدولة الأيوبية، ويهتم طبعاً بإبراز كيفية وطريقة تحرير بيت المقدس الشريف على يد السلاطين الثلاثة: عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، رحمهم الله جميعاً. ولذلك ننصح المسلمين جميعاً بالاطلاع على هذا الكتاب الشيق اللطيف، وتجد فيه بإذن الله كل الفائدة.

الدولة الزنكية:

عندما ندرس قضية تحرير البيت المقدس وحيثياتها وكيفيتها بالتفصيل نجد أن تحرير بيت المقدس الشريف لم يبدأ بصلاح الدين الأيوبي أو بأبناء البيت الأيوبي، وإنما كان قد بدأ من البيت الزنكي، الذي أسس دولة آل زنكي في منطقة شمال العراق وامتدت لتشمل الشام ومصر قبل أن يستلم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى الحكم.

وكانت بداية التحرير مع الملك زنكي بن آق سنقر، الملقب بالملك الشهيد عماد الدين زنكي، واسمه الحقيقي هو (زنكي) وإليه تنسب الدولة الزنكية. وفي عهده كانت الشام تموج بالفتن والانقسامات والأحلاف مع الصليبيين، وكانت بعض المدن أحياناً تشكل إمارة لوحدها وتتحالف مع أعداء الأمة في مواجهة جاراتها من الإقطاعات، وما أشبه وضع الأمة في تلك الفترة بوضعها اليوم، عروش وحروب وفتن تعصف بالأمة والمنطقة ومسجدها الأقصى المبارك يغرق وسط الركام ولا مجيب.

وعلى العكس من بلاد الشام التي كانت قد مزقتها الحروب والفتن السياسية، كانت مصر موحدة، ولكنها مفصولة تماماً عن جسد الأمة الإسلامية، تحت حكم الدولة الفاطمية التي ضيعت بيت المقدس من قبل، وزاد هؤلاء فكان لهم (خليفة) مختلف عن خليفة المسلمين في بغداد، الذي كان أمراء بلاد الشام تابعين له اسمياً. وبالتالي فقد كانت مصر كياناً منفصلاً نهائياً عن جسد الأمة الإسلامية تحت حكم خليفة آخر، مفصولة سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وحتى عقدياً.

وفي هذه الفترة تولى عماد الدين زنكي زمام الحكم في دولة صغيرة تقع شمال منطقة الهلال الخصيب (أي منطقة العراق والشام)، وبدأ من هناك العمل الحقيقي الفعلي لتحرير المسجد الأقصى المبارك.

وكانت إستراتيجية التحرير التي رسمها عماد الدين زنكي رحمه الله تعالى واستمر بتنفيذها كما هي من بعده نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، تنقسم إلى ثلاثة مراحل:

1- توحيد الشام.
2- ضم مصر والشام وتوحيدهما.
3- الدخول إلى فلسطين وتحريرها فعلياً.

وأثبتت هذه الإستراتيجية جدواها، على أن أصعب مرحلة في هذه الخطة كانت المرحلة الأولى، مرحلة توحيد الشام، وهي التي استهلكت من عماد الدين كل فترة حكمه، ومن بعده نور الدين زنكي الذي استهلكه هذا الأمر جهداً كبيراً وفترة طويلة من سنين حكمه قبل أن يلتفت إلى مصر.

وكانت خطة عمل عماد الدين زنكي تتميز بإعلان الهدف الكبير لكافة تحركاته وهي: (توحيد البلاد وتحرير بيت المقدس) الأمر الذي استقطب إليه بالطبع جماهير الأمة باستثناء حكامها، الذين حاربوه بكل ضراوة وشراسة بادلها عماد الدين بالمثل كما فعل في بعلبك عندما فتحها وقتل حاميتها من هؤلاء الأمراء.

وإلى جانب حربه مع الأمراء المنقسمين، فقد كان لابد لتأكيد هدفه أن يحارب الصليبيين، وتلك هي الموازنة الضرورية بحيث لا يترك لأعدائه فرصة لتأليب الشعوب عليه بزعم عدم محاربته للصليبيين، ولذلك سار الملك عماد الدين رحمه الله بنفسه وهاجم قلاع وحصون الصليبيين أكثر من مرة، كان أقساها وأخطرها على الإطلاق فتح إمارة (الرها) الصليبية في شمال بلاد الشام، وهذه الإمارة كانت تعد أقوى ****** الصليبيين في الشمال، مما جعل من فتح الرها في الحقيقة أول الانتصارات التاريخية الكبرى على الصليبيين منذ دخولهم أرض المسلمين، وهو الأمر الذي أوجعهم بشدة، وحاولوا استرجاع هذه الإمارة عدة مرات إلا أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وكان هذا الفتح الجليل هو الشرارة التي أشعلت غضب الشعوب المسلمة على حكامها، وثبتت مكانة عماد الدين زنكي رحمه الله في قلوب المسلمين، وبالتالي فقد كان يستقبل في المدن الإسلامية المفتوحة استقبال المحررين الأبطال.

إلا أن المنية عاجلت القائد المسلم حينما استشهد وهو يحاصر قلعة (جعبر) التابعة لأحد الأمراء المسلمين، وكان استشهاده رحمه الله على يد أحد خدمه، حيث قتله وحاول الفرار إلى داخل حامية قلعة جعبر، إلا أنه ألقي القبض عليه، واقتص منه الملك العادل نور الدين زنكي رحمه الله تعالى.

وهو محمود بن زنكي بن آق سنقر، الملقب بالملك العادل نور الدين، وعندما تذكر اسم (نور الدين زنكي) رحمه الله تعالى فإنك تذكر رجلاً من أعظم رجال المسلمين عدلاً وأدباً وحلماً وقوةً وشكيمةً. فقد استلم الحكم على حين غرة بعد استشهاد الملك الشهيد عماد الدين، وكان رحمه الله ما يزال في عنفوان شبابه، فما زاده ذلك إلا قوة وشدة، وقد أدخل هذا الرجل على قلوب أعداء الأمة من الخوف والرهبة الشيء العظيم.

وكان أول ما فعله رحمه الله هو رجوعه عن قلعة جعبر (التي فتحها فيما بعد)، وبدأ بتثبيت حكمه في المنطق المفتوحة، وكان من أشهر الحوادث في بداية حكمه رحمه الله أن الصليبيين ظنواً أنهم يمكن أن يسترجعوا الرها، فحاولوا اقتحامها، إلا أن نور الدين رجع إليه فردهم عنها بأشد مما كان عليه أبوه رحمهما الله.

وانتقل نور الدين بعد تثبيت حكمه في الشمال وخاصة (حلب) وفي الشرق إلى الجنوب مقترباً من القدس، إلا أنه كان حريصاً على عدم الاصطدام بالصليبيين داخل فلسطين نظراً لعدم جاهزيته، فوجه نظره إلى حاضرة الشام: دمشق، التي كانت تعد أحد أهم المدن في الشام وخاصة لقربها من شمال فلسطين والحدود الصليبية، وكان الصليبيون بدورهم بالطبع يحاولون احتلال هذه المدينة الجليلة أكثر من مرة، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً وارتدوا عنها، وكانت لنور الدين رحمه الله.

كان نور الدين يتميز بعدم تقديمه لخيار الحرب قبل المفاوضة والسلم مع أمراء المسلمين، وكان له في ذلك مواقف طيبة في حقن دماء المسلمين أكثر من مرة، ولعل هذا ما فتح له قلوب المسلمين أكثر فأكثر وحتى من بعض حكامهم، وسهل عليه فتح المدن والقلاع والحصون الإسلامية في الشام.

وهكذا استقر الأمر لنور الدين زنكي في الشام وشمال العراق دون منازع أو مخاصم، وبالتالي انتهت المرحلة الأولى من خطة تحرير القدس الشريف، وانتقل الملك العادل رحمه الله إلى المرحلة الثانية، فوجه نظره إلى مصر التي كان الأمر فيها أصعب من الشام، إذ إن الدولة الفاطمية كانت تحكمها منذ مئات السنين، وبالتالي فإن كافة أبناء الشعب المصري كانوا لا يعرفون سوى هذا الحكم الفاطمي الباطني طوال عمرهم ولعدة أجيال.

كما أن طبيعة الحكم الفاطمي الذي ثبت أركانه في تلك الأرض طوال تلك الفترة كانت صعبة الاختراق بسهولة، خاصة مع سيطرة الوزراء على الحكم وبقاء الخليفة الفاطمي اسماً مجرداً من معناه، وكان هذا كافياً ليبقي الملك العادل نور الدين في حالة ترقب للفرصة المناسبة لدخول مصر وإعادتها لحاضرة الخلافة العباسية وجسد الأمة الواحد.

وبنفس الطريقة – مع اختلاف الأسباب بالطبع – فقد لفتت مصر نظر الصليبيين، الذين أدركوا خطة نور الدين، وبدأ السباق بينهم وبينه على الوصول إلى مصر... وهنا جاءت الفرصة المناسبة لتدخل الجيش النوري في مصر عندما استنجد الوزير (شاور) وزير الخليفة الفاطمي العاضد - الذي كان خليفة مريضاً ضعيفاً – بالملك العادل نور الدين على خصومه في الحكم الذين استعانوا بالصليبيين، فأرسل نور الدين جيشاً إلى مصر بقيادة (أسد الدين شيركوه) وابن أخيه (صلاح الدين يوسف بن أيوب) رحمهم الله، فدخل مصر وجعل له فيها موطئاً، وأوقف الزحف الصليبي، إلا أن الوزير شاور ما لبث أن راسل الصليبيين ليستعين بهم على نور الدين..!!! وهكذا تردد الأمر على هذا الرجل بين أن يستعين بنور الدين وبين الصليبيين. إلا أن نور الدين زنكي أكد على تثبيت وجود الجيش الشامي في مصر بأي طريقة، وكانت الفرصة المواتية عندما هاجم الصليبيون مصر من دمياط، فأرسل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين إلى دمياط مع الجيش الشامي، وكان حصار ومعركة دمياط هي الشرارة التي أشعلت سخط الشعب المصري على وزير الملك (شاور) وعلى الخلافة الفاطمية، وهي الحاثة التي رفعت اسم (صلاح الدين) عالياً في مصر، وكانت بداية ظهور صلاح الدين علناً.

ذلك أن حصار دمياط كان فيه الصليبيون قد جمعوا معظم ما لديهم من جنود وسلاح، واجتمع فيها جيوش إمارة القدس مع ******** الصليبية الأخرى وجيوش بيزنطة التي شاركت كحلف مع أمراء الصليبيين، إلا أن الخلاف دب بين الأحزاب الصليبية، وتبين كي كل فريق للآخر، وانفرط عقد الحلف الصليبي وفشلت حملتهم مع ثبات شعب دمياط الأسطوري بقيادة صلاح الدين الأيوبي، الأمر الذي قوى موقع الجيش الشامي في مصر، وأضعف موقف الوزير شاور الذي اعتبره أهل البلاد خائناً، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير محاولته اغتيال رموز الجيش الشامي، مما أعطى أسد الدين وصلاح الدين الفرصة المناسبة لقتله بعد القبض عليه بمباركة الخليفة الفاطمي العاضد، الذي ركب بدوره موجة الأحداث وسار مع التيار، فعين أسد الدين شيركوه وزيراً بدلاً من شاور القتيل. ولكن (مؤتمن الخلافة) "وهو أحد المناصب العليا في الدولة الفاطمية" حاول بدوره مراسلة الصليبيين، فاكتشف الأمر وتم اعتقاله، فثار أعوانه واقتتلوا مع الجيش الشامي، وسرعان ما تم إخماد الفتنة.

وبهذا ثبت الأمر لنور الدين زنكي بيد أسد الدين شيركوه وصلاح الدين في مصر، ولم يبق إلا خلع الخليفة الفاطمي وتوحيد مصر مع جسد الدولة العباسية، إلا أن الأمر تم بالتدريج للأسباب التي ذكرناها سابقاً من حيث خصوصية وضع مصر وقدم الحكم الفاطمي فيها.

ففي البداية تم إضافة اسم نور الدين زنكي إلى الخطبة في صلاة الجمعة بعد اسم الخليفة الفاطمي العاضد. وفي هذه الفترة توفي الوزير أسد الدين شيركوه رحمه الله تعالى. واختار العاضد صلاح الدين الأيوبي ليكون وزيره من بعده.

وهنا أمر نورُ الدين زنكي صلاحَ الدين الأيوبي بخلع العاضد، وذلك بقطع الخطبة عنه وجعلها للخليفة العباسي في بغداد، وهو ما تم لاحقاً دون علم العاضد الذي ما لبث أن توفي، وبذلك انقرضت الدولة الفاطمية، وتم توحيد مصر والشام فعلياً واسمياً، وورد لنور الدين زنكي مرسوم الخليفة العباسي بتسميته (سلطان مصر والشام)، وبهذا تمت المرحلة الثانية من خطة التحرير.

وما لبث نور الدين زنكي أن بدأ بالإعداد للمرحلة الحاسمة والأخيرة من خطة التحرير الجليل، فبدأ بدك حصون الصليبيين وقلاعهم، وكان قد صنع في حلب منبراً بديع الصنعة جميل المنظر لم يوجد في الإسلام مثله لأجل المسجد الأقصى المبارك استعداداً للتحرير الكبير... ولكن قدر الله نافذ، وكانت وفاته رحمه الله تعالى قبل أن يحقق حلمه الكبير، ودفن في دمشق، وقبره موجود فيها ومعروف إلى الآن في البلدة القديمة من دمشق.

الدولة الأيوبية:

بوفاة نور الدين زنكي، ظن الجميع بأن الأمر انتهى أو كاد، وخاصة الصليبيين الذين تنفسوا الصعداء بعد أن كاد رحمه الله يدمر وجودهم في الأرض المقدسة، وزاد الأمر تعقيداً باختلاف أمراء البيت الزنكي على خلافة نور الدين رحمه الله، تحت مسمى الحرص على مصلحة خليفة نور الدين زنكي، ابنه الوحيد الذي كان صغير السن وكان يحتاج قيماً عليه.

وانقسم الناس، وبدأت بوادر الانقسامات والفتن تظهر هنا وهناك، وخاصة بعد أن قام بعض قادة البيت النوري بمهادنة الصليبيين. مما أدى بالغيورين على مصلحة الإسلام أن يستنجدوا بصلاح الدين في مصر، والذي كان صيته قد ذاع كأفضل أمراء نور الدين زنكي، فأسرع بدوره إلى الشام وبدأ بتوحيدها مرة أخرى..!!!! وهو ما أخر تحرير بيت المقدس سنوات طويلة...!!!

وهو رحمه الله، الملك المظفر يوسف بن أيوب، الملقب بالسلطان الناصر صلاح الدين، وكان يلقب في الكتابات التأريخية (صلاح الدنيا والدين) من باب التحبب وزيادة الافتخار به وبصنيعه العظيم.

كان أسلوب صلاح الدين الأيوبي يشبه كثيراً أسلوب نور الدين زنكي في الحكم والولاية والتدبير، فكان يميل إلى حقن دماء المسلمين وعدم خوض الحروب فيما بينهم، إلا ما كان من اضطراره لحرب بعض الأمراء الذين خرجوا على الخط وظنوا أن الأمر انتهى بوفاة نور الدين زنكي، فما لبث رحمه الله أن أعاد توحيد الشام مرة أخرى.

وبهذا أصلح صلاح الدين الخلل، وسد الثغرة التي فتحت بوفاة الملك العادل، وأصلح الفساد الذي حصل، ملتفتاً مرة أخرى لتحرير بيت المقدس، الغاية الأسمى.

ومن هنا بدأ السلطان الناصر رحمه الله تعالى خطة عمله، فبدأ من المناطق المجاورة له، أي بادية الشام، وبدأ يفتح الحصون حصناً بعد آخر، وله في ذلك وقعات معروفة شهيرة ذكرها بالكامل القاضي الفاضل (ابن شداد) في كتاب الروضتين.

وكان السلطان يعتمد في إستراتيجيته الحربية أسلوباً حلزونياً، بمعنى أن يحاصر القدس من كل النواحي فيفتح كل حولها من كافة الجهات ليقطع طرق الوصول والإمدادات ويخنق الصليبيين ويحصرهم فيها فقط.

ولهذا كان من اللازم أن يستدرج الصليبيين إلى وقعة كبرى يكسر فيها شوكتهم ويسهل عليه بعدها المسير إلى المناطق المجاورة للقدس الشريف التي كانت تمثل في تلك الفترة أقوى إمارة صليبية في المنطقة على الإطلاق.

ولذلك تم اختيار منطقة (حطين) القريبة من بحيرة طبرية لتكون مكاناً للمعركة، وتم رسم خطة المعركة، ولاستدراج الصليبيين هاجم حصن طبرية وسبى بعض نساء الحصن ومنهم زوجة (ريموند) القائد الصليبي المحنك، الذي أشار – مع ذلك – بعدم الوقوع في فخ صلاح الدين، إلا أن المعارضة كانت شديدة لرأيه، فتم لصلاح الدين ما أراد، وسار إليه الصليبيون في مكان المعركة الذي اختاره هو وخطط له مسبقاً.

وتعتبر موقعة حطين إحدى المعارك الجليلة في تاريخنا الإسلامي، وصفحةً ناصعةً من صفحات هذه الأمة الخالدة، حيث كانت هذه المعركة العظيمة بمثابة جسر للعبور عليه إلى القدس الشريف، فبعد انتصار المسلمين فيها وفرار الصليبيين، انطلق بعضهم إلى أوروبا، وانحاز البعض الآخر إلى القدس ليحتمي بأقوى إمارة وأمنع حصن للصليبيين في المنطقة كلها. وسقطت المدن في طريق صلاح الدين تباعاً... فقد صار بعد حطين إلى نابلس والساحل كله، ومن ثم افتتح مدينة الرملة، وبعدها نزل إلى عسقلان ليجتمع له كامل عدته من الجيش وخاصة المجاهدين المصريين والمغاربة ومن معهم، وما إن اكتملت العدة حتى انطلق بهم إلى القدس الشريف، فوصلها من جهة الغرب في الخامس عشر من شهر رجب الكريم، وبدأ بحصار القدس، ودافع الصليبيون بدورهم بأشد ما يكون القتال، وقد اجتمع لهم فيها ألوف من الجنود، ودام الحصار والقتال 12 يوماً، حين نقب جنود السلطان السور من الزاوية الشمالية الشرقية، وأحرقوه مما تسبب في انهيار جزء من الجدار، فبادر (باليان) قائد الحامية الصليبية في المدينة إلى طلب الصلح، فوافق السلطان رحمه الله، وفتحت المدينة في يوم السابع والعشرين من شهر رجب الكريم، الموافق لذكرى ليلة الإسراء والمعراج الجليلة، لتكون تذكرة وخيراً من الله تعالى لهذه الأمة المسلمة.

وصلى السلطان رحمه الله صلاة الجمعة الأولى بعد الفتح في مسجد قبة الصخرة المشرفة، وطهر الأقصى وأزال ما أحدثه الصليبيون بالجامع القبلي وقبة الصخرة وغيرها من الأماكن في الأقصى المبارك، وأعاد للمسجد روعته وبهاءه، بعد ما يقرب من مائة عام من الظلم والقهر والجبروت، ثم تم استقدام رمز النصر، منبر نور الدين زنكي الذي صنع في حلب، إلى المسجد الأقصى المبارك، فنصب فيه، وبقي إلى أن أحرقته يد (دينيس مايكل روهان) اليهودي المجرم في 21/8/1969م.

ومن الآثار الجليلة الباقية لتلك الفترة الذهبية الكتابة الأثرية التأريخية لتجديد محراب الجامع القبلي وعمارة المسجد الأقصى المبارك والموجودة إلى اليوم فوق محراب الجامع القبلي بالفسيفساء المذهبة وهذا نصها:

(بسم الله الرحم الرحيم، أمر بتجديد هذا المحراب المقدس، وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس، عبدالله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، عندما فتحه الله على يديه في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهو يسأل الله إيزاعَه شكرَ هذه النعمة، وإجزال حظه من المغفرة والرحمة)

وما إن أتم السلطان رحمه الله فتح المسجد والمدينة المقدسة، حتى بدأ بإجلاء الصليبيين من الأرض المقدسة كلها، إلا أن أوروبا سرعان ما أمدت جنودها المهزومين في فلسطين بالجيش والأساطيل، وتتابعت حروب السلطان، إلى أن انتهت بتوقيع (صلح الرملة) الذي وقعه مع ملك الإنجليز، وما لبث السلطان أن توفي رحمه الله تعالى في دمشق بعد أن أتم أمانته، ودفن في تلك المدينة الجليلة كما دفن من قبله الملك العادل نور الدين، وقبره معروف إلى اليوم، وقريب من المسجد الأموي.

إلى هنا نتوقف في هذه المحاضرة التي خصصناها لتحرير الأقصى المبارك، وهو المراد والأمنية الغالية، حيث أننا نريد استخلاص العبر من هذه المواقف،والتاريخ مختبر القرآن، وهو يعيد نفسه الآن بنفس الأحداث والأسماء متغيرة.

لذلك نرجو دراسة الأمر مرات ومرات، واستخلاص النتائج، وخطة السلاطين الثلاثة الكرام رحمهم الله تعالى، لتحرير بيت الله المقدَّس.

ونتابع في المحاضرة القادمة بإذن الله تعالى المادة الأثرية للدولة الأيوبية والمملوكية وغيرها بإذن الله رب العالمين، ونسأل الله تعالى أن يمن علينا ويجعلنا قادة الفتح العظيم الجليل القادم بإذنه سبحانه.... اللهم آمين.






































الأسبوع السابع
مقدمة:

تحدثنا في المادة السابقة عن نهاية الاحتلال الصليبي للمدينة المقدسة وتحرير السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لها بعد جهود مضنية من الملك الشهيد عماد الدين زنكي والملك العادل نور الدين زنكي رحمهم الله جميعاً.

ونمر اليوم على تاريخ القدس الشريف منذ تلك الفترة العظيمة، لنمر بالفترة الذهبية للمدينة المقدسة أيام المماليك ومن بعدها الفترة العثمانية لنصل إلى عصر الانحطاط والانحدار الذي أدى إلى وقوع القدس الشريف تحت الاحتلال مرة أخرى، أولاً على يد صليبيي الأمس، البريطانيين، والثانية على يد أخس خلق الله تعالى.... اليهود..!!

العصر الأيوبي فيما بعد السلطان الناصر صلاح الدين:

بعد وفاة السلطان الناصر صلاح الدين دب الخلاف بين قادته على تولي أمور السلطنة كما حصل بعد وفاة الملك العادل نور الدين، وكان لذلك الأمر أكبر الأثر على تردي الأوضاع عموماً، وخاصة فيما يتعلق بمدينة القدس، وذلك على يد (الملك الكامل محمد بن الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر بن أيوب) الذي أعاد القدس إلى الصليبيين..!!!

وكان ذلك حين احتل الصليبيون دمياط، فأخرجهم هذا الرجل منها، ولكنه عاد واستنجد بالملك فريدريك الثاني ملك الألمان على خصومه السياسيين (وهما شقيقاه)، وعرض عليهم احتلال عكا مقابل أن يسلمهم القدس الشريف، وتم ذلك بموجب معاهدة عرفت باسم (معاهدة يافا) يستلم الصليبيون بموجبها القدس ولا يعمرونها، على أن يبقى المسجد الأقصى بيد المسلمين، ولا يعمرها الصليبيون ولا يغيرون سورها، ومدة المعاهدة عشر سنوات..!! وهو ما كان، حيث دخل الصليبيون القدس مرة أخرى وتوج الملك فريدريك ملكاً على القدس...!!!! وراع هذا الفعل الشنيع المسلمين ووقع عليهم كالصاعقة، وكان ذلك عام 626 هـ، وبقي الأمر كذلك في خلافات ونزاعات مرة حتى ما بعد وفاة هذا الرجل، حيث قام الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى صاحب الأردن والكرك بطرد الصليبيين منها عام 637 هـ وذلك بعد انتهاء فترة معاهدة (يافا) ونقضهم لشروطها التي تنص على عدم تجديد وتحصين سور المدينة، فاستبشر المسلمون وهللوا لهذا العمل الجليل، ولكنه ما لبث أن تحالف مع عمه الملك (الصالح إسماعيل) ضد (الملك الصالح نجم الدين) واستنجدا بالصليبيين على الملك الصالح نجم الدين، وبموجب ذلك تم تسليم المدينة للصليبيين مرة أخرى عام 638هـ، مما أدى إلى ثورة عارمة في البلدان الإسلامية ضد هذا العمل الشنبع..!! وكان عاقبة هذا الرجل أن تشرد في آخر عمره ومات متشرداً وضائعاً.

وبقي الأمر كذلك إلى عام 643هـ، حيث قام الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن أبي بكر الملك العادل ابن أيوب أبو الفتوح نجم الدين, الملقب بالملك الصالح نجم الدين أيوب، سلطان مصر، واستعان بأهل مصر وألف جيشاً من المماليك ومن أهالي المنطقة والشام وسار إلى الشام ففتح بيت المقدس في ذلك العام وطرد منها الصليبيين واسترد القدس نهائياً لحوزة المسلمين بعد أن كانت الخلافات قد ضيعتها مرة أخرى بعد فتح السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى. وبهذا بقيت القدس منذ ذلك التاريخ بيد المسلمين حتى ضاعت وسقطت تحت الاحتلال اليهودي الغاشم.

وقد ذكر المؤرخون هذا الفتح الثاني وتناولوه بالكثير من التقدير والإعجاب حتى سماه المؤرخ مجير الدين الحنبلي الفتح (النجمي) نسبة للملك الصالح نجم الدين أيوب، بعد الفتح (الصلاحي) للسلطان صلاح الدين الأيوبي.

والملك الصالح نجم الدين أيوب هو زوج الملكة المعروفة (شجرة الدر)، وقصة وفاته معروفة خلال وقعة (المنصورة) الشهيرة في مصر، والتي كانت من أقسى الهزائم التي حلت بالصليبيين في الشام. وبوفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب تولى ابنه (تورانشاه) الحكم لفترة بسيطة، حيث قتل، وبوفاته عام 648هـ انتهى عصر الدولة الأيوبية، لتقوم من بعدها الدولة المملوكية التي حكمت في فترة تعد أكثر الفترات تميزاً في تاريخ القدس بعد الإسلام.

ومن أهم الآثار الأيوبية في المسجد الأقصى المبارك والتي لا تزال باقية إلى أيامنا الحالية:

1. القبة النحوية: التي أقامها الملك المعظم عيسى في ساحة قبة الصخرة المشرفة، وذلك لتكون مكاناً لتدريس علم النحو في اللغة العربية.

2. الرواق العرضي في مقدمة الجامع القبلي، وهذا الرواق هو الذي ما زلنا نراه إلى أيامنا الحاضرة يزين مدخل الجامع القبلي، وقد بناه الملك المعظم عيسى رحمه الله.

3. المطهرة، أي مكان الوضوء، وباب المطهرة يؤدي إليها، وهي خارج المسجد الأقصى المبارك، ولكنها أيضاً مفصولة عن مدينة القدس، فهي مرتبطة مباشرة بالمسجد الأقصى المبارك، بناها الملك أبو بكر أيوب.

4. إغلاق بعض البوابات في أيام السلطان الناصر صلاح الدين، وهي باب الرحمة، والباب المفرد والمزدوج والثلاثي.

5. تجديد قبة المعراج، التي تعد بشكلها الحالي أيوبية البناء، وهي قديمة، إلا أنها تم ترميمها وإعادة بنائها في الفترة الأيوبية بشكلها الحالي.

- كما أن هناك الكثير من الآثار التي لا يتسع المقام لذكرها في المسجد الأقصى المبارك مثل بعض بوابات المسجد الأقصى المبارك وغيره من الآثار الجليلة.

العصر المملوكي:

يعد العصر المملوكي بحق العصر الذهبي لمدينة القدس الشريف، فقد ازدهرت المدينة المقدسة فيها ازدهاراً قل نظيره، وازداد سكانها، كما ازدهرت الحركة العلمية فيها ازدهاراً كبيراً، وانتشرت المدارس والقباب والمساطب التعليمية في كل مكان، وساد الرخاء في المدينة بشكل عام.

المماليك قوم أحبوا القدس الشريف وأعطوها من وقتهم وجهدهم الكثير، والمدينة التي نراها في أيامنا الحالية معظمها تعود للعصور المملوكي. كما أن الفنون المملوكية في الزخرفة والبناء كانت من أجمل ما مر على المدينة المقدسة أيضاً.

يمتد العصر المملوكي في القدس الشريف منذ عام 648 – 922هـ، أي حوالي 270 عاماً ازدهرت فيها الحركة الثقافية والعمرانية في المدينة المقدسة، ومن أفضل من تكلم وكتب عن هذه المرحلة مجير الدين الحنبلي رحمه الله، وذلك في كتابه المتميز: (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل) وقد عاصر المؤلف الحكم المملوكي في أزهى أوقاته، ووصف القدس في ذلك الزمان بدقة، كما أنه وصف أحداث ذلك العصر سنة بسنة حتى سنة 900هـ أيام الملك الأشرف قايتباي.

وإذا ذكرنا القدس والمماليك فإننا لابد أن نذكر أهم إنجازاتهم في القدس الشريف، فمن أفضل وأحسن إنجازاتهم في المسجد الأقصى المبارك:

- ترميم السلطان محمد بن قلاوون الصالحي رحمه الله للجامع القبلي وقبة الصخرة المشرفة، حيث أضاف إليهما الكثير من الزخارف المملوكية الراقية، ومن أهم تلك الآثار والزخارف الزخارف الجميلة المضافة إلى قبة الصخرة من الداخل، مع الكتابة التأريخية للسلطان صلاح الدين والسلطان محمد بن قلاوون، وأيضاً الزخارف الجميلة داخل قبة الجامع القبلي لنفس السلطان محمد بن قلاوون.

- إضافات السلطان الملك الأشرف قايتباي للمسجد الأقصى المبارك، ومن أهم آثاره في المسجد بناء المدرسة الأشرفية وسبيل قايتباي، وقد وصفت المدرسة الأشرفية بأوصاف عديدة، حتى عدها الكثير من المؤرخين الجوهرة الثالثة في المسجد الأقصى المبارك بعد قبة الصخرة المشرفة والجامع القبلي.

- الأوقاف الكثيرة التي أوقفها سلاطين وحكام المماليك على المسجد الأقصى المبارك، ومنهم مثلاً الأشرف برسباي الذي أوقف قريتي: (العوجا) و(النويعمة) في غور الأردن قرب أريحا على قبة الصخرة المشرفة، وما تزال لوحة الوقف منحوتة قرب الباب الشرقي لقبة الصخرة المشرفة، كما اشتهر المماليك بكثرة مدافنهم في القدس، ومنها مثلاً قبر الست تركان خاتون، وبناء سرايا الست طنشق المظفرية، التي دفنت قربها، وهي الآن مدرسة تسمى (مدرسة دار الأيتام) في القدس الشريف.

وننقل هنا ما ذكره الشيخ ناجح بكيرات في تصنيف أهم أعمال وترميمات المماليك في الأقصى المبارك، فيقول: (( فهذا الملك المنصور سيف الدين قلاوون يستبدل جزءاً من سقف المسجد ، ويجري ابنه الملك الناصر ، محمد بن قلاوون ترميمات واضحة في زخرفة القبّـة ويزين الجدران بالرخام ، وذلك في سنة 728 هـ ـ 1327 م ، وقد خلّو ذلك في نقش دائري موجود في ا لقبّـة من الدّاخل جاء فيه
" بسم الله الرحمن الرحيم ، جدّدت هذه القّـة المباركة في أيّام مولانا السلطان الملك الناصر العادل المجاهد المرابط المثاغر المؤيّد المنصور ، قاهر الخوارج والمتمردين محي العدل في العالمين ، سلطان الإسلام والمسلمين ، ناصر الدنيا والدين ، محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور قلاوون الصالح تغمّده الله برحمته في شهور سنة ثمان وعشرين وسبعمائة"

ثمّ يتسلّم الراية الملك الكامل سيف الدين شعبان، ثمّ الملك الناصر، ناصر الدين حسن، ثمّ الملك الأشرف سيف الدين إينال، وهذا السلطان هو الذي قام بوضع المصحف الشريف الضخم في المسجد الأقصى، وقام بترتيب القراءة، ورتّب لذلك قارئاً وأوقف عليه أوقافاً.

وإنّنـا لنجد هؤلاء الأبطال قد رمّمـوا معظم نواحي المسجد فقد قاموا بإصلاح أقواس الرواق الشمالي وجدّدوا الشّرفات العلويّة وأصلحوا القبّـة من الدّاخل والخارج، وكسوا سطح المسجد والقبّـة بالرّصاص وفي نهاية عصرهم قام الأشرف قانصوة الغوري 906ـ 922 هـ (1501ـ 1516 م ) بأعمال إصلاحيّة كثيرة حيث أحكم تصفيح سطح المسجد وقبته بالرصاص و بيّض الجدران ،ودهنت الأبواب ،ورممت الأعمدة والواجهات ،واعتقد أنّ المسجد الحالي هو نفس المسجد الذي تركه لنا المماليك وخير شاهد على ذلك المؤرخ مجير الدين العليمي (1496م) فقد كان المسجد في زمانه يشبه إلى حد كبير المسجد الحالي)) انتهى كلام الأستاذ الشيخ ناجح بكيرات.

وللمماليك أيضاً في الأقصى المبارك إلى الآن العديد من الآثار نذكر منها:

1- باب القطانين (وهناك بعض الأبواب الأخرى، ولكن هذا الباب هو أجملها وأتقنها بناءً، بناه بشكله الحالي السلطان محمد بن قلاوون).
2- سبيل قايتباي، وهو أجمل سبل المسجد الأقصى المبارك على الإطلاق، أمر ببنائه بشكله الحالي السلطان الملك الأشرف قايتباي، وتم تجديده في العصر العثماني ولكنه بقي بنفس شكله الأصلي إلى هذا اليوم.
3- الرواق الغربي للمسجد الأقصى المبارك، بني بشكله الحالي على أيدي عدة ملوك من المماليك.
4- المدارس التي انتشرت بغزارة في محيط المسجد والمدينة المقدسة وما تزال إلى اليوم.
5- وهناك الكثير غيرها من الآثار التي لا يتسع المجال لذكرها.

وهكذا فإننا نرى الحركة العمرانية توسعت بشكل كبير في أيام المماليك في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، وبقيت كذلك إلى فترة الضعف التي بدأت تعتري الدولة المملوكية بعد وفاة السلطان الملك الأشرف قايتباي، حتى عام 922هـ، عندما سلمت القدس قيادتها للسلطان سليم العثماني مع أخواتها من مدن الشام، وبالتالي بدأ عصر جديد في المدينة المقدسة هو العصر العثماني.

العصر العثماني:

بدأ العصر العثماني في القدس قبل أن تنقرض الدولة المملوكية، فالقدس كانت من المدن الأولى في الشام التي حكمها العثمانيون عند وصولهم إلى المنطقة.

وتميز العصر العثماني باستمرار حركة البناء النشيطة في القدس الشريف، كما تميز بظهور أنواع من التطور الاجتماعي والفني العثماني وانتشارها بكثرة في المدينة، مثل الانتشار الكبير للتكايا في المدينة على سبيل المثال ومن أشهرها: تكية (خاصكي سلطان) التي أوقفتها (روكسيلانة) زوجة السلطان سليمان رحمه الله للفقراء، كما انتشر الطراز العثماني في البناء في القدس وخاصة في مجال بناء المساجد.

ومن أشهر الأحداث والسلاطين في العصر العثماني:

1- السـّلطان سـليمان القانوني ( 969 هـ / 1561 م ) الذي رمّم معظم المسجد وخاصّة الجهة الجنوبيّة منه، كما قام السلطان رحمه الله بتجديد بناء سور المدينة المقدسة وهو السور الذي ما زال ظاهراً إلى الآن، كما قام رحمه الله بإزالة الفسيفساء من الجدار الخارجي لقبة الصخرة المشرفة واستبدل بها البلاط القاشاني الأزرق الذي لازلنا نراه إلى اليوم.

2- وبعد ذلك أكمل العمل السّلطان محمود الثّاني 1223هـ / 1817م والسّلطان عبد المجيد وعبد العزيز رحمهم الله.

3- ثمّ جـاء في نهاية الدولة العثمانية الدّور الجليل المعروف للسّلطان عبد الحميد الثّاني 1293ـ 1876م والذي رفض (كما يعرف الجميع) تسليم المدينة والأرض المقدسة لليهود أو السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، كما أن من آثاره الجليلة في الأقصى المبارك ما عمله في قبة الصخرة المشرفة، حيث ذكر أنه كان أوّل مـن أعلن عن مسابقة خطيّة في الخط العربي فدعا الخطاطين للاشتراك في تقديم نماذج من خطوطهم ، واختار منهم اثنين هما: (محمد شفيق)، وهذا الخطّاط هو الذي كتب سورة (يس)، قلب القرآن الكريم، حول قبة الصخرة المشرفة بالخطّ الثلث، كما اختار (عبد الله الزهري) الذي قام بكتابة السورة نفسها في المسـجد الحرام والمسـجد النبوي.

ومن أهم الآثار العثمانية في المسجد الأقصى المبارك:

1- القباب العثمانية، ومنها قبة الخضر وقبة النبي والأرواح وغيرها.
2- مئذنة باب الأسباط الأسطوانية المستديرة.
3- الخلاوي العثمانية التي تنتشر في ساحة الصخرة المشرفة، والخلاوي جمع (خلوة) وهي أماكن كانت تبنى خصوصاً لبعض العلماء والزهاد لينقطعوا فيها ويختلوا بأنفسهم للعبادة والدراسة والتفكر.
4- كما يوجد في المسجد العديد من الآثار العثمانية الأخرى التي لا يتسع المقام لها ضمن هذه الدورة المبسطة.

وبقي الأمر في القدس الشريف كما هو حتى بداية الانحدار في الدولة العثمانية، الأمر الذي أثر سلباً بالطبع على الحركة العلمية في القدس الشريف كما أثر على باقي أنحاء الدولة.

الاحتلال البريطاني ودور المجلس الإسلامي الأعلى:

وهكذا شاء الله تعالى لهذه المدينة المقدسة أن تقع في الظلام مرة أخرى على يد البريطانيين، الذين دخلوا المدينة المقدسة محتلين عام 1917م، وذلك بقيادة الجنرال (ألنبي) الذي من العجيب ما ذكر عنه عند دخول المدينة المقدسة محتلاً غازياً، ومذكراً بالهدف الأساسي لحربه.. فقد قال مقولته الشهيرة: (الآن انتهت الحروب الصليبية).

إلا أن نور الخير الباقي في هذه الأمة لا يزال يضيء ولو في أشد حلكات الظلام، ففي هذا العصر (عصر الاحتلال البريطاني) قام في القدس (المجلس الإسلامي الأعلى) بقيادة الحاج (أمين الحسيني) رحمه الله تعالى، ومن أروع أعمال المجلس الإسلامي الأعلى التي ذكرها الكثير من المؤرخون بماء من ذهب (وننقل هنا عن الأستاذ ناجح بكيرات في "دموع على أعمدة الأقصى"): ((أنّه (أي المجلس الإسلامي الأعلى) حينما رأى الخراب في المسجد بحيث أنّ الأعمدة انحرفت عن موقعها الأصلي ، حتّى أنّ القبّة التي هي أنفس شئ في المسجد لم يعد إصلاحها سهلاً ، وفوراً طلب من الأستاذ الشّهير المرحوم كمال الدّين بك أن يتولّى عمارة المسجد الأقصى، فلبّى الطّلب وقدم من الأستانة في عام 1923، وقام الأستاذ كمال بتأليف لجنة من المهندسين ووضعت التصميمات الدّقيقة لترميم الأقصى وتدعيم القبّة التي أصابها التلف بشكل واضح، وتجديد نوافذ الجبس الملوّنة، وقد جمع لهذا العمل 94952 جنيهاً 141ملّيماً من أنحاء العالم العربي والإسلامي، وقد نجح المجلس الإسلامي بتنفيذ مشروعه الضّخم، وبينما كان المجلس جادّاً في تنفيذ برنامجه بالعمارة والإصلاح والتجديد وإذ بالدّموع ثانية تصيب فلسطين والأقصى فكان زلزال عام 1927وذلك بعد إنجاز العمل بقليل، حيث قدّر الخبيرون وأهل الفنّ بأنّ الزلزال لو سبق عمارته لانهار جميعه وأصبح الأقصى أثراً بعد عين لا سمح الله، وما هي الاّ سنوات عجاف واضطراب وزلازل أخرى ضربت المنطقة فتصدّع المسجد وبدأ المجلس بأصلاحه سنة 1938 وانتهى سنة 1943م.

وبعد هذه الفترة يقوم المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس الشريف بتعميرات بدأت منذ عام 1938 وانتهت 1943م، وقد كتب عن هذه الفترة العديد من التّقارير والكتب، وكان من أشهر الذين أرّخوا لهذه الفترة الأسـتاذ عارف العارف حيث ذكر في كتابه قوله " وتلخصت أعمال الترميم بهذا الرّواق الشّرقي وإعادة بنائه من جديد")) انتهى كلام الأستاذ الشيخ ناجح.

الحكم والترميم الأردني:

وهنا بدأت بوادر احتلال جديد وغزو آخر من نوع مختلف..!! غزو كغزو الجراد الذي يدمر التاريخ والحضارة، هو غزو أخس خلق الله على الإطلاق، اليهود، الذين مهد لهم البريطانيون أفضل وأحسن تمهيد لاحتلال المدينة المقدسة، حتى سلموهم البلاد والعباد عام 1948م، وانتهى فيها الاحتلال إلى أسوار القدس الشريف، التي شاء الله أن يقيض لها رجالاً يذكرهم التاريخ بعزة وشموخ، ومنهم القائد (عبدالله التل) رحمه الله، الذي استسلمت على يديه الحامية اليهودية التي كانت في البلدة القديمة للقدس، والتي انهزمت شر هزيمة على يديه رحمه الله برغم قلة الموارد والإمكانيات، ووقع قائدها موشيه روزنك اتفاق استسلام مع القائد عبدالله التل كان هذا نصه:

الفريق الأول: وكيل القائد عبد الله التل.
الفريق الثاني: قائد الهاجناه في القدس القديمة موشيه روزنك.

بناء على الطلب المقدم من يهود القدس القديمة للاستسلام قدم الفريق الأول الشروط فقبلها الفريق الثاني وهي:

1- إلقاء السلاح وتسليمه للفريق الأول.
2- أخذ جميع المحاربين من الرجال أسرى حرب.
3- السماح للشيوخ من الرجال والنساء والأطفال ومن كانت جراحهم خطيرة، بالخروج إلى الأحياء اليهودية في القدس الجديدة بواسطة الصليب الأحمر.
4- يتعهد الفريق الأول بحماية أرواح جميع اليهود المستسلمين.
5- يحتل الجيش العربي الأحياء اليهودية في القدس القديمة.
28/5/1948م
الفريق الأول: عبد الله التل
الفريق الثاني: موشيه روزنك

وبذلك تم تسليم القسم الشرقي من القدس بعد سقوط القسم الغربي (عقب استشهاد القائد عبد القادر الحسيني رحمه الله) للجنود الأردنيين، وتم ضم المدينة المقدسة إلى شرق الأردن ليبدأ فيها الحكم الأردني الذي استمر منذ عام 1948م – 1967م، أي لمدة 19 سنة أوقف الله اليهود خلالها على أسوار المدينة المقدسة، وكان هناك عدة ترميمات هاشمية في المسجد الأقصى المبارك خلال تلك الفترة، وهو ما حمى المسجد الأقصى المبارك بعد ذلك – بحمد الله – من الكثير من الأخطار وبخاصة أخطار الحفريات من أن تهدده طوال الفترة الماضية والحمد لله رب العالمين.

الاحتلال اليهودي الغاشم:

في وقت اشتدت فيه الخطوب والمحن.. ضاعت من الأمة ذاكرتها في لحظة من الزمان.. فضاعت القدس.. وأذن الله بأن تبدأ الأمة امتحاناً شديداً لاسترداد البيت المقدس مرة أخرى كما كان الامتحان الأول أيام الصليبيين، ولكنه هذه المرة أشد وأقسى وأصعب، فالمرارة كبيرة والذل صعب، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

دخل اليهود المدينة المقدسة يوم 7/6/1967م، وكانوا بزعامة قائدهم موشيه دايان وزير الدفاع الإسرائيلي يومها، وأحد كبار قادته: إسحق رابين، وعندما دخل اليهود منطقة المسجد الأقصى المبارك كانوا يتصايحون: (جبل المعبد بأيدينا) ومما نقل عنهم في الإذاعة العبرية أن بعضهم قام ونفخ في المزمار اليهودي في المسجد الأقصى المبارك إيذاناً بـ(عودة) اليهود إلى القدس، وإيذاناً باحتلال المدينة المقدسة والبقعة الأغلى، بل إنهم قاموا برفع علمهم فوق قبة الصخرة المشرفة، وبقي الأقصى مغلقاً لهؤلاء أياماً، حتى قامت قوات الاحتلال اليهودي بتسليم المسجد إلى الأوقاف الإسلامية الأردنية مرة أخرى خوفاً من ردة الفعل الإسلامية، وعملاً بنصيحة الحاخام: ( زيرح فارحارتك ) وزير الأديان الإسرائيلي آنذاك لأسباب تتعلق بالعقيدة اليهودية.

وخلال فترة الاحتلال اليهودي الغادر للمدينة المقدسة تعرض المسجد الأقصى المبارك لأبشع أشكال الإهانة والعذاب والاعتداءات، لعل أبشعها كانت المجازر الثلاثة التي ارتكبها اليهود على أرضه الطاهرة، ففي مجزرة الأقصى الأولى بتاريخ 8/10/1990م سقط 17 شهيداً في أروقة المسجد، وخلال المجزرة الثانية التي تسمى معركة النفق بتاريخ 24/9/1996م سقط في الأقصى المبارك 3 شهداء، وارتفع العدد خلال مجزرة الأقصى الثالثة بتاريخ 29/9/2000م ليسقط 5 شهداء على الأرض الطاهرة المقدسة.

ولا تعد هذه المجازر هي الوحيدة في أرض الأقصى المبارك، فقد هاجم اليهود المسجد واعتدوا على المصلين أكثر من مرة مثل اعتداء (ألان جودمان) على قبة الصخرة المشرفة، والذي خلف شهيدين أحدهما من حراس المسجد الأقصى المبارك، وكان ذلك يوم 11/4/1982م، واكتشفت مئات المحاولات لتدمير المسجد وتدنيسه.

ولعل أحد أهم الأحداث المؤلمة التي مرت على المسجد الأقصى المبارك جريمة الحريق المشؤوم يوم 21/8/1969م والتي ارتكبها اليهودي الأسترالي (دينيس مايكل روهان)، والتي أتت على رمز النصر والعزة الإسلامية، منبر نور الدين محمود زنكي رحمه الله تعالى.

ولا يتوقف الأمر عند الحفريات التي تجريها سلطات الاحتلال الباغية في محيط وتحت أسوار المسجد الأقصى المبارك بالكامل، فالحفريات لا تقع (كما يتخيل البعض) تحت الجامع القبلي فقط، بل إنها تمتد في مكان تحت كال مساحة المسجد الأقصى المبارك وتحت كامل أسواره الجليلة في محاولة لمسح معالمه بالكامل عن وجه الأرض إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

الترميمات في عصر الاحتلال اليهودي:

استمرت الترميمات – رغم صعوبتها الشديدة – في المسجد الأقصى المبارك رغم الأحداث المتعاقبة والاعتداءات المتوالية من الظالمين على المنطقة المقدسة، وكانت هذه الترميمات والتصليحات والتطويرات تتم على يد أبناء مدينة القدس الشريف وبعض الجمعيات واللجان الخيرية تارة، وبيد بعض الحكومات العربية والإسلامية تارة أخرى.

ومن أهم التطورات التي طرأت على المسجد الأقصى المبارك من حيث الترميم:

- ترميم المسجد الأقصى المبارك من آثار الدمار وترميم الجامع القبلي من آثار الحريق الآثم عام 1969م، وكان ذلك على يد الأوقاف والحكومة الأردنية.

- ترميم قبة الصخرة المشرفة وتغيير كسوتها المذهبة وفرشها بالسجاد الفاخر على يد الملك الراحل الحسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية، وتم ذلك عام 1995م.


- ترميم المصلى المرواني وافتتاحه للصلاة رسمياً لأول مرة في التاريخ، وذلك على يد كل من مؤسسة الأقصى في مدينة أم الفحم (وتسمى أيضاً أم النور) في داخل الخط الأخضر، ولجنة التراث الإسلامي في القدس، ودائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس الشريف، وتم ذلك عام 1996م، ثم تبرعت حكومة مصر بفرش المصلى المرواني.

- ترميم وافتتاح الممر الأموي تحت الجامع القبلي، والذي يسمى (الأقصى القديم) عام 1999م على يد نفس الجهات التي ذكرناها سابقاً، وتم فرش هذا المكان على يد بعض المحسنين من تركيا.

- فرش الجامع القبلي وإصلاح أرضيته بالتعاون بين نفس الجهات الثلاثة، وكان ذلك عام 2000م وتم على نفقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أمير الشارقة.

- افتتاح البوابات المروانية العملاقة التي كانت مطمورة تحت الأرض في المنطقة الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى المبارك، وعمل ساحة حديثة جميلة البناء سميت (الساحة الشرقية) وذلك على يد نفس الجهات، وتمت إضاءة المكان على نفقة دولة ******** العربية المتحدة ممثلة بهيئة الهلال الأحمر.

وهكذا نرى أن أهم الترميمات والتصليحات في المسجد الأقصى المبارك لا تتم إلا بتضافر جهود المسلمين واجتماع كلمتهم، وفي ذلك عبرة وآية على الطريق.. لعل المؤمنين يجمعون كلمتهم ويقومون للمهمة العظمى والغاية الأسمى، تحرير البيت المقدس.

إلى هنا نتوقف في دراسة تاريخ المدينة المقدسة، حيث يتوقف الأمر لدينا عند احتلال المدينة المقدسة على يد أخس خلق الله، بانتظار الجيل القادم بإذن الله تعالى لتحريرها من براثن الظالمين.

ولعلك تجد في هذه الأسطر اختصاراً قد تظنه كبيراً، وإنما تركنا الكثير من الأحداث والخطوب، لأجل الاختصار في المادة المبسطة لهذه الدورة، ولكي لا نخرج عن المادة العلمية التاريخية الخاصة، ولعل الأمر يحتاج إلى مجلدات لشرح ما حدث في الأقصى منذ تلك اللحظة إلى الآن، ولذلك فإننا نترك لك المجال لتبحث وتنقب عن أحداث الأقصى المبارك، ولعل الله تعالى ييسر التوسع في هذا الأمر بإذنه تعالى في مجال آخر، ونتوقف هنا لننتقل إلى القسم الأخير من دورة علوم المسجد الأقصى المبارك، وهو (الأقصى عند غير المسلمين) في المادة القادمة بإذن الله سبحانه.




























الأسبوع الثامن
مقدمة:

أنهينا في المحاضرة السابقة الحديث عن المحور الثالث من محاور علوم المسجد الأقصى المبارك، محور التاريخ.

ونتحدث اليوم عن المحور الرابع والأخير في دورتنا المبسطة وهو محور (الأقصى عند غير المسلمين)، حيث نتعرف على حقيقة نظرة اليهود والنصارى في أيامنا الحالية للأقصى المبارك ولمدينة القدس وأهميتها في عقيدتهم.

ولا يفوتنا التنبيه هنا إلى أننا ننقل في هذه الحلقة نقلاً عن اليهود والنصارى وصفهم للمسجد وعقيدتهم فيه، ولا يعني ذكرنا مبادئ عقيدتهم هنا أننا نوافقهم في هذه العقيدة أو النظرة، بل إننا نؤمن كمسلمين أن الأمة الإسلامية الخاتمة هي وارثة الحضارات والديانات، وهي الأمة التي تحمل الدين الحق ومشعل الهداية للبشرية، وقد قال تعالى: ((ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المسلمين)) / آل عمران 67. ولكن من المهم لنا كمسلمين باحثين مهتمين بالمسجد الأقصى المبارك وعلومه أن نكون على إحاطة تامة بحقيقة نظرة غيرنا إليه، وذلك مقدمة طبيعية لا غنى عنها للفهم الصحيح لطبيعة الصراع على هذا المكان المقدس، وسنبدأ بالحديث عن نظرة اليهود للمسجد وللمدينة المقدسة بشكل وعقيدتهم فيها وفي المعبد المقدس، ثم نبسط الحديث عن النصارى وعقيدتهم في المسجد الأقصى المبارك.

اليهود والقدس:

يعتبر اليهود أنفسهم المالكين الوارثين لمدينة القدس باعتبارها أقدس البقاع على وجه الأرض في نظرهم، ويعتبرونها عاصمة ملكهم إلى الأبد، باعتبار أن المسيرة الأولى التي بدأها موسى عليه الصلاة والسلام ببني إسرائيل كانت باتجاه القدس كعاصمة بدليل أن داود حين دخلها اتخذها عاصمة ملكه، وهم يرجعون نسبهم الأول إلى القدس إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن بعده إسحق ويعقوب عليهما الصلاة والسلام، حيث يعتقدون أن إبراهيم عليه السلام عندما دخل الأرض المقدسة بعد خروجه من العراق وبعد دخوله القدس ولقائه ملكها اليبوسي المعروف (ملكي صادق)، وقد ذكرت التوراة نص هذا العهد (في نظرهم) فقالت: (في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام "إبراهيم" عهداً قال: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات، وهي أرض القينيين والقنزيين والقدوميين والحثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين) التكوين 15: 18-21. ونلاحظ ذكر القدس صراحة في هذا النص في آخر الأراضي المزعومة بذلك العهد، وهي أرض اليبوسيين..!!! والملاحظ أيضاً أن هذا النص جاء مباشرة قبل الحديث في التوراة عن ولادة إسماعيل عليه السلام، (الذي ولد قبل إسحق عليه السلام بفترة طويلة)، ومع ذلك فإن اليهود يسقطون هذا النص على أبناء إسحق عليه السلام من دون إسماعيل عليه السلام..!!! مع أن المفروض – جدلاً – أن المولود الأول يكون هو النسل الأول الذي ينطبق عليه هذا الوعد المزعوم..!! ومن الواضح أن مغالطات التوراة في هذه الناحية كثيرة..!!

ومن هنا تبدأ علاقة اليهود الدينية بأرض القدس مع أنها آخر الأراضي ذكراً في ذلك الوعد، ومع أنها أصلاً لم تكن لليهود ولم يسكنها إبراهيم عليه السلام، وإنما سكن وتوفي في (حبرون) كما تقول التوراة (وهي مدينة الخليل اليوم). وأما دخول القدس وتسميتها عاصمة للشعب اليهودي فقد جاءت متأخرة جداً كما سيتبين معنا بعد قليل، وكانت على يد داود عليه السلام.

فبينما الحديث عن علاقة اليهود (بالوعد المزعوم) بالقدس كان في سفر التكوين، فإن دخول القدس على يد داود عليه السلام أتى الحديث عنه في سفر صموئيل الثاني، الإصحاح 5، وبين ذلك لم يتم ذكر القدس إلا قليلاً.

ومن المهم أن نعرف أن القصة التي تناقلها الكثير من المؤرخين المسلمين حول علاقة سيدنا يعقوب عليه السلام بمدينة القدس في التوراة غير دقيقة، وتروي القصة التي تناقلها للأسف الكثير من المؤرخين المسلمين نقلاً عن التوراة وأسسوا عليها علاقة يعقوب عليه السلام بالقدس بأنه رأى سلماً من النور إلى السماء والملائكة تصعد وتهبط عليه عندما فر من أخيه (عيسو) كما ذكرت التوراة (انظر سفر التكوين 18: 10-22)، ولكن الواضح من سياق الكلام في التوراة أن الحديث ليس عن القدس..!!! لأن التوراة تذكر أن يعقوب عليه السلام (سمى ذلك الموضع بيت إيل، وكانت المدينة من قبل تسمى لَوز) والقدس في تلك الأيام (وحتى قبل يعقوب عليه السلام كما تذكر التوراة نفسها) كانت تسمى (أورشليم) وليست لوز، فالتوراة تسمي القدس باسمها (أورشليم) عندما تتحدث عن لقاء إبراهيم عليه السلام مع ملكي صادق، كما أن اليهود في أيامنا الحالية أيضاً يعتبرون أن (بيت إيل) المذكورة في التوراة ليست هي القدس وإنما هي مدينة (رام الله) فمعنى كلمة (بيت إيل) في العبرية (بيت الله) وكلمة (رام الله) هي كلمة آرامية الأصل، وكلمة (رام) في اللغة الآرامية تعني (بيت الرب) ولذلك فإن معنى اسمها الأصلي أيضاً (بيت الله) ولذلك فإن المستعمرة الإسرائيلية الملاصقة لرام الله اليوم من الجهة الشمالية تسمى (بيت إيل)، كذلك فإن اسم (مريم) على سبيل المثال يعني باللغة الآرامية (خادمة بيت الرب).

إذن فالقدس تكاد لا تذكر في التوراة بين إبراهيم عليه السلام وداود عليه السلام إلا قليلاً جداً، وبالنسبة لداود عليه السلام فإن التوراة تذكر أنه دخل القدس فاتحاً بعد فترة طويلة من دخول اليهود إلى الأرض المقدسة، وقبل ذلك تذكر التوراة أنه كان يحكم في حبرون، وبالتالي فإن علاقة اليهود مع مدينة الخليل يعدونها في عقيدتهم قوية جداً وأقدم من علاقتهم بالقدس، لأن مدينة الخليل أو (حبرون) هي مدفن إبراهيم عليه السلام وهي ملك داود عليه السلام قبل احتلال القدس (وهو ما يفسر لنا إصرار اليهود اليوم على الوجود في الخليل بالذات دون أي منطقة أخرى في الضفة ومهما كان الثمن).

ويأتي دخول مدينة (أورشليم) عند اليهود في التوراة في فترة متأخرة من دخولهم الأرض المقدسة..!! وذلك على يد (داود) عليه السلام، الذي لا يعترف اليهود بنبوته لا هو ولا ابنه سليمان عليهما السلام، بل يعترفون فقط بأنهما مجرد ملكين عظيمين من ملوك اليهود وليسا من الأنبياء..!! وفي الحقيقة فإن هذا المنطق يثير الكثير من التساؤلات في قضية علاقة اليهود بما يسمى (المعبد) الذي تزعم التوراة أن بانيه هو (الملك سليمان) والذي هو في نظرها ليس نبياً..!!! إذن فعلاقة اليهود بالقدس مستحدثة عموماً، وليست راسخة قديمة، ويأتي ذلك بعد حوالي 403 سنوات من دخولهم الأرض المقدسة، وبيان ذلك:

أن التوراة تذكر أن سليمان عليه السلام بدأ ببناء العبد المقدس (الهيكل) في بداية ملكه وفي السنة الرابعة، وتذكر أن داود عليه السلام الذي ملك القدس قد حكم أربعين سنة منها ثلاث وثلاثون سنة في القدس وسبعة قبلها في حبرون (الخليل)، فيكون مجموع السنوات منذ دخول القدس إلى بناء المعبد المقدس سبعاً وثلاثين سنة، وإذا علمنا أن التوراة تذكر (في سفر الملوك الأول كما سيتبين في البند التالي) أن البدء في بناء المعبد المقدس (الهيكل) كان في السنة الأربعمائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، وإذا علمنا أيضاً أن مدة التيه لبني إسرائيل قبل دخولهم الأرض المقدسة كانت أربعين عاماً، فبحسبة بسيطة نجد:

480منذ الخروج – 40 التيه = 440 – 37 حكم داود إلى بناء المعبد = 403 سنوات منذ دخول الأرض المقدسة حسب رواية التوراة، انظر المخطط التالي:

40 403 سنوات 33 4






المدة كاملة:

ولا شك أن هذه الفترة طويلة جداً (إن صحت رواية التوراة المحرفة) بشكل كافٍ للحكم على علاقة اليهود الضعيفة بالقدس الشريف حتى عند كونهم الأمة المسلمة في الأرض، وحتى عند كون خروج موسى عليه السلام بهم من مصر لتحرير الأرض المقدسة كأحد أهم الأسباب الهامة لرسالته عليه السلام كما ذكرنا في محاضرة سابقة، فإنهم تأخروا في دخول القدس حسب روايتهم هم أكثر من أربعمائة عام..!!! فأين كانت القدس في قلوب اليهود كما يزعمون؟؟؟

ماذا بالنسبة للأقصى؟؟

ربما يفاجأ الكثير حين نذكر لهم أنه لا يوجد لدى اليهود في عقيدتهم ولغتهم شيء اسمه (هيكل)..!! ولا يعرفون هذه الكلمة، وإنما هم يؤمنون بشيء اسمه (بيت هاميكداش) وباللغة العبرية تكتب: (בית המקדש) ومعنى هذه الكلمة الحرفي هو: (بيت المَقدِس)..!!!!!!! وهو الاسم المعروف لدينا في الشريعة الإسلامية وفي أحاديث النبي عليه السلام لوصف المسجد الأقصى المبارك..!!

وأما كلمة (هيكل) فقد جاءت عن طريق الترجمة من اللغة الإنجليزية، حيث أن اللغة الإنجليزية لم تستطيع أن تترجم كلمة (בית המקדש) العبرية حرفياً فترجمتها إلى (TEMPLE) أي (معبد)، ولكنها نقلت إلى اللغة العربية بنص (هيكل) لأنه أقرب معنى تدل عليه كلمة Temple، وهكذا دخلت كلمة (الهيكل) إلى لغتنا..!! وهو خطأ في الاستدلال واستقصاء المعلومة، وهنا أحب أن أنبه إلى أهمية أنه يجب علينا كمسلمين مستقصيين للحقيقة الموضوعية أن ننقل المعلومة دائماً من المصدر الأصلي لها، ولم ولن نعجز عن ذلك بإذن الله رب العالمين، ولذلك فإننا نميل إلى استخدام كلمة (معبد) أكثر من كلمة (هيكل)، ولكننا لا نرى من الخطأ ذكر كلمة (هيكل) بالطبع بصفته تعبيراً ساد وانتشر استخدامه، وإنما نبحث دائماً عن الأصوب والأصح علمياً، وهو الأصل في الباحث في أي من العلوم لا سيما علوم المسجد الأقصى المبارك.

اقرأ النص التالي لتعريف أصل كلمة Temple ، ومصدر هذا النص هو موقع خاص بالتعريفات الحقيقية للمصطلحات، وهو موقع Fact Index :

The word Temple is derived not from the Hebrew but from the Latin word for place of worship, templum. The name given in ******ure for the building was Beit Yahweh or "House of Yahweh" (although this name was also often used for other temples, or ****phorically). Because of the prohibition against pronouncing the holy name, the common Hebrew name for the Temple is Beit ha-Mikdash or "The Holy House", and only the Temple in Jerusalem is referred to by this name

الترجمة: (كلمة (هيكل) لم تنقل من اللغة العبرية وإنما من الكلمة اللاتينية Templum التي تعني مكان العبادة، وقد أعطي هذا الاسم في الكتاب المقدس للمبنى الذي كان يسمى "بيت يهوه" (مع أن هذا الاسم كان أيضاً في العادة يطلق على هياكل أخرى مجازياً). وبسبب الحظر على التلفظ بالاسم المقدس، فإن الاسم الشائع للهيكل باللغة العبرية هو "بيت المقدس"، والهيكل الموجود في القدس فقط هو الذي يسمى بهذا الاسم) انتهت الترجمة. أي أن الاسم الأصلي للمعبد عند اليهود هو (بيت يهوه) أو (بيت الرب) و(يهوه) هو إله اليهود الخاص المعروف عندهم، وسمي المعبد لدى اليهود باسم (بيت المقدس) بدلاً من تسميته (بيت يهوه)،وهذا النص يدلنا بوضوح على أصل كلمة (Temple) التي ترجمت عنها للغة العربية كلمة (هيكل).

يؤمن اليهود بأن سيدنا سليمان عليه السلام أراد أن يبني بيتاً للرب بعد أن مات أبوه داود عليه السلام دون أن يتمكن من بناء ذلك المعبد طبقاً لنبوءة ناثان النبي التي قالها لداود عليه السلام: (وإذا انتهت أيامك ورقدتَ مع آبائك، أقمت خلفاً لك من نسلك الذي يخرج من صلبك وثبتُّ ملكه، فهو يبني بيتاً لاسمي وأنا أثبت عرشه إلى الأبد) صموئيل الثاني 7: 12-13.

فقام سليمان عليه السلام وبنى بيت الرب، وتذكر التوراة أن المعبد قد بدأ بناؤه (في السنة الأربع مائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر في السنة الرابعة من ملك سليمان على إسرائيل) الملوك الأول 6: 1، واستمر البناء فيه سبع سنين، وتذكر التوراة أوصافاً كثيرة وتوصيفاً كاملاً لأبعاد وأطوال المعبد وأقسامه، وخاصة (قدس الأقداس)، وهي المكان الأقدس لدى اليهود.

ومن الملاحظ أن التوراة ذكرت بناء المعبد مرتين، فذكرت أن المعبد الذي أقامه سليمان عليه السلام كان في جبل المُرَيَّا (أي هضبة موريا) في بيدر أرنان اليبوسي وذلك في سفر أخبار الأيام الثاني 3: 1، ولكنها لم تذكر ذلك المكان في سفر الملوك الأول حيث الحديث عن بناء المعبد.

على أننا يجب أن ننتبه إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الواضح الصريح في مسند الإمام النسائي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خلالاً ثَلاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (ورواه ابن ماجه أيضاً). ومن هنا فإننا نقول:

لا نشك أبداً أن سيدنا سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قد بنى المسجد الأقصى المبارك وشيده بناء تجديد وترميم من جديد، وبناه بهيئة عظيمة تتناسب وعظمة ملكه المبارك ونبوته الشريفة، وهذا ما لا نشك فيه لأنه جاء من نبينا صلى الله عليه وسلم، أما الخلاف بيننا وبين هؤلاء فهو في ماهية المكان الذي بناه سليمان عليه السلام، هل هو (مسجد)؟ أم (معبد ليهوه إله اليهود الخاص المزعوم)؟؟!!! والواقع أننا نحترم سليمان عليه السلام أكثر من اليهود الذين يقدسونه كملك ولا يعترفون له حتى بالنبوة، وأما نحن فنؤمن بأنه عليه السلام قد بنى الأقصى المبارك على هيئة حسنة عظيمة جليلة. كما أننا نؤمن أن بناءه عليه السلام للأقصى كان بناء ترميم وتجديد، لا بناء استحداث وابتداء. وعليه فإن قول اليهود مردود عليهم، وسليمان منا لا منهم، نحن أولى وأحق به منهم، ويكفيهم أن توراتهم المحرفة لم تذكر شيئاً عن مكان ذلك الهيكل المزعوم لهم، ونحن دلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقيقة في ماهية هذا البناء وأين وماذا كان بالضبط.

وأجد من الواجب هنا أن نبين أن بعض الباحثين المسلمين للأسف أراد أن يدافع عن المسجد الأقصى المبارك فوقع في إشكالية أخرى، حيث يقول بعض الباحثين إن سليمان عليه السلام بنى (الهيكل) أو المعبد فعلاً، وبنى الأقصى المبارك أيضاً...!!! ولكنه لم يبن (الهيكل) في أرض الأقصى وإنما بناه في مكان آخر..!!! وهذا في رأينا كلام مردود من عدة وجوه:

أولاً: أنه مسايرة لليهود في قضية (الهيكل) المزعوم، وأن فيه إشارة إلى حقيقة مزاعم اليهود حول الفرق بين (المسجد) و(المعبد)

وثانياً: أن فيه تعدٍّ على نبوة وإسلامية سيدنا سليمان عليه السلام، وللحق فإن مجرد إيماننا أن سليمان عليه السلام نبي ينفي كونه بنى معبداً أو (هيكلاً) يعبد فيه غير الله على الإطلاق..!!!

وثالثاً: أن هذا القول فيه تأويل وتحميل للنصوص ما لا تحتمل..!! حيث أن الأمر واضح في تفسير اللغة، فاليهود يسمون (الهيكل) في لغتهم (بيت المقدس) ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن المسجد الأقصى المبارك الذي بناه سليمان عليه السلام: (بيت المقدس) وبالتالي المقصود واحد وإن اختلف المضمون..!! فرسول الله صلى الله عليه وسلم قصد بكلمة (بيت المقدس) معناها الحقيقي وهو (المسجد الأقصى المبارك) وأما اليهود فقصدوا معنى آخر معوجاً هو (معبد ليهوه إله اليهود المتكبر – تعالى الله عن ما يقولون علواً كبيراً – في نظرهم)..!!!!والأصل أن نأخذ المسمى اللغوي من أصحاب اللغة نفسها..!!

ولا يجوز توصيف هذا الـ(هيكل) المزعوم الذي يزعم البعض من الباحثين المسلمين بأن سليمان عليه السلام قد يكون بناه في جبل جرزيم بنابلس أو في مدينة داود في سلوان وبأنه مجرد قصر أو بيت خاص به أو شيء آخر من هذا القبيل – كما صرح بذلك بعض الباحثين - ..!! فما نتحدث عنه مرجعه إلى عقيدة اليهود، واليهود في عقيدتهم شيء اسمه (بيت المقدس) أي معبد..!!!! ولا يصح أن يكون هناك خلاف بيننا نحن المسلمين في حقيقة أي مسجد بناه سليمان عليه السلام بصفته نبياً مسلماً.

توضيح ذلك أن البعض من المسلمين يريد الدفاع عن الإسلام عن طريق (نفي) الزعم اليهودي في قضية (الهيكل) فيلجأ إلى نفي حقيقة أن سليمان عليه السلام بنى المسجد الأقصى المبارك (بغض النظر عن أنه بناء ابتداء أو بناء ترميم)، أو يفصل بين المسجد الأقصى المبارك الذي نعرفه وبين (المعبد) الذي يزعمه اليهود، فيقول إن سليمان عليه السلام بنى المسجد الأقصى المبارك بناء ترميم، وأيضاً بنى (هيكلاً) لليهود في مكان آخر غير مكان المسجد الأقصى المبارك..!!!

إن هذان القولان خطأ عظيم وقع فيه للأسف بعض الباحثين المسلمين الأجلاء، والحقيقة أن الأمر بهذه الصورة لا يعدو أن يكون (دفاعاً من منطق ضعف)..!! وكأننا نحن المسلمين لسنا أحق بسليمان عليه السلام من اليهود..!!! وهنا مكمن الخطورة..

إن علينا نحن المسلمين أن نناقش من منطلق قوة.. فبدلاً من أن ندافع ونحاول أن نجد تبريرات للمسميات بين (الهيكل) و(الأقصى).. فالأصل فينا أن نتكلم من منطلق أن سليمان عليه السلام نبي من أنبياء المسلمين المعروفين، وبالتالي فإن ما بناه هو فعلاً بناء للمسجد الأقصى المبارك على هيئة عظيمة جليلة سوية لم يكن مثلها قط، بل هي بالتأكيد أفضل وأجمل من الهيئة التي وصفه اليهود بها في توراتهم المحرفة..!! وهذا لا يعطي لليهود أي حق في الأقصى على الإطلاق.. ولا يفتح لهم أي مجال للمناقشة... فكيف يجادل في سليمان من لا يؤمن حقاً بنبوته؟؟؟ وكيف يجادلون في نبي مسلم هو عندنا أرفع شأناً وأعظم مكانة مما هو عندهم، فهو عندنا نبي، وهو عندهم مجرد (ملك)..!! وبالتالي فهو منا وليس منهم، ولا يجوز لنا أن نناقشهم بناء على أن سليمان عليه السلام من يهود اليوم أو من منطلق أنهم ينتسبون له طرفة عين..!!! فهو منا وليس منهم، كما هو إبراهيم عليه السلام منا وليس منهم.

إذن.. فلنُعِد ترتيب القضية:

إذن، فالقضية والمشكلة الأساسية بيننا وبين اليهود تعود إلى مسألة المبدأ، وهو (ما الذي بناه سليمان عليه السلام، وإلى أي الفريقين ينتسب؟) و(هل بناؤه للأقصى هو بناء ترميم أو بناء ابتداء؟)

أما السؤال الثاني فقد تمت الإجابة عليه في محاضرة سابقة عند الحديث عن بناء المسجد الأقصى المبارك، وأما السؤال الأول، فإجابته أن سليمان عليه السلام بنى (بيت المقدس) أي المسجد الأقصى المبارك وذلك بناء على تعاليم ديانته عليه الصلاة والسلام، وكان بناء عظيماً فخماً ضخماً، ولكنه لم يكن معبداً لعبادة غير الله، وإنما كان مسجداً لعبادة الله تعالى، وأتباعه عليه السلام كانوا أيضاً يهوداً مسلمين صالحين، ولكن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكفروا فعاقبهم الله تعالى بسنة الاستبدال، واستبدل بهم الأمة الخاتمة، أمتنا الإسلامية.

عقيدة اليهود في المعبد الثاني:

يؤمن اليهود بأن المعبد الأول كان قد انهدم على يد نبوخذ نصر عندما غزا القدس وسبى اليهود إلى بابل كما تقول التوراة: (وفي اليوم السابع من الشهر الخامس في السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذ نصر ملك بابل، جاء نبوزرادان قائد حرسه وكبير حاشيته إلى أورشليم وأحرق فيها معبد الرب وقصر الملك وجميع بيوت الأشراف) الملوك الثاني 25: 8-9، ولكنهم ما لبثوا أن عادوا على يد كورش الفارسي الذي انتصر على بابل،وسمح لليهود بالعودة وإعادة بناء المعبد، تقول التوراة: (هذا ما يقول كورش ملك الفرس: أعطاني الرب إله السماوات جميع ممالك الأرض وأوصاني أن أبني له بيتاً في أورشليم التي بيهوذا، فمن كان منكم من شعبه فليذهب إلى أورشليم ويبني بيت الرب إله بني إسرائيل، وهو الإله الذي في أورشليم، وليكن الله معه) عزرا 1: 2-3.

لاحظ معي الجملة (الرب إله بني إسرائيل، وهو الإله الذي في أورشليم) وهذه الآية في سفر عزرا بالتوراة الحالية دليل واضح على تحريف هذا الكتاب الذي جعل الرب إلهاً لبني إسرائيل وحدهم، وهو دليل على ما تكلمنا به عند الحديث عن قضية المعبد وسليمان عليه السلام وحقيقة إيماننا نحن بالمسجد وإيمانهم هم بالمعبد.

وقد قام اليهود (حسب عقيدتهم) ببناء المعبد مرة أخرى بعد عودتهم من السبي، ولكن في هذه المرة بناءً أكبر من بناء سليمان عليه السلام، وهذا المعبد المزعوم هو الذي يظهر في هذه الأيام في وسائل الإعلام اليهودية، وهو الذي بنى اليهود له نموذجاً في قرية المالحة العربية في القدس الشريف كنموذج تاريخي له، وهو الذي يروج له اليهود على اعتبار أن المعبد الأخير يجب أن يبنى على نفس شكله.

ونلاحظ أنهم شملوا مساحة المسجد الأقصى المبارك كله بهذا البناء، وبنفس الوقت حافظوا على قضية الاهتمام بموضع الصخرة المشرفة (على هضبة موريا) فوضعوا عليها (قدس الأقداس) وهو أهم قسم في المعبد.

وقد انتهى الحديث في العهد القديم عن المعبد إلى فترة ما بعد بناء المعبد الثاني، ليأتي العهد الجديد (الإنجيل) ويتحدث عن المعبد نفسه، ولك مصادر اليهود التاريخية هي التي تتحدث عن هدم المعبد للمرة الثانية على يد الرومان كما تحدثنا في محاضرة سابقة.

عقيدة اليهود في المعابد الثلاثة ومناقشتها:

يؤمن اليهود بأن سليمان عليه السلام بنى المعبد الأول، وهدمه نبوخذ نصر وأحرق معه المدينة المقدسة كلها ودمر دولة (يهوذا)، ثم عاد اليهود ليبنوا المعبد للمرة الثانية، وتم هدمه، ويؤمنون بأن المعبد لا بد أي يبنى للمرة الثالثة، وهنا يختلف اليهود بين بعضهم في المعتقدات، فطائفة منهم تؤمن بأن المعبد بمجرد بنائه سيظهر المسيح المنتظر، وهناك غيرهم يظن أنه يجب أن يبني للمرة الثالثة ليتم هدمه وإحراقه بعدها للمرة الثالثة، وتكون هذه علامة ظهور مسيحهم المخلص من نسل داود، والذي سيحكم العالم كله، ويخضع جميع الأمم لليهود، كما أن هناك فرقة أخرى تؤمن بأن المعبد سينزل من السماء جاهزاً ويظهر عندها المسيح.. وهناك لديهم أقوال ومعتقدات أخرى.

هذا هو ملخص عقيدة اليهود في المعابد الثلاثة، ولذلك نجد بعض عقلائهم غير متعجلين على هدم المسجد الأقصى المبارك وبناء المعبد، وذلك لأن هذا في عقيدتهم نذير بدمار وخراب إسرائيل، وتشريد اليهود في الأرض، ولكن المتعصبين منهم يؤمنون بأنه كلما اقترب وقت الملحمة والمجزرة (التي يزعمونها) بحق اليهود والقدس اقترب وقت ظهور المسيح المنتظر المخلص للشعب اليهودي.

واليهود يتجهون بعبادتهم إلى الصخرة المشرفة ويعتبرونها قبلتهم، وهي عندهم (قدس الأقداس) التي يجب أن تقع في قلب المعبد، وسبب تقديسهم للصخرة المشرفة أنهم يعتقدون أنها مسرح قصة الذبح والفداء، التي يعتبرون فيها أن الذبيح هو إسحق عليه السلام، وليس إسماعيل.

تقول التوراة: (وبعد هذه الأحداث امتحن الله إبراهيم فقال له: (يا إبراهيم) قال: (نعم، ها أنا) قال: خذ إسحق ابنك وحيدك الذي تحبه واذهب إلى أرض موريَّة، وهناك أصعده محرقةً على جبل أدلك عليه) التكوين 22: 1-2. ونلاحظ في هذا النص أن الذكر لإسحق عليه السلام كان على أنه (ابنك وحيدك الذي تحبه) مع أنه (بنص التوراة) كان إسماعيل عليه السلام موجوداً قبل ذلك..!!! ولكن للحق فإن نظرة التوراة المحرفة لإسماعيل عليه السلام كانت قاصرة وعنصرية، ولا يعقل أن يكون إسحق عليه السلام ابن إبراهيم الوحيد وابنه البكر (إسماعيل) موجود.. عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

أما مناقشة هذه العقيدة والنبوءات التي لدى اليهود فنبسطه في السطور الآتية:

إنه من الثابت تاريخياً أن هيرودوس حاكم القدس الروماني قد أعاد بناء المعبد المقدس كما تنص مصادر اليهود المختلفة، وأضاف إليه بعض الأجزاء ليكون في عهده بناءً جديداً تقريباً، وفي نظرنا فإن هذا البناء يعد بناءً ثالثاً للمعبد..!! ولا ننسى أن المسيح في عقيدتنا الإسلامية قد ظهر فعلاً بعد بناء هيرودوس للمعبد للمرة الثالثة، ولكن اليهود رفضوه ولم يؤمنوا به، بل حاولوا صلبه..!!! وبذلك يتبين لنا أن عقيدة اليهود في المسيح المنتظر مغلوطة تماماً لأنه قد ظهر فعلاً، وهم لم يعترفوا لا بالبناء الثالث للمعبد ولا بظهور المسيح المنتظر عليه الصلاة والسلام. وما زالوا ينتظرون المسيح الذي يأتي على هواهم.

هذا هو مجمل ومناقشة عقيدة اليهود في المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس الشريف، بسطناها بشكل مبسط بما يتناسب مع طبيعة هذه الدورة المبسطة.

النصارى والأقصى:

يتعلق الأمر بالنسبة لديانة النصارى في مدينة القدس بقصة الصلب والفداء وهي جوهر الديانة النصرانية، ولذلك نجد أن المسجد الأقصى المبارك لا يعتبر بالنسبة لهم مهماً كأهمية كنيسة القيامة أو كنيسة المهد، ولا يعدو كونه تذكاراً من العهد القديم، وشاهداً على صدق نبوءة التدمير الواردة على لسان المسيح في الإنجيل، والتي تحققت فعلاً على يد الرومان: (سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس ويحاصرونك، ويطبقون عليك من كل جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك، ولا يتركون فيك حجراً على حجر، لأنك ما عرفت زمان مجيء الله لخلاصك) لوقا 19: 43-44.

ولا يختلف النصارى كثيراً في نظرتهم للأقصى المبارك عن اليهود، فهم يؤمنون بالعهد القديم (التوراة) كما هي، ولا يختلفون مع اليهود في شيء فيها على الإطلاق، ولكن نقطة الخلاف الجوهرية بينهم وبين اليهود هي أنهم يعتبرون أن المسيح ظهر بالفعل، وأنه قتل صلباً وأنه سيعود في آخر الزمان للمرة الثانية، وذلك بعد بناء المعبد للمرة الثالثة كما يقول اليهود (يؤمن النصارى بمنطق اليهود في رفض الاعتراف بالبناء الثالث للمعبد على يد هيرودوس) على خلاف أيضاً بين النصارى، ولكننا نتكلم عن الغالبية من النصارى المحدثين في أيامنا الحالية، ولا نسى أن هناك طائفة الإنجيليين المتصهينين الذين يهمهم دعم الوجود اليهودي في المدينة المقدسة بكل قوة، وإذن فالفريقان بمجموعهما متفقان على أن المعبد الثالث يجب أن يبنى مكان الأقصى المبارك..!! والفرق بينهما أن اليهود يؤمنون بأن نزول المسيح سيكون للمرة الأولى، والنصارى يؤمنون بأن نزوله سيكون للمرة الثانية.

ونلاحظ من تتبع الكتابات التأريخية للمؤرخين النصارى وخاصة في عصر الحروب الصليبية استخدامهم للأسماء اليهودية لوصف بعض الأماكن في الأقصى، فنجد الراهب الروسي (دانيال) في كتابه الذي يصف فيه رحلته للحج إلى الديار المقدسة أيام الاحتلال الصليبي يسمي قبة الصخرة المشرفة باسم (كنيسة أقدس المقدسات) وهو الاسم اليهودي للمنطقة.

كما لا يخفى أن الصليبيين عندما احتلوا الأقصى وحولوا المصلى المرواني إلى إسطبل، فوجئنا بهم يسمون المكان (إسطبلات سليمان)..!!! وهذه التسمية يهودية بحتة، ومن العجب أن بعض المسلمين لا يزال يرددها.

وبالنسبة للنصارى فإن رحلة الحج إلى الديار المقدسة عندهم تعني المسير على خطى المسيح وزيارة الأماكن التي زارها وله فيها أي أحداث، وهي كثيرة ومنتشر في كل فلسطين، إلا أن أهم مرحلة من مراحل الحج النصراني في القدس هي مرحلة المسير على خطى المسيح في رحلته الأخيرة (في عقيدتهم) نحو الصليب فيما يسمى (طريق الآلام) (Via Dolorosa) الموجود في القدس، ويتكون من 15 مرحلة (أي محطة) عليها علامات، وتحمل كل مرحلة منها تذكاراً من رحلة المسيح الأخيرة نحو الصليب، وترتيب المراحل يكون على الشكل الآتي (في العقيدة النصرانية):

1- محاكمة المسيح: وتقع في ساحة المدرسة العمرية هذا اليوم ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك من الجهة الشمالية الغربية.
2- سجن المسيح ووضع تاج الشوك وحمل الصليب.
3- مكان وقوع المسيح للمرة الأولى.
4- مكان رؤية المسيح لأمه مريم عليها السلام.
5- مكان حمل سمعان الصليب مع المسيح.
6- مكان مسح القديسة فيرونيكا لوجه المسيح.
7- مكان سقوط المسيح للمرة الثانية.
8- مكان كلام المسيح مع بنات أورشليم.
9- مكان سقوط المسيح للمرة الثالثة.
10- مكان خلع ملابس المسيح.
11- مكان تسمير المسيح بالمسامير.
12- مكان الصلب (ويسمى الجلجثة أي الجمجمة).
13- مكان تمديد الجسد المصلوب بعد إنزاله من الصليب.
14- مكان الدفن (القبر المقدس) ويقع تحت قبة كنيسة القيامة.
15- موقع قيامة المسيح.

اليهود والنصارى وباب الرحمة:

يشكل باب الرحمة في المسجد الأقصى المبارك مفصلاً هاماً من مفاصل علاقة اليهود والنصارى بالمسجد الأقصى المبارك، فهم يسمونه (الباب الذهبي) Golden Gate، وقصة عقيدتهم فيه أن النصارى يعتقدن أنه المكان الذي دخل من المسيح إلى المعبد عندما جاء إلى القدس، وأنه لا بد سيدخل منه عند عودته في آخر الزمان، واليهود يؤمنون بدورهم بأن هذا المكان سيدخل منه المسيح المنتظر عندما يأتي إلى القدس.

وبذلك يشكل هذا المكان لليهود والنصارى رابطاً يجمعهما عقدياً في مسألة المسجد الأقصى المبارك.

إلى هنا نتم الحديث في هذا الموضوع بشكل مبسط بحمد الله تعالى، حيث شرحنا حقيقة معتقدات كلا الطرفين في المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس بشكل عام.

نسأل الله تعالى لنا وللقارئ العزيز التوفيق والسداد... وأكرمكم الله يا عشاق الأقصى المبارك.

عبدالله معروف