غزة مدينة ساحلية، لكنها محرومة من بحرها الممتد لنحو أربعين كيلومتراً من شمالها إلى جنوبها. ينظر الغزّيّون إلى البحر بحسرة، وقد حرمهم الاحتلال خيره الوفير، حتى أجبرت الجرائم الإسرائيلية كثيراً من الصيادين على هجر مهنتهم الوحيدة، فيما يغامر قليلون بأرواحهم ليجلبوا ما يسدّ رمقهم في زمن الحصار والقهر وتفشي الفقر والبطالة. هي حرب إذاً؛ ملاحقة ومطاردة وإطلاق نار واعتقال صيادين وابتزازهم ومساومتهم بالتخابر، في مقابل السماح لهم بالصيد. والنتيجة: يعاني السوق في غزة من نقص حاد في الأسماك. وعندما كان هذا هو الواقع المأسوي، ولدت فكرة إنشاء «مزارع الأسماك» لمقاومة الحصار والعدوان

غزة ــ قيس صفدي
لا يتوقف الغزّيّون عن التفكير. في داخلهم ثورة تحثّهم على ابتكار الأساليب لكسر الحصار. أرادوا قهر هذا الحصار، وفتح ثغرة في جداره المحكم. البحر يسطع أمام أعينهم، من دون أن يكون لديهم الحق في الاقتراب منه، والاستفادة من ثرواته. هذا ما يريده الاحتلال. أن يعاني الصيادون حتى تكون مزارع السمك هي الحل الوحيد. بين أسماك المزارع وأسماك مصرية مهربة من البحر والأنفاق، وجد الصيادون والتجار ضالّتهم. لكن عيونهم وقلوبهم تبقى تحنّ إلى بحر محتل بزوارق حربية لا تفارقه طوال الليل والنهار.
جلس إياد العطار (37 عاماً) يراقب مزرعته في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، التي دشنها بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة مطلع العام الماضي، كمن يرقب طفله يكبر أمام عينيه يوماً بعد يوم. يهتم بتربية أسماك «البلطي والبوري والزينة الكوي» في بيئة مياه عذبة ومالحة داخل برك باللون الأزرق، لتوحي للسمك ببيئة البحر. يغطي هذه البرك بدفيئات زراعية لحمايتها من الرياح والعواصف والعدوى.
ويقول العطار، وهو المشرف على مشاريع الاستزراع السمكي التابعة للقطاع الخاص، إن معظم أصحاب المزارع «يهتمون بتربية أسماك البلطي، وهي نوعية ذات دم بارد، تحتاج إلى درجة حرارة معينة حتى يكتمل نموها بسرعة». ويرى أن القطاع الخاص الذي يرعى 16 مشروعاً للاستزراع السمكي، يعدّ «صاحب الفضل في التطور الحاصل في هذا المجال». وأوضح أن مزارع الأسماك في غزة «تنتج

سنوياً نحو 700 طن من الأسماك، وأن إنتاج يرقات الأسماك يتعدى المليون سمكة في العام، فيما نسبة ما يصطاده الصيادون لا تزيد على 300 طن سنوياً بسبب الحصار البحري والإرهاب التي تمارسه قوات الاحتلال بحقهم، وتقليص مساحة الصيد المسموح لهم بالصيد فيها». ويشرح العطار الفوائد التي تعود على سكان غزة بسبب مشاريع الاستزراع السمكي، قائلاً إنها «تساهم في رفع المستوى الاقتصادي وتوفير فرص عمل، فضلاً عن تلبية حاجة السوق في غزة. كما يمكن تصدير الفائض إلى الخارج لولا الحصار المفروض على القطاع للعام الرابع على التوالي».
ويضيف العطار إنه غالباً «ما يواجه أصحاب مشاريع الاستزراع السمكي صعوبة بالغة في توفير أمهات الأسماك، بسبب منع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع».
من جهته، قال مدير مشروع الاستزراع السمكي في منطقة السودانية، شمال قطاع غزة، محمد سمارة، إن «المشروع يقوم على عشرين بركة مياه مقسمة، ثمانٍ منها للتربية، وعشر برك للتفريخ وبركتان للتسويق».
وعن المراحل التي تمرّ فيها عملية الاستزراع السمكي، يوضح سمارة «نأتي بأمهات السمك التي تستورد من مصر أو من إسرائيل، وخصوصاً الدينيس والبلطي، لأنها تتأقلم بسرعة مع المياه المالحة بنسبة ملوحة البحر، ثم نربيها في أحواض التفريخ حتى يتم تزويجها. وتبدأ الإناث بوضع البيض بعد نحو ثلاثة أشهر». ويضيف سمارة «كل سمكة تضع ما يقارب نصف مليون بيضة. نقوم بعزل السمك الكبير عن الصغير حتى لا يأكل بعضه بعضاً. بعدها، يوضع بيض السمك في حوض التربية لمدة تتراوح من شهرين إلى ثلاثة أشهر. وعندما تكبر السمكة، يصبح وزنها من 200 إلى 400 غرام، ويتم نقلها إلى حوض التسويق وتصبح جاهزة للبيع».
ويوضح سمارة أن «من الضروري جداً أن يكون حجم البرك كبيراً، بحيث تتسع البركة الواحدة لنحو 200 ألف سمكة، ويكون هناك متّسع لحرية الحركة بالنسبة إلى الأسماك كي تتعايش في بيئة مصغرة عن بيئتها الطبيعية في مياه البحر».
ويمثّل الحصار وإغلاق المعابر أحد أبرز المعوّقات التي تواجه مشاريع الاستزراع السمكي في غزة، ويقول سمارة إن «أكثر ما نعاني منه هو نوعيّة السمك غير المتوافرة. ونواجه صعوبات جمة من أجل الحصول عليها سواء من مصر أو إسرائيل». وأضاف «كما أن الأعلاف اللازمة للسمك غير موجودة إلا بنسبة قليلة جداً، فضلاً عن عدم توافر المواد والمستلزمات لبناء أحواض وبرك تربية الأسماك التي تنص عليها المعايير الدولية. فتم الاعتماد على مواد بسيطة لبناء هذه الأحواض».

وفي ما يتعلق بمساهمة هذه المشاريع في تشغيل الأيدي العاملة وتخفيف معدل البطالة، يضرب سمارة مثالاً هو مشروع الاستزراع السمكي الذي تشرف عليه الجمعية الإسلامية الخيرية، حيث يشغّل نحو أربعين عاملاً.
من جهة أخرى، دفعت حاجة السوق إلى السمك في غزة، وزارة الزراعة إلى تشجيع المزارعين وتدريب المئات منهم، وتنمية مهاراتهم في مجال مشاريع الاستزراع السمكي.
ويقول المدير العام للثروة السمكية في وزارة الزراعة في غزة، عادل عطا الله، إن «الوزارة قدمت يد المساعدة للمزارعين بكل شيء، من عملية تصميم المزارع وانتهاءً بتربية الأسماك وتسويقها».
وعن معدلات حاجة السوق إلى الأسماك في غزة، أشار عطا الله إلى إحصائية أجرتها وزارة الزراعة العام الماضي، بيّنت أن «السوق بحاجة إلى 15 ألف طن من السمك سنوياً، يتم استيراد خمسة آلاف طن من مصر وإسرائيل، وينتج محلياً، سواء من الصيد أو مشاريع الاستزراع السمكي، نحو 1800 طن، فيما يعاني السوق من عجز بمقدار 8 آلاف طن».
وأكد عطا الله أن تنامي توجه المزارعين لإنشاء مزارع لتربية الأسماك «لم يحل مشكلة العجز. إذ لا يتجاوز إنتاج جميع المزارع في قطاع غزة ما نسبته 1 في المئة من احتياجات السوق».
وإذا سدت مزارع الأسماك حاجة السوق، فما الذي يصلح أحوال آلاف الصيادين المحرومين من الحصول على لقمة العيش، وهم ينظرون إلى مراكبهم يفتك بها الصدأ من كل جانب، وهي صامتة بلا حراك؟