سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...






النتائج 1 إلى 24 من 24
  1. #1
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    اخواني في شبكة فلسطين للحوار وفي المحور الشرعي خصوصا لقد وجدت في جعبتي الكثيير من الخطب الرائعة المفرغة والمكتوبة لكثير من المشايخ وعلماء المسلمين في كافة انحاء المعمورة فرأيت في نفسي نشرها لكم لكي تستفيدوا منها وتنالوا الاجر منها ومن نشرها ايضا

    ونسأل الله ان لا يحرمنا اجرها

    حيث سيتم تنزيل الخطب تباعا هنا في هذا الموضوع حسب مقدرتي

    وسأفتتح هذا الموضوع بخطبة بعنوان

    المرء على دين خليله لفضيلة الشيخ عبدالله بن محمد حنفي ((رائعة جدا))


    نتمنى منكم النشر لما فيها من اجر

    ونريد منكم مساعدة اريد موقع استطيع ان احمل منه ملفات الوورد لكي احمل لكم الخطب ايضا على روابط

    وبارك الله فيكم


    ملاحظة : الخطب ليست كبيرا إلا القليل



    الخطبة: المرء على دين خليله.
    (الأولى)
    بسم الله الرحمن الرحيم
    هل سمعتم بعقبة بن أبي معيط؟
    رجل من أهل مكة المكرمة، نشأ في رحابها، وعاش على ترابها، كان صديقا حميما لعدو الله أبي بن خلف الذي كان رأسا في الشرك والضلال والعدوان والعنجهية والغطرسة، وذات يوم أقام عقبة بن أبي معيط وليمة ودعا الناس إليها، وكان فيمن دعي إلى الوليمة النبيصلى الله عليه وسلم، فأبى رسول الله  أن يستجيب لدعوته ويطعم من طعامه حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فأسلم عقبة بن أبي معيط بين يدي رسول الله ، وطار الخبر إلى صديقه الحميم أبي بن خلف فجاءه رجل وقال: إن صديقك عقبة بن أبي معيط صديق العمر والمسامرات والمساهرات، ذهب إلى محمد وأعلن إسلامه، فغضب أبي ابن خلف وجاء منتفشا منتفخا، وقال لعقبة: بلغني أنك صبأت، وجهي من وجهك حرام حتى تأتي محمدا فتبصق في وجهه، وذهب عقبة الهالك وفعل ما أُمر به من صديقه الحميم.
    هذا هو الحدث الذي حصل في الأرض، أما الذي حدث في السماء، فنزل رسول الوحي جبريل  يتلو قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا).
    الصاحب الصاحب... الصديق الصديق...
    عبد الله...
    امكث برهة.. فكر لحظة.. قف وقفة.. تذكر تأمل..
    ثم قل لي بربك من تصاحب؟ من تجالس؟ من هو خليلك وصديقك؟
    أقل لك من أنت...
    إنها القضية الكبرى في حياتنا، إنها المشكلة الضخمة في حياة شيبنا وشبابنا وفتياتنا.
    الصديق الصديق... الصاحب الصاحب...
    طريقك إلى الهداية.. أو إلى الغواية...
    إلى الاستقامة.. أو الانحراف...
    إلى المساجد والمحاسن وتلاوة الآيات.. وإلى الفواحش والمنكرات والمخدرات...
    نعم... أخي المسلم الصاحب الصاحب.. .الصاحب ساحب...
    ساحب إلى الجنة.. وساحب إلى النار...ساحب إلى النور.. وساحب إلى الظلمة...ساحب إلى البر والصلة.. وساحب إلى العقوق والقطيعة... ساحب إلى العلم.. وساحب إلى الجهل...ساحب إلى النجاح والتحفيظ.. وساحب إلى الضياع والتفحيط...
    قال : (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل....).
    أخي إنها مشكلة العصر فلو أقسمت لصدقتموني أنه ما ضل ضال، ولا غوى غاوٍ، ولا زنا زانٍ، ولا تخنث متخنث، ولا سرق سارق، ولا أدمن مدمن، ولا عق عاق، ولا تهاون بالصلاة متهاون، إلا بسبب جليس سوء وصاحب هوى .
    قف على عنابر السجون، قف على دور الملاحظة، سل ضحايا التفحيط والإدمان، سائلهم عن ضياعهم وسجنهم وإعاقتهم وهلاكهم، سلهم عن ذنوبهم وجرمهم وظلمهم، فو الله لتسمعن من تلك القلوب المكلومة والأنفس المجروحة، وهي تنطق بلسان جريح من وراء القضبان وعلى الأسرّة البيضاء، إن الصديق والقريب والزميل والصاحب هو.. هو الهاوية والنهاية المؤلمة.
    تجنب ...
    تجنب قرين السوء واصرم حباله فإن لم تجد عنه محيصا فداره
    واحبب حبيب الصدق واحذر مراءه تنل منه صفو الود ما لم تماره
    ذكر مسئول في إدارة الشئون الدينية في الأمن العام ومكافحة المخدرات: أن شابا من السجناء كتب قصته المؤلمة يقول هذا الشاب: بدأت حياتي منذ نعومة أظفاري في أسرة عمادها الطهر والفضيلة، فلا أنسى أيام الطفولة الجميلة يوم دخلت المرحلة الابتدائية وكنت لا أرضى بغير الامتياز، ومضيت في التفوق والنجاح، وفي المرحلة الأولى المتوسطة التقيت بمجموعة من الشباب المنحرفين ومن هنا بدأت أولى الخطوات نحو الجريمة والموبقات، شربت الدخان بدأت في السرقة شيئا فشيئا، مارست ألوانا من النصب والاحتيال، تعلمت السفر إلى الخارج، وهناك.. هناك انقلبت حياتي إلى ضياع في ضياع، وفساد في فساد، أدمنت المخدرات، غرقت حقا في بحر الشهوات، نكد في العيش، ظلمة في القلب، سواد في الوجه، هموم وغموم وأحزان، حتى وقفت وراء القضبان ودخلت السجن ولأول مرة أدخل السجن، وفي ظلمة السجن استيقظت من غفلتي، تذكرت والدي.. تذكرت نصحه ووعظه.. تذكرته وهو يقول لي: ألا تستحي من الله، متى تتوب إلى الله؟ عندها قلت: سأتوب.. سأتوب إلى الله لكن الأمر ليس سهلا، صراع مرير مع النفس التي تعلقت بالشهوات والمخدرات، ولكن نداء الإيمان في قلبي يدعوني إلى التوبة النصوح، وبينما أنا بين أمواج الصراع إذ بقاصمة الظهر تنزل عليَّ كالصاعقة وجاء الخبر الأليم حقا لقد مات والدي، يا الله مات الوالد الحبيب بكيت.. بكيت بكاءً مريرا بكيت على أبي الذي طالما أبكيته وأحزنته، كان هذا الخبر هو البداية الصادقة لتوبة صادقة، فقد تبت حقا وعلمت حقا أن صديق السوء وجليس المعصية هو الشر المستطير والبلاء الخطير.
    اختر قرينك واصطفيه تفاخرا إن القرين إلى المقارن ينسب
    واحذر مصاحبة اللئيم فإنها تعدي كما يعدي السليم الأجرب
    قال أبو الأسود الدؤلي: ما خلق الله خلقا أضر من صاحب السوء .
    أخي إياك ثم إياك أن تستهين بالصاحب والصديق، إياك ثم إياك أن تطأطئ برأسك وتصر على صاحب ضره أقرب إليك من نفعه فإن التأثير جار لا محالة، فمن رعى الإبل تأثر بأخلاقها وخيلائها ومن رعى الغنم تأثر بأخلاقها وسلوكها.
    قال صلى الله عليه وسلم: ( الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والسكينة في أهل الغنم ) .
    نعم وها هو عمران بن حطان وقد ذكره الذهبيرحمه الله في السير: أن عمران وهو من التابعين كان رجلا من أهل السنة وعلى خير وصلاح وتقى، ولكن ماذا حدث له؟
    تزوج بابنة عمه، وكانت على مذهب الخوارج، وكانت حسناء جميلة، فطمع في هدايتها وصلاحها فتأثر بها وهدته إلى طريق الخوارج المذموم المخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، وإذا به يطعن في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بل ويثني على قاتله عبد الرحمن بن ملجم غاية الثناء ولما بلغه أن عبد الرحمن بن ملجم قتل عليَّاً رضيا الله عنه فرح واستبشر وأنشد يقول:
    يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
    إني لأذكره حينا فأحســــــبه أوفى البرية عند الله ميــــــــــزانا
    فردَّ عليه محمد الطيِّب:
    يا ضربةً من غدورٍ صار ضاربها أشقى البرية عند الله إنســـــــاناً
    إذا تفكَّرت فيه ظلتُ ألعنه وألعن الكلب عمران بن حطَّانا
    أخي إن الصديق العظيم يقود صديقه وصاحبه إلى النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وإن الصديق المنحرف المفتون شؤم على صاحبه فكم من صاحب قرع سن الندم على صحبة سيئة قادته على شفا جرف هار فانهار بها إلى الضلال والجحيم، وصدق الله يوم قال: (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد * قال لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيد).
    إن الطبع يسرق الطبع ....
    قال مالك رحمه الله : ( الناس أشكال كأشكال الطير، الحمام مع الحمام والغراب مع الغراب والإنسان مع شكله، فللعدوى قانونها الذي لا يتبدل فيسري في الأخلاق كما يسري في الأبدان، وقد شوهد وثبت أن عدو الضلال والسيئات أشد سريانا وأقوى أثرا وفتكاً من عدو الهدى والحسنات). روضة العقلاء لابن حبان.
    فها هي عدوى التدخين والتشفيط والتنشيق ومساوئ الجوالات والغزل والمعاكسات وابتزاز المردان والفتيات وعقوق الآباء والأمهات والسب والشتم وضياع الأدب والتهاون بالصلوات يسري في أبنائنا بلا تمهل كالريح إذا مرّت على النتن حملت نتنا، بل حتى الألبسة التي ما كنت أظن أن رجلا عنده ذرة من أخلاق الرجال فضلا عن أخلاق الإسلام يرتديها، وها هو بنطال طيحني وبابا سامحني والتي كشفت العورات والسوءات، تسري في أبنائنا يوم رأى صديقه الحميم يرتديها،
    والحمد لله صدر التعميم المبارك من النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء المبارك ووزير الداخلية ـ حفظه الله ورعاه ـ : (بمنع هذه الألبسة ومحاسبة من يبيعها ومناصحة من يلبسها ويرتديها) فالمرء بجلسائه والطباع سرّاقة .
    قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى فرعون مع هامان والحجاج مع يزيد فكل منهما شرٌّ على صاحبه، ثم انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوه فقّومه وسدده فكان من صحبتهما الخليفة عمر بن عبدالعزيز يرحمه الله.
    قال ابن مسعود : ما من شيء أدل على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب.
    إن سرّك العلمُ وأشبـــاهه وشاهد ينبيك عن غائــــــب
    فاعتبر الأرض بأسمائها واعتبر الصاحب بالصاحب


    (الثانية)
    عن أبي موسى الأشعري  قال: قال صلى الله عليه وسلم : (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ) .
    قال ابن سعدي يرحمه الله: مثّل النبي بهذين المثالين مبينا أن الجليس الصالح في جميع أحوالك أنت معه في مغنم كحامل المسك الذي تنتفع بما معه من المسك إما بهبة وإما بعوض، بل بجلوسك معه فأنت قرير النفس برائحة المسك، والجليس أبلغ وأفضل من المسك الإذخر فإما أن يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك أو يهدي لك نصيحة أو يحذرك من الإقامة على ما يضرك وأقل ما يحصده المرء من الجليس الصالح أن يحول بينه وبين المعاصي والسيئات، فإن لم يجد المرء جليسا صالحا فالعزلة خير من خلاط السوء. بهجة قلوب الأبرار.
    أخي إن الطريق إلى الله لا بد فيه من الحذر والبعد من المثبطين المقعدين...أخي تذكر أن المسافر إلى الله تعالى بحاجة إلى رفقة صالحة وصحبة طيبة...أخي تذكر أن الرفقة هي الزاد في سفر الدنيا فكيف بسفر الآخرة...
    أخي إن السفر إلى الله بحاجة إلى صديق علت همته وصفت نيته وصحّ سلوكه، لا يتحلى بالكذب ولا يجاهر بالنقائص، يستر العيب.. يقيل العثرة.. حسن الخلق.. إذا نسيت ذكرك وإذا ذكرك أعانك.. صادق الأمانة.. مأمون الخيانة.. قوي الديانة.. كريم النفس.. صادق الوداد.. سهل الانقياد.. واسع الصدر.. جميل الصبر ..كتوم السر.. كثير البر.. باذل النصيحة.. ساتر القبيحة...
    شعاره...
    تعال بنا نؤمن بربنا ساعة... تعال نتعاتب ونتحاسب...
    هلم نحفظ كتاب ربنا... تعال بنا إلى حلق العلم والتعليم .
    إنها الكلمات التي أخشى أنها ليست بيننا فأين هذا الصديق ؟
    قلَّ الصديق وإن أصبحت تعرف لي مكانه فأبن لي أين أقصده؟
    والله عز وجل يقول: (واصبر نفسك مع الذين...).
    عبد الله الأخ لأخيه والصديق لصديقه أشد التصاقا من الكف بالمعصم، ولا خير في الكف المقطوعة ولا في الساعد الأجزم، الجليس الصالح من خالفك على الهوى وأعانك على الحق وإن خالف الحق هواك.
    وها هو علقمة العطارديُّ وقد حضرته الوفاة فأوصى ابنه قائلا: يا بني إذا صحبت فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤنة مانك (أي: إذا نزلت بك حاجة قام بكفايتك فيها).
    يا بني اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها.. وإن رأى منك حسنة عدها.. وإن رأى سيئة سدها.. اصحب من إذا سألته أعطاك.. وإن سكت ابتداك.. وإن نزلت بك نازلة واساك.. اصحب من إذا قلت صدَّق قولك.. وإن حاولت أمراً آزرك.. وإن تنازعتما آثرك..
    لا تصحب أخـــــا الجهــــــــل وإيَّـــــاك وإيَّــــــــاه
    فكم من صاحـــــــــبٍ أردى حليــــــماً حين آخــــــاه
    يقــــاس المـــرء بالمـــرء إذا مــــا هو ماشــــــاه وللقلــــب على القلــــــب دليــــــــل حين يلقــــــاه
    وللوجــــه على الوجــــه مقاييــــــس وأشبــــــاه
    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي).

  2. #2
    عضو نشيط الصورة الرمزية وصايا أبو عبيدة
    تاريخ التسجيل
    07 2010
    الدولة
    أولى الناس بقلبي الذي أسكني في قلبه
    المشاركات
    12,479

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيك أخي الكريم
    جعله الله في ميزان حسناتك
    إن شاء الله لي عودة أخرى
    لقراءة الخطبة

  3. #3
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    09 2007
    المشاركات
    38,396
    مشاركات المدونة
    1

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيك أخي الكريم جعله الله في ميزان حسناتك

  4. #4
    علي الأحمد
    ضيف

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيك أخي الحبيب

    إن شاء الله يستفيد منها الكل .. وخاصة الخطباء الجدد

    وبما أنه حصري .. يثبت .

  5. #5
    عضو نشيط الصورة الرمزية شموخ فلسطينية
    تاريخ التسجيل
    04 2009
    الدولة
    غـزة الإبـاء
    المشاركات
    1,733

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    قال الحسن البصري: إن لك من خليلك نصيبًا، وإن لك نصيبًا من ذكر من أحببت، فاتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس.
    بارك الله فيك أخي على السلسلة القيمة
    وتقبل منك ونفع بك

  6. #6
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيكم

    واشكر المشرف على التثبيت وجعله الله في ميزان حسناته

  7. #7
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    احببت ان تكون الخطبة الثانية عن اعظم ركن من اركان الاسلام ألا وهي الصلاة التي اسأل الله ان كل من يقرأها وهو مقصر في الصلاة ان تكون سبب في هدايته

    بعنوان

    دمعة على الصلاة (( افضيلة الشيخ محمد بن عدنان السمان))



    الحمدُ لله، أحمدُه سبحانَه وأشكُره، وأسبِّحُه وأقدسُه، لَم يزلْ بِنعُوتِ الجلاَلِ والكَمالِ متصفاً، وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ، مُقراً بوحدَانيَّتِه ومُعْترِفاً، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسُولُه، الرسولُ المصطفَى، والنُّبي المُجتبَى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وأصحاَبِه ومن سَار علَى نهِجِهم المُبَاركِ واقتفى.

    أمَّا بعدُ:
    فأُوصِيكُم بتقوَى اللهِ ربِّكُم ربِّ العَالمينَ، وكُونُوا بديِنكُم مُسْتمسِكِينَ، وبأركَانهِ قَائمِينَ، وعلى عمُودِه محافظِينَ، وفيِه خَاشِعينَ خَاضِعِينَ، تَسْلُكوا سَبِيلَ المفلِحينَ، وتفُوزُوا بمغفرةِ الغفورِ الحليمِ، وتهنئوا فِي الجِنَانِ بمعّيةِ مَنْ أنْعمَ اللهُ عليِهم من النبَّييِنَ والصدِّيقِينَ والشُّهدَاءِ والصالحينَ، وحَسُنَ أولئِكَ رفيقاً.
    أما بعد ..
    فلم أتعود أن أقدم خطبتي بالاعتذار ، ولكني في هذه المرة سأقول عذراً ثم عذراً ثم عذراً ، عذراً لكم يا من أتيتم إلى هذا الجامع مبكرين ، عذراً لكم يا من قلوبكم تعلقت بحب هذا المسجد وغيره ، قلوبهم معلقة بالمساجد فأصبحت لا تطيق لها فراقاً ، عذراً لكم يا من حفظتم الصلاة وحافظتم عليها ولم تسهو عنها .
    عن ماذا أتكلم وبماذا أبدأ قولي لي بربكم ماحظ انسان من هذا الدنيا إذا هو ضيع الصلاة ، نعم ...قلت الصلاة ...امرأة ترسل رسالة تشكوا أن زوجها لا يصلي ، وجيران يشكون جارهم أنه لا يصلي ، ومكفول يشتكي أن كفيله لا يصلي حتى الجمعة ، وأب أبناؤه تجاوزوا العشرة من السنين ولا يعلم عن صلاتهم شيء ، ...
    لا حظَّ فِي الإسلامِ لمنْ تركَ الصلاَة، فلاَ دِينَ لِمَنْ لا صلاةَ لهُ، قال عليهِ الصلاةُ والسلامُ:" بينَ الرجُلِ وبينَ الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ "[أخرجه مسلم]، وقالَ أيضاً:" العهدُ الذِي بيننَا وبينهُم الصلاةُ، فمنْ تركَها فقدْ كفرَ "[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه]، يقولُ الفاروقُ عمرُ t :" لاَ إسلامَ لمنْ لاَ صلاةَ له ُ" ومِثْلُ هذا مرويٌ أيضاً عَنْ عليِّ بنِ أبِي طالبٍ t قال عبد الله بن شقِيقٍ :" كانَ أصحابُ محمدٍ r لا يرونَ شيئاً مِنَ الأعمالِ تركُه كفرٌ غيرَ الصلاةِ " .
    إنَّ تاركَ الصلاةِ محرومٌ مخذولٌ، مُتوعَدٌ بالهلاكِ والخُسْرانِ . قالَ تعالىَ:} فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً{ } مريم : 59 {. وتأملُوا ملياً فيِ جوابِ أهلِ النَّارِ عندمَا يُسْألوُنَ عنْ سببِ دخولِهَا:}مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ _ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ {.} المدثر : 42 {.
    إِنَّ تركَ الصلاةِ مصيبةٌ عظمىَ ونكبةٌ كُبْرى، بَل فواتُ صلاةٍ واحدةٍ مصيبةٌ تَعْدلُ مصيبةَ فقدِ الأهلِ وضياعَ المالِ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ :" ومَنْ فاتتْه صلاةُ العصرِ فكأنماَ وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ ".[ أخرجه البخاري ومسلم ].
    ومن مأثُورِ الكَلِم عَنْ عمرَ الفاروقِ t أنه كانَ يكتُبُ لأمراءِ الأمصَارِ:" إنَّ مِنْ أهمِّ أمُورِكُم عندِي الصلاةَ، فمنْ حفِظَها وحافظَ عليهَا حَفِظَ دينَهُ، ومن ضيعهَا فهُو لماَ سِوَاهَا أضيعُ".
    و عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من حافظ على الصلاة كانت له نورا وبرهانا ونجاة من النار يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة وكان يوم القيامة ) رواه أحمد ورجاله ثقات .
    أيها المصلون : لم يعظم شيء في الإسلام بعد توحيد الله والإخلاص مثل الصلاة ، فجعلت الركن الثاني من أركان الإسلام فهي ركنه الركين ، جاء في صحيح مسلم ، قول النبي صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ) .
    والصلاة عمود الدين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه معاذ بن جبل رضي الله عنه ( ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه فقلت بلى يا رسول الله فقال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل ) رواه أحمد والترمذي وصححه .
    فإذا ضيعت الصلاة وقع هذا العمود ، وإذا وقع العمود فماذا يرجى من هذا المضيع قال الإمام المقدسي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث ( ومتى وقع عمود الفسطاط وقع جميعه ولم ينتفع به ) .
    فرضت الصلاة من فوق سبع سموات عند معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وهناك جاء فرض دون واسطة من جبريل عليه السلام :} ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى _ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى _فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى{ } النجم:8 – 10 { .

    قال الإمام القرطبي رحمه الله :
    ( وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء وذلك منصوص في الصحيح وغيره ) .
    إذا هذا كان قدرها ، فهل يمكن بحال من الأحوال ، أن نشتغل بغيرها عنها (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) عن الضحاك رحمه الله قال : يعنى الصلاة المفروضة .
    هل يشغلنا عنها بيع وشراء ..لا .. وصف الله زمرة الخير من عباده فقال (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) عن ابن عباس رضي الله عنهما : الصلاة المكتوبة .
    قال الإمام محمد بن نصر المروزي في مصنفه تعظيم قدر الصلاة :
    ولم نجد الله عز وجل مدح أحدا من المؤمنين بمواظبته على شيء من الأعمال مدح من واظب على الصلوات في أوقاتها ألا تراه كيف ذكرها مبتدأة من بين سائر الأعمال قال الله ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) ثم لم يبرىء أحداً من هذين الخلقين المذمومين من جميع الناس قبل المصلين فقال ( إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ) ثم أعاد ذكرهم في آخر الآية بذكر آخر فقال ( والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون ) وقال ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ) في كل ذلك يبدأ بمدح الصلاة قبل سائر الأعمال تبعها ما تبعها من سائر الطاعات فكرر الثناء عليهم ومدحهم بالمحافظة عليها ليدوموا عليها كل ذلك تأكيدا لها وتعظيما لشأنها
    ومن الدليل على عظم قدرها وفضلها على سائر الأعمال أن كل فريضة افترضها الله فإنما افترضها على بعض الجوارح دون بعض ثم لم يأمر بإشغال القلب به إلا الصلاة فإنه أمر أن يقام بجميع الجوارح كلها وذلك أن ينتصب العبد ببدنه كله ويشغل قلبه بها ليعلم ما يتلو وما يقول فيها .
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ

    أقول ما سمعتم ...

    الخطبة الثانية ..
    الحمد لله الممتن على عباده المؤمنين بما دلهم عليه من معرفته وشرح صدورهم للإيمان به والإخلاص بالتوحيد لربوبيته وخلع كل معبود سواه ففرض جل ثناؤه عليهم فرائضه فلا نعمة أعظم على المؤمنين بالله من نعمة الإيمان والخضوع لربوبيته ثم النعمة الأخرى ما افترض عليهم من الصلاة خضوعا لجلاله وخشوعا لعظمته وتواضعا لكبريائه ولم يفترض عليهم بعد توحيده والتصديق برسله وما جاء من عنده فريضة أولى من الصلاة ثم أما بعد ..

    ومن المناسب ونحن نتحدث عن تعظيم الصلاة وقدرها ، أن نعرض على أمر بالأهمية بمكان وهنا نسأل سؤالاً ، هل عظم قدر الله من صلاها في البيت ولم يصلها مع جماعة المسلمين ، هل عظم الصلاة من نام عن صلاة الفجر أو عن صلاة العصر ، سئل صلى الله عليه وسلم " صحيح البخاري ج1/ص197 أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها قال ثم أي قال ثم بر الوالدين قال ثم أي قال الجهاد في سبيل الله قال الراوي بهن ولو استزدته لزادني ) رواه البخاري .
    يقول الإمام الزهري دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت .
    اللهم بارك لنا في أعمالنا وفي أعمارنا ...

  8. #8
    عضوية مجـمـدة الصورة الرمزية ابن التوحيد
    تاريخ التسجيل
    08 2007
    الدولة
    الكمائن المتقدمة
    المشاركات
    445

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيك

    وجعله الله في ميزان حسناتك

    استمر نحن معك

  9. #9
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    الخطبة الثالثة اخترتها لكم بعنوان

    ((إتقي الله حيثما كنت))
    لفضيلة الشيخ / عبد الله بن باتل الباتل



    الخطبة الأولى
    إن الحمد لله نحمده و ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } . { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } . { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم ، أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما }أما بعد:
    فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله  : \"اتق الله حيثما كنت. وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن\" رواه الإمام أحمد والترمذي. قال العلامة ابن سعدي رحمه الله هذا حديث عظيم جمع فيه رسول الله  بين حق الله وحقوق العباد. فحقّ الله على عباده: أن يتقوه حقّ تُقاته. فيتّقوا سخطه وعذابه باجتناب المنهيات وأداء الواجبات.
    وعن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم فقال يا رسول الله أوصني فقال أفش السلام وابذل الطعام واستحي من الله استحياء رجل ذي هيئة من أهلك وإذا أسأت فأحسن ولتحسن خلقك ما استطعت
    وعن أبي ذر قال رضي الله عنه قلت يا رسول الله علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من النار قال إذا عملت سيئة فاعمل حسنة فإنها عشر أمثالها قال قلت يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله قال هي أحسن الحسنات
    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تقوى الله أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه قال تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة فهو سبحانه أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عبادة حتى يعبدوه ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة البأس ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات وهي أعلى درجات التقوى
    وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير
    و التقوى أيضا أن يعلم العبد ما يتقي عن بكر بن خنيس قال كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقي و قال معروف الكرخي إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة ولم تغض بصرك
    قال ابن سعدي تقوى الله هي وصية الله للأولين والآخرين، ووصية كل رسول لقومه أن يقول: \"اعبدوا الله واتقوه\".
    وقد ذكر الله خصال التقوى في قوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وفي قوله: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ثم ذكر خصال التقوى فقال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
    فوصف المتقين بالإيمان بأصوله وعقائده وأعماله الظاهرة والباطنة وبأداء العبادات البدنية والعبادات المالية، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وبالعفو عن الناس، واحتمال أذاهم، والإحسان إليهم، وبمبادرتهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بالاستغفار والتوبة، فأمر  ووصى بملازمة التقوى حيثما كان العبد في كل وقت وكل مكان، وكل حالة من أحواله، لأنه مضطر إلى التقوى غاية الاضطرار، لا يستغني عنها في كل حالة من أحواله.
    ثم أيهاالمسلمون لما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق التقوى وواجباتها أمر  بما يدفع ذلك ويمحوه. وهو أن يتبع الحسنة السيئة \"والحسنة\" اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله تعالى:
    قال ابن رجب لما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك بعض المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات أمره بأن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة قال الله عز وجل وأقم الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين
    قوله واتبع السيئة الحسنة قد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك لله عز وجل ما أطقت واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبة إن سرا فسر وإن علانية فعلانية
    وقد يراد بالحسنة ما هو أعم من التوبة كما في قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات
    عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض
    وقال رجل يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا نبغيها ثلاثا ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت خزيا في الآخرة فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما
    وعن كيفية محو الحسنة للسيئة يقول ابن رجب إن السيئة تمحي ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل فإذا كان هذا في الصغائر فكيف بالكبائر فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض الأعمال المنافية لها كما يبطل المن والأذى الصدقة وتبطل المعاملة بالربا الجهاد كما قالت عائشة
    وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤتي بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقض أو يقضي بها بعضها من بعض فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة وهذا في الكبائر أما الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها كما قال صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على ما يمحق الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تكفر عنه وتبقى له حسناته
    أيها المسلمون إن من أعظم الحسنات الدافعة للسيئات التوبة النصوح والاستغفار والإنابة إلى الله بذكره وحبه، وخوفه ورجائه، والطمع فيه وفي فضله كل وقت. ومن ذلك الكفارات المالية والبدنية التي حددها الشارع.
    ومن الحسنات التي تدفع السيئات: العفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق من الآدميين وغيرهم، وتفريج الكربات، والتيسير على المعسرين، وإزالة الضرر والمشقة عن جميع العالمين. قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} وقال  : \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر\" وكم في النصوص من ترتيب المغفرة على كثير من الطاعات. ومع هذا كله فالاعتماد على رحمة الله لا على العمل قال ابن عون لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا إن عملك مغيب عنك كله
    ومما يكفر الله به الخطايا: المصائب؛ فإنه لا يصيب المؤمن من هَمٍّ ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها خطاياه. وهي إما فوات محبوب، أو حصول مكروه بدني أو قلبي، أو مالي، داخلي أو خارجي، لكن المصائب بغير فعل العبد. فلهذا أمره بما هو من فعله، وهو أن يتبع السيئة الحسنة.
    نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وإتباع سنة وسيرة سيد الأولين والآخرين أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

    الخطبة الثانية
    الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه واشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا أما بعد
    فلما ذكر حق الله – وهو الوصية بالتقوى الجامعة لعقائد الدين وأعماله الباطنة والظاهرة – قال \"وخالق الناس بخلق حسن\". قال ابن رجب هذا من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم ومفقها وقاضيا ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره مما لا حاجة للناس به ولا يخالطهم وكثيرا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من شيء يوضع في ميزان العبد أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة قال ابن سعدي وأول الخلق الحسن: أن تكف عنهم أذاك من كل وجه، وتعفو عن مساوئهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي وأخص ما يكون بالخلق الحسن: سعة الحلم على الناس، والصبر عليهم، وعدم الضجر منهم، وبشاشة الوجه، ولطف الكلام والقول الجميل المؤنس للجليس، المدخل عليه السرور، المزيل لوحشته ومشقة حشمته. وقد يحسن المزح أحياناً إذا كان فيه مصلحة، لكن لا ينبغي الإكثار منه وإنما المزح في الكلام كالملح في الطعام، إن عدم أو زاد على الحد فهو مذموم. ومن الخلق الحسن: أن تعامل كل أحد بما يليق به، ويناسب حاله من صغير وكبير، وعاقل وأحمق، وعالم وجاهل.فمن اتقى الله، وحقق تقواه، وخالق الناس على اختلاف طبقاتهم بالخلق الحسن فقد حاز الخير كله؛ لأنه قام بحق الله وحقوق العباد ولأنه كان من المحسنين في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله.فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم نسأل الله عز وجل أن يبارك في أعمارنا وأوقاتنا، وأن يوفقنا للعمل الصالح فيها ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم اعز الإسلام والمسلمين اللهم انصر دينك وسنة نبيك وعبادك الصالحين المصلحين اللهم أهد ضال المسلمين اللهم فرج كرب المكروبين من المسلمين واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرضى المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح اللهم ولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يارب العالمين عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكر والله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو البتار H ; 2011-02-01 الساعة 10:28

  10. #10
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    سامحوني سأنقطع عن وضع الخطب لمدة يومين فقط لضرورة خارجة عن إرادتي

  11. #11
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    02 2011
    المشاركات
    177

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    أخي أبو البتار بداية جزاك الله خيرا

    لكن هل من الممكن أن تكتب اسم الشيخ صاحب الخطبة إذا تكرمت

  12. #12
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    اخترت لكم اليوم هذه الخطبة الرائعة التي اعتبرها من افضل الخطب بعنوان

    شواطيء البكائين

    ولكن لا اعلم لاي شيخ هي



    الخطبة الأولى :

    الحمد لله تبارك وتعالى ، يقضي بما شاء ، ويفعل ما يريد ، وربك يخلق ما يشاء ويختار ، أحمده سبحانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يحاسب على الفتيل والقطمير ، وكفى بالله حسيباً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خير من سعى وطاف ، وأفضل من بكى لله وخاف ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

    أما بعد :

    فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل ، وكثرة حمده على آلائه إليكم ، ونعمائه عليكم ، وبلائه لديكم فكم خصكم بنعمة ، وأزال عنكم نقمة ، وتدارككم برحمة ، أعورتم له فستركم ، وتعرضتم لأخذه فأمهلكم ، فإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .

    أيها الناس : قال الله عز وجل في محكم التنزيل ( وفي الأرض ءايتٌ للموقنين (20 ) وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) " سورة الذاريات ، الآيتان : 20 ، 21 " وقال تعالى : ( سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) " سورة فصلت ، الآية : 53 " .

    والآية جد آية ، والعظمة جد عظمة ، ما أودعه الله عز وجل في بني البشر من النعمتين العظيمتين ، ألا وهما نعمة الضحك والبكاء ، ضحك وبكاء .. أودعهما الله النفس الإنسانية ، والأمة البشرية ( وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) ) " سورة النجم ، الآيتان : 42 ، 43 " ضحكٌ .. أودعه الله النفس البشرية ، لتعبر به عن فرحها المرغوب ، ورضاها به ، وأنسها بما يسر ، وبكاءٌ .. أودعته النفس لتعبر به عن الخشية والفرق ، والخوف والوجل ، ولربما هجم السرور على النفس ، فكان من فرط ما قد سرها أبكاها ، فهي تبكي في الأفراح والأحزان .

    إن الله عز وجل أنشأ للإنسان دواعي الضحك ، ودواعي البكاء ، وجعلها وفق أسرار أودعها فيه يضحك لهذا ، ويبكي لذاك ، وقد يضحك غداً مما أبكاه اليوم ، ويبكي مما أضحكه بالأمس ، في غير جنون ولا ذهول ، إنما هي حالات جبلية ، خلقها الله فيه ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) " سورة الذاريات : الآية 21 " .

    أيها المسلمون : أيها المسلم ، أيتها المسلمة ، إن الله عز وجل أنعم عليكم بنعمة البكاء لتشكروه عليها ، إذ كيف يعيش من لا يبكي كيف تتفاعل نفسه مع الأحداث والمواقف بماذا يترجم عن الحزن والأسى ، بماذا يعبر عن الخشية والخوف من الله جل وعلا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع ومن عين لا تدمع ومن دعوة لا يستجاب لها ) .

    أيها الأحبة :

    البكاء قافلة ضخمة ، حطت ركائبها في سوق رحبة ، ما ابتاع الناس منها على ثلاث أضرب : فضرب من الناس اشتروا بكاء العشاق والمشغوفين ، أصحاب الهوى والتيم ، أهل الصبابة والغرام ، الذين هربوا من الرق الذي خلقوا له ، وبلوا أنفسهم برق الهوى والشيطان ، فاشترى هؤلاء القوم هذا الضرب من البكاء شراءً مفتقراً لشروط الصحة ، فابتاعوا بيعاً فاسداً ، ثم زادوا السقم علة ، والطين بلة ، حين أوقفوا هذه الدموع ، واحتسبوها ، في غير وجه شرعي فبطل الوقف ، وخسر الواقف ، وهام الموقوف عليه ، فما أعظمها شقوة ، وما أوعرها هوة .

    فما في الأرض أشقى من محب وإن وجـد الهوى حلو المذاق
    تـــــــراه باكيــاً في كــــل حيـــن مخــافـة فرقــة أو لاشتــياق
    فتســخن عينـه عنـــد التلاقـــي وتســخن عينـه عـند الفـراق


    ويبكـي إن نــــأوا شـوقـاً إليــهـم ويبكـي إن دنـوا خـوف الفراق

    أعاذنا الله وإياكم من هذه الحال ، ومن حال أهل النار .

    وضرب من الناس : ابتاعوا بكاء أهل الحزن على مصائبهم ورزاياهم ، وعلى هذا الضرب جبل الناس فاقتصروا على سلعة ، وافقت جبلتهم التي جبلهم الله عليها ، فأصبحوا لا لهم ولا عليهم .

    وضرب ثالث : اشتروا بكاء الخشية من الله عز وجل ، تلكم البضاعة التي زهد فيها معظم القوم إلا من رحم الله . آيات تتلى ، وأحاديث تروى ، ومواعظ تلقى ، ولكن تدخل من اليمنى وتخرج من اليسرى ، لا يخشع لها قلب ولا تهتز لها نفس ، ولا يسيل على أثرها دمع ( اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ) .

    عباد الله : لقد أثنى الله جل وعلا في كتابه على البكائين من خشية الله ، وفي طاعة الله . الأتقياء ، ذوي الحساسية المرهفة ، الذين لا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم ، من حب لله ن وتعظيم له ، وخشية وإجلال، فتفيض عيونهم بالدموع ، قربةً إلى الله وزلفى لديه . ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً (107) ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً (108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً ) "سورة الإسراء ، الآيات : 107- 109 " ، وقال تعالى : ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من ذرية أدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجداً وبكياً ) " سورة مريم ، الآية : 58 " وقال تعالى : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ) "سورة المائدة ، الآية : 83 " وقال تعالى : ( أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61)فاسجدوا لله واعبدوا (62) ) " سورة النجم ، الآيات : 59-62 " .

    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه ، فجاءه عصابة من أصحابه ، فقالوا يا رسول الله : احملنا ، فقال لهم : والله لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم يبكون ، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ، ولا يجدون نفقة ولا محملاً ، فأنزل الله عز وجل ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لآ أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون (92) ) " سورة التوبة ، الآيتان : 91 ، 92 " .

    عباد الله : البكاء من خشية الله وصف شريف ، ومسعى حميد ، به وصف الله أنبياءه ، والذين أوتوا العلم من عباده ، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " رجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه " " متفق عليه " .. ويمتاز البكاء في الخلوة ، لأن الخلوة مدعاة إلى قسوة القلب ، والجرأة على المعصية ، فإذا ما جاهد الإنسان نفسه فيها ، واستشعر عظمة الله فاضت عيناه ، فاستحق أن يكون تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عينان لا تمسهما النار ؛ عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) " رواه الترمذي " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد قال ذلك بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ، قال ذلك وهو أتقى الناس لله ، وأخشى الناس لله ، وأكثر الناس بكاء من خشية الله . ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له اقرأ علي القرآن فقال : أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل ؟ قال : إني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأ من سورة النساء حتى بلغ قول الله ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) " سورة النساء ، الآية : 41 " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك فإذا عيناه تذرفان .

    وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى سمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء ، أي كصوت القدر إذا اشتد غليانه " رواه ابو داود واحمد والنسائي " .

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه بكى على ابنه إبراهيم ، حينما رآه يجود بنفسه ، فجعلت عيناه تذرفان الدموع ثم قال : ( إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) " رواه البخاري ومسلم "

    إن هذه الدموع الزكية التي سالت من عينه صلى الله عليه وسلم تمثل إحساساً نبيلاً ، ومشاركةً أسيفةً للمحزونين والمكروبين ، وهي لا تتعارض أبداً مع كونه صلى الله عليه وسلم مثلاً للشجاعة ورباطة الجأش ، والرضى بقضاء الله وقدره ، ولكنه بكاء المصطفى الكريم في مواطن الرحمة والإشفاق ، ومن لا يرحم لا يرحم ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ) " سورة الفتح ، الآية : 29 " عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله : ما النجاة ؟ ما النجاة ؟ قال : ( أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك ) " رواه أحمد والنسائي " .

    أيها المسلمون : هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم في بكائه من خشية الله ، أخذها الصحابة رضوان الله عليهم . فقد روى الحاكم والبزار بسند حسن عن زيد بن أرقم قال : كنا مع أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فاستسقى ، فقدم له قدح من عسل مشوب بماء ، فلما قربه إلى فيه بكى وبكى ، حتى أبكى من حوله ، فما استطاعوا أن يسألوه عن سبب بكائه ، فسكتوا وما سكت ، ثم رفع القدح إلى فيه مرة أخرى ، فلما قربه من فيه بكى ، وبكى ، حتى أبكى من حوله ثم سكتوا فسكت بعد ذلك ، وبدأ يمسح الدموع من عينيه رضي الله عنه ، فقالوا : ما أبكاك يا خليفة رسول الله ؟ قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان ليس معنا فيه أحد ، وهو يقول : إليك عني إليك عني ، فقلت يارسول الله : من تخاطب وليس هاهنا أحد ؟ قال صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا تمثلت لي فقلت لها : إليك عني ، فقالت : إن نجوت مني فلن ينجو مني من بعدك فخشيت من هذا .

    أيها الأحبة : قام محمد بن المنكدر ذات ليلة فبكى ، ثم اجتمع عليه أهله ليستعلموا عن سبب بكائه ، فاستعجم لسانه ، فدعوا أبا حازم ، فلما دخل أبو حازم هدأ محمد بن المنكدر بعض الشيء ، فسأله عن سبب بكائه فقال : تلوت قول الله جل وعلا : ( وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ) " سورة الزمر ، الآية : 47 " فبكى أبو حازم ، وعاد محمد بن المنكدر إلى البكاء ، فقالوا : أتينا بك لتخفف عنه فزدته بكاء ( وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ) "سورة الزمر ، الآية : 47 " . كان الربيع بن حيم يبكي بكاء شديداً ، فلما رأت أمه ما يلقاه ولدها من البكاء والسهر ، نادته فقالت : ( يا بني لعلك قتلت قتيلاً ؟ فقال : نعم يا والدة . قتلت قتيلاً فقالت : ومن هذا القتيل يا بني ، نتحمل إلى أهله فيعفوك ، والله لو علموا ما تلقى من البكاء والسهر لقد رحموك ، فقال الربيع : يا والدتي هي نفسي ، يا والدتي هي نفسي ) .

    عباد الله : هذا بكاء السلف ، وهذه دموع البكائين تسيل ، ولسان حالهم يقول :

    نزف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار


    من ذا يعيرك عينه تبكي بهــــا أرأيت عيناً للــدموع تعار

    فا تقوا الله عباد الله ، واعلموا أنه لا بد من القلق والبكاء ، إما في زاوية التعبد والطاعة ، أو في هاوية الطرد والإبعاد ، فإما أن تحرق قلبك بنار الدمع على التقصير ، والشوق إلى لقاء العلي القدير ، وإلا فاعلم أن نار جهنم أشد حراً (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون ) " سورة التوبة ، الآية : 82 " ، فانظر يا عبد الله إلى البكائين الخاشعين تراهم على شواطئ أنهار الدموع نزول ، فلو سرت عن هواك خطوات ، لاحت لك الخيام .

    اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع .

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم .

    الخطبة الثانية :



    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان .
    أما بعد :

    فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن هذا الدين وسط بين الغالي فيه والجافي عنه ، ولا يفهم من الحث على البكاء والتباكي خشية لله ، لا يفهم منه الدعوة إلى الكدر ، ولا إلى الرهبنة ، ولا إلى ما يقوله أحدهم : " ما ضحكت منذ أربعين سنة " فرسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأمة وقائد الملة كان يضحك ويبتسم ولكنه لايستجمع ضاحكاً ، ولا يفرط في الضحك ، فقد ثبت عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ( لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ) " رواه ابن ماجه والبخاري في الأدب المفرد بسند جيد

    ولا يضحك ويقهقه ، ويرفس الأرض برجله ، ويستلقي على قفاه ، إلا الذي قسا قلبه ، وغفل عن الموت ونسي ما بعده .

    وقد يغرق البعض في الضحك ، حتى إنه لا يلين قلبه ولا تبكي عينه ، ولا يتأثر بشيء ولو وعظه لقمان ، أو تليت عليه آيات القرآن ، يطرب لأصوات المظلومين ، وأنات المنكوبين ، قد نزع الله من قلبه الرحمة ، وجرده من الخوف والرجاء ، جفت مآقيه عن الدموع ، فاعتاض عنها شراراً يقذفه من عينيه ، يضحك للمصيبة تنال أخاه يقهقه سخريةً من كل صاحب سنة ، إذا مر بذي صلاح غمز ، وإن ذكر عنده ذو علم لمز ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين أمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) ومآ أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين أمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) )" سورة المطففين ، الآيات : 29-36 " ، فهؤلاء ضحكوا هنا فبكوا هناك وهؤلاء بكوا هنا وسيضحكون هناك(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) " سورة الرحمن ، الآية : 60" هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية وأفضل البشرية فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من صلى علي صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً ) .

  13. #13
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نافع مشاهدة المشاركة
    أخي أبو البتار بداية جزاك الله خيرا

    لكن هل من الممكن أن تكتب اسم الشيخ صاحب الخطبة إذا تكرمت
    ثبتني الله واياك يا اخي اسماء اتصحاب الخطب موجودة ما عدا آخر خطبة

  14. #14
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    اما هذه الخطبة ستكون عن شيء عظيم في الاسلام شيء يعشقه الرجال المؤمنيين الذين تعلقوا بلمساجد وبكتاب الله وشيء يحبه خاصة اهل فلسطين والعراق وافغانستان والصومال وغيرهم الكثير شيء قال عنه الرسول بانه ذروة سنام الاسلام

    فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله
    لشيخ
    مهران ماهر عثمان نوري



    ملاحظة : هناك خطبة ثانية عن نفس الموضوع ستوضع لاحقا
    الخطبة الأولى :

    أما بعد؛
    فإن من أعلى المقامات التي تورث الجنات، ورضاء رب العباد، مقام الشهداء عند الله تعالى. أولئك الذي بذلوا أنفسهم رخيصة في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله، أولئك الذين ارتوت الأرض بدمائهم، لا لشيء إلا لتكون كلمة الله هي العليا ..
    عجيب أمرك أيها الإنسان ..
    قد يوصلك إيمانك بالله إلى أن ترقى أعلى الدرجات ويُراق دمك في سبيل الله من أجل دينك وعقيدتك ودعوة الناس إلى الله .
    إننا نريد اليوم أن نلج روضات الشهداء، وأن نستأنس بالحديث عنهم ، ونتشرف بكلامنا عن مآثرهم التي جاء بها كتاب ربنا ونطقت بها سنة نبينا
    ولكن قبل ذلك، لماذا سُمي الشهيد شهيداً ؟
    يقول الإمام النووي رحمه الله :" وأما سبب تسميته شهيداً فقال النضر بن شميل : لأنه حي؛ فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباري : إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة. وقيل : لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة . وقيل : لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه . وقيل : لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله . وقيل : لأن عليه شاهداً بكونه شهيداً، وهو الدم . وقيل : لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم،وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف " ( ).
    أيها المؤمنون :
    لقد استفاضت النصوص المبينة لفضل الشهادة في سبيل الله .
    فالشهداء أحياء عند الله تعالى ، يقول سبحانه : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ( ). ويقول :وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ( ) .
    قال جابر بنُ عَبْدِ اللَّهِ " لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لِي (يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا))؟ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. قَالَ (أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ))؟ قَالَ :قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.قَالَ (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ : يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ : يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً . قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ (قال يا رب : فأبلغ من ورائي فنزلت) وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا الْآيَةَ)) ( ).
    وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ ( ) عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا ( ).
    إن الشهادة اصطفاء من الله ، مقام لا يكون لأي مؤمن، وإنما يخص الله به نخبة من عباده المؤمنين وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ( ) .
    لما أراد الله أن يشحذ همم العباد لطاعته وطاعة نبيه ذكرهم بأن عاقبة ذلك أن يكونوا مع الشهداء ، فقال : وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا( ) .
    الشهداء أصحاب الأجر الوفير، والنور التام المنير وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ( ).
    كل ميت يعلم أنَّ مآله إلى الجنة لا يمكن - إذا خيِّر بين البقاء في قبره والرجوع إلى أهله - أن يختار الرجوع إلى الدنيا؛ لما أعده الله له من واسع فضله وكبير نعمته .. إلا الشهيد ، إنه يتمنى أن يرجع لترتوي الأرض بدمائه مرة بعد مرة ، إنه يتمنى أن تُمزق أحشاؤه في سبيل دينه فعن أنس بن مالك عَنْ النَّبِيِّ قَالَ (مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى)) ( ).
    كفى الشهداء فضلاً أن نبينا تمنى أن يكون شهيداً ، وأن يُقتل في سبيل الله مرات ومرات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ))( ) .

    الشهيد يخبرك نبيك بما له من كرامة عند الله بقوله ( لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)) ( ).
    لقد سأل رجلٌ رسول الله :ِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ ؟ قَالَ (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)) ( ) . كفى بصوت الطلقات والدبابات على رأسه فتنة، كفى بصوت الراجمات والصواريخ وقذائف الهاوند والآر بي جي فتنةً، كفى بالكيماويات السامة فتنةً .
    إنَّ من أفضل المناقبِ التي ينالها الشهداء ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ)) ( ). وأيم الله لو قُتل تحت حديد الدبابات فلن يجد من مس القتل إلا ما ذُكر لنا في حديث النبي وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ( ) .
    فإذا قُتل الشهيد أظلته الملائكة بأجنحتها، قال جابر : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى وَقَدْ مُثِلَ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ فَقَالَ (مَنْ هَذِهِ))؟ فَقَالُوا : بِنْتُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو . فَقَالَ (وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ)) ( ) .
    يرى النبي دار الشهداء فيقول (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا : أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)) ( ) .
    بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ، ونفعنا بما فيه من آياتٍ وذكر حكيم ، أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين إنه غفور رحيم .

    الخطبة الثانية :
    الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على خاتم النبيين ، محمد بن عبد الله الصادق الأمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، أما بعد ؛
    فيا أيها المؤمنون :
    لقد تولد بهذه التوجيهات حب عارم فكانت هذه الأمور التي خلدها التاريخ ..
    ففي غزوة بدرٍ قال النبي(قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ)) . فقال عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ !!؟ قَالَ (نَعَمْ)). قَالَ : بَخٍ بَخٍ .فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ))؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا . قَالَ (فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا)). فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ ( ) .
    ومن هذه المواقف ما أخبر به أنس بن مالك بقوله : قَالَ أَنَسٌ عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَدْرًا فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِغُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . قَالَ : فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا . فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ : يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ ؟ فَقَالَ : وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ . قَالَ : فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ . فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ .فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ : فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ من المُؤمنين رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا قَالَ : فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ ( ) .
    ومنها : ما أخبر به عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ قَالَ : أُهَاجِرُ مَعَكَ . فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّبَعْضَ أَصْحَابِهِ . فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّسَبْيًا ، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ . فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ . فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ. فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ (قَسَمْتُهُ لَكَ)). قَالَ : مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ . فَقَالَ (إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ)). فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ . فَقَالَ النَّبِيُّ (أَهُوَ هُوَ))؟ قَالُوا :نَعَمْ . قَالَ(صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ)) . ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّفِي جُبَّةِ النَّبِيِّ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ(اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ )) ( ) .
    نسأل الله بأسمائه وصفاته ألا يحرمنا فضله ...

  15. #15

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    جزاك الله ألف خير يا فاضل
    لا تحرمنا من روائعك
    في ميزان حسناتك ان شاء الله

  16. #16
    عضو نشيط الصورة الرمزية ابو حارثة
    تاريخ التسجيل
    02 2010
    الدولة
    غزة رمز العزة
    المشاركات
    2,551

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    ما شاء الله
    جعلها الله فى ميزان حسناتك ان شاء الله

  17. #17
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    سامحونا على التأخير لوضع الخطبة الثانية في الجهاد في سبيل الله لشيخ مهران ماهر عثمان


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الشهادة في سبيل الله (2)



    الخطبة الأولى :

    أما بعد؛
    فيقول الله تعالى : إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ). مازال حديثنا عن خير عباد الله، وصفوته، الشهداء في سبيل الله .
    عباد الله :
    لا يظننَّ ظان أن الشهيد هو من قُتل في ساحات الوغى فحسب، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ))؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ . قَالَ (إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ)). قَالُوا : فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ (مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) وزاد في رواية ((وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ)) ( ). ومن الشهداء الذين ذكرهم النبي  : صاحب السل، ومن مات بذات الجنب، والحريق، وصاحب الهدم، والمرأة تموت جمعاء،ابنها في بطنها، والنفساء، ومن قتل دون ماله أو دينه أو عرضه أو دمه ( ).
    عباد الله :
    وقد أوضح لنا النبي  من هم سادات الشهداء عند الله تعالى فقال (سيِّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله)) ( ). ولكن ذلك لا يعني أننا نجهر بنصح الإمام من على المنابر، فالسلطان يُناصح سراً كما ورد في الحديث (من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية و ليأخذ بيده و ليخل به فإن قبلها قبلها و إلا كان قد أدى الذي عليه)) ( )
    وخير الشهداء من قُتل يوم بدر، فقد قال النبي  في شأن حاطب بن أبي بلتعة (إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) ( ).
    وأفضلهم شهداء الصحابة، فهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، لا كان ولا يكون مثلهم .
    ومنهم من جاء فيهم حديث أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ : خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ : لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ)) ( ) .
    أيها المؤمنون:
    هناك جملة من الأحكام تتعلق بالشهداء :
    منها : أنَّ الشهيد لا يُغسل بخلاف سائر الأموات، لحديث رسول الله  في قتلى أحد( زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ)) ( ) . ولو اتفق أنه مات على جنابة فلا يُغسل، لقول النبي  في حنظلة بن أبي عامر ( إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته)) فقالت : خرج وهو جنب لما سمع الهائعة . فقال رسول الله  (لذلك غسلته الملائكة)) ( ) .
    ومنها أنهم يكفنون في ثيابهم فلا تنزع، قال خباب بن الأرت قال : هاجرنا مع رسول الله  في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء ( وفي رواية : ولم يترك ) إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه فقال رسول الله  ( غطوا بها رأسه،واجعلوا على رجليه الإذخر)) ( ) .
    ومنها أنَّ الصلاة عليهم تُشرع ولا تجب؛ لأن النبي  لم يصل على شهداء أحد ( ) إلا حمزة بن عبد المطلب.
    ومنها : ألا نشهد له بقولنا : فلان شهيد، وإنما نقول : نحسبه والله حسيبه، أو نقول : من قُتل في سبيل الله فهو شهيد .
    قال البخاري في الصحيح في كتاب الجهاد والسير :" باب لا يقول فلان شهيد ". ثم أورد قول النبي  (والله أعلم بمن يجاهد في سبيله)) . وجاء عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ  إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ  رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ . فَقَالُوا : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)) . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا ، قَالَ : فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ (أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ)) . قَالَ (وَمَا ذَاكَ))؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  عِنْدَ ذَلِكَ (إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) ( ) .
    ولهذين الحديثين قال عمر  : " لعلكم تقولون فِي مَغَازِيكُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا ، مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْقَرَ عَجُزَ دَابَّتِهِ أَوْ دَفَّ رَاحِلَتِهِ ذَهَبًا وَفِضَّةً يَبْتَغِي التِّجَارَةَ ، فَلَا تَقُولُوا ذَاكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ  : ((مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ)) ( ) .
    عباد الله :
    الشهداء على ثلاثة أقسام :
    الأول : شهيد في الدنيا، وهو الذي قاتل رياءً، يُعامل معاملة الشهيد في الدنيا ولا حظ له من أجر الشهداء من شيء في الآخرة .
    الثاني : شهيد في الآخرة، وهم من ذكروا في بداية الخطبة سوى شهيد المعركة، يعاملون في الدنيا معاملة سائر الأموات، وهم في الآخرة مع زمرة الشهداء .
    الثالث : شهداء الدارين، وهم من قُتل في سبيل الله .
    أيها المسلمون :
    شهيدان في النار ..
    الأول : من أخذ شيئاً من الغنائم قبل أن تقسم، وهو الغلول، قال أبو هريرة  : افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى وَادِي الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ  إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)). فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ  بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ . فَقَالَ:هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ)) ( ).
    الثاني : من قاتل رياءً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ . قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ)) ( ) .
    عباد الله :
    على المؤمن أن يسأل الله تعالى الشهادة بصدق، ألا نقرأ في صلاتنا اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ  مَن هم المُنعم عليهم الذين نسأل الله أن يسلك بنا سبيلهم ، يقول تعالى : وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا ( ) .
    وقد ثبت عن نبينا  قوله (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)) ( ).
    بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آيات وذكر حكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم .

    الخطبة الثانية :
    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خير المرسلين، وسيِّد المجاهدين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
    فلقد أكرم الله تعالى عباده الشهداء بأنواع من الكرامات، فمن ذلك :
    أنَّ الله أنزل في شأن بعضهم قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة .
    فمن هؤلاء عبد الله بن حرام الأنصاري، والد جابر رضي الله عنهما كما سبق في الخطبة السابقة .
    ومنهم السبعون أصحاب بئر معونة ، فعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  أنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ  فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ، قَالَ أَنَسٌ : فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا) ( ) .
    ومن الكرامات : شهادة النبي  لبعضهم بصدق نيته، وصحة شهادته ، كما في حديث الأعرابي الذي سبق ذكره الجمعة الماضية . وكما في حديث أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ  كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ (هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ))؟ قَالُوا :نَعَمْ، فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ (هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ))؟ قَالُوا : نَعَمْ ،فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا . ثُمَّ قَالَ (هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ))؟ قَالُوا :لَا . قَالَ (لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ))، فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ  فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ (قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ)) قَالَ : فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ  فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا ( ).
    ومن الكرامات ما ورد عن بعضهم من عدم تغيرهم بعد موتهم، وعدم أكل الأرض لأجسادهم ، ففي الموطأ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّيْنِ ثُمَّ السَّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا، وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَهُمَا مِمَّنْ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ فَدُفِنَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ ، وَكَانَ بَيْنَ أُحُدٍ وَبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً ( ) .
    ومالي أذهب بعيداً .. ومن أهل هذه البلاد من أكرمه الله تعالى بهذه الكرامة، إنه الطالب كمال الدين بشرى، ذهب للبوسنة لدراسة الطب، ولما كان في السنة الرابعة اشتعلت نار الحرب بينهم وبين الصرب، تقف الأمم المتحدة من ورائهم، يمهدون الطريق لرجوع الأجانب إلى بلادهم؛ لئلا تنعقد راية للجهاد في سبيل الله ، فهاجر الكثيرون، وبقي نخبة من الأخيار ممن آثر السير على دروب الجهاد والاستشهاد .. منهم الطالب كمال الدين بشرى، ويقدر الله أن يخوض حرباً في منطقة كونتس، ويقدر الله أن يُقتل، ولا يتمكن المجاهدون من دخول هذه المنطقة إلا بعد عشرة أيام، فيلاحظ المجاهدون عليه ثلاثة أمور :
    الأول : لم يتغير جسده كأنما مات بالأمس .
    الثاني : كانت رائحة المسك تفوح منه .
    الثالث : ساعته التي كانت تعمل بالنَّبض وجدوا عقاربها تشير إلى الوقت الصحيح .
     وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ( ) .
    نسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل الشهداء ...

  18. #18

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم اهدني وسددني
    الخطوات العشر للتخلص من عادة التدخين
    الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، أما بعد:
    فهذه خطوات عشر للتخلص من عادة التدخين المشينة، والطريق المهين فكم حرمت هذه العادة شاباً من شبابه، وزوجاً من زوجته وأولاده، ومحباً للمسجد من مسجده، وحيـياً من لقاء أهله وإخوانه، ومخالطة أقاربه وجيرانه.
    وفي هذه المشاركة سأحرص جاهداً على مساعدتك أخي المدخن بهذه الخطوات العشر التالية:
    الخطوة الأولى: القناعة التامة بأنك واقع في ذنب وبلاء، يجب أن تسعى للتخلص منه، فإذا اقتنعت بهذا الشر، والذنب ساقك هذا إلى الخطوة التالي:

    الخطوة الثانية: الرغبة الجادة والعزيمة الصادقة في التخلص من هذا الوباء، فإذا اقتنعت بهذا الذنب والبلاء، ثم كانت لديك رغبة جادة، ونية صادقة في التخلص منه كان ذلك سبيل صحيح للنجاة، وبشرط أن تكون تلك الرغبة داخلية، إنه لا يمكن للعبد أن يغير مابظاهره حتى يغير ما بنفسه، يقول الله تعالى:] إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ [الرعد:11]، فإذا وجدت العزيمة والرغبة فعليك بالخطوة التالية:

    الخطوة الثالثة: التوبة النصوح لله فإذا وُجِدت الرغبة الصادقة فأقلع بعزمة صادق، وتوبة راغب، واجعل نيتك في الترك لله، فإنه خير معين، وأعظم حافظ، واحذر أشد الحذر من التسويف فإنه الهلاك بعينه.
    واعلم أنه مهما طال بك البلاء، وتعلقت نفسك به، فإن توبة صادقة مخلصة لله U هي من أعظم السبل للخلاص من هذا البلاء، والنجاة منه.
    واعلم أنه يحتاج لك في هذه التوبة إلى عزيمة جادة، ونفس تواقة قوية تحفزك على عدم العود لهذا البلاء.
    يُذكر أن ابن خليفة من الخلفاء كانت فيه عادة قبيحة ألا وهي أكل التراب وهو صغير، وشب على تلك العادة الرذيلة، حتى كبر وتنقل في مناصبه حتى أصبح خليفة، وهو لا زال على عادته فأتى بالأطباء والحكماء، فما أفلحوا في علاجه، يصفون له الدواء فيأخذ منه ثم ينكث، ويعود لما تعود عليه، حتى طال به البلاء، واستثقلته تلك العادة الرعناء.
    فعلم بدائه أحد الحكماء فجاء إليه ثم قال له: يا أيها الخليفة عزمة من عزمات الرجال، فهمم الرجال تزيل الجبال، فأخذت هذه الكلمة منه مأخذها وقال: صدق الحكيم، ثم عزم عزمة من عزمات الرجال، فأقلع عن تلك العادة القبيحة.
    فيا أيها المدخين: عزمة من عزمات الرجال، اعزم بعزيمة رجل أن تقلع عن هذا الذنب وهذا البلاء.
    فإذا تبت توبة نصوح، وعزمة بعزيمة صادق جادٍ على الترك فعليك بالخطوة التالية:

    الخطوة الرابعة: تعرف على مخاطر وأضرار هذا البلاء، واطلع على تلك الصور المأساوية التي تهتكت فيها الحناجر، واسودت فيها الرئتان، وتضخم فيها القلب، فإن هذه من الخطوات التي تعينك بجد للصدق في الترك، وعدم العود للفعل، فإذا علمت بأنه سبب رئيس في كثير من الأمراض والبلايا، وعرفت أنه سبيل إلى الهلاك، حملتك نفسك على الثبات على الترك.

    وتيقن: أن التدخين يؤدي إلى الإصابة بسرطان الرئة والتهابها المزمن، وتَصَلُّبِ الشرايين، ويؤدي إلى الإصابة بمرض السِلِّ الرئوي، والربو المزمن، ويؤدي إلى الإصابة بسرطان الحنجرة، ويؤدي إلى الإصابة بضيق التنفس، وهو يزيد عدد ضربات القلب، ويؤدي إلى الإصابة بارتفاع ضغط الدم، ويؤدي إلى الإصابة بسرطان الشفة، واللسان، والفم، والبلعوم، والمريء، والبنكرياس، ويؤدي إلى الإصابة بقرحة المعدة والاثني عشر، ويؤدي إلى الإصابة بسرطان المَثَانَة وقرحتها، ويؤدي إلى الإصابة بسرطان الكلى إلى غيرها من الأمراض التي أعرضت عنها خشية الإطالة.
    فكر - أخي - دائماً في المآلات والعواقب، فاجلس مع نفسك ساعة، ثم فكر وتفكر، ماذا بعد هذا الولع بهذه السيجارة، وهذا الواقع المر؟! ما عاقبة التمادي والانهماك فيها؟
    لو تأملت العواقب لعلمت أنها عواقب وخيمة، أمراض وأسقام، وحرمان وآلام، ثم - والعياذ بالله - قد تكون خاتمة سوء وشقاء.
    فإذا تعرفت على هذه المخاطر، وتلك المفاسد فعليك بالخطوة التالية:

    الخطوة الخامسة: استخدام البديل عن ذلك العود الرذيل، بعود السنة الطاهر، فعليك بكثرة السواك، فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب، ومع استخدامك للبديل فعليك بالاهتمام بالخطوة التالية:

    الخطوة السادسة: جاهد نفس على الثبات على الترك، فإن من أعدائك نفسك التي بين جنبيك، فجاهدها على الترك، ولا تترك لها فرصة للعبث بك، فالنفس إن أتبعتها هواها، فاعلم أنها مهلكتك لا محالة، وتذكر دائماً، بل يكن شعارك قول الحق تبارك وتعالى:]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[ [العنكبوت:69].

    ومن المجاهدة زيارة العيادات التي يُكافح فيها التدخين، ويُعالج المدخنين، فإن هذا من طلب العلاج المشروع، وطرق الباب الصحيح، وأنت تجاهد نفسك دائماً لا تنس ما في الخطوة التالية:
    الخطوة السابعة: احذر ثم احذر من صحبة أهل الغي والفساد، فإنهم هم سبب البلاء، والعودة للبلاء، فإذا نجاك الله من هذا البلاء فتجنب رفقاء السوء والشقاء، فمهما كانت عندك من عزيمة، وصدق توبة، وعلاج فإن جلسة مع رفقاء السوء ستعيدك لما كنت عليه وأسواء.

    وتأمل معي قصة هذا الشاب:
    شابٌ كان خيرة شباب زمانه، كان الأول في دراسته، والبار بوالدته، شاب سوي، لبيب ذكي، فلما أشتد عوده، وَبَدَتْ رجوُلَتُه، وتعلقت به أمه، سولت له نفسه فسلك طريق الغواية فتعاطى أول طريقه شُرْبَ الدخان فانفتحت عليه بوابة الهلاك فساء حاله، وفَشِلَ في دراسته، وأغضب أمه، وقبلها ربه.
    لما تعاطاه فَسُدَتْ أَخْلَاقُه، وَضَعُفَتْ ذَاكِرَتُه، وَسَاءَ طَبْعُه، وقَلَّ في النَّاسِ حَيَاؤْه.
    ثم اسْتَمَرَّ على حاله وهو يعب في الدخان عبَّا، حتى ترك دراسته، والتحق بوظيفة ليست هي أمنيته في صغره، ولا في مستوى ذكائه.
    إنه عندما دخل بوابة الهلاك، بوابة عالم الأحزان، شرب الدخان الذي جر عليه جميعَ الشرور من المخدرات والمفترات، فما زال على هذا الطريق المشين الذي اسْوَدَّ فيه وجهه بعد قلبه.
    وظل على هذا الحال حتى الْتَمَّ له على صحبة هم للفساد قواد، وللرذيلة رواد، فسلك سبيلهم، وتخلق بأخلاقهم، فاكتسب منهم رذيلَ الأخلاق، وفاحشَ القول، وقبيحَ الفعال، وظلوا جميعاً في الفساد يتقلبون، ومن الرذائل يعبون، وتنوعت بهم المعاصي والآثام، فكل يوم لهم قصة فساد، وحكاية ضلال.
    وفي يوم من الأيام سطو على سيارة فسرقوها وأخذوا يلعبون بها، وأصوات الأغاني صاخبة، وهم في حال لا يعلمه إلا علامُ الغيوب، ومع سرعتهم بهذه السيارة، وهم أربعة في أعمار الزهور، ارتطموا بعمود إنارةِ فهلكوا جميعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
    خاتمة... لا يتمناها عاقل، ونهاية مخيفة مؤسفة، وحال لا يُظن بها الحُسْن، وهي للسوء أقرب، وبعد هذه الخاتمة، والعاقبة السيئة فإن أردت الخلاص من هؤلاء الرفقاء فعليك بالخطوة التالية:
    الخطوة الثامنة: عليك بصحبة الصالحين، وترك صحبة الضالين البطالين، فإن الصالحين لا يغشون مواطن الشبهات، ولا يأتون مواطن الريب، فمجالسهم ضياء وصلاح، ومصاحبتهم بر وفلاح، لا يَحُثُّون إلا على الخير، ولا يدعون إلا إلى البر.

    واعلم أن شياطين الجن والإنس لن يتركوك حتى يعيدوك ثم يهلكوك، فصحبة أهل الغي والفساد من أعظم أسباب الانتكاسات، وضياع الأعمار، وفساد الخاتمة والعياذ بالله، وأنت مع هؤلاء الصالحين فعليك بالخطوة التالية:

    الخطوة التاسعة: اشغل وقتك بالمفيد، واحذر الفراغ، فإن الفراغ يدعوك لممارسة هذه العادة السيئة، وبعد هذه الخطوات ليكن أول أمرك وأوسطه وآخره ما في الخطوة الأخيرة:

    الخطوة الأخيرة: كثرة الدعاء واللجاء إلى الله تعالى بأن ينجيك ويخلصك مما أنت فيه، وأن يثبتك على الترك، فانطرح بين يدي الكريم في طلب العون والثبات، فإن من قصد بابه رشد، وأفلح ونجا وهدي، ومن ضل عن بابه غوي وانحرف.
    وختاماً: أوصيك بأن تعمل بهذه الخطوات، وقلب النظر فيها بين الفينة والأخرى فتيقن أنها ستساعدك - بإذن الله تعالى - للخلاص من هذه العادة. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا بأن يعافي كل مبتلى، اللهم عافي كل مبتلى، اللهم عافي كل مبتلى.
    اللهم ارزقنا توبة نصوحاً قبل الموت، وشهادة عند الموت، وجنة ورضواناً بعد الموت.

  19. #19

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    حق المستضعفين فى أفغانستان وفلسطين

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله:

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} سورة آل عمران: 102.

    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء: 1



    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} سورة الأحزاب: 70 ، 71.



    أما بعد ..



    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.

    ثم أما بعد ...

    فحياكم الله جميعاً أيها الأخوة الأخيار وأيتها الأخوات الفاضلات وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله عز وجل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الذى جمعنا فى هذه الدنيا دائماً وأبدا على طاعته أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار مقامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

    أحبتى فى الله:

    حقوق يجب أن تعرف سلسلة منهجية تحدد الدواء من القرآن والسنة لهذا الداء العضال الذى استشرى فى جسد الأمة ألا وهو الانفصام النكد بين منهجها المنير وواقعها المؤلم المرير، فأنا لا أعرف زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها ونبيها كهذا الزمان فأردت أن أذكر نفسى وأمتى بهذه الحقوق الكبيرة التى ضاعت لعلها أن تسمع من جديد عن الله عز وجل، ولعلها أن تسمع من جديد عن رسول الله ، وتردد مع الصادقين السابقين الأولين قولتهم الخالدة: { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (285) سورة البقرة.

    ونحن اليوم على موعد مع اللقاء السابع والعشرين من لقاءات هذه السلسلة الكريمة وحديثنا اليوم عن حق جليل كبير ألا وهو حق المستضعفين فى أفغانستان وفلسطين.

    فأعيرونى القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يرزفنا الصدق فى القول والعمل وأن يقر أعيننا بنصرة المستضعفين من المسلمين فى كل بقاع الأرض وأن يشفى صدور قوم مؤمنين بهزيمة ساحقة لأعداء رب العالمين وأعداء المسلمين، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

    وكعادتى وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعا من تحت أقدامنا لأن الحديث طويل بطول آلامه مؤلم بكثرة دمائه ممزق للقلوب الحية بكثرة الأشلاء المتبعثرة الممزقة فأرجو أن نركز الحديث فى العناصر التالية.



    أولاً: أمة الجسد الواحد.

    ثانياً: أمة الغثاء.

    ثالثاً: أين واجب النصرة؟.

    رابعاً: أيها المظلوم صبرا لا تهن.

    وأخيراً: من رحم الليل يولد ضوء الصباح.



    فأعيرونى القلوب والأسماع جيداً ، والله أسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وألا يخرج منا إلا ما يرضيه سبحانه، إنه ولى ذلك ومولاه.



    أولاً: أمة الجسد الواحد:

    كان العرب أمة ممزقة قبل الإسلام لا وزن لهم ولا قيمة، لو تصفحت التاريخ وقرأت عن حروب العرب لوقفت على قيمة هذا الدين العظيم، الذى حولهم من غثاء: من قبائل متناثرة ومن أمم متمزقة متصارعة، إلى أمة واحدة، لذا أمتن الله عز وجل عليهم بهذه النعمة العظيمة الكبيرة وقال سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (103) سورة آل عمران.

    كانوا متفرقين وكانوا على شفا حفرة تودى بهم إلى نار الدنيا والآخرة بشركهم بالله جل وعلا وتصارعهم وتحاربهم، فجاء النبى فدعاهم إلى التوحيد فاستنقذهم من شرك العصبية والوثنية إلى أنوار الألفة والتوحيد لرب البرية جل جلاله فأذلوا كسرى وأهانوا قيصر وأقاموا للإسلام دولة من فتات متناثرة وسط صحراء تموج بالكفر موجا فإذا دولة الإسلام بناء شامخ لا يطاوله بناء وذلك فى فترة لا تساوى فى حساب الزمن شيئاً على الإطلاق يوم آخى رسول الله بينهم، ووحدت العقيدة صفوفهم وجمعتهم على لسان وقلب رجل واحد فجاء المصطفى فآخى بين سلمان الفارسى وحمزة القرشى وصهيب الرومى ومعاذ اجتمعوا فى بوتقة واحدة جمعتهم أواصر العقيدة جمعتهم الأخوة الإيمانية، التى لا نظير لها فى كل الشرائع الوضعية على وجه الأرض، لأنها أخوة تعلو على أخوة النسب والعرق واللون والوطن، إنها الأخوة فى الله.

    فالمؤمنون جميعا استطاع النبى أن يجعل منهم درحة واحدة متشابكة الأغصان متلاصفة الأوراق انصهروا فى بوتقة الحب فى الله فرأيت منهم العجب العجاب، ولو لم نكن على يقين بأن ما سنذكر بعضه جاء عن الصادق الذى لا ينطق عن الهوى لعلمنا أنه من نسج الخيال؛ لأنه لا يمكن بحال أن يقع فى دنيا الناس، اللهم إذا كان المربى لهؤلاء الناس هو المصطفى .

    تدبر معى هذه النماذج ولن أطيل فيها، تدبر معى هذا النموذج العظيم الأول:

    فى الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: آخى النبى بين عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين وبين سعد بن الربيع الأنصارى رضى الله عنهم: آخى رسول بينى وبين سعد بن الربيع الأنصارى يوم أن هاجروا من مكة إلى المدينة أختار النبى سعد بن الربيع أخاً فى الإسلام لعبد الرحمن بن عوف المهاجر من مكة.

    تدبر ماذا قال الأخ لأخيه، قال سعد بن الربيع: يا عبد الرحمن، أنا أكثر الأنصار مالا وسأقسم مالى بينى وبينك شطرين، ولى زوجتان فانظر إلى أعجبهما إليك لأطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها.

    والله إن الخلق ليجف وإن القلب ليرتعد حرجا ووجلا وإن الكلمات كلها تتوارى خجلاً وحياء أمام هذه الأخوة.

    قلت لحضراتكم الآن: لولا أن الحديث فى الصحيحين لظننت أنه من نسج الخيال أن يقول رجل عربى له شهامة وعنده من الرجولة ما نعلم جميعا يقول لأخيه: سأقسم مالى بينى وبينك شطرين ولى زوجتان فانظر إلى أعجبهما إليك لأطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها.

    فيرد عليه العفيف الشريف عبد الرحمن بن عوف: بارك الله فى أهلك ومالك ولكن دلنى على السوق. فدله على السوق سوق بنى قينقاع فباع واشترى وربح وجاء إلى النبى وبه أثر صفرة أثر طيب فقال له النبى "مهيم" ..... يعنى . ماذا صنعت
    يا عبد الرحمن؟ قال: تزوجت امرأة من الأنصار يا رسول الله. قال النبى :
    "وما سقت إليها من مهر" فقال: سقت لها مقدار نواة من ذهب قال المصطفى:" أولم
    ولو بشاة" ([1]) .

    الشاهد: إن سألنى سائل: وأين الآن من يعطى عطاء سعد بن الربيع؟! والجواب: وأين من يتعفف عفة عبد الرحمن بن عوف؟! فلقد وجد سعد يوم وجد عبد الرحمن، وضاع سعد يوم ضاع عبد الرحمن.

    جاء رجل إلى أحد الأغنياء الأثرياء ليسأله الصدقة بإلحاح فلما امتنع الغنى قال له الفقير: أين من ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية؟! فقال له: ذهبوا مع من لا يسألون الناس إلحافا.

    إنه مجتمع فريد فيه سعد وفيه عبد الرحمن، فيه من يبذل وفيه من يتعفف والمربى لسعد وعبد الرحمن هو الإسلام بقيادة المصطفى الذى رباه الله على عينه وربى به الدنيا. بأبى هو وأمى ونفسى وروحى.

    موقف من مواقف الأمة ذات الجسد الواحد وانظر إلى هذا الموقف الذى يتألق عزة واسمحوا لى أن أكرر، فإن المسلم الآن يتطلع إلى بصيص من عزة ولو فى الماضى؛ ليضمد به الجراح، إنه موقف ربعى، ذكرت الموقف كثيرا ولكننا فى أمس الحاجة إلى ذكره الآن لنقف على أمة الجسد الواحد وبما كانت تمتلكه من عزة ومكانة وكرامة.

    ربعى بن عامر جندى متواضع فى الجيش المسلم يرسل به قائد القادسية سعد بن أبى وقاص إلى قائد الجيوش الكسروية الجرارة رستم ويدخل ربعى بثيابه المتواضعة دون الوقوف على جزئيات الموقف والحدث يقول له رستم: من أنتم؟ فيقول ربعى الذى عرف الغاية وفهم الوظيفة التى من أجلها ابتعث يقول: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة فمن قبل قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن حال بيننا وبين دعوة الناس لدين الله قاتلناه حتى نفضى إلى موعود الله قال رستم: وما موعود الله؟ قال ربعى: الجنة لمن مات منا والنصر لمن بقى من إخواننا، قال رستم: سمعت مقالتك فهل لكم أن تؤجلونا الآن لننظر فى أمرنا ولننظر فى أمركم.

    قال ربعى: لقد سن لنا نبينا ألا نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ليال فانظر فى أمرك وأمرهم واختر لنفسك واحدة من ثلاث.

    يالها من عزة وكرامة، قال رستم: ما هى؟ قال ربعى: الأولى: الإسلام ونرجع عنك، هذه الغاية أن تسلم لله جل وعلا قال رستم: وما الثانية؟ قال: الجزية وإن احتجت إلى نصرتنا نصرناك الجزية التى تدفعها الآن الأمة كاملة غير من أغرب ما قرأت فى اليومين الماضيين، أن تقريرا أمنياً وضعه البنتاجون الأمريكى ما يقرب على عشر. هذا التقرير الأمنى يطالب العرب والمسلمين بنفقات الحرب الأمريكية على أفغانستان، هل تعلمون تكلفة اليوم الواحد؟ تتكلف أمريكا فى اليوم الواحد فى حربها على أفغانستان فى اليوم الواحد ما يزيد على مائة مليون دولار، وليدفع العرب، وليحيا العرب، وليبارك الله فى بترول العرب، تكلفة اليوم الواحد ما يزيد على مائة مليون دولار.

    فالصاروخ تزيد قيمته على مليونى دولار والقنبلة الانشطارية التى تسقط الآن على أرض أفغانستان تزيد تكلفتها على نصف مليون دولار ويطالب الحقير الأمريكى بوش أن يتكلف العرب بتسديد هذه الفاتورة بدعوى أنها حرب على الإرهاب، والعالم العربى كله فى حاجة للقضاء على الإرهاب.

    حسبنا الله ونعم الوكيل، كل الكلمات ورب الكعبة أراها تنسحب من بين يدى، بأى لغة أعلق وبأى كلام أذيل على مثل هذا الكلام الخطير فالجزية اليوم تدفعها الأمة، وربعى يقول لرستم: الجزية، وإن احتجت إلى نصرتنا نصرناك قال رستم: وما الثالثة؟ قال ربعى: القتال ولن نبدأك بقتال فيما بين اليوم وبين اليوم الثالث إلا إن بدأتنا أنت فقال رستم: عرفتك أسيدهم أنت؟ أنت القائد قال: لا ولكن المسلمين كالجسد الواحد يسعى بذمتهم أدناهم على أعلاهم هذه أمة الجسد الواحد التى حققت قول المربى والمعلم كما فى الصحيحين من حديث النعمان:"مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"([2])

    هذه أمة الجسد الواحد التى حققت قول النبى كما فى الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى:" المؤمن للمؤمن كالبينان يشد بعضه بعضا" وشبك النبى بين أصابعه([3]).



    هذه أمة الجسد الواحد، ومن ثم استحقت هذه الأمة أن تخاطب من الله جل وعلا بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (110) سورة آل عمران. استحقت هذه الأمة أن تخاطب من الله جل وعلا وعلا بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء} (143) سورة البقرة. استحقت هذه الأمة أن تخاطب من الله بقوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (92) سورة الأنبياء. وإذا كان المراد بالآية هم الأنبياء فالخطاب لأمة سيد الأنبياء وإمام الأصفياء محمد ظلت هذه الأمة عزيزة ترفل فى ثوب العزة والكرامة حتى جئ بتاج كسرى بن هرمز ليوضع فى حجر عمر بن الخطاب رضى الله عنه تاج كسرى، يؤتى بتاج كسرى ليوضع بين يدى الفاروق وقيصر تفتت إمبراطوريته، وكسرى يمزق ملكه، وتنتشر وتعلو راية الإسلام على ثلثى الكرة الأرضية فى فترة لا تساوى فى حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، ارتفعت راية الإسلام فى قلب الصين فى قلب فرنسا فى إيطاليا فى أقصى الحدود المغربية.

    ارتفعت راية التوحيد فى قلب أوروبا على أيدى هؤلاء الأبطال الفاتحين الذين عرفوا الغاية التى من أجلها خلقوا والوظيفة التى من أجلها ابتعثوا ثم راحت تتخلى شيئا فشيئا عن ثوب عزها- أصل عزها- عن قرآن ربها، وسنة نبيها ، راحت الأمة تبتعد يوماً بعد يوم يوماً بعد يوم حتى وقع ما لم يكن يخطر البتة على با أحد، نحت الأمة شريعة الكبير المتعال وحكمت الأمة قوانين أخبث الرجال فى السياسة، فى الاقتصاد، فى الإعلام ، فى التعليم.

    فى كل نواحى الحياة ابحث عن شريعة الله وشريعة رسول الله ابحث عنها فى الأمة، ضاعت بل وإن من أنباء الأمة ليعلنها صريحة بلا خجل أو وجل أن الشريعة الإسلامية لم تعد صالحة لمدنية القرن العشرين، والقرن الحادى والعشرين بل يجب على الأمة إن أرادت أن تحاكى التقدم والانطلاق أن تحاكى الغرب المنتصر، وأن تحكم قوانينه، ولو اصطدمت مع شريعة الله ورسوله. استبدلت الأمة بالعبير بعرا، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقا محرقا مدمراً.



    وظنت الأمة أنها قد ركبت قوارب النجاة فغرقت وأغرقت وهلكت وأهلكت وضلت وأضلت، وصارت الأمة الآن ذليلة لأذل أهل الأرض لمن كتب الله عليم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير والصليبيين الحقيرين ولعباد البقر حتى الملحدين
    فى روسيا.



    وهذا هو عنصرنا الثانى: أمة غثاء: وصدقت الأمة قول الصادق الذى لا ينطق عن الهوى كما فى مسند أحمد وسنن أبى داود بسند صحيح من حديث ثوبان أن النبى قال: " يوشك- ولفظ يوشك للقريب توحى بالقرب- يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها".

    لقد أعلن بوش أنه سيعلن الحرب ضد الإرهاب وضمت القائمة ستين دولة وهذا هو عدد الدول العربية والإسلامية على وجه الأرض.

    "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال:"لا-كلا- ولكنكم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل".

    انظر إلى هذا الزبد الذى يقذف به السيل لا وزن له ولا قيمة يأرجحه لتيار حيثما شاء وأراد" ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وبقذف فى قلوبكم الوهن" قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال:" حب الدنيا وكراهية الموت"([4])



    صدق المصطفى الذى لا ينطق عن الهوى صارت الأمة غثاء من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدول، أستغفر الله كدويلات متناثرة متصارعة متحاربة تفصل بينها حدود جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية مقيتة وترفرف على سمائها رايات القومية والعروبة والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدوامات السياسية فلا تملك الأمة لنفسها حق الدوران بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذى تحب أن تدور فيه.

    ذلت الأمة بعد عزة وجهلت بعد علم وعفت بعد قوة، واصبحت فى ذيل القافلة البشرية بعد أن ، كانت فى الأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار، واصبحت تتسول على موائد الفكر البشرى بعد أن كانت بالأمس القريب منارة تهدى الحيارى والتائهين ممن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل وأرهقهم طول المشى فى التيه والظلام بل وأصبحت الأمة تتأرجح فى سيرها وضلت فى طريقها بعد أن كانت الأمة فى الأمس القريب الدليل الحاذق الأرب فى الدروب المتشابكة بل وفى الصحراء المهلكة التى لا يهتدى للسير فيها إلا المجربون.

    أهذه أمة دستورها القرآن وقائدها محمد ؟! أهذه هى الأمة التى خوطبت من الله سبحانه وتعالى بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } (110) سورة آل عمران؟! أهذه هى الأمة التى خوطبت من الله بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } (143) سورة البقرة؟! أهذه هى الأمة التى خوطبت من الله بقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } (103) سورة آل عمران.؟!.

    أنظر إلى الملايين المملينة التى لا تعرف شيئا عن شرع ربها، ضيعت الصلاة ضيعت الزكاة ، ضيعت الحج مع القدرة، تسأل غير الله ، تستعين بغير الله تستغيث بغير الله، تثق فى أمريكا وبعض دول الأرض أكثر من ثقتها فى الله، إلى آخر هذا الوباء والبلاء فى الأمة.

    الآن بات فى الأمة من يشرك بالله وبات فى الأمة من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. أنا لا أبالغ وأنا لا أريد أن ألهب العواطف بكلمات فارغة وإنما أتحدث عن واقع يعلمه كل مسلم وتعلمه كل مسلمة هذا واقع الأمة ابتعدت الأمة عن ربها فذلت، ابتعدت الأمة عن رسول الله فهانت، ابتعدت الأمة عن الإسلام فانكشفت سواءاتها وعوراتها، فطمع فيها اليهود أنجس أهل الأرض وهم يفعلون الآن بها فى فلسطين ما يندى له جبين التاريخ، بل ما يحترق له قلب كل مسلم غيور.

    يصرخ زعيم السلطة ويقول: بأنه يثق فى شارون وبأن شارون صديق حميم حريص على السلام قمة الذل قمة الاستجداء، شارون السفاح المجرم التى لطخت يداه بدماء المستضعفين فى فلسطين يوم أن كان ضابطاً صغيراً فى الجيش اليهودى- وإلى هذه اللحظة حريص على السلام صديق حميم- تُهدم البيوت وتسفك الدماء وتمزق الأشلاء وينتهك عرض الإسلام وعرض المقدسات والأمة تسمع وترى، والمسلمة
    فى فلسطين تقول: واإسلاماه وامعتصماه لكن أين المعتصم ما ثم معتصم يغيث أين
    زعماء العرب؟ أين حكام المسلمين؟ أين الجيوش المسلمة لتنقذ هذه المسلمة التى
    تنادى على المعتصم:



    ما ثم معتصم يغيث
    ذبحوا الصبى وأمه
    ذبحوا الصبى وأمه
    وعدوا على الأعراض
    يا ألف مليون مسلم وأين
    ما ثم معتصم يغيث
    آه يا ملسمون متنا قرونا
    أى شئ فى عالم الغاب نحن
    نحن لحم للطير والوحش منا
    وعلى المحصنات تبكى البواكى يا
    قد هوينا لما هوت وأعدوا
    واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا
    وإذا الجذر مات فى باطن الأرض






    من استغاث به وصاح
    وفتاة ذات الوشاح
    ذبحوا الصبى وأمه
    فى انتشاء وانشراح
    هم إذا دعت الجراح
    من استغاث به وصاح
    والمحاق الأعمى يليه محاق
    آدميون أم نعاج تساق
    الجثث الحمر والدم الدفاق
    يا لعرض الإسلام كيف يراق
    من الردى ترياق
    علينا واسودت الأعماق
    تموت الأغصان والأوراق

    تنادى على المسلمين فى بقاع الأرض مسلمة فى فلسطين، مسلمة فى أفغانستان، ومسلمة فى الشيشان، ومسلمة فى كشمير، ومسلمة فى طاجيكستان، ومسلمة فى الفلبين، ومسلمة فى الصومال، ومسلمة فى السودان، ومسلمة فى الجزائر وتقول:

    أنا لا أريد طعامكم وشرابكم
    أنا لا أريد طعامكم وشرابكم
    عرضى يدنس أين شيمتكم
    عرضى يدنس أين شيمتكم






    فدمى هنا يا مسلمون يراق
    فدمى هنا يا مسلمون يراق
    أما فيكم أبى قلبه خفاق
    أما فيكم أبى قلبه خفاق

    أختاه


    أختاه


    أختاه

    أمتنا التى تدعينها صارت
    أرادت قومية مشئومة وصارت






    على درب الخضوع تساق
    بها نحو الضياع رفاق

    فمدى إلى الرحمن أكف تضرعك، فمدى إلى الرحمن أكف تضرعك، إنه الذل إنه الهوان وددت لو أسمعت حكام العرب المسلمين مثل هذا، فأنا أعلم أنكم لا تملكون من الأمر شيئا إلا النذر اليسير، وددت لو أسمعت المة كلها مثل هذه الكلمات التى تذيب الصخور والحجارة ولكن القلوب صارت أقسى من الصخور وأشد من الحجارة.

    أين واجب هؤلاء؟!!!

    وهذا هو عنصرنا الثالث واجب النصرة:

    النصرة بالنفس لمن استطاع والنصرة بالمال لمن لم يقدر على نصرة هؤلاء المستضعفين بنفسه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (10، 11) سورة الصف.



    النصرة بالكلمة السياسة الآن تديرها الكلمة، تديرها الآن سياسة الإعلام اليهودية التى تتحكم فى الإدارة الأمريكية بل وفى الإدارة الأوروبية، هذه الجريدة الوقحة التى تعلن الحرب على مصر ورئيسها، وعلى السعودية وملكها، هذه الجريدة واشنطن بوست، ارجعوا إلى الجريدة، لتعرفوا مجلس إدارتها، لتعرفوا محرريها، ومن ينفق عليها فالجريدة كلها يهودية صرفة، رئيس مجلس الإدارة يهودى، المحررون يهود، فالشركة كلها مملوكة لأسرة يهودية آل واشنطن بوست حتى لا نستكثر على هذه الجريدة وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية هذه الحرب القذرة التى تشن الآن على مصر والسعودية؛ لأنهم يعلمون يقيناً وزن مصر ومكانة مصر ولا يريدون أبداً لمصر أن تتدخل لا من قريب ولا من بعيد فى مثل هذه الفتنة الطاحنة، ولكن سنؤكل ورب الكعبة جميعا يوم أكل الثور الأبيض.

    فالنصرة بالنفس والمال وبالكلمة وبتحقيق الولاء والبراء، وبإقامة الفرقان للإسلام للخروج من حالة الغبش التى تحياها الأمة وبإعداد بيتك إعداداً يليق بخطورة المرحلة المقبلة والتى لابد منها، ثم الدعاء وأنا أعى قدر كلمة الدعاء ولا أستهين بهذا السهم الذى إذا خرج من قوس مشدود وصادف القوس ساعداً قوياً لأصاب السهم الهدف بإذن الرب العلىَ، فنحن نريد الآن قلوباً تحترق ودعوات صادقة تخرج من هذه القلوب إلى عنان السماء ونحن مظلومون ليرفعها من حرم الظلم على نفسه ، فوق الغمام وليقول لها:" وعزتى وجلالى لأنصرنك ولو بعد حين"([5]).

    فوالله وإن تخلى العالم الغربى كله والعالم الإسلامى عن هؤلاء المستضعفين فى فلسطين وأفغانستان وفى كل مكان وكيف وربك عدل؟ كيف وما ربك ما بظلام للعبيد؟ كيف وربك حرم الظلم على نفسه؟" يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

    وهذا هو عنصرنا الرابع: من عناصر اللقاء بإيجاز شديد أيها المظلوم صبراً لا تهن إن عين الله لاتنام: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } (255) سورة البقرة. ولكنه الله أودع للكون سننا ربانية لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابى تلك السنن أحداً من خلقه بحال مهما أدعى لنفسه من مقومات المحاباة.

    قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (11) سورة الرعد.



    قال تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } (251) سورة البقرة. قال تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (40) سورة الحـج.



    وأنا أقسم بالله أن ما نراه الآن على أرض فلسطين وعلى أرض أفغانستان لهو النصرة الحقيقة لهؤلاء المستضعفين من رب العالمين.

    الانتفاضة مضى عليها عام أو يزيد: أسأل الآن أى يهودى على أرض فلسطين هل يشعر بالأمن هل يشعر بالاستقرار سل جنرالات اليهود الكبار يصرح أحد جنرالاتهم ويقول: صرت أخشى كل شئ فى الشارع صرت أخشى صندوق القمامة صرت أخشى الدراجة التى تمر أمامى وأخشى أن تنفجر فى وجهى فى أى لحظة: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } (140) سورة آل عمران.



    ثم انظر إلى سلاح هؤلاء، وإلى ترسانة هؤلاء انظر إلى سلاح اليهود وسلاح المستضعفين الفلسطينيين، لا وجه للمقارنة صار الحجر فى أيدى الطفل المسلم بتلألأ سيتوهج كأنه قنبلة.



    أذكر ورب الكعبة كل ما رأت عينى من مشهد رقراق، مشهد طفل جرى وراء يهودى يجرى أمامه وهو مدجج بالسلاح يجرى وراءه بالحجر أتذكر قول ربى لنبى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } (17) سورة الأنفال. لماذا يجرى اليهودى؟ جبان ولماذا يقدم الطفل الفلسطينى الذى علم الدنيا كلها أن محمداً ما مات وما خلف ينات، بل خلف أطفالاً رجالاً أبطالاً علموا الدنيا كلها كيف يكون الذود عن الكرامة والعرض والمقدسات، علموا الحكام والزعماء حقيقة الشرف، وشرف البطولة وعظمة
    الفداء إنه النصر لهم إنه النصر: { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (40) سورة الحـج.

    أقسم برب الكعبة إنه النصر مضى عام، والأطفال الأبطال ما ماتت لهم شكيمة ما سلموا وما استسلموا بل يرقد الآخرون بذل وعار للاستسلام ولتوقيع الذل والمهانة، ولكن هؤلاء يأبون الذل ويأبون الضيم ويأبون إلا الكرامة ويقفون فى الصف ويتصدون لهذه الترسانة الرهيبة اليهودية بل وإن شئت فقل لهذه الترسانة الأمريكية بكل عز وكرامة.



    إنه النصر صار كل وزير يهودى يخشى على نفسه يفتش فى بيته، يفتش فى حديقته، يخشى من أى شئ، ماذا تريدون بعد ذلك؟

    وإذا انتقلت إلى أفغانستان أقول بملء الفم فى الأسبوع الرابع على التوالى فى الحملة الأمريكية على أفغانستان يصرح البنتاجون: إن الحملة قد حققت عشرة فى المائة(10%) من أهدافها ، وأنا أقول: لم تحقق الحملة ولا واحدا فى المائة (1%) من أهدافها ما زال كل من يبحثون عنهم موجودين بفضل الله.

    وما زال الأسود فى كهوفهم ينتظرون الجيش الأمريكي، الذى لا يجيد إلا الرمى من فوق والهرب، ينتظرون الجيش ينزل على الأرض كما صرح الملا محمد عمر يقول: نتشوق للقاء الجيش الأمريكى على الأرض لنلقنهم درساً أقسى من الدرس الذى لقناه للروس بإذن الله، ما سقط على أفغانستان من صواريخ وقنابل كان كفيلاً لو أن الأمور تسير بالطبيعة والقوانين المادية كما يحدث العلمانيون، لو أن الأمور تسير هكذا كان تسير بالطبيعة والقوانين المادية كما يحدث العلمانيون، لو أن الأمور تسير هكذا ما سقط على أفغانستان كفيلاً بمحو أفغانستان من على خريطة العالم وووجه الأرض.



    ولكن ما زالت أفغانستان قائمة ولكن الأبطال ما زالوا قائمين ينتظرون، بل ولقد أصيبت المعنوبات الأمريكية فى الداخل والخارج بنكسه شديدة، وبدأت بعض الأصوات فى قلب أمريكا تنادى وتقول: ما الذى حققته الحملة الأمريكية على أفغانستان إلى
    هذه اللحظة؟

    لم تحقق أى شئ وقرأت فى اليومين الماضيين فقط تقريراً خطيراً رُفع إلى الرئيس الأمريكى: إن التكلفة اليومية كما ذكرت للحرب فى أفغانستان تزيد على مائة مليون دولار، يقول التقرير: ولن تستطيع أمريكا أن تصمد أكثر من سته أشهر وإلا ستسقط أمريكا اقتصادياً (لا نقدر أت نستمر أكثر من ستة أشهر فى النفقات الرهيبة).

    تقرير أمنى فى منتهى الخطورة، لذلك يريدون أن يحملوا العرب الفاتورة، كما ذكرت هزيمة اقتصادية بالفعل سياسية.

    يقين عسكرى حتمى سقطت هيبة القوة العظمى سياسياً ، عسكرياً، اقتصادياً لكن إن يسألنى رجل: لماذا لم تنته بالكلية؟ أقول: حتى لا نحاسب الأمم وحتى لا نحكم على أعمال الأمم بحكمنا على أعمال الأفراد، أقول: لو أصيب شيخ بفيروس وأصيب شاب قوى بنفس الفيروس فإن تحمل الشيخ للفيروس لا يكون بحال كتحمل الشاب.

    وأمريكا فى مرحلة الشباب فى مرحلة الفتوة، قوية بلا شك فلا أريد أن أنقض كلامى لأدفن رأسى فى الرمل كالنعام، قوة عسكرية رهيبة، قوة إقتصادية، قوة سياسية تسوق العالم كله بعصا غليظة لكن الفيروس أصابها وأصابها فى مقتل والله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} (12) سورة البروج.

    لكنها سنن فلو تخلى أهل الأرض عن هؤلاء المستضعفين لكان الله معهم ويا لها من معية كريمة، عرف إخواننا هنالك قدرها، ورب الكعبة لقد رأيت رجلاً إعلامياً يحاور رجلاً بسيطاً من هؤلاء الطلبانيين ويقول له: لقد جيشت أمريكا الجيوش فبأى شئ استعددتم أنتم لصد هذه الترسانة الرهيبة؟!!!! فابتسم الأخ ابتسامة لطيفة جميلة
    وقال له: معنا الله.

    يا لها من معية جهلت الأمة قدرها وجلالها، نعم معهم من يدير أمر الكون تطلق أمريكا الصواريخ للتجسس فتأتى كل الصور التى التقطتها أحدث وسائل التقنية تأتى جل الصور مشوهة مشوشة، قرأت بنفسى لطيار أمريكى يقول: أصعد بطائرتى وقد حملت بالأسلحة وأصعد على الهدف الذى أخذت وحينما أصل إلى مكان الهدف لا أرى شيئاً.

    قد يكون ذلك فعل ربى وما ذلك عليه بعزيز، ثم بعد ذلك علمت أن إخواننا يضعون أهدافا وهمية على الأرض ليضربها الأمريكان يضعون قاعدة كرتونية للدبابات، قاعدة للطيران، قاعدة للمدافع، وهى مصنعة من الكارتون قاعدة وهمية ويصعد عليها الطيار ويسقط عليها حمولة تزيد قيمتها على خمسة ملايين دولار؛ ليحرقوا مجموعة من الكارتون لا يصل قيمتها إلى دولار وصدق العزيز الغفار:

    {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) سورة الأنفال

    لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك لقد مضى الوقت سريعاً، أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا بنصرة هؤلاء المستضعفين فى فلسطين وفى أفغانستان وفى الشيشان وفى كل مكان أقو قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.



    الخطبة الثانية:

    إن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقة وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته. وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وآصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    فأخيراً أيها الأحبة:



    فمن رحم الليل يولد نور الصبح: يشرق ضوء الفجر وإن أشد ساعات الليل سوادا هى الساعة التى يأتى بعدها ضوء الفجر مباشرة، ولقد اشتد الظلام واستحكمت حلقاته اشتد الظلم واشتد الكرب وكلما اشتد استبشرنا بنور الصبح وبإشراقة الفجر بموعود الله جل جلاله:

    تدبر معى هذا الخبر وفكر فيه جيداً، فلقد ذكرت فى أول هذه الأزمة أننى ألمح فيها خيراً كثيراً وها أنا ذا أؤكد لحضراتكم ما ذكرت، فحينما ذكرت ما ذكرت ليس ذلك من باب الأحلام الوردية، ولا من باب السياسة الجاهلة القاصرة ولا حتى من باب التنبؤ بالغيب ولكن من خلال فهمى لقرآن الله وسنة الحبيب رسول الله .

    قلت: لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم:

    خذ الخبر رفع تقرير فى غاية الخطورة للبيت الأبيض يقول بأنه من تاريخ 11 سبتمبر وهو يوم الأحداث إلى تاريخ 12 أكتوبر أسلم فى أمريكا ثلاثة آلاف من الأمريكان هل تصدق هل تصدق مثل هذا الرقم؟ فى شهر ألم أقل: لا تحسبوه شرا لكم بل
    هو خير لكم.

    قد ينظر بعضنا إلى الأمور نظرة ضيقة فيقع الإحباط واليأس لكن لو نظرت إلى الحدث نظرة شمولية واسعة من خلال فهمك لأيات الله، والسنن الربانية التى أودعها الله كونه لمحت من وراء كل حدث خيراً عظيماً وإن غاب عنك، فإن الحكمة ما غابت عن الحكيم الخبير، لقد تجمعت الأمة بكل ما تملك من طاقة إعلامية ودعوية لتبلغ الإسلام فى الأرض كما شاء الله.

    وفى مثل هذا الحدث تحدث زعماء الغرب بوش، ورئيس وزراء بريطانيا، ورئيس وزراء إيطاليا، حتى بوتين فى روسيا الكل تحدث عن الإسلام وعن سماحة الإسلام وعن أخلاق الإسلام فسمع الكثيرون من القريبين، ولأول مرة كلمة الإسلام، وشيئاً من الصورة الحقيقة للإسلام، فدخل هذا العدد الضخم بكل المقاييس الإسلام فى شهر واحد لماذا لأن الجهات الأمنية فى أمريكا أمرت الجهات والمراكز الإسلامية والمساجد أن تتحرك لتظهر الواجهة المشرقة الحقيقية للإسلام فتحركت كل الجمعيات التى قيدها اليهود قبل ذلك، تحركت بأمر من الجهات الأمنية أو إن شئت فقل بتقدير من خالق البشرية جل جلاله، فكانت النتيجة أن يسلم ما يزيد على ثلاثة آلاف رجل وامرأة من الأمريكان أنفسهم إنه وعد الله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (8) سورة الصف.

  20. #20
    عضو نشيط الصورة الرمزية *الوعد الصادق*
    تاريخ التسجيل
    10 2009
    الدولة
    من ارض يفوح منها عبق الشهادة
    المشاركات
    2,667

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيك أخي الكريم

  21. #21
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو الوليد المهاجر
    تاريخ التسجيل
    07 2008
    الدولة
    على سواحل الشام
    المشاركات
    2,426

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    جزيت الجنة

  22. #22

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بارك الله فيك

  23. #23
    عضو نشيط الصورة الرمزية أبو البتار H
    تاريخ التسجيل
    07 2007
    الدولة
    حيث هزم التتار
    المشاركات
    13,084

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    خطبة رائعة بعنوان
    فقه الـــحُــبّ
    لشيخ
    بلال بن عبد الصابر قديري


    ملخص الخطبة: 1- أهمية الفقه في الدين. 2- حال الناس معه وخروجهم به عن المعنى الحق. 3- أعظم الحب حب الله وحب رسوله $ . 4- الأخوّة الإسلامية من الحب المحمود. 5- الحب بين الزوجين. 6- مظاهر من الحب الدنيء. 7- التحذير من عيد الحب.

    مهما يكن من شيءٍ بعد: فإن أبلغ الوصايا وأنفعها, وأهم النصائح وأرفعها, هي الوصيةُ بتقوى الله عز وجل, إذ لا خير يدرك, ولا رحمة تنزل, ولا علم يُحَصَّلُ إلا بالتقوى, التي ملاكها وجماع خيرها, أن تعبدوا الله كأنكم ترونه, فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم.
    أيها الناس :لا شك أن من أشرف العلوم بعد علم العقائد والتوحيد علمُ الفقه في دين الله, إذ به يُعْبَدُ الله على هُدىً وبصيرة, وبَيِّنَةٍ من الأمر, وقد صح في الخبر عن رسول الله $ أنه قال(من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) رواه أحمد والطبراني, والفقه لغة: الفهم والإيضاح, وفي اصطلاح العلماء: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية, والفقيه هو المستنبط للأحكام, ويكون الفقه تارةً فرضاً عينيَِّاً, وتارةً فرضاً كفائياً, قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122].
    ونحن اليوم يا عباد الله بصدد التفقه في أمر عمت به البلوى, وشغل به أهل المدر والوبر, لاسيما الشباب منهم, ممن يعيشون للهوى وأحلام اليقظة, الذين يبدأ تاريخ حياتهم بالحاء, ثم لا يلبث أن ينتهي بالباء, إنه الحب.
    الحب جِبِلَّةٌ في الخلق, وفطرة في النفوس, فكل قلب يخفق بحب, وكل لسان يلهج بذكر محبوب, وكل أذنٍ تطرب بسماع كلام حبيب, ولكن شتان بين حُبٍ وحُب, وشتان بين قلب امتلأ حباً للرحمن, وقلوب اشتغلت حباً للأخدان والمردان, قال الله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}[البقرة:165] وقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54] وليس العجب أن يحبوه, فهو المتفضل بالنعم والعطايا سبحانه, ولكن العجب أن يحبهم مع غناه عنهم, وعدم حاجته إليهم.
    أيها الناس: لكن ناساً من الناس خرجوا بالحب عمّا ينبغي أن يكون عليه, إلى معانٍ أخرى مبتذلة, فتحت مظلة الحب المحرَّم انتهكت الحرمات, وارتكبت المحرمات, فحاربوا الله بالعظائم: أرق بالليل, وحَرَقٌ بالنهار, وغرق في أَسَنِ الرذيلة, ولا أدلَّ على تعلق جمعٍ من الشباب بالحب المحرّم من تلك القصائد على صفحات الجرائد, اقرأ ما يكتبون, واسمع ما ينطقون, تجدهم وقد ذهبت أيامهم في المغازلات والمطاردات, فما أدركوا إلا الهم والأرق, لأن الله أبى إلا أن يعذب من تعلق بسواه.

    تولَّعَ بالعشق حتى عشق فلما استقلَّ به لم يطق
    رأى لُجَةً ظنها موجةً فلما تمكَّن منها غرق
    وشطَّ بعضهم في الحب غلواً أخرجه عن الحد, فأوجب لهم الإثم, وعَظُمَ منهم الجرم, يقول مجنونهم في اعتراض سافرٍ على الملك القهَّار:
    أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوبي
    وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
    ويقول قيس بن ملوَّح في ليلاه التي غدت قبلته, وصارت كعبته:
    أراني إذا صليت رُمت نحوها بوجهي وإن كان المصلَّى ورائيا
    وما بِيَ إشراكٌ ولكنَّ حبها وعِظْمَ الجوى أعيا الطبيب المداويا
    فربما أخرج الحب ناساً من الملة والدين, وحياض المسلمين.
    ولئن كان أهل الجاهلية قصر إثمهم في حب الرجال للنساء, فإن فتنة أهل زماننا بالحب أشد وأفظع, فلقد شغل الذكور بالذكور, والإناث بالإناث, فيما تعارف الناس على تسميته بالعشق أو الإعجاب, نعوذ بالله من الخذلان.
    والسبب الذي أورد الشباب العطب, خواء قلوبهم من حب الله, لأن النفس البشرية لو كان لها شغل بالخالق, لما أحبت المزاحمة بما يسخطه, وقديماً قيل: من عشق طريق اليمن لم يلتفت إلى الشام, قال الله عز وجل:{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} [البقرة:165].
    فيا عشاق القَدِّ والخد, كيف طابت نفوسكم أن تجعلوا لله الدُّونَ من قلوبكم, وما تعلق قلب بغير الله إلا بَاءَ ذِلَةً وقِلَّةً وهواناً، فالله تعالى هو المستحق لكمال المحبة, فقد أطعم من جوع, وكسا من عُريِّ, وآمن من خوف, وآوى من بعد وحشة, وأغنى من بعد فقر, وجبر من بعد كسر.
    حب الله يورث سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب, وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَ إِليَّ مما افترضته عليه, وما يزال يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه)) رواه البخاري.
    ومن أحبَّ اللهَ, أحبَّ لقاء اللهِ, ومن أحبَّ لقاء اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، هذا حرام بن ملحان يُطعن بالرمح من خلفه يوم أُحدٍ, حتى نفذ من بطنه, فيفرغ الدم على وجه من طعنه ويقول: فزت ورب الكعبة, فهنيئاً له {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم:96] وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي $ قال( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان, أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقْذَفَ في النار)) متفق عليه.
    أيها الناس: المصطفى $ حبيب رب العالمين وخليله, جعل الله حبه أساساً في الإيمان وأصلاً, فلا يتم الإيمان إلا إذا كان $ أحب إليك من مالك وولدك ونفسك والناس أجمعين, وكم حزنت نفوسٌ أنها لم تحظى بلقياه, ولم تكتحل عيونهم برؤياه, ولكن من يا ترى يصدق فيه قول النبي $: ((مِن أشد أمتي لي حباً, ناسٌ يكونون بعدي, يَوَدُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله)) رواه مسلم.
    روى أهل العلم من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله $ وكان شديد الحب للنبي $ قليل الصبر عنه, فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه, فقال له $(ما غير لونك يا ثوبان؟)) فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع, غير أنني إذا لم أراك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك, ثم ذكرت الآخرة, فأخاف ألا أراك, لأنك سترفع مع النبيين, وإني إن دخلت الجنة, فأنا في منزلة أدنى من منزلتك, وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً, فنزل قوله تعالى:{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً} [النساء:69] وما أحبَّ أحدٌ من الناس أحداً كحب أصحاب محمدٍ $ محمداً, فكانوا يحبونه أشدَّ من حبهم للماء البارد في اليوم القائظ, فكانت كل مصيبةٍ بعده جلل.
    فاستبشر بمثل حديث النبي $ حين جاءه رجل من أهل البادية يسأله عن الساعة, قال: ((ويلك ما أعددت لها؟)) قال: ما أعددت لها كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة إلا أنيّ أحب الله ورسوله, قال: ((فإنك مع من أحببت)) قال راوي الحديث: قلنا ونحن كذلك؟ قال(نعم))، قال ففرحنا فرحاً شديداً يومئذ. متفق عليه.
    قال أنس بن مالك وهو الراوي : ونحن نحب أبا بكر وعمر, نعمل بأعمالهم فنرجوا الله أن يحشرنا معهم .
    ولم يكن حب النبي $ مما انفرد به أصحابه عن غيرهم, بل إن جذع النخلة التي كان يخطب عليها, وتركها لما صُنِعَ له المنبر, حنَّ لفراقه, وخارَ خُوَارَ الناقة العُشَرَاء, وما هدأ حتى نزل الحبيب $ من على منبره وسكَّنه, وليس هذا فحسب بل إنه عليه الصلاة والسلام لما جاء يوم النحر من حجة الوداع, ووقف لينحر هديه, طفقت الإبل تزدلف إليه سراعاً, بأيَّتِهنَّ يبدأ, فنحر ثلاثة وستين بدنةً بيده وتوقف, فكان ما نحر بعدد سِنيِّ عمره $.
    أيها الناس: الأخوَّة الإسلامية من روابط المحبة الوثقى بين المسلمين, فمَثلُهُم في التوَّاد والتراحم كمثل الجسد الواحد, وهم لبعضٍ كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ومحبة المسلمين فيما بينهم, يجب أن تكون لله وفي الله, لا تبنى على عوارض الدنيا وأغراضها, ففي الحديث أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ((رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وعليه تفرقا)) لأنه حينما يكون الإخاء خالصاً لله, والوُد قائماً على الإيمان بالله, والترابط يَشُدُ عراه حبل الإيمان, يكون من ثماره مثل قول النبي $: ((إن من عباد الله أناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء, يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله)), قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم؟ قال: ((هم قوم تحابوا في الله علي غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها)) رواه أبو داود.
    أيها المسلمون:ومن المحبة الجبلِّيَّة تلك المودة الكامنة بين الزوجين: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم؛21]. فإن آثار هذه المودة تبدو ظاهرة للعيان, مجلَّاةً في حياة كل زوجين, ولا يخفي على ذي اللُّبِّ والبصيرة الآثار الاجتماعية الرائعة التي تنبعث من المحبة بين الزوجين، من سلامٍ واطمئنانٍ يحيط الأجواء, ويعبق الحياة.
    وهذا النبي $ يعلم أمته أن حُبَّ الرجل لزوجته من مكارم الأخلاق, فيظهر حبه لزوجته ولا يكتمه, وذلك لمَّا سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه: يا رسول الله أيُّ الناس أحبُ إليك؟ قال(عائشة)) قلت فمن الرجال؟ قال(أبوها)) متفق عليه, وهي رضي الله عنها تقول له $ : والله إني لأحبك وأحب قربك ... , ففي الحب الحلال للزوجة والأهلِيْن كفايةٌ وغنيةٌ عن الحرام, وأيُّ امرئ أبى الحلال فليعلم أنه مفتون.
    إخوة الإسلام: ومما تعارف المسلمون وتواطئوا على حبه, بقاع شتى, لأن من تمام الحب حب محبوبات الله, فأفضل البقاع إلى الله المساجد, وأبغضها إليه الأسواق, وأحب أرض الله إلى الله مكة, وقد دعا محمد $ للمدينة فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد)) وكان إذا قدم من سفر ورآها أوضع راحلته, وإن كان على دابة حركها, وإن تعجبوا فعجب أن يكون الصخر الجلمد الأصم يُحِبُّ, ويزول العجب بسماع قول النبي $: (( أحد جبل يحبنا ونحبه )).
    وأما حب الوطن وأنه من الإيمان فحديث ضعيف لا أصل له, وإنما تحنن الناس إلى أوطانهم معهود, كما الطير إلى وكره ومنشأه, ولكن الحذر كل الحذر من أن تُتَّخَذ هذه المحبة وسيلةً لهدم عرى الأخوة الإسلامية, التي تجمع الأبيض والأسود, والعربيَّ والعجميَّ, بل وطننا هو الوطن الإسلاميُّ الكبير, لا الأنفة أو الموالاة والمعاداة على بقعة من الأرض صغيرة:
    وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني
    عباد الله: مظاهر أخرى من الحب الدنئ الهابط ينبغي أن تعلم فتُجتَنَب, مثل الحب والتعلق بالبشر أو الحجر من الطواغيت والأنداد من دون الله, أو أن يجمع المسلم بغير المسلمين من اليهود والنصارى رابطة مودة وصفاء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [المتحنة:1], وعجيب أمر هؤلاء وأولئك فبني جلدتنا ينشدون الأشعار, ويرون القصص والأخبار, عن محبتهم للغرب وإعجابهم بحضارته وتقدمه, وأولئك يتبرؤون منهم: {هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:119], وقل مثل ذلك فيمن قدم على حب الله وحب ورسوله والجهاد في سبيل الله مَنْ دونهم من أموال وأوطان وبنين:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].
    وكل محبة في الدنيا لم تكن لله تنقلب في الآخرة إلى عداوة وبغضاء: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً % يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً % لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً %} [الفرقان:27-29] وقال سبحانه:{الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67] فليراعى في المحبة أن تنهج نهج الوسطية والاعتدال, أخذاً بوصية رسول الله $ القائل: ((أحبب حبيبك هوناً ما عسي أن يكون بغيضك يوماً وأبغض بغيضك هوناً ما عسي أن يكون حبيبك يوماً ما)) رواه البخاري في الأدب وابن ماجة وأبو داود والترمذي.
    وبعد أيها المسلمون إن استطعتم ألا تحبوا إلا الصحابة والصالحين والعلماء فافعلوا .
    فتشبهوا بالكرام إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
    أو كما قال الشافعي رحمه الله:
    أحبُّ الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
    وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواءً في البضاعة
    وابشر بالعوض من الله, فإن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه, فإن لم تكن قنعت نفسك بعدُ, فاسألها أين لذة أمس؟ وأين هوى النفس؟ لقد ذهبت وبقيت تبعاتها, وغابت وظلت لوعاتها, وإن غابت عن ذهنك فإنها لم تغب عن كتاب حوى الأقوال والأفعال,{لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف:49] فكن ممن ينهى نفسه عن هواها, ويلزمها بطاعة خالها,{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى % فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:41,40]
    اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك, وحب كل عمل يقربنا إلي حبك, اللهم ما رزقتنا مما تحب فاجعله لنا قوة فيما تحب, وما صرفته عنا مما نحب فاجعله انصرافاً إلى ما تحب.


    الخطبة الثانية:
    أما بعد: فإن من الملوثات التي لحقت بأمة الإسلام من الغرب الكافر, احتفال جمع ليس بالقليل من بنات المسلمين وأبنائهم بما يعرف بعيد الحب, الذين تواطئوا على الاحتفال به في مثل هذا الشهر من كل عام, فيتبادلون فيه التهاني, والورود الحمراء, ويحتفلون بالحب والرومانسية والصداقة زعموا, وتحرص البنات علي لبس الأحمر, كما الحال في ديار الكفار, وما علموا أن عيد الحب أو قل [الفالنتاين] إن شئت ما هو إلا احتفال ديني خاص لدى النصارى, وتخليد لذكرى احدى الشخصيات النصرانية وهو القس فالنتاين, الذي كان له دور بارز في دين النصارى في القرن الثالث الميلادي.
    وأياًما كان فمالنا ولأعيادهم؟ وما بالنا نتبعهم في جحورهم ونشاركهم في حبورهم؟ فأعياد المسلمين لا رابع لها عيد الفطر ، والأضحى ، وعيد الأسبوع المتكرر كل يوم جمعة.
    لقد آن الأوان أن يدرك المسلمون أن عليهم العيش قادة لا منقادين, ومتبوعين لا تابعين, لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن أكثرهم لا يعلمون.
    ثم اعلموا يا عباد الله أن من خير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, كثرة صلاتكم وسلامكم علي النبي المصطفى $ فقد أمركم بذلك ربكم جل وعلا.....

  24. #24
    عضو تحت الإشراف
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1

    رد : حـصـريـا : سلسلة من الخطب المتنوعة المفرغة والمكتوبة الرائعة والمؤثرة

    Thanks for sharing your ideas for this important issue.Intimately, the post is really the best topic on this related issue. I concur with your conclusions and will thirstily look forward to your approaching updates. Saying thanks will not just be enough, for the exceptional clarity in your writing. I will directly grab your rss feed to stay privy of any updates.

 

 

تعليقات الفيسبوك





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •