سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...

النتائج 1 إلى 15 من 15
  1. #1
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    العلمانية نشأتها وتاريخها


    بسم الله الرحمن الرحيم
    هذا ملخص للبرنامج الإذاعي "تساؤلات عن أعظم التحولات" وفيه إجابات وافية حول العلمانية وكيف نشأت حتى قبل أن تنشأ، بشكل مختصر وفيد في مايقارب "50" صفحة، وقد استأذنت معد البرنامج في إنزال الملخص في الشبكة وقد سمح لي بذلك، وها أنا ذا أترك الملخص بين يديكم، وأتمنى لكم قرآءة متأنية ومفيدة وممتعة،،،

    ؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛



    تساؤلات.. عن أعظم التحولات


    "متى واجهتنا تساؤلات الحاضر واستغربنا حدوثه،
    وتساءلنا: كيف.. ولِمَ.. وماذا حدث؟

    لنستنطق إجابات التاريخ

    التي يبعث بها إلينا حين نفتش في أغواره.."


    إعداد وتقديم

    عادل علي عبدالله


    يناير 2008







    كيف خُلق الفكر الغربي المعاصر؟ (1/1)

    في عالم تتزايد فيه حده الصراع الشرقي الغربي، وتتنوع صور التصادم والصراع، وتعود إلى أعماق التاريخ القديم والوسيط والمعاصر؛ ما بين صراع ثقافي إلى صراع فكري إلى صراع اقتصادي، مرورا بالصراع العسكري، والقوي فيه يحاول فرض هيمنته وتوجهاته ورؤيته الحضارية على الضعيف، ويرد الضعيف بالدعوة إلى الحوار، ويشدد أنه بالحوار فقط سيعاد كتابة التاريخ!!
    في ذلك العالم الذي أخذ الصراع فيه منحنًى فكريا؛ يفترض العاقل أنه من المتحتم الوقوف لقراءة فكر الآخر والمرتكزات العقلية والنفسية التي تكونت لديه؛ فـ "الفكر مرآة السلوك" كما يقال، فإن الممارسات العملية والتركيز الغربي على بعض القضايا المحورية بالنسبة إليه، وسعيه إلى فرض أجندته على الشرق؛ إنما هي بسبب ما يتركز في العقل الغربي من توجهات ونظريات تكونت عبر السنين حتى أبرزت ذلك الفكر -بما فيه من حسن وقبح من وجهة نظر الشرقيين-؛ وهو ما يدفع إلى التساؤل: كيف تشكّل هذا الفكر الغربي حيث يناقش كيفية تحوّل الفكر الغربي من فكر فلكلوري تقليدي جامد إلى إلحادي براغماتي حيوي، ومن فكر متأثّر يستنسخ محيطه الجيوثقافي إلى فكر يُصدّر أساليبه ومدارسه إلى أقطار العالم، بل يهيمن عليها ويستأثر بلغة تفكيرها!

    قراءة الفكر الغربي.. ضرورة حيوية:
    وإذا أردنا أن نضع منافع قراءة الآخر والتعمق في فهمه عبر مطالعة تاريخه؛ فإننا يمكننا أن نوجز ذلك في نقاط أساسية:
    1. فهم طبيعة الصراع مع الغرب ومرتكزاته؛ ما يساعد على تبني حلول واستراتيجيات صحيحة تجاهه مبنية على رؤية واضحة للآخر.
    2. ازدياد القدرة على كيفية إدارة حوار ناجح مع الغرب بفكره المهيمن، دون التقوقع في حلول فردية/ حزبية/ قطرية النزعة.

    من أين نبدأ؟!
    بحكم أن الفكر الغربي إنما هو نتاج تراكمات مئات السنين، إذن فهو محكوم بمراحل أساسية وحقب زمنية رئيسة هي الحلقات التي تجمعت واحدة تلو الأخرى لتكوّن طوقا كاملا يَجُر إلى الواقع المعاصر، ويمكن أن نوجزها فيما يلي:
    1. ملامح روما قبل الديانة السماوية، وظروف اعتناقها المسيحية رسميا عام 325م.
    2. كيف أثرت الآراء في الكنيسة الرومانية عقيدةً وشريعةً وصبغت إيقاع حركة الحياة الغربية.
    3. ثم التحوّل الذي لحق بالكنيسة سياسيا واجتماعيا، وآثار ذلك على العقلية والنفسية الغربية.
    4. ودخول حركات الإصلاح الديني الداخلية ونشوء جماعات مسيحية غربية جديدة.
    5. ثم إرهاصات الثورة الفرنسية (1798م) وما تلاها من صدمات حضارية لروما الجديدة.
    6. والنظريات العلمية/ الفكرية التي تزامنت والثورة الصناعية.
    7. وأخيرا انصهار الفكر الغربي الحديث في العلمانية كوريث لثقافة روما المسيحية.
    وسنحاول في الحلقات القادمة من هذا البرنامج أن نشرح كل عنصر بأسبابه وتداعياته، وكيف أثر على العقلية الغربية، حتى نخرج بعد ذلك بمجموعة من الثوابت الفكرية والنفسية عن العقلية الغربية.

    ولنبدأ اليوم بعرض أول تلك المراحل وهي: اعتناق أوروبا للمسيحية: كيف تم ذلك؟ وما هي أسبابه؟ وهل كانت المسيحية التي جاء بها عيسى الناصري مساوية تلك التي اعتنقتها أوروبا؟



    أولا: ملامح روما قبل الديانة السماوية، وظروف اعتناقها المسيحية رسميا عام 325م.
    الوثنية في أوروبا:
    عرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري [مذهب أسسه أبيقور [341 ق. م ـ 270 ق. م]، والأبيقورية من أمّهات المدارس التي رفضت الدين، وما يتعلق به من معتقدات جملة وتفصيلاً، بل رأوا أن السعادة الحقيقية لبني البشر لا تتحقق إلا في حالة الانسلاخ عن الإيمان بالله، ومحاربة جميع ألوان التدين مطلقا، فإن الغاية التي يرمي إليها الأبيقوريون هي أن يزيلوا عن الإنسان كل الأوهام والآراء السابقة التي من شأنها أن تعكر صفو الحياة السعيدة] على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يألُ أباطرة الرومان جهدا في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى، مثال ذلك:
    1. اغتيال "مرقص" في الإسكندرية عام 62م, وهو الذي أدخل الديانة الجديدة إلى مصر، وكلما زاد عدد المؤمنين زاد الاضطهاد، إضافة إلى المغالاة في الضرائب التي كانت تفرض على كل شيء حتى على دفن الموتى؛ حيث كانت روما تريد فرض عبادة الإمبراطور، كذلك العبادات الوثنية على المصريين.
    2. عصر الشهداء: وفي العصر الذي تولى فيه الإمبراطور دقلديانوس الحكم عام 248م، بلغ الاضطهاد في عصره ذروته، وأطلقت الكنيسة القبطية على ذلك العصر "عصر الشهداء"، وقال بعض المؤرخين: إن عدد الشهداء وصل إلى 144.000 شهيد خلال تسعة أعوام.
    3. وفي عهد الإمبراطور قسطنطين، وتحديدا في العام 325م تم إعلان المسيحية عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية.

    أسباب اعتناق أوروبا للمسيحية:
    إن إقبال الرعايا الرومان على اعتناق الدين النصراني كان له العديد من الأسباب التي ساعدت على انتشارها منها:
    1. ما في المسيحية من وعود بالخلاص من الفقر والظلم في العالم الآخر، ما حدا بالكثير من الضعفاء والبسطاء والمظلومين في الإمبراطورية الرومانية باعتناق النصرانية، في محاولة لتصحيح الواقع.
    2. اجتذاب المسيحية الكثير من أصحاب الميول الفلسفية بما كان فيها من التعقيد.
    3. رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، ما جعل المضطهدين أكثر تماسكا من ذي قبل.
    4. حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة التي تنذر بتفككها.

    ما هي النصرانية التي اعتنقتها أوروبا؟!
    لقد عرفت القارة العجوز ديانات كثيرة، ويكفينا أن نستعرض بعض الديانات والعقائد التي كانت في حوض البحر المتوسط والتي كان من أهمها:
    1. الديانة اليهودية: وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها الأم فلسطين، حيث ولد المسيح عليه السلام وأرسل.
    2. العقيدة المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان.
    3. الأفلاطونية الحديثة: وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:
    § المُنشئ الأزلي الأول.
    § العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.
    § الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل، وكان موطنها الإسكندرية.
    4. الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:
    § حورس، الذي كان ابنا لسيراييس.
    § سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.
    § إيزيس، والدة حورس.
    5. الوثنية الرومانية: ديانة الإمبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:
    § التثليث: (=جوبيتر، مارس، كورنيوس).
    § عبادة الإمبراطور؛ إذ كان الأباطرة يدّعون الربوبية.
    § تقديس الصور والتماثيل وعبادتها.
    6. أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، واعتبار إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني.
    ولو حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:
    1. الإيمان بالتوراة اليهودية.
    2. اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.
    3. التثليث.
    4. الحلول (=تجسد الإله في شكل بشري).
    5. تقديس الصور والتماثيل.
    6. الهروب من الحياة (=الرهبانية).

    وبالنظر إلى تلك الدعائم الست نستطيع أن نزعم أن تلك العقيدة المشتركة -إذا قارنَّاها بالعقيدة النصرانية التي اعتنقتها أوروبا- سنجد أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الذي دخلت فيه أوروبا، وليس هذا هو موضع التفصيل لبيان التشابه بين الديانة الرومانية القديمة والنصرانية التي اعتنقتها أوروبا.


    توقيع صلاح الدين يوسف
    [COLOR="RoyalBlue"][SIZE="5"][CENTER]سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
    [/CENTER][/SIZE][/COLOR]


  2. #2
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    ثانيا: كيف أثرت الآراء في الكنيسة الرومانية عقيدةً وشريعةً وصبغت إيقاع حركة الحياة الغربية.

    يعتبر القرآن من أقدم الوثائق التاريخية التي تعطي إجابات لكثير من الأسئلة، من وجهة نظر الباحثين، وإذا استنطقناه رأيناه يقول في سورة المائدة: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).
    ويقرر التاريخ أن المسيحية –منذ القرون الأولى- قد تعرضت لكثير من التبديل أو التغيير سواء بفعل القديسين أو بفعل الأباطرة الرومان؛ ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه القضية سنعرض خطين رئيسين في تغيير النصرانية: الأول: تغيير العقيدة (=في قضية الألوهية). والثاني: تغيير الشريعة (=في تغيير الأناجيل).

    الخط الأول قضية الألوهية
    وعملية التغيير التي استغرقت زهاء عشرة قرون –والبعض يرى أنها لم تتوقف حتى الآن- بدأت مبكرة حين كان الحواريون لا يزالون على قيد الحياة، كما أنها ابتدأت بموضوع ليس بالهين، وهو القول بأن للمسيح طبيعتين إلهية وإنسانية (=لاهوت وناسوت)، في الوقت الذي لم تصدر عن السيد المسيح عليه السلام إي دعوى تفيد أنه من عنصر إلهي، أو من عنصر أعلى من العنصر الإنساني المشترك، كما تعترف دائرة المعارف البريطانية.
    بل تتفق المصادر التاريخية على أن اليد الطولى في التغيير كانت لمُبشّر من أتباع الحواريين، تُسميه المصادر المسيحية "بولس الرسول"، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة، مُدعيا أنه "ابن الله".

    ولكن.. من هو بولس؟
    تشير المصادر التاريخية إلى أن الاسم الأصلي لبولس هو "شاؤول"، وهو -كما يبدو من سيرته- شخصية ذات عبقرية عقائدية عالية، وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين [أطلق اسم "مسيحي" للدلالة على معتنقي عقيدة ألوهية المسيح التي أقرت في مجمع نيقية سنة 325م، وظهر أول مرة في أنطاكية في القرن الثالث الميلادي] ثم تحوّل بصورة مفاجئة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى، والقطب الكنسي الأعظم، ومنذ ظهوره لم يحظ أحد في تاريخ الكنيسة بمثل ما حظي به بولس من التقديس والإجلال.
    يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية، في فصل بعنوان: مبادئ أضيفت إلى تعاليم يسوع: "وظهر للوقت مُعلم آخر عظيم يَعُدُّه كثير من النقاد العصريين المؤسسَ الحقيقي للمسيحية، وهو شاؤول الطرسوسي، أو بولس، والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك، ولا مراء في أنه تعلّم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحرا في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية [هي عقيدة فلسفية كان موطنها الإسكندرية]، ومن الراجح جدا أنه تأثر بالمترائي [هي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان]؛ إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المترائية.
    ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنبا إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعا بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يُقدَّمُ قربانًا لله كفارةً عن الخطيئة، فما بشّر به يسوع كان ميلادًا جديدًا للروح الإنسانية، أما ما علّمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانةُ الكاهن والمذبح، وسفكِ الدماء طلبا لاسترضاء الإله..." انتهى كلام ويلز.
    ولندع الآن كل التأثيرات والثقافات التي عرفها بولس، باستثناء واحدة منها هي لاهوتيات الإسكندرية التي كان متبحرًا فيها، فمعلوم أن هذه اللاهوتيات هي المدرسة الفلسفية المسماة الأفلاطونية الحديثة، التي أشرنا إلى عقيدتها الثالوثية، وتأثر بولس بها في فكرة التثليث، والتعديل الذي أدخله على الأفلاطونية من حيث الشكل، فالمُنشئ الأزلي الأول في الأفلاطونية القديمة يقابله عند بولس الله (=الأب)، والعقل المتولد عن المُنشئ الأول يقابله عنده يسوع (=الابن)، والروح الكلي يقابله عنده (روح القدس)، ثم إنه سار شوطا أبعد من ذلك، فاستعار من المترائية فكرة الخلاص، وجعل القربان الضحية هو الأقنوم الثاني (=الابن).
    بهذه الطريقة، أعاد بولس تكوين العقيدة التي جاء بها المسيح الناصري، واكتسبت تعاليم بولس الصفة الشرعية المطلقة بقيام أحد أتباعه بكتابة الإنجيل الرابع، وهو إنجيل يوحنا الحواري.
    على أنه من الإنصاف أن نذكر أن الثلاثة القرون الأولى التي تُسميها الكنيسة "عصرَ الهرطقة" شهدت صراعًا محتدمًا بين أتباع بولس وأثانسيوس [وهو بطريريك الأسكندرية] القائلين بالتثليث، وبين مُنِكَرةِ التثليث وعلى رأسهم آريوس [كاهن من الأسكندرية أيضا]، بل لم يكتب النصر النهائي للثالوثيين إلا في مجمعُ نيقية، مع أنهم كانوا أقلية فيه؛ على الأقل هكذا كان رأي القديس أوغسطين [430م] وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي، وقال: "إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه؛ لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشري".

    أما الخط الثاني فهو تحريف الأناجيل
    يقرر محررو دائرة المعارف البريطانية أنه "لم يبق من أعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة"، لكن المسلمين يعتقدون أن في خبايا الأناجيل شيئًا من أقوال المسيح وتعاليمه، التي يحتمل أنها وحي من الله، لكن لم يثبت لباحثيهم سند تاريخي موثوق إلى المسيح.
    يقول آدم كلارك -أحد شارحي الأناجيل-: "مُحقَّق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية، وكثرة هذه الأحوال غير الصحيحة هَـيَّجت لوقا [يعتقد البعض أنه كان طبيب بولس، واختلفوا في كونه تلميذه] على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر لأكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة، والأجزاءُ الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان فابري سيوس قد جمع الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات." انتهى.
    ويقول لوقا في مقدمة إنجيله: "إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّامًا للكلمة؛ رأيت أنا أيضًا؛ إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمتَ به". [لوقا: 1/1-4].
    وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيل لوقا وحي من الله، ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل عبارة عن سِيَر وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته، كما سمعوها من أسلافهم الذين رأوا المسيح عليه الصلاة والسلام وخدموه.. يقول لاندر أحد مفسري الأناجيل: "حُكِمَ على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيوس [سلطان نصراني أصدر أمرا بالحكم على الأناجيل بأنها ليست حسنة؛ لأجل جهالة مصنفها] في الأيام التي كان فيها مسالة حاكمًا في القسطنطينية، فصُحِّحت مرة أخرى..".. انتهى
    وبهذا يقرر لاندر ثلاث حقائق تاريخية:
    1. أن مؤلفي الأناجيل مجهولون، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي.
    2. أن لأهواء الحكام وميولهم يدًا فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح.
    3. أن التحوير والتعديل ظل يُمارس على الأناجيل دون شعور بالحرج.

    مجمع نيقية.... وإقرار التحوّل
    كان عام 325م يمثل مَعلما من معالم التاريخ البارزة، ففيه عُقد مجمع نيقية الذي ابتُدأت به صفحةٌ جديدة في تاريخ الديانات العالمية، وأن هذا المجمع ليستحق أن يوقف عنده طويلا؛ إذ إن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة، ومن أوجب هذه الشروط:
    1. حرية البحث والمناظرة، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته، فلا تكون هنالك سلطة قاهرة تفرض على المجتمعين موضوعًا أو قرارًا بعينه مهما كانت.
    2. نزاهة القصد وروح التفاهم، بأن يكون الوصول للحق هدفًا مشتركًا بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار.
    3. اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكري.
    إلا أن هذه الشروط كانت غير حاضرة في هذا المجمع المقدس؛ إذ:
    § لم يكن سبب انعقاده ذاتيًا نابعًا من الأساقفة أنفسهم، بل إن الإمبراطور الروماني قسطنطين هو الذي دعا إلى انعقاده، وهو رجل وثني ظل وثنيًا إلى أن عُمِّد وهو على فراش الموت.
    § حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة والأساقفة، يمثلون مذاهبَ وشِيَعًا متناحرة، أبرزها فرقتان: الموحدون (=أتباع آريوس)، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو. والثالوثيون (=أتباع بولس)، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضوًا.
    § سجل التاريخ انحيازا بالغا لقسطنطين في قرارات المجمع ودعاة التثليث، كما لُعن وحُرم من خالف هذه القرارات، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية.
    وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لــ متى، لوقا، مرقص، يوحنا، وأما ما عداها؛ فمزيف مكذوب تُحرم قراءته، ويجب حرقه وإبادته.
    أما في جانب الشريعة، فإن الأمر لم يكن مختلفًا، إلا أن إعادة تكوين الشريعة المسيحية كان له الأثر الأكبر في تكون النفسية الغربية الأولى ومفهومها للدين، وكان العامل الأهم في قيام الثورة مستقبلا ضد الكنيسة، والمناداة بفصل الدين عن الحكم؛ لذا لم تكن إعادة تكوين الشريعة النصرانية بالأمر الهيّن الذي يمر مرور الكرام عبر ذاكرة التاريخ، وإنما كان هو الشرارةَ الأولى لبدئ السير نحو فصل الدين عن الدولة، بل عن الحياة كلها في الفكر الغربي.

    التصورات الرومانية القديمة عن مهمة الدين في الحياة.
    يقول أبيقور [أبيقور (341 ق. م ـ 270 ق. م) هو مؤسس عقيدة رفض الدين وما يتعلق به من معتقدات جملة وتفصيلا]: "إن الآلهة يعيشون بعيدًا عن العوالم، ولا يهتمون إلا بشؤونهم؛ فلا تعنيهم أمورنا، إنهم يعيشون حكماء سعداء، ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله، فلنعتبرهم كمُثُلٍ عُليا يُقتدى بها، غير أنه يجب علينا ألاّ نشغل أنفسنا بما يريدونه منا، فإنهم لا يريدون منا شيئًا، فهم لا يُعيروننا بالا؛ فلنفعل نحوهم كما يفعلون نحونا".
    هذا التصور للآلهة تشترك مع أبيقور فيه الغالبية العظمى من الرومان، ومن الطبيعي جدًا أن ينشأ عن هذا التصور الخاطئ للإله تصورٌ خاطئ لمهمة الدين في الحياة، وواجب المخلوق تجاه خالقه.
    وبما أن آلهة الرومان بطبعها لم تكن لتشرّع لهم شيئًا، فقد كان من الضروري أن يقوم بشر بمهمة وضع نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ونتيجة لجهود هؤلاء برز إلى الوجود القانون الروماني، الذي لا تزال أوروبا تعيش على امتداده إلى اليوم، أما النظم الأخلاقية وقوانين الآداب العامة فقد كانت أبيقورية محضة.
    وبالنسبة للذين اعتنقوا المسيحية من المواطنين الرومان؛ فإن التصوّر السابق عن الدين ومهمته في الحياة لم يتغيّر، وكان التغيير الذي طرأ عليهم هو إحلال مسمى (الأب، والابن، وروح القدس) محل (جوبيتير، ومارس، وكورنيوس)، فما كانوا ينتظرون من آلهة بولس وكنيسته من تشريع وتوجيه، ولم يكن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام جوبيتير الذي صوره أبيقور، ولقد عبّر أحد المؤرخين الغربيين عن ذلك بقوله: "إن المسيحية لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق، يُخفي تحته نظرةً وثنية خالصة إلى الحياة.." [تاريخ العالم، 4/330].



    مساهمة الكنيسة في إعادة تكوين الشريعة المسيحية
    وبمرور الزمن أصبح هذا التغيير منهجًا مقررًا اعتمدته الكنيسة بعد مجمع نيقية، ففصلت بين العقيدة وبين الشريعة، بين الدين والدولة، وقسمت الحياة البشرية دائرتين مغلقتين:
    الأولى: دينية من اختصاص الله، ويقتصر محتواها على نظام الإكليروس [نظام الإكليروس [Clergy]، وهو ما أطلق على خَدَمِة الدين المسيحي، ويبدأ من البطريرك ثم المطران ثم الأسقف ثم القسيس... وهكذا] والرهبنة والمواعظ، وتشريعات طفيفة لا تتعدى الأحوال الشخصية.
    والأخرى: دنيوية من اختصاص قيصر وقانونه، ويحوي محيطها التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية، ونظم الحياة العامة.
    وكانت الكنيسة تستند في ذلك إلى قول المسيح: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" و "إن مملكة المسيح ليست في هذا العالم" كقواعد أصولية بهذا الاتجاه.

    من نتائج إعادة تكوين الشريعة
    لقد نتج عن ذلك تشكل بعض المستحدثات التي لم تعهدها النصرانية الأولى، ومنها مصطلحات كـ: رجال الدين، الرهبانية، قداسة الصور والتماثيل، صكوك الغفران، والأسرار المقدسة.. ونعتقد أنه يجدر بنا أن نتعرض لشيء من البيان لهذه المصطلحات:
    أولا: رجال الدين الإكليروس:
    يرى بعض الباحثين الغربيين أن طبقة رجال الدين التي ظهرت في الديانة الجديدة لأوروبا، بعد التحوّل من الوثنية، ليست سوى امتداد للسحرة والكهان في المرحلة التاريخية التي كان لهؤلاء سلطان وقوة على الأفراد، يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز، في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة: "إن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية، ولم يكن لها معبد مقدس حبسًا عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها قلبًا كسيرًا خاشعًا، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة.
    بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل كنواة لها، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة، والعمل الجوهري في العبادة فيها، هو القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة..." انتهى [معالم تاريخ الإنسانية 3/720].
    وكان من الأسس التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ التوسط بين الله والخلق، الذي يقتضي بألاَّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله طالبًا الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفًا أمامه بذنبه، ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له، ويرى الباحثون الغربيون أنه مبدأ ليس في الأناجيل ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه.
    وبررت الكنيسة هذه الوساطة بما جاء في إنجيل مَتّى أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: "أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السموات، وكل ما تحُلُّه على الأرض يكون محلولاً في السموات..." [متى 16/ 19،20]، أي أن المسيح يعني أن السلطة الدينية المهيمنة باسمه سترتكز في الموضع الذي يموت فيه كبير الحواريين بطرس، ومن هذا المركز تمد أجنحة نفوذها على العالم أجمع وتحكمه باسم المسيح، وبما أن المسيح بطرس مات في روما؛ فإن روما هي قاعدة المسيح لحكم العالم، وفيها مقر الكنيسة التي يرأسها ممثل المسيح ورسوله (البابا) المعصومُ عن الخطأ، وكل ما تقرره هذه الكنيسة هو عين الصواب.
    ولكن يعترض بعض الباحثين على هذا التأويل بالنص الإنجيلي نفسه، حيث بعد هذا القول المنسوب إلى المسيح بثلاث فقرات فقط، يخاطب المسيح بطرس قائلا: "اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس..."، فكيف يتسق هذا الوصف وتلك التهمة مع الهبة السابقة، والتكريم الذي لا حد له؟
    ثم لماذا تنظر الكنيسة إلى هذا القول وأضرابه، وتغض الطرف عن مثل قول المسيح الصريح: "رؤوساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم" وقوله: "أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يُسيئون إليكم..." [لوقا: 6/28].
    وقد ترتب على هذا المبدأ احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل، ثم استحداث صكوك الغفران، وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية، وأخيرًا كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد، في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة.

    ثانيا: الرهبانية:
    لا تختص المسيحية بالرهبانية (=الصوفية بتعبير التراث الإسلامي)، بل هي -على تعبير بعض علماء الاجتماع السياسي تُعدُّ- وصفة شعبية لعلاج حالة اكتئاب جماعي، فكانت بدعة إنسانية مشتركة، تعبر عن حالة إحباط جماعي من الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تمر عليها، حيث لا ترى رجال السلطة والثروة ينخرطون في الرهبنة فينعزلون الناس على سفوح الجبال أو البراري، بل هم سوقة الناس وعامتهم، وإن كان التاريخ قد سجل بعض حالات نادرة لا حُكم لها.
    وتُقرر كتب التاريخ أن أول من ابتدع الرهبنة وأدخلها المسيحية رجل قبطي يقال له أنطونيوس، وكانت عندهم تعبير عن الانخلاع عن الدنيا والخروج إلى البرية لمحاربة الشيطان الذي مَسكنُه البرية، والقصة كلها مروية في كتاب لاتيني يُسمى "حياة أنطونيوس"، وعلى خطى التقليد المصري القديم جاء رجلٌ قبطي هو الأنبا باخوميوس فابتكر الأديرة، أي الانقطاع في الصحراء لمحاربة الشيطان جماعةً، فنشأت الأديرة التي أصبحت تقليدا مسيحيا عظيما، وهو من وَضَع للدَّيارين (=سكان الدير/ الرهبان) نظاما في الحياة والعبادة [تاريخ موجز للفكر العربي، حسين مؤنس/293]، إلا أن الملاحظ أن للرهبانية الرومانية ظروفا وأسبابا بارزة تضافرت على إيجادها وتنميتها، بطرائق تختلف عن مقصدها القبطي الأول (=الخروج لمحاربة الشيطان في عقر داره)؛ إذ شكلت ردة فعل لحالة اليأس والكآبة التي كانت عاشها المسيحيون الأولون تحت تعسُّف الرومان الوثنيين وظلمهم، حتى أصبحت أبرز مظاهر الدين الكنسي على مر العصور حتى بعد اعتناق روما المسيحية رسميا، لكن دعونا ننظر إلى الأسباب التي دعت إلى الرهبنة الأوربية واعتناقها كمنهج تميزت به المسيحية الرومانية [منهجية وتعاليم الكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية في مصر تختلف عن الرومانية الغربية في الفاتيكان، ولكل ظروفها الحياتية وتاريخها، والقبطية هي الأقدم وتتسم بطابعها الشرقي فكرا ثم لسانا بعد دخول الإسلام إلى ذلك الإقليم] في عصور لاحقة..

  3. #3
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    ثالثا: تحوّلات سياسية واجتماعية في الكنيسة، وآثار ذلك على العقلية والنفسية الغربية.


    حين نسبر غور التاريخ لنعرف الأسباب التي جعلت الناس تشعر بالسخط تجاه الكنيسة، وقيام ثورات عبر عقود وقرون، وأهمها ثورة مارتن لوثر (=إصلاحية أسست للبروتستانتية)، ثم الثورة الفرنسية الشعبية (=إقصائية أسست للعلمانية الإلحادية)، نجد أن مقدمات منطقية أدت إلى تلك النتائج الكارثية، أو ربما الإصلاحية –كما يعتقد البعض- على التاريخ المعاصر لأوربا.
    وقبل أن نعدد الأسباب/ المقدمات، نلمح أن الباحثين في تلك الحقبة يرون أن ذلك يتمحور حول عنصرين أساسيين: طمع رجال الكنيسة، وتفتح العقل الغربي لملابسات وتطورات ثقافية ومعرفية أفرزتها الحروب الصليبية ومتاخمة الحضارة الإسلامية الأندلسية آنذاك. أما تفصيليًا فسنركز في الشأن الداخلي، حيث يرجح الباحثون إلى أن الثورات على الكنيسة ترجع إلى:
    1. طغيان الكنيسة روحيا وعقليا وماليا سياسيا، والأهم آنذاك الطغيان العلمي.
    2. فساد رجال الدين، وما كان من فضائح أخلاقية في الأديرة.
    3. محاكم التفتيش.
    4. مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع.

    أولا: طغيان الكنسية:
    حين يصدر الطغيان من حاكم وثني أو زعيم دنيوي؛ فإنه يكون معقولا إلى حد ما، وإن كانت فظاعته لا يسوغها عقل ولا ضمير، أما حين يصدر الطغيان عن رجال يراهم الناس قديسين ورُسلَ سلام وطُلابَ آخرة، فذلك مما يشق على النفس احتماله، ويبعد عن الذهن قبوله؛ لاسيما إذا كان رجال دين يجعلون المحبة شعارهم، والتسامح ميزتهم.
    وذا نظرنا في الأحقاب التاريخية آنذاك سنجد أن الكنيسة لن تدع جانبًا من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة، وإن التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة، ويقدم نماذج حية له في كل شأن من هذه الشؤون، ولنستعرض شيئًا من ذلك في نواح مختلفة من الحياة:

    الطغيان الروحي:
    سبق أن أشرنا إلى الاضطهاد البالغ الذي تعرض له أتباع السيد المسيح -عليه السلام- من بعده، ذلك الاضطهاد الذي أدَّى إلى تحول الدعوة المسيحية إلى دعوة سرية، فاختفى الكثير من دعاتها، وتستروا في أقاليم مختلفة وأخفوا معهم نسخ الأناجيل، بل دونوا الأناجيل آنذاك، وكتبوها بلغاتهم الخاصة، وظلوا يتناقلون نسخها سرًا، إذ كانت تتعرض للحرق والمصادرة من قبل الروم، وكان الداخل الجديد في دينهم يأخذ عنهم التعاليم مشافهة بعد ترجمتها إلى لغته الدارجة، ثم يبثها في بني قومه سرًا، وكان إذا أشكل عليهم أمر رجعوا إلى الداعية الذي يملك نسخة لأحد الأناجيل، فيبين لهم رأي الإنجيل أو رأيه الخاص في ذلك الأمر.
    ولم يكن الدعاة يسمحون للأتباع بتمليك النسخ أو يطلعونهم عليها خشيةً على أنفسهم وعلى الكتب أيضًا، بالإضافة إلى كون عقلية الأتباع وظروف البيئة لم تكن تؤهلهم للأخذ المباشر أو الاستنباط والاجتهاد الذاتي، ويزداد الأمر صعوبة إذا كانوا يجهلون اللغة التي كتب بها الإنجيل،كل ذلك أدى إلى انحصار المصادر الدينية للمسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس، واقتصار حق شرحها وتأويلها عليهم وحدهم.
    ولما انقضت عصور الاضطهاد، واعتنقت الدولة الرومانية الدين الكنسي؛ احتفظ رجال الكنيسة بحق قراءة وشرح الكتب المقدسة، وأيَّدتهم الدولة في ذلك؛ لتجمع رعاياها على عقيدة واحدة بإتاحة الفرصة للكنيسة للقضاء على الفرق المنشقة.
    وهكذا ظلت مصادر الدين الكنسي حكرًا عليهم لا تقع عليها يد لباحث أو ناقد من غير رجال الدين، وكان باستطاعة الكنيسة أن تفرض كل شيء باسم الإنجيل وهى آمنة من أن أحدًا لن يقوم حيالها بأدنى معارضة، حيث كانت الغالبية العظمى من الروم وسكان مستعمراتهم من الأُميّين السذج، الذين ألفوا العبودية والخضوع المستمر للقوى المسيطرة، وكانوا من الضحالة الفكرية إلى درجة ليست قليلة، وكان سكان أوروبا عبارة عن قبائل همجية، تعيش في أسوأ مراحل التاريخ الأوروبي كله، لاسيما العصور الأولى من القرون الوسطى، التي تسمى العصور المظلمة.
    لذا كان لرجال الدين سلطان روحي طاغٍ على الناس بوصفهم الوسطاء بينهم وبين الله، فالطفل لا يعد مسيحيًا حتى يُعمّد، والتعميد لا يتم إلا على يد كاهن، ومن ثم تبدأ حياة المسيحي بتلك الوساطة الكهنوتية التي تدخله -ابتداء- في الدين، ثم يظل حياته كلها مرتبطًا بالكاهن؛ فهو الذي يزوجه، وهو الذي يصلي به صلاة الأحد في الكنيسة، وهو الذي يتقبل اعترافه بخطاياه ويتقبل توبته!! ثم هو الذي يصلي عليه في النهاية حين يموت.
    فهو من مولده إلى مماته مرتبط بالكاهن ذلك الرباط الذي يمثل في حسه الصلة التي تصل قلبه بالله، ولا يستطيع مهما كانت حرارة وجدانه أن يعقد صلة مباشرة بالله بعيدة عن سلطان الكاهن، أو غير معرضه لتدخله في أي وقت من الأوقات، وهذا إلى جانب الأسرار المقدسة التي جعلتها الكنيسة معيارًا للإيمان وجعلت المتكلم في صحتها من "المهرطقين"، وهو اللقب الذي أطلقته الكنيسة على كل من يحاول المناقشة في الأسرار المقدسة، ويعني أنه من الضالين الكفار المغضوب عليهم من الكنيسة..
    وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله، مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلَّة [وهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة]، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدَّى إلى ما عُرف في تاريخ الكنيسة بـصكوك الغفران، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحًا مخيفًا للأفراد والشعوب في آن واحد.
    فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال فردريك [أكبر إمبراطور في العصور الوسطى الأوروبية، كان في عصر الكامل الأيوبي، وجاء إلى الكامل الأيوبي، تقابلا في فلسطين وتخاطبا باللغة العربية الفصحى بدون مترجم]، وهنري الرابع الألماني، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتى لوثر [مارتن لوثر 1483-1546م، أبرز زعماء البروتستانتية، هاجمت نظرياته فساد الكنيسة الكاثوليكية، وخاصة بيع صكوك الغفران]، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من برونو [فيلسوف إيطالي من أوائل الرافضين لفلسفة أرسطو في علم الكون، اتهم بالإلحاد وأحرق سنة 1600م] إلى أرنست رينان [المستشرق الفرنسي من كتبه مستقبل العلم وتاريخ نشأة المسيحية مات سنة 1892م.] وأضرابهم.
    وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب، حتى عاد يوحنا صاغرًا يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذله وصدق توبته رفع الحرم عنه وعن الأمة.
    على أن الكنيسة لم تقتصر على هذا، بل حشدت الجيوش الجرارة لمحاربة من سولت له نفسه مخالفة آرائها أو اعتنق ما يخالف عقيدتها، ولا نعني بذلك المسلمين أو اليهود، بل الطوائف النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة في قضية من قضايا العقيدة أو الشريعة.
    ومن أوضح الشواهد على ذلك في العصور الوسطى ما تعرض له الكاثاريون والوالدونيون الذين لم يتخلوا عن الدين، بل كانوا يطالبون بحياة مسيحية حقيقية، تستمد مقوماتها من الكتاب المقدس نفسه، وأنكروا على الكنيسة ثراءها ودنيويتها، ومع ذلك فقد أعلنت الكنيسة الحرب عليهم، وحرَّض البابا أنوسنت على حرب صليبية - كما وصفها المؤرخ الإنجليزي ويلز- ضد هذه الشيع، وأذن للكل حتى المجرمين والمرتزقة أن ينضم إلى هذا الجيش.
    ويعلق المؤرخ الإنجليزي على ذلك بقوله: "القصص التي تروى عن هذه الحروب الصليبية تحكي لنا من أضرب القساوة والنكال البشع ما يتضاءل إزاء بشاعته قصة استشهاد المسيحيين على أيدي الوثنيين، وهي فوق هذا تسبب لنا رعبًا مضاعفًا لما هو عليه من صحة لا سبيل إلى الشك فيها، كان هذا التعصب الأسود القاسي روحًا خبيثا، يتعارض تمامًا مع روح يسوع الناصري، فما سمعنا أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية..." [معالم تاريخ الإنسانية، 3/905].
    ولاشك أن تلك الممارسات العملية قد جعلت الناس –وخاصة في القرون الأخيرة التي كانت قبل الثورة العامة على الكنيسة- يحاولون التخلص من ربقة المسيحية بأن يكونوا ملحدين أو حتى كفارًا في وجهة نظر الكنيسة؛ هربًا من ذلك الإذلال الروحي، وكان لذلك أكبر الأثر في تقنين الحرية الدينية بعد ذلك.
    يستطيع المرء أن يقول دون أي مبالغة: إن الأناجيل المسيحية لم تنه عن شيء نهيها عن اقتناء الثروة والمال، ولم تنفر من شيء تنفيرها من الحياة الدنيا وزخرفها، حتى إن المتأمل في الأناجيل لابد أن يُؤخذ بروعة الأمثلة التي ضربها المسيح -عليه السلام- للحياة الدنيا ومتاعها الزائل، كما أنه سيرى من سيرة المسيح العملية ما يؤيد مواعظه البليغة، فقد كان هو وحواريوه ورعين زاهدين، ينظرون بعين المقت والازدراء إلى الكنوز المكدسة التي يحوزها بنو جنسهم اليهود.

  4. #4
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    الطغيان المالي:
    وعلى عكس ما جاء في تلك الأناجيل لم يكن رجال الدين من أهل التقوى والزهد كما يُتوقع من القوم الذين حولوا الدين إلى روحانية غالبة ورهبانية، وأمروا الناس أن يكتفوا بعيش الكفاف لكي يدخلوا الجنة، وقالوا لهم: "من أراد الملكوت؛ فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير عليه"، يقول كرسون -وهو من الباحثين الأخلاقيين-: "كانت الفضائل المسيحية؛ كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك خيرًا للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ، أما أساقفة البلاد والشخصيات الكهنوتية الكبيرة، فقد كان لهم شيء آخر: البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء، والشهرة في مجالس الخاصة، والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب...".
    وتتلخص صور التسلط المالي في:

    1. الأملاك الإقطاعية:
    يقول وول ديورانت صاحب قصة الحضارة: "أصبحت الكنيسة أكبر ملاَّك الأراضي، وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان (دير فلدا) - وهو دير من أديرة النصارى في أوروبا إبان العهد الكنسي- مثلا، يمتلك [15000] قصرٍ صغير، وكان دير (سانت جول) يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان (الكوين فيتور) -أحد رجال الدين- سيدًا لعشرين ألفًا من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية، وهكذا أصبحت الكنيسة جزءًا من النظام الإقطاعي..." [قصة الحضارة، 14/425].

    2. الأوقاف:
    كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافًا للكنيسة، بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة وبناء الكنائس وتجهيز الحروب الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف، حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي ويكلف -وهو من أوائل المصلحين-: "إن الكنيسة تملك ثُلث أراضي إنجلترا، وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي..." [تأريخ أوروبا، فيشر، 2/362 – 364].

    3. العشور:
    فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة العشور، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن الحصول على عُشر غلة الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين.
    يقول ويلز: "كانت الكنيسة تجبي الضرائب، ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها، وهي لم تدع إلى هذا الأمر بوصفه عملا من أعمال الإحسان والبر، بل طالبت به كحق..." [معالم تاريخ الإنسانية، 3/895].
    ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئًا من ذلك، فالشعب خاضع تلقائيًا لسطوتها، أما الملوك فقد كانوا يخشون بأسها من جهة، كما كانت بها مصالح مشتركة من جهة أخرى، إذ كانت هي أيضًا تمدهم بأسباب البقاء.
    يقول ليون تولستوي. [كاتب قصصي روسي، توفي 1828-1910م]: "لقد استولى حب السلطة على قلوب رجال الكنيسة كما هو مستول على نفوس رجال الحكومات، وصار رجال الدين يسعون لتوطيد سلطة الكنائس من جهة ويساعدون الحكومات على توطيد سلطتها من جهة أخرى..." [أحاديث في السياسة والاجتماع، الحصري، ص301].

    4. ضريبة السنة الأولى:
    وفوق كل ما ذكر فرضت الكنيسة الرسوم والضرائب الأخرى، لاسيما في الحالات الاستثنائية: كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة، حتى أرهقت كاهل رعاياها، فلما تولى البابا يوحنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هي ضريبة السنة الأولى، وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية، تُدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة موردًا ماليًا جديدًا. [تأريخ أوروبا، فيشر، 2/380].

    5. الهبات والعطايا:
    كانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة، وصحيح أن الكنيسة لم تطالبهم بذلك، لكنهم كانوا يخشون غائلة غضب الكنيسة بحرمانهم من المغفرة.
    ومن هذه الهبات الهبة التي تمنح للكنيسة في الوصايا التي يكتبها الناس قبل موتهم، فقد فرضت الكنيسة على الناس ألا يكتبوا وصاياهم إلا على يد القسيس، وما دام القسيس حاضرًا وقت كتابة الوصية فقد أصبح الواجب- من باب المجاملة على الأقل- أن يهب الوصي شيئًا من ماله للكنيسة حتى لا يكون مجافيًا للذوق، أو حتى يتحاشى ما هو أخطر من ذلك: غضب الكنيسة المؤدي إلى غضب الرب. هذا ولا ننسى المواسم المقدسة، والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر الأموال الطائلة على رجال الكنيسة.

    6. العمل المجاني (=السخرة):
    سبق القول بأن الكنيسة تملك الإقطاعيات برقيقها، وعلى الرغم من أن بعض رجال الدين كان يملك الآلاف من الأرقاء إلا أن الكنيسة أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، لاسيما بناء الكنائس والأضرحة، وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان لمصلحتها مدة محددة هي في الغالب يوم واحد في الأسبوع، ولا ينالون مقابل ذلك أي نوع أو صورة من الأجر والمكافئة.
    وبسبب كثرة السخرة وانتشارها كان الملوك والأباطرة ورجال الدين الصغار يتحينون الفرصة لإعلان احتجاجهم، مثل الملك لويس التاسع ملك فرنسا، الذي كتب إلى البابا رسالة احتجاجية خطيرة بالنسبة لعصرها، قال فيها: "إن الذي يشتد في إدرار الأضراع لابد أن يصيب الدم من حلماتها..." [من ملوك فرنسا، قاد الحملتين الصليبيتين السابعة والثامنة، أُسِرَ في معركة المنصورة 1214-1270م].

  5. #5
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    كيف خُلق الفكر الغربي المعاصر؟ (3/1)

    في الحلقتين الماضيتين بدأنا حديثنا حول موضوع كيفية تحوّل الفكر الغربي من فكر فلكلوري تقليدي جامد إلى إلحادي براغماتي حيوي، ومن فكر متأثّر يستنسخ محيطه الجيوثقافي إلى فكر يُصدّر أساليبه ومدارسه إلى أقطار العالم، بل يهيمن عليها ويستأثر بلغة تفكيرها! وابتدأنا بعرض ملامح روما قبل الديانة السماوية المسيحية، وظروف اعتناقها المسيحية كمذهب رسمي للإمبراطورية الرومانية في مجمع نيقية عام 325م، والأسباب الداعية لذلك.
    ثم تطرقنا إلى أنه من نتائج إعادة تكوين الشريعة المسيحية تشكلت بعض المستحدثات التي لم تعهدها النصرانية الأولى، ومنها مصطلحات: رجال الدين، الرهبانية، قداسة الصور والتماثيل، صكوك الغفران، والأسرار المقدسة.. وتوقفنا عند مصطلح رجال الدين (=الإكليروس)، وظروف دخول الرهبانية عليها وأسبابها، وما نظامها ونتائجها.
    ثم شرعنا في الحديث عن التحولات السياسية والاجتماعية التي طرأت على الكنيسة وأثرت على العقلية والنفسية الأوربية آنذاك، ومن أهم تلك الملامح ما أطلق عليه الباحثون "الطغيان الكنسي" الذي صبغ أوجه الحراك المجتمعي الكنسي روحيا وماليا، ونواصل اليوم الحديث عن مآخذ التاريخ على الكنيسة في طغيانها السياسي...

    الطغيان السياسي
    وإن كان بعض الملوك والأباطرة يسلكون مسلك التملق والتقرب إلى الكنيسة، لضمان سلطانهم وممتلكاتهم، فإن ازدياد تدخل الكنيسة في الحياة السياسية، وتداعي نفوذها حتى أصبحت كأنها الحاكم الفعلي للدولة؛ قد دفع الكثير من الملوك والأباطرة إلى محاولة الثورة على الكنيسة؛ إذ لم يكن الفقراء وأصحاب الحرف المتواضعة أكبر متضرر من صورة طغيان وتسلط الكنيسة بل لم المتضرر الأول هم الملوك والأباطرة قبل سوقة الناس؛ فعلى الرغم من أن الكنيسة نقلت عن المسيح عليه السلام أنه أعطى قيصر وحكمه شرعية الوجود: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وفسرتها عمليًا بترك القانون الروماني يحكم العالم المسيحي بدلا من الشريعة المسيحية؛ إلا أن الواقع كان مغايرًا تمامًا لذلك.
    لقد صنعت الكنيسة لنفسها سلطة دنيوية أو زمنية (=Temporal) كما يسمونها في التاريخ الأوروبي، وكانت تطلب –بل تمارس- سلطانًا شخصيًا أرضيا بحتًا، هو أن يطأطئ الملوك والأباطرة لها الرؤوس وأن يعلنوا أنهم خاضعون لسلطانها.
    ونقل وول ديورانت صاحب قصة الحضارة عن البابا نقولا الأول أنه أصدر بيانا قال فيه:"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكامًا كانوا أو محكومين..." [قصة الحضارة، 14/352]
    ويشهد التاريخ أن لرجال الكنيسة قصب السبق على عصرهم من الناحية التنظيمية، سعيا منهم لبسط سلطهم على الملوك والأباطرة؛ إذ كانوا مؤسسة تنظيمية مركبة تركيبا عضويا دقيقا، من القاعدة العريضة الممتدة في كافة الأصقاع والأقاليم إلى قمة الهرم المتمركزة في روما، وهذه الميزة أكسبتهم نفوذا مستمرا لا يقبل المنافسة وجذورا عميقة يصعب اقتلاعها.
    إضافة إلى ذلك كان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان في إمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ولم يكن باستطاعة أحد الانفلات من ذلك، ومن رفض الرضوخ فإن حكمه حتما سيكون غير شرعي، ومن حق البابوية أن تعلن الحرب الصليبية عليه وتحرم أمته بأكملها بركاتها وصلواتها، وتعزله وشعبه سياسيا واجتماعيا.
    وعلى الجانب الآخر كان ملوك أوروبا يضيقون ذرعا بتدخل الكنيسة المتعنت في كل شؤونهم، ولم يكن يسكتهم عن ذلك التسلط السياسي إلا الحفاظ على مناصبهم ومراكزهم.
    ولذلك فشل الكثير من الأباطرة والملوك المتمردين على الكنيسة في مواجهتها، كما أن العالم الغربي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد ثورة داخلية التي قادها مصلحون كنسيون، أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد، يقول فيشر: "كانت الأسر الحاكمة في أوروبا تستمد بقاءها من صلتها النسبية بأحد القديسين، فيرثون منه قداسته ولا يبالي الشعب بعد ذلك بتصرفاتهم لأنهم مقدسون..." [تأريخ أوروبا في العصور الوسطى، 1/71].
    وفي القرون الوسطى مارست الكنيسة ذلك السلطان بالفعل على الحكام والمحكومين، مع وجود فترات من الصراع المتبادل، حيث يتمرد بعض الملوك والأمراء على سلطة البابا، ويشتد آخرون في حربهم للبابوات حتى إنهم ليعزلون البابا أو ينفونه أو يسجنونه، ولكن السلطة الغالبة في نهاية المطاف كانت للكنيسة، حيث أنها تستمدها من سلطانها الروحي الطاغي على قلوب الناس، ومن جيوشها الكثيفة ومن أموالها التي تضارع ما يملكه الملوك وأمراء الإقطاع.
    ويسجل التاريخ جرأة ادوارد الأول ملك إنجلترا، وفيليب الجميل [(=فيليبس)] بطريك الموارنة، 1795-1796م] ملك فرنسا، على القول بأنه: "ليس من الضروري أن يخضع الملك للبابا لكي يحظى بالجنة في الآخرة، وأن كلا منهما قد نوى أن يكون سيدا في مملكته، وأن شعبه يؤيده في هذه النية تمام التأييد..." [تأريخ أوروبا في العصور الوسطى، 1/260].
    ويروي فيشر قصة الصراع بين البابا هلد براند [وهو من أشد المحرضين على الحروب الصليبية] أو جريجوري السابع وهنري الرابع إمبراطور ألمانيا فيقول: "... ذلك أن خلافًا نشب بينهما، بين البابا والإمبراطور، حول مسألة التعيينات، أو ما يسمى التقليد العلماني، فحاول الإمبراطور أن يخلع البابا، ورد البابا بخلع الإمبراطور، وحرمانه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألَّبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعًا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا؛ فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الإمبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا، فضرب بكبريائه عرض الحائط، واستجمع شجاعته وسافر مجتازًا جبال الألب والشتاء على أشده؛ يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا [قلعة إيطاليا اليوم] في تسكانيا [تقع في ألمانيا]، وظل واقفًا في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان متدثرًا بالخيش حافي القدمين عاري الرأس يحمل عكازه، مظهرًا كل علامات الندم وأمارات التوبة، حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم..." [تاريخ أوروبا, 1/260].
    وفي بريطانيا حدثت قصة أخرى مماثلة وثّقها وويل ديورانت في قصة الحضارة: "فقد حصل نزاع بين الملك هنري الثاني وبين تومس بكت [صديقه ووزيره1118-1170م] رئيس أساقفة كُنتربري، بسبب دستور رَسَمَه الملك يقضي على كثير من الحَصَانات التي يتمتع بها رجال الدين، ثم إن رئيس الأساقفة اغتيل، فرُوِّعت المسيحيةُ وثارَ ثأرُها على هنري، ودمغته بطابع الحرمان العام، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة، وأعلن للبابا براءته من الجريمة، ووعد بأن يُكفّر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها، وألغى الدستور، ورد إلى الكنيسة كلَّ حقوقها وأملاكها، وبالرغم من ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتربري حاجا نادما، ومشى الثلاثة أميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصُّوَّان، حافي القدمين ينزف الدم منهما، ثم استلقى على الأرض أمام قبر عدوه الميت، وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم وتحمَّل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه..." [قصة الحضارة، 15/194-195].
    وأعظم زعيم تحدى سلطات الكنيسة وتدخلاتها السياسية، واستطاع مقاومتها مدة غير يسيرة، هو الإمبراطور فردريك الثاني [أكبر إمبراطور في العصور الوسطى الأوروبية، كان في عصر الكامل الأيوبي وقد تقابلا في فلسطين وتخاطبا باللغة العربية الفصحى دون مترجم]، وتعود صلابته إلى المؤثرات الإسلامية المحيطة به في الأندلس وجزء من بلاده صقلية حتى تغلغلت في ثقافته وشخصيته، فقد كان مُجيدا للعربية مغرما بالحضارة الإسلامية، حتى إن الكنيسة اتهمته باعتناق الإسلام وسمته (الزنديق الأعظم)، أما المفكرون المعاصرون فيسميه بعضهم (أعجوبة العالم) وبعضهم (أول المُحدَثِين)، وهو من أتى بالإدريسي الجغرافي المسلم ورسم له خارطة الأرض الكروية بالفضة والذهب.
    وقد اشتد النزاع بينه وبين البابا جريجوري التاسع بسبب رفض الأول القيام بحملة صليبية على الشرق، وكانت الكنيسة تعد الملوك جنودا طائعين لها؛ فحرمه البابا وشَهَّر به في رسالة علنية عدّد فيها هرطقاته وذنوبه، فكان على الإمبراطور أن يدفع التهمة عن نفسه برسالة وصفها ويلز بأنها: "وثيقة ذات أهمية قصوى في التاريخ، لأنها أول بيان واضح صريح عن النزاع بين مدعيات البابا في أن يكون الحاكم المطلق على عالم المسيحية بأسره، وبين مدعيات الحكام العلمانيين، وقد كان هذا النزاع يسري على الدوام كالنار تحت الرماد، ولكنه كان يضطرم هنا على صورة ما، ويتأجج هناك على صورة أخرى، ولكن فردريك وضع الأمر في عبارات واضحة عامة، يستطيع الناس أن يتخذوها أساسا لاتحادهم بعضِهم مع بعض للوقوف في وجه الكنيسة..." [معالم تاريخ الإنسانية، 5/224].
    فكانت إرهاصات انشقاق الملوك عن الكنيسة تؤذن بتحول تدريجي للممالك الأوربية نحو العلمانية، وفضلا عن ذلك فقد كان انشقاق الملوك عن سلطان البابا يتخذ شكلا قوميا متزايدا، تسانده العوامل الأخرى -السياسية والاقتصادية- التي أحاطت بأوروبا وشجعت على ظهور القوميات، التي كان لها دور كبير في بروز الصراعات الحادة في أوروبا أولا، ثم في العالم كله في صورة حروب استعمارية فيما بعد.

  6. #6
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    التسلط العلمي:
    لا يقتصر تدخل الكنيسة على أشكال حياة الناس وملوكهم، بل يتغلغل إلى عقل المجتمع الغربي، والتي كانت هي السبب الرئيسي في قيام الثورة العامة ضد الكنيسة ومعتقداتها آنذاك.
    مارست الكنيسة في هذا المجال سياسة احتكار العلم والهيمنة على الفكر البشري بأجمعه؛ وكان هذا النوع من الطغيان يفرض على العقول ألاّ تفكر في أمور الكون المادي بما تقتضيه الملاحظات والمشاهدات العلمية، وأن تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما جاء من إشارات في التوراة عن شكل الأرض وعمر الإنسان، حتى لو خالفت هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية والعملية على السواء.
    فقد كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية، وكان أصحاب الميول الفلسفية في الدول الرومية متأثرين بتراثهم من الفكر الإغريقي في ميادين العلم والفلسفة، لا سيما آراء أرسطو وبطليموس، وقد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية، ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة هي بعينها الفلسفة المسيحية، وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى.
    يقول برنتن: "إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية، حتى في أوج العصور الوسطى، كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا جزءا من الكنيسة، حيث أن الكنيسة -بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم- تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري، وتوجهها وبخاصة النشاط العقلي..." [أفكار ورجال، 231].
    ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئا واحدا، فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعاليمها ضد المارقين والناقدين؛ فتبنتها رسميا، وأقرتها مجامعها المقدسة، حتى أضحت جزءا من العقيدة المسيحية ذاتها، وامتدت يد التغيير فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة.
    ولم يبدأ عصر النهضة الأوروبية في الظهور حتى كانت آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون، وما أضاف إلى ذلك القديس أوغسطين 4، وكليمان الإسكندري [فيلسوف يوناني سعى إلى التوفيق بين الفلسفة وبين النصرانية]، وتوما الأكويني6 ، أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك.
    ويقول التاريخ الأوربي: "إن الكنيسة قد فزعت فزعتها تلك حفاظا على كيانها، الذي يقوم على الخرافة، ويستند إلى انتشار الجهل بين الجماهير، وإنها خشيت على هذا الكيان أن يتصدع وينهار إذا انتشر العلم، وتبين الناس أن ما تقوله الكنيسة ليس هو الحقيقة المطلقة في كل شيء...".[المشكلة الأخلاقية والفلاسفة، 101].
    ولكن هذا المقالة تهمل شيئين مهمين في هذا الشأن: أولهما عن غفلة والثاني عن قصد..
    فآباء الكنيسة ورجالها كانوا مخلصين في صيحتهم؛ لأنهم كانوا يتصورون أن ما جاء في التوراة حقيقة، وأن تفسيرهم له هو الصحيح، إنما يجوز بالفعل أن يكونوا قد استمروا في حرب العلم -عن وعي وعمد- فيما بعد خوفا على سلطانهم أن يتصدع حين يكتشف الناس أن شيئا مما يقولونه كاذب لا أساس له، فيكون وجودهم كله عرضا لأن يوضع موضع التساؤل والمسائلة فينهار.
    أما الأمر الثاني الذي يُغفله المؤرخون الأوروبيون عن عمد، فهو أن هذا العلم الذي قامت الكنيسة بحربة كان آتيا من مصادر إسلامية في الأعم الأغلب، وكان يحمل معه خطر انتشار الإسلام في أوروبا، ومن ثم انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهار الدين الذي تمثله وتحميه.
    يقول ألفارو [وهو كاتب مسيحي أسباني عاش في القرن التاسع الميلادي]: "يَطربُ إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين تجد اليوم علمانيا (=كان معناها آنذاك باحث علمي] يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟
    وا أسفاه! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا لغة غير العربية، فهم يقرؤون كتب العرب، ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية -إذا ذكرت الكتب المسيحية- بأن تلك المؤلفات غير جديرة باحترامهم..." [حضارة الإسلام، لفون جرونيباوم، 81- 82].
    أما صراع الكنيسة والعلماء فقد صار على مرحلتين: مرحلة تفنيد ومجادلة الكنيسة لمقترف الهرطقة، وهي مرحلة شبه سلمية، ثم حلت مرحلة المواجهة بالطرد من رحماتها ورجم مقترفها باللعنات تارة وبالتنكيل أخرى.
    ومن أشهر المواجهات بين العلماء التجريبيين والكنيسة كانت مطلع العصر الحديث والقرن السابع عشر:نظرية كوبرنيق والاختلاف حول مركز الكون.. وهي النظرية التي هزت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق الفلكية [عالم فلكي بولندي برهن على دوران الكرة الأرضية على ذاتها وحول الشمس، 1473-1543م]، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس [المولود في القرن الثاني الميلادي] التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول بدوران الأجرام السماوية كافة تدور حولها.
    والسبب الذي جعل الكنيسة تتمسك بهذا الرأي هو أن الأقنوم الثاني (=المسيح) تجسد فيها (=الأرض)، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، كما أن التوراة تقول: "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق..." [أفكار ورجال/ 477-478، ونص العهد القديم، الفصل الأول/ 5-6، سفر الجامعة]
    فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك؛ وقع في قبضة محكمة التفتيش على الرغم من كونه قسيسا، إلا أن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل، فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه (حركات الأجرام السماوية) ومنعت تداوله، واصفة إياه بأن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
    وبعد كوبرنيق جاء رجل آخر وهو جردانو برونو [فيلسوف إيطالي 1548-1600م، كان من أوائل الرافضين لفلسفة أرسطو في علم الكون، اتهم بالإلحاد وأحرق سنة 1600م] بعث النظرية بعد وفاة صاحبها؛ فقبضت عليه محكمة التفتيش، وزجت به في السجن ست سنوات، ولما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600م، وذرت رماده في الهواء، وجعلته عبرة لمن يعتبر.
    وبعد موته ببضع سنوات كان جاليليو [عالم فلكي إيطالي 1564-1642م] قد توصل إلى صنع المنظار البعيد (=التليسكوب)؛ فأيّد تجريبيا ما نادى به أسلافه نظريا، فكان ذلك مبررا للقبض عليه ومحاكمته، وقضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان، وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات، ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريقة التي انتهى بها برونو؛ أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلا: "أنا جاليليو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض..."، كما تعهّد بالتبليغ عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل. [معالم تاريخ الإنسانية، 1/1008، وقصة النزاع بين الدين والفلسفة/ 205].

  7. #7
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    رابعا: حركة الإصلاح الديني الداخلية

    أشهر مصلح مسيحي
    يعتبر مارتن لوثر (Martin Luther)[1483-1546م، مصلح ديني ألماني شهير، وترجع البروتستانتية بالفضل إليه]، ذلك الفقيه المتكلم المسيحي، من أشهر رجالات التاريخ الكنسي في العصور الوسيطة والمعاصرة، لما أحدثه من حركة فكرية دينية اجتماعية سياسية في تاريخ الغرب قبل الثورة الفرنسية؛ إذ هبط إلى الناس وخاطبهم بلغتهم وحمل إليهم دستور عقيدتهم (=الكتاب المقدس)، وسلّمهم مفاتيحه بالقراءة والكتابة والفهم بلسانهم دون مترجم أو واسطة، فتحطم سلطان البابا المطلق، فتوالت الحركات الفكرية العقائدية والاجتماعية والسياسية على التاريخ الأوربي أنذاك.
    حملته قسوة أبويه على دخول الدير الأوغسطيني، ورُسّم فيه قسيسا عام 1507، ثم مدرسا لاهوتيا في جامعة فتنبرج. وتلقى لوثر صدمة دينية غيّرت مجرى حياته جراء ما شاهده في روما عاصمة الكاثوليكية عام 1511 التي يزورها لأول مرة في حياته، وجعلته داعيا براغماتيا لإصلاح الدين المسيحي.
    كان بابا الفاتيكان أنذاك ليو العاشر (Leo X) في أشد الحاجة إلى المال، ولم يجد سبيلا للحصول عليه إلا عن طريق إصدار وبيع صكوك الغفران، بل أخذ يحث أتباع الكنيسة على شراء صكوكه ليغفر الله ذنوب أقربائهم أو من يشاؤون ممن يعذبون في المطهر بسبب ما اقترفوه من ذنوب؛ وتعهد بعملية التسويق الفجة في ألمانيا راهب دومنيكي يدعى يوحنا تتسل، فراح يروّج لها بطرق ظاهرة أثارت ثائرة مارتن لوثر، فكان أول تحرك له -بعد ستة أعوام من اشتداد حملة التسويق تلك- أن أصدر بيانا يحتوي على 95 قضية ضد صكوك الغفران؛ ولصقه على باب كنيسة فتنبرج عام 1517م، فتصدى يوحنا لبيان لوثر بالتفنيد والحرق العلني، مما أثار حفيظة مريدي لوثر الذين فانتقموا بإحراق بيان الأخير علنا، فتدخل بابا الفاتيكان في النزاع فاستدعى لوثر إلى روما عام 1518م لاستجوابه في أمر انتقاداته، ثم جرت مناظرات علنية حول سلطة البابا نفسه، لا بل تعداها لوثر إلى مهاجمة البابوية كنظام مسيحي.
    وفي سنة 1520 نشر لوثر نداءه الشهير الموجه إلى "النبلاء المسيحيين في ألمانيا" وتلاه برسالة عنوانها:"في الأسْر البابلي للكنيسة"، هاجم في كليهما المذهب النظري لكنيسة روما، فأصدر البابا مرسوما ضد لوثر يحتوي على 41 قضية، لم يتردد لوثر بحرقها علنا أمام جمع حاشد من الأهالي والطلاب والعلماء في مدينته فتنبرج؛ وامتد الهيجان إلى سائر ألمانيا، ما حدا الإمبراطور كارل الخامس (=شارلكان) إلى عقد مجلس الدولة الكنسي سنة 1521، الذي أصدر بيانا يستنكر فيه مقالة لوثر في الكنيسة وبابويتها ورجالها، ويقرر القبض عليه ومحاكمته ومعاقبته، بل نفيه من سائر بلاد الإمبراطورية الألمانية وتدمير كتبه، ما لم يتب ويظهر الندم، وقال لوثر كلمته المشهورة: "هذا موقفي ولا موقف لي غيره". [فائدة: الكنيسة تُعرف أيضا باللغة القبطية بالكرازة، وهو المشهور في الشرق العربي، وكلا اللفظين مُحرف من اللاتينية Ecclesia ومعناها في الأصل جماعة المسيحيين، ثم استعمل للدلالة على مكان اجتماع المسيحيين]
    إلا أن حركة الإصلاح اللوثرية بلغت أوجها سنة 1530 بإصدار اعتراف أوجسبورج، وقد أمضى لوثر السنوات الباقية من عمره في زيارة الكنائس التي أُخِذَت بحركة الإصلاح، حتى أعطى انضمام الكنائس الإنجليزية دافعا قويا لانتشار الحركة في مختلف ربوع أوربا آنذاك.

    إصلاحات لوثر
    وتعرف حركته أيضا باسم الثورة/ الإصلاح اللوثري، وتقوم بالأساس على انتقاداته على الكنيسة الكاثوليكية، التي أحدثت صدعا في الجدار الذي أقامته الكنيسة حول نفسها، فنظرت الجماهير من بين الشقوق، وطالبوا مع لوثر بأن:
    1. يلغى غفران القسيس للذنوب وحرق صكوك الغفران، بما يؤدي إلى إلغاء تكسب الكنيسة من الشعب بهذه الطريقة.
    2. المطالبة بزواج الكهنة والقُسس حتى تتوقف الدعارة في الأديرة والكنائس.
    3. يلغى القُداس الإلهي وغفران القسيس لذنوب الميت؛ إذ لا يغفر الذنوب إلا الله.
    4. يلغى تحويل القسيس للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه؛ باعتبارها عملية نصب وخزعبلات.

    كان لوثر رجل دين، لكنه تنبه إلى الحقيقة الكبرى التي غابت عن رجال الدين في عصره، وهي أنه من الخطأ أن يتصور رجال الدين أنهم "أصحاب علم إلهي خاص" بهم/ وهم وحدهم المتمتعون بفهمه، المنفردون بالعلم الإلهي دون الناس، ولغته اللاتينية، وهي –آنذاك- الستار الكثيف الذي أخفى كل المساخر والمهازل التي ارتكبتها الكنيسة باسم الدين، وتلتف جموع الناس حول هذا الرجل الذي يغامر بحياته ليفتح لهم أبواب العلم، ويقرر أن يقوم بعمل يعد من معالم الحضارة والفكر الغربي كله، وهو ترجمة الإنجيل لأول مرة في تاريخ أوربا إلى الألمانية، ثم أكب على ترجمة العهد القديم إلى الألمانية أيضا عام 1522م، وتحمس أتباعه في نسخ الترجمات وتوزيعها بلغات محلية أوربية، ونشره بين جميع فئات الشعب، بعد أن كان ذلك ممنوعا تحت حكم الكنيسة الكاثوليكية؛ بل قام أتباع البروتستانتية -لأجل تحقيق هذا الهدف- بحركات محو الأمية التي كانت منتشرة في أوروبا آنذاك. [ وهذا يفسر نشاطهم المنظم والمبرمج بإحكام في عمليات التنصير العالمية التي جاءت متزامنة مع الاستعمار الإنجليزي والأمريكي ].
    لقد أنتجت حركة الإصلاح تلك مذهبا مسيحيا جديدا منشقا عن الكاثوليكية في أوربا عُرف بالبروتستانتية (=تعني الاحتجاج)، وأهمها الجماعات تلك التي تنحدر مباشرة من اللوثرية الألمانية والكالفينية الفرنسية [كنيسة تعزى للفرنسي جون كالفن، واضع كتاب "مبادئ الإيمان المسيحي" الذي يعد من أهم ما كتب في الحركة البروتستانتية] والمشيخية القبطية/ الشرقية [كنيسة تستمد اسمها من نظامها الذي يعتمد على مجلس الشيوخ في إدارة شؤونها] والمعمدانية في أوربا وأمريكا [كنيسة تؤمن بالمعمودية للبالغين فقط وتمارس بالتغطيس بعد اعترافه أن يسوع المسيح هو ابن الله ويؤمن بعقيدة الثالوث] والأنجليكانية الإنجليزية [تمثل الكاثوليكية غير البابوية، وهي وصف للناس والكنائس والتقاليد الدينية والمفاهيم التي أنشئت في إنجلترا، وهي اليوم واحدة من أكبر العقائد البروتستانتية، يرأسها رئيس أساقفة كانتربري بإنجلترا، علما بأن هذه الكنائس (اللوثرية والكالفينية و...) البروتستانتية نفسها اختلفت فيما بعد وتحاربت ثم اتحدت مجددا].
    وبهذا أصبحت حركة مارتن شعبية، تتميز عن الحركات النخبوية بأنها تحس بفطرتها ما ينفعها وما يضرها؛ تفرق تلقائيا بين من يحبها ومن يكيد لها؛ أي أن لوثر نقل المسيحية من صندوق الرمزية اللاتينية المنقرضة إلى فضاء الفهم باللغات الحية، ومن تراتيل الخواص، إلى أفاعيل العوام؛ لقد أحال لوثر المسيحية من حركة كهنوتية رهبانية إلى حركة بشرية إنسانية، يقول لوثر لمن يعمل معه على ترجمة الإنجيل: "عليك إذا أردت أن تترجم وتتخير الألفاظ التي ستستعملها في الترجمة أن تلتقي بالأسئلة إلى الأمهات في البيوت، إلى الأولاد في الشارع، إلى الناس العاديين في الأسواق، وتصغي إلى إجاباتهم، وانظر إلى شفاههم وهم يتلفظون، ثم تبدأ بالترجمة بعد ذلك...".
    [انظر: قصة الحضارة، وول ديورانت، الجزء...، تاريخ موجز للفكر العربي، حسين مؤنس/ 89-98؛ وموسوعة الفلسفة، عبدالرحمن بدوي، الجزء الثاني]

  8. #8
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    خامسا: إرهاصات الثورة الفرنسية (1798م) وما تلاها من صدمات حضارية لروما الجديدة.

    يلحظ التاريخ تبلور شكل جديد من أشكال النزاع بين الكنيسة والعلماء العلمانيين في القرن السابع عشر الميلادي، فقد أصبح النزاع بين ما أحدثه تليسكوب جاليليو والكنيسة نزاعا بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها، وبين العقل التجريبي لأصحاب النظريات الجديدة، وهنا كان الدور الأكبر على الفلاسفة، فكان مذهب ديكارت أبرزَ المذاهب الفلسفية في ذاك العصر؛ إذ دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة، واستثنى من ذلك الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة، وكان يرى أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعَه استغلال القوى الطبيعية، وأدواتِه الرياضة والتجربة، أما الدين فيختص بمصائر النفس في العالم الآخر، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لأحدهما على الآخر. [العلم والدين في الفلسفة المعاصرة، إميل بوترو/19].
    وتلك الازدواجية لم تكن إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالدين إلى الإنكار المطلق له، ومع ذلك فقد تجرأ فلاسفة آخرون فهاجموا الكنيسة بكل صراحة، منتقدين النصوص التي تعتمد عليها، فكان سبينوزا -بحكم يهوديته- أعنف هؤلاء، حيث طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها مدرسة النقد التاريخي، التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية؛ أيعلى أساس أنها تراث بشري وليست وحيا إلهيا.
    ثم ظهرت مدرسة جون لوك الذي خطا خطوة أبعد من ديكارت مطالبا بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلا: "من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالا فقد أطفأ نور كليهما، وكان مَثَلُه كمثل من يُقنع إنسانا بأن يَفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنورٍ خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق..." [قصة النزاع/214].
    وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابهم للحرق والمصادرة، كما تعرضوا شخصيا للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة، إلاّ أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافاتِ الداخليةَ بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من العقاب؛ ما فتح المجال لتتابع الآراء الفلسفية التي كانت تهاجم الكنيسة بطرق مباشرة وغير مباشرة إلى أن ظهرت نظرية لإسحاق نيوتن التي تعد من أعظم النظريات العلمية أثرا في الحياة الأوروبية، فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي، وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي.
    ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو 1642م، ويعد عمله تتميما لما بدأه جاليليو، فقد مهد اكتشاف جاليليو لقانون البندول سنة 1604م الطريق أمام النظرية القائلة: "إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعة بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها..." [العلوم والدين/ 19]، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب الطبيعي والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد.
    وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها، زاعمة أن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها، فأغفلت حقيقة عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله -باعتباره الفاعل الحقيقي- وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة.
    واندفع الفلاسفة والعلماء وراء رد الفعل الأهوج في محاولة للتخلص من تسلط الكنيسة، فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات، معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه.
    فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد، انبهرت عقول الفئات المثقفة، واتخذها خصوم الدين سلاحا قويا، حتى لقد سميت "الثورة النيوتونية"، وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليليو، وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها أكثر من ذي قبل، فلجأت إلى التعسف والعنف.
    والكلام عن آثار النيوتونية ينقلنا إلى القرن الثامن عشر، الذي كان دخوله إيذانا بأفول نجم الكنيسة وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها.
    ويتميز القرن الثامن عشر بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريبا، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين، هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نيران الكنيسة، ليحلا محل إلهها المخيف، وهما: العقل والطبيعة.
    أما العقل فلم يعد مقيدا بأغلال الثنائية الديكارتية، بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان إلها بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة، منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء، وما عداه فوهم وخرافة، الوحي يخالف العقل فهو أسطورة كاذبة، والمعجزات لا تتفق ومألوف العقل فهي خرافات بالية، والفداء والصلب والرهبانية... وغيرها، كلها أباطيل مُضللة وعقائد مَرذولة؛ لأنها لا تتسق مع العقل والطبيعة؛ يقول جورج سول: "صار لزاما على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك فوجدوه في الطبيعة..." [المذاهب الاقتصادية الكبرى/ 51].
    وربما كان أعدى أعداء الكنيسة آنذاك هو فولتير، وحين نتصفح نماذج من نقده للدين ورجاله من كتابه القاموس الفلسفي نجد أن أول ما انتقد في العقيدة المسيحية التثليث وتجسيم الإله والصور المقدسة، وأنحى باللائمة على بولس الذي طمس المسيحية وحَرَّفها، ولذلك كان الإيمان بالمسيحية في نظره هو "الاعتقاد بأشياء مستحيلة أو بأشياء تستعصي على الفهم، فالحية تتكلم، والحمار يتحدث، وحوائط أريحا تتساقط بعد سماعها صوت الأبواق، إن الإيمان على هذا النحو هو على ما يقول إرازم هو الجنون..."
    أما الخطيئة الأولى فيرفضها فولتير ويعتبرها إهانة لله واتهاما له بالبربرية والتناقض، وذلك للتجرؤ على القول بأنه خلق الأجيال البشرية وعذبها لأن أباهم الأول قد أكل فاكهة من حديقته. [سلسلة تراث الإنساني، 8/78-80]
    ولقد جزعت الكنيسة من هذه الانتقادات والآراء جزعا شديدا، ولعنت فولتير وأشياعه وكفرتهم، وحرمت قراءة كتبهم وتعرض فولتير للمضايقة والاضطهاد من قبل رجال اللاهوت، حتى إنه قال مخاطبا إنسان ذلك العصر: "أنت طائر في قفص محاكم التفتيش، لقد قصت محاكم التفتيش جناحيك...".
    وفي إنجلترا طور جيبون النقد التاريخي للمسيحية في كتابه سقوط الامبراطورية الرومانية واضمحلالها، أما هيوم فقد ابتدع مذهب الشك المطلق، الذي كان ثورة نفسية على الإيمان المطلق طوال القرون الماضية؛ وتجدر الإشارة إلى أن شيوع المذهب العقلي الطبيعي في عصر التنوير نتج عنه -بالاعتماد على نظرية نيوتن- مذهبان جديدان على العالم المسيحي يَنُمّان عن التخبط والضياع:
    الأول: مذهب المؤلِّهة الربوبيين (دايزم/ Deism) أو المؤمنين بإله مع إنكار الوحي: وهذا المذهب يمثل فكرة انتقالية لأن الوثبة من إله مسيحي إلى عدم وجود إله كانت مستحيلة، فـ "هذا المذهب هو أقرب انعكاس ممكن واضح لعالم نيوتن، الذي يخضع للنظام ويدور وفقا للقانون، والإله في هذا المذهب هو الشخص المسؤول عن التدبير والبناء وتحريك هذا العالم الآلي".
    وكان من زعماء هذا المذهب فولتير وبوب، ومعهم عدد آخر ممن كانوا يرون ضرورة الإيمان بالله، أما الوحي فأنكروه لأن إثباته يعني صحة تعاليم عدوهم الكنيسة، وليس معنى ذلك أن إيمانهم بالله يمكن أن يسمى إيمانا على الحقيقة، فإن كل عمل هذا الإله في نظرهم هو أنه خلق الكون ثم تركه يدور وفق القوانين المودعة فيه، التي أوضحها نيوتن، فهو يشبه صانع الساعة الذي يديرها ثم يدعها تتحرك من تلقاء نفسها.
    أما الإنسان فقد منحه العقل وتركه وشأنه، فهو وإن كان جزءا من آلة الكون العظمى، إلا أنه عليه أن يستغل مواهبه ويستخدم عقله بما يتمشى مع قانون الطبيعة...".

    الثاني: المذهب الإلحادي المادي: كما تقول حكمة فولتير: "إذا كان الله غير موجود فلا بد من اختراعه" فالطبيعة تُغني عنه، والاعتراف بوجوده هو نوع من الإقرار بصحة دعاوى الكنيسة، فالأولى أن نستبعد وجوده نهائيا إرغاما لأنف الكنيسة على الأقل.
    تلك هي الخطوط العامة في القرن الثامن عشر للصراع بين الكنيسة والدين، على أنه ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الصراع كان مقتصراً على الفلاسفة والطبقات المثقفة، ولم يتجاوز ذلك إلى القاعدة الشعبية ليصبح قضية جماهيرية، إلا بعد الثورة الفرنسية التي قامت في أواخر هذا القرن سنة 1789م، وبقيامها رُسم معلمٌ واضح من معالم التاريخ الأوروبي، وافتُتح عصر جديد من الصراع بين الدين واللادين.
    تلك كانت صورة حرب الكنيسة مع العلم والتي أثمرت بعد ذلك التفسير المادي للتاريخ وشيوع الإلحاد وعبادة الطبيعة.


    محاكم التفتيش
    إذا كان تسلط الكنيسة وظاهرة فساد الرهبان كانا سببان وجيها من أسابا الثورة ضدها، إلا أن ما قامت به الكنيسة ضد كل مخالفيها -على الرغم أنه من المفترض أنها رمز الرحمة والزهد- في محاكم التفتيش كان قاصمة الظهر.
    وقبل أن نتكلم عن محاكم التفتيش وسبب نشأتها يجب أن نقر بحقيقة قاطعة، وهي أن ما كان يحدث في محاكم التفتيش من صور للتعذيب والقتل لم يصل إليها العسكريون أنفسهم، ولذا كان سلاح محاكم التفتيش سلاحًا رادعًا لمن يخالف أوامر الكنيسة أو تظهر منه بوادر اعتراض على آرائها ومعتقداتها.
    يقول وول ديورانت، بعد أن عدد مآخذه على الكنائس: "وإذا ما عفونا عن بعض هذا الشذوذ الجنسي والانهماك في ملاذ المأكل والمشرب، فإننا لا نستطيع أن نعفو عن أعمال محكم التفتيش..." [قصة الحضارة، 21/86].
    ويعود تاريخ نشأة محاكم التفيش البابوية إلى القرن الثالث عشر، حيث جرت عادة البابا قبل ذلك الزمان بأن يقوم في بعض الأحيان بتحقيقات أو استعلامات عن الإلحاد في هذا الإقليم أو ذاك، ولكن إنوسنت الثالث [يعد من أبرز بابوات القرون الوسطى، وكانت أكثر إسهاماته وضع مذهب خاص حدد سلطة البابا إلى يومنا هذا، كان أحد الذين دعوا إلى الحملة الصليبية الرابعة والخامسة، عاش ما بين الفترة 1160م-1216م] وجد الآن في عقد الرهبان الدومينيسكيين الجديد أداة قوية للقمع، ومن ثم نظمت محاكم التفتيش كأداة تحقيق مستديمة تحت إداراتهم؛ إذ تجلى عند الكنيسة قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكمله، وقد تجعله أثرا بعد عين، فلم تكن تستشعر أي اطمئنان نفسي، وكانت تتصيد الهراطقة -في نظرها- من كل مكان.
    وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا بالملاحدة والكفار، فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مئة ساحة من ساحات الأسواق في أوروبا ليراقبوا أجسام أعدائها -وهم في غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم- تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة، وتحترق وتخمد معهم في الوقت نفسه الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية فتصبح رمادا تذروه الرياح...". [معالم تاريخ الإنسانية، 3/908-909]
    وإذا أردنا أن نُلقي نظرة عما كان يحدث هناك تفصيليا فعلينا أن نتأمل تلك القصة التي حدثت بعد الثورة الفرنسية، فبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس، أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا وأصدر مرسوما سنة 1808م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
    تحدث أحد الضباط الفرنسيين فقال: "أخذنا حملة لتفتيش أحد الأديرة التي سمعنا أن فيها ديوان تفتيش، وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها فلم نجد شيئا يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس، توشك عيناه أن تظفر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت دي ليل استمهلني قائلا: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟! قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئا مريبا، فماذا تريد يا لفتنانت؟! قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف، فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.
    عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة -وكنا نرقب الماء- فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف، فصفق الضابط دي ليل من شدة فرحه، وقال: ها هو الباب، انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير، أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة.
    وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر، كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول، وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفا، وقال لي: يابني، لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال، إنها شمعة مقدسة.
    قلت له: يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك!
    وهبطت على درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود، شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديدية ضخمة، وربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها.
    وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء، ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض، رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي.
    رأينا غرفا صغيرة في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممدا بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي.
    وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها، وكان السجناء رجالا ونساء، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة.
    كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعا عرايا، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء.
    أخرجنا السجناء إلى النور تدريجيا حتى لا تذهب أبصارهم، كانوا يبكون فرحا، وهم يقبِّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، كان مشهدا يبكي الصخور.
    ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يُهشمَ الجسم كله ويخرجَ من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين.
    ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماما، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه، بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنَّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت.
    وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره، فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إربا إربا.
    كما عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.
    وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم..".
    ولذا فقد كانت محاكم التفتيش وما صحبها من الفظائع عميقة الأثر في الحس الأوروبي، وسيئة النتائج بالنسبة للنهضة التي انبثقت في أوروبا بعد الثورة على الكنيسة، لقد أصبح العداء للدين المتمثل هناك في الكنيسة ورجالها أمرا لازما لكل صاحب فكر حر؛ لأن هذا العداء هو أبسط تعبير عما رآه الناس من أهوال لم يكونوا يتصوروا أن تقع بأيدي رجال من المفترض أنهم رجال دين ورحمة وسلام.

    الإقطاع
    ولعله آخر الأسباب لقيام ثورة عارمة في وجه سلطان الكنيسة، ونعني به مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع الذي ساد في أوروبا طيلة القرون الوسطى، وهو النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام الإقطاع، وربما كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ.
    يرجع النظام الإقطاعي إلى عهد الرومان، إلا أنه تبلور في صورته التي عرفته أوروبا في القرن التاسع، وبلغ ذروته في أوروبا أبان القرون الوسطى، وتحديدًا في القرن الثالث عشر.
    بدأ نظام الإقطاع باقتطاع الملوك والأمراء مساحات من الأراضي إلى من يدينون لهم بالولاء، وذلك مدى حياتهم، ثم أصبح ذلك أمرا وراثيا، فأمير الإقطاعية هو الحاكم المطلق في إقطاعيته، هو المالك لكل شيء والباقون عبيد، لا يملكون حق الانتقال من إقطاعية إلى إقطاعية.
    ولم يكن مساوئ النظام الإقطاعي في الجانب المالي فحسب، بل كان للإقطاعي سلطات أخرى حصل عليها، والمدهش حقا هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك، عدا خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته، فمن يسكن الأرض يجب عليه تقديم فروض الطاعة التي منها:
    1. ثلاث ضرائب نقدية في العام.
    2. جزء من محصوله وماشيته.
    3. العمل سخرة كثيرا من أيام السنة.
    4. أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه.
    5. أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البري.
    6. رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك.
    7. ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب.
    8. يفتدي سيده إذا أُسِر.
    9. يقدم الهدايا لابن المالك إذا رُقِّي لمرتبة الفرسان.
    10. ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق.
    11. لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسها بأسبوعين.
    12. يشتري بعض بضائع سيده وجوبا.
    13. غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة.
    14. ضريبة مع أذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة.
    15. حق الليلة الأولى، وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى، وكان يسمح له أحياناً أن يفتديها بأجر.
    16. وراثة تركته بعد موته.
    17. ضريبة سنوية للكنيسة، وضريبة تركات للقائد الذي يدافع عن المقاطعة.

    وقد أدى النظام الإقطاعي إلى تحول أغلب أوروبا إلى مجتمعات ريفية فقيرة، واندثرت المدنية في الكثير من الأقطار الأوروبية، كما انحصر المجتمع إلى عدة طبقات:
    1. السيد المالك: هو المسيطر الفعلي وصاحب النفوذ القوي في هذا النظام، وقد كان يملك حقوقا لا حصر لها في حين ليس عليه أي واجبات حيث كان من حقه أن يضرب رقيق أرضه أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقابا، وكانت له في أملاكه كل السلطات القضائية والعسكرية، وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة... وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة... وقد يكون له قصر حصين في كل واحدة منها، وكان قصره يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم... يحيط به خندق عميق عريض وسور متصل عال وأبواب حديدية؛ وفي وسطه برج حجري دائري يسكن فيه السيد وأسرته، وكانت جدرانه الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك نفسه.
    وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه من أن يكون رقيق أرض، ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية، يؤدي مراسم الولاء لشريف إقطاعي، يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس، ويضع يديه في يدي الشريف، ويعلن أنه رجل ذلك الشريف، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة... أن يظل وفيا للسيد إلى آخر أيام حياته، ثم يرفعه السيد ويقبل.
    2. رجل الدين: كان رجل الدين بسلطته الروحية سيداً إقطاعيا إلى حد ما، وكان يملك الإقطاعيات، ويتحلى بالألقاب الإقطاعية، ويورث مرتبته لذريته، يقول ديورانت في قصة الحضارة: "أصبحت الكنيسة أكبر ملاَّك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان دير فلدا مثلا، يمتلك (15000) قصر صغير، وكان دير سانت جول يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان الكوين فيتور -أحد رجال الدين- سيدا لعشرين ألفا من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية... وهكذا أصبحت الكنيسة جزءا من النظام الإقطاعي...".
    3. العبد: أباحت الكنيسة استرقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي، وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيدا على الأديرة، وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوي من المال، فقد كان العبد يعد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء، وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم، وحرم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر.
    4. رقيق الأرض: لم يكن رقيق الأرض عبداً بمعنى الكلمة، لكن حاله لا يختلف عن العبد في شيء، والفارق بينهما أن العبد إما أسير مغلوب وإما مخالف للسيد في الدين أو الجنس أو المذهب، بعكس الرقيق الذي هو أصيل في الإقطاعية، وينتمي إلى الدين والجنس اللذين ينتمي إليهما سيده، والأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون، وكان في وسع المالك أن يطرده متى شاء، وكان من حقه في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلا عن الأرض، أما في إنجلترا فقد حرم من مغادرة الأرض، وكان الذين يفرون من أرقاء الأرض يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد، وهذا الصنف هو الصنف الغالب في الإقطاعيات، بل هو في الحقيقة يمثل مجموع سكان أوروبا تقريبا باستثناء النبلاء ورجال الدين.

    وقد كانت الحروب الصليبية سببا رئيسا وراء انقسام المجتمع إلى هذه الطبقات، التي أثقلت أوروبا بالكثير من الأموال، ففرض الملوك الكثير من الضرائب على الإقطاعيين، وبدورهم لم يجد الإقطاعيون موردا لتحصيل الضرائب إلا بفرض الضرائب كذلك على ما يملكون من عبيد تحت أيديهم، وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم، كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم، ولم يَدُر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق.
    إلا أن أوروبا بدأت تتململ من رقدتها سبب تلك الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي تعيشها في الإقطاع، وكان لاحتكاكها بالعالم الإسلامي عن طريق الأندلس والحروب الصليبية أكبر الأثر في ذلك، ولكن كان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم، حيث أقرت الكنيسة النظام الإقطاعي السائد، بل أصبحت مؤسسة من مؤسساته الثابتة، وأقرت الاضطهاد الفظيع الذي كان يتعرض له أرقاء المجتمع رغم تنافيه مع تعاليم الإنجيل، ووقفت تتهدد الثائرين على الظلم المتمردين على الطواغيت بأنهم مارقون من الدين، وأنهم ملعونون عند الله. بل حاولت تخدير الثائرين على الظلم بأن الرضا بالظلم في الحياة الدنيا هو مفتاح الرضوان في الآخرة، فأما العبيد الثائرون فقالت لهم: إن السيد المسيح يقول: "من خدم سيدين في الدنيا خير ممن خدم سيدا واحدا"، وأما المظلومون عامة فقالت لهم: "إن من احتمل عذاب الدنيا، فسيعوضه الله بالجنة في الآخرة".
    بل سلكت الكنيسة مسلكا آخر غير التهديد والترغيب بالآخرة، سلكت مسلك التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الأكويني، الذي فسره بأنه نتيجة لخطيئة آدم، وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم، ومن هنا قال ماركس قولته الشهيرة: "الدين أفيون الشعوب". [قصة الحضارة، 14/406-426]
    وقد كان لهذا النظام الاجتماعي ومساندة الكنيسة له أثرا خطيرا في الحياة والفكر الغربي، فقد تم الربط بين الإقطاع والدين، حيث كان النظام الإقطاعي في عنفوان شبابه، في الفترة نفسها التي كانت المسيحية فيها في أوج عظمتها، ثم كان انهيار النظام موازيا لانهيار الكنيسة، واستنتجت أوروبا في عصر النهضة من ذلك معادلة خاطئة، وهي أن المجتمع الإقطاعي طبقي ظالم لأنه متدين؛ إذن فزوال الظلم من المجتمع يستلزم نبذ الدين كلية، أو على الأقل عزله عن التأثير في مجريات الأحداث؛ وتلك كانت نظرية الكُتّاب الطبيعيين الذين وضعوا نواة الفكر الرأسمالي الحديث.

  9. #9
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    الثورة الفرنسية

    وبعد أن رسمنا خطوطا عامة في فهم أسباب الثورة على الكنيسة، نشرع في ذكر الحدث نفسه، وكيف كانت الثورة الفرنسية هي نقطة تحول في تاريخ أوروبا من قارة مسيحية إلى اللادينية.
    لقد بدأت نذر الثورة على الكنيسة ورجال الدين منذ عصر النهضة، وبدأ الكتاب يتمردون على سلطان الكنيسة الطاغي ويهاجمون رجال الدين، بل يهاجمون كذلك خرافات ذلك الدين الكنسي ومعمياته.
    وفي السنوات السابقة للثورة بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي في فرنسا غايته، حتى إن كالون وزير الخزانة الملكية اعترف بذلك عام 1787م، وأرادت الحكومة سد عجز الميزانية بإرهاق الشعب بضرائب جديدة فادحة، فازدادت أحوال الطبقات المسحوقة سواء، وعصفت بالبلاد موجة من الجوع ونقص المؤن.
    وفي الوقت الذي عيل فيه صبر الشعب وأنهكته المجاعة والبؤس، كان هناك طبقتان تترنحان في أعطاف النعيم وتنغمسان في مختلف الملاذ، وهما: طبقة رجال الدين وطبقة الأشراف، بالإضافة إلى الأسرة المالكة التي كانت عبئا ثقيلا على الجميع.
    وكان إنقاذ الشعب يتطلب منه أن يقوم بعمل يودي بالظلم ويزيح كابوسه عن المهضومين، ووقف الشعب بكل فئاته: الفلاحين، والمهنيين، والقساوسة الصغار، جبهة واحدة، وكانت الجبهة الأخرى ائتلافا بين الطبقتين المحتكرتين: رجال الدين والأشراف.
    وعندما بدأت أحداث الثورة الفرنسية في 14يوليو 1789، بدأ معها مسلسل مخيف من القتل الجماعي، وذاع صيت طبيب يدعى جيلوتين لاختراعه آلة قتل عرفت باسمه وعرفناها باسم المقصلة، التي التهمت أرواح العديد من الأبرياء والشرفاء تحت شعار الثورة، ولم تكن إلا فوضى وتسارعٌ بربري نحو القتل الجماعي.
    كانت الثورة الفرنسية بكل ما تضمنت من ألوان العنف والبطش والقتل وإسالة الدماء.
    وقامت الثورة الفرنسية تدعو إلى ثلاث شعارات: الحرية، والإخاء، والمساواة، فأمام هذا خرجت الثورة الفرنسية تقول: "لا.. المواطنون كلهم سواء في الحقوق والواجبات"، ففرحت أوروبا، لكنها أنبتت ظلما آخر، فالثورة الفرنسية رفعت ظلم الإقطاعيين، وجاءت بظلم الرأسماليين، ودفعت ظلم الملوك بظلم نابليون وأمثاله.
    والجدير بالذكر أن تعبير حكم الإرهاب (=Reign of Terror) يعني الفترة الأخيرة من شهور الثورة الفرنسية التي غاب فيها المنطق وتولى زمام الأمور فيبيها ماكسميليان روبسبيير (Robespiere) الذي يعد بحق واحدا من أشهر السفاحين الذين أنجبتهم البشرية. [عاش من 1758-1794درس القانون في باريس، تأثر بأفكار جان جاك روسو حول الديمقراطية والإيمان بالله من دون أديان، ترأس (لجنة الأمن العام) عام 1793م بمخاطر الغزو الأجنبي، عمد إلى فرض ما عرف ب (عهد الرعب)، الذي تمثّل في دفع آلاف المعارضين المعتدلين أو اليساريين إلى المقصلة، وفي زج أكثر من 200 ألف آخرين في غياهب السجون والتعذيب.]
    وكانت الأمور قد تطورت في أعقاب قيام الثورة الفرنسية التي قضت على الملك لويس السادس عشر وزوجته الشهيرة الأميرة النمسوية ماري أنطوانيت، وترك ولدهما يموت في السجن وهو صبي دون الثانية عشرة.
    جاء هذا التطور في شكل تجمع خارجي للقوى المحيطة بفرنسا وعلى رأسها بريطانيا والنمسا وأسبانيا والبرتغال وروسيا وبروسيا وسردينيا ونابولي، قرر الهجوم على فرنسا إلى جانب الحرب الأهلية التي اشتعل أوارها بين الملكيين وأنصار الثورة، نتيجة لذلك أصدرت الجمهورية الفرنسية قرارا في الخامس من سبتمبر 1773م يجعل "الإرهاب" المظلة الوحيدة لكل التحركات، وكما أسموه "أصبح الإرهاب نظام اليوم". كان تفسير القرار باختصار هو القضاء الفوري على النبلاء ورجال الدين وأولئك الذين لديهم ممتلكات خاصة ومخزون للطعام، من هنا بدأت موجة عاتية من العنف والقتل عرفت باسم (حكم الإرهاب). كان أول مظاهر هذه الموجة هو إرسال "الجيش الثوري" من باريس الى المدن الصغرى والقرى ومعه مقصلة متحركة، وكان روبسبيير -الذي كان يرأس لجنة الأمن العام وهي القوة الكبرى في فرنسا آنذاك- يريد تجهيز جيش قوامه نصف مليون رجل للقيام بمهمة تصفية معارضي روبسبيير ولجنته، ومن ثم فقد أصدر قرارا ببدء التجنيد الإجباري.
    وفي السابع عشر من سبتمبر، أصدرت لجنة الأمن العام قانون المشبوهين الذي يتيح للسلطات التابعة للجنة الأمن العام اعتقال وإعدام أي شخص يتهم بالعمل ضد "الثورة"، وقد علق روبسبيير على ذلك متباهيا ومتفاخراً بقوله:"إنني سأجعل خط الحدود بيني وبين أعداء فرنسا من حولنا نهراً من الدماء".
    وزاد الضغط على المقصلة، ففي يوم الحادي عشر من نوفمبر 1793م تم قطع رؤوس اثنين وثلاثين ضحية في ثمان وعشرين دقيقة، بعد ذلك بأسبوع قطعت رؤوس اثني عشر رجلا في خمس دقائق، كان هذا هو أسلوب التخلص من الخصوم السياسيين.
    ولقد عُرف أن فوضى القتل إبان الثورة الفرنسية فتحت المجال أمام أعداد هائلة من المرضى النفسيين لممارسة القتل على نطاق واسع، وكل ذلك باسم الثورة وتحت مظلة العشوائية، التي حكمت سلوك الفرنسيين في تلك الحقبة الغريبة، وكان أبرز الضحايا هم الأثرياء ورجال الدين وأبناء الطبقة الأرستقراطية، وأضاف السفاحون لهم نماذج أخرى مثل العاطلين عن العمل ومن أسمتهم المحكمة الثورية بالمتعصبين، وقد اخترع روبسبيير مجموعة فريدة من التهم يعاقب مقترفها بالإعدام، منها: التعرض للوطنية بالسب أو القذف، وبث روح اليأس لدى المواطنين، وترويج أخبار كاذبة، وانتهاك الأخلاقيات، وإفساد الضمير العام، وتعكير البراءة والطهارة الثورية، وتعويق طاقة الحكومة.
    ومن أجل الإسراع بالإجراءات القانونية صدرت قوانين بمنع محامي الدفاع أو استدعاء أي شهود، أما المحلفون فكانوا مجموعة من المواطنين الشرفاء الذين كان بوسعهم الوصول الى حكم عادل دون الاستماع الى مرافعات الدفاع أو إفادات الشهود، وكان الحكم دائما واحدا من اثنين، البراءة أو الموت.
    وإذا وضعنا في الحسبان مقولة روبسبيير بأن الرأفة مرادفة لقتل الأمهات أو الآباء، لعرفنا أن المحاكمة كانت تعني دائما الموت، وارتفع معدل تنفيذ الأحكام الى ثلاثين حكما يوميا مع بداية نوفمبر 1793م، وهكذا اكتسحت الثورة الفرنسية في طريقها ما كان قد تراكم من المظالم خلال ألف وأربعمائة عام، وأزالت الطبقتين الحاكمتين الطاغيتين المتحالفتين، رجال الإقطاع ورجال الدين.

    نتائج الثورة الفرنسية
    يعتبر التركيز على حقوق الإنسان من أهم النتائج التي ترتبت عن الثورة الفرنسية، التي استهلت بالتنصيص على الحرية والمساواة وحق الإنسان في تكوين الجمعيات السياسية والأمن والسلام، مع حرية الرأي والتعبير إضافة إلى أن ميزانية الدولة المجموعة من الضرائب تنفق في المصلحة العامة.
    ومع ذلك فإن الأمور لم تسر في مسارها الطبيعي، فعلى الرغم من كل الظلم المتراكم أكثر من ألف عام، من الإقطاعيين ورجال الدين سواء، وعلى الرغم من كل الحقد المشحون في الصدور تجاه هاتين الطبقتين، وعلى الرغم من وحشية الجماهير حين تتولى هي القيادة؛ على الرغم من ذلك كله فقد كان يمكن أن تسير الثورة في تمردها وقضائها على الظالمين مسارا آخر، لولا أن يد خبيثة تدخلت لتتجه بالثورة في مسار معين، يخدم أغراضها هي قبل كل شيء أخر.. سواء خدم أو لم يخدم أهداف الآخرين!

    دور الجماعات اليهودية في الثورة الفرنسية
    على رغم مما كان في الثورة الفرنسية من قتل وإراقة للدماء منقطع النظير، إلا أنها لم تعد أن تكون ردة فعل نفسية لما تكوَّن عند الرجل الغربي من إحساس بالظلم والقهر، خاصة من جانب الكنيسة التي ساندت الإقطاع وجمعت الضرائب والأموال وعذبت وأحرقت العلماء بحجة مخالفة مذهب الكنيسة.
    كانت الثورة الفرنسية ردة فعل نفسية على كل هذا، ولم يكن في مخيل الناس التحول إلى اللادينية وإقصاء الدين من الحياة، بل كان همهم الانتقام من رجال الدين والأشراف فقط.
    ولكن يدا ما تدخلت لاستغلال تلك الفرصة التي ربما قد لا تتكرر، وحوَّلت مسار الثورة لتكون ثورة على الدين وليست على رجال الدين، وهنا كان دور جماعات يهودية في إفساد أوروبا.
    وقبل أن نستعرض الدور اليهودي في الثورة الفرنسية وأسبابه يجب أن نقرر حقيقة مهمة، وهي أن اليهود لا يُنشئون الأحداث كما يزعمون لأنفسهم، وكما يتوهم الذين تبهرهم سيطرة اليهود في الوقت الحاضر فيهولون من مقدرتهم كأمثال (وليم غاري كار)مؤلف الكتاب الشهير أحجار على رقعة الشطرنج، الذي ينسب فيه كل أحداث التاريخ لفعل اليهود، ولكن لا شك أنهم يُجيدون انتهاز الفرص واستغلالها لتنفيذ مخططاتهم.
    وعقدتهم الكبرى اعتقادهم أنهم شعب الله المختار، ومن ثم فينبغي أن يكون بقية البشر خدما وعبيدا لهم، ويكونوا وحدهم هم المسيطرين، يقول التلمود لليهود: "الأمميون (=أي كل الأمم غير اليهود) هم الحمير (=دواب الحمل) الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وكلما نفق منهم حمار ركبنا حمارا أخر".
    وإذ كان مخططهم هو استعباد البشرية، واستحمارها وتسخيرها لمصالحهم، فقد علموا أن أنجح الوسائل لذلك هي نزع عقائد الأممين وإفساد أخلاقهم؛ لذا جاء في بروتوكولات حكماء صهيون: "يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول غير اليهود، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية.
    ومن المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمر وانقلب شبابهم مجانين بالكلاسيكيات والمجون المبكر الذي أغراهم به وكلاؤنا ومعلمونا وخدمنا ونساءنا في أماكن لهوهم والراغبات من زملائهن في الفساد والترف" [بروتوكولات حكماء صهيون، البروتوكول الأول]
    صحيح أن العقيدة التي قدمتها الكنيسة إلى أوروبا لم تكن هي تعاليم المسيح بحرفيتها، وأن الدين الذي نشرته الكنيسة كان دينا يتكون من خليط من الأديان الوثنية إلى جانب مسحة ربانية، ولكن شدة تمسك أوروبا بعقيدتها قد جمّد محاولات اليهود لتنفيذ مخططاتهم فترة طويلة، رغم أنهم لم يكفوا عن المحاولة خلال تلك القرون كما يقول -بحق- وليم كار في كتاب على رقعة الشطرنج.
    لقد كان أقصى ما يفعل اليهود هو جمع المال، وإقراضه بالربا الفاحش للمحتاجين، وإيقاع أمراء الإقطاع في الدين ليستولوا في النهاية على ثرواتهم، ولكن تأثيرهم في مجموع الناس كان معدوما أو ضئيلا إلى أقصى حد، خاصة واليهود في أوروبا في ذلك الحين محتقرون مهينون، فوق البغضاء الموجهة إليهم والاضطهاد الحائق بهم على أساس أنهم قتلة المسيح كما كان يعتقد المسيحيون.
    وحينما قامت الثورة الفرنسية كانت أهداف الثائرين هي القضاء على الحليفين الطاغيين المستبدين: رجال الإقطاع ورجال الدين، وكان الإقطاع شرا خالصا فكان ينبغي أن يزول، وكان الدين الذي تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحوي بعض الحقائق وكثيرا من الأباطيل، فكان يمكن أن تصحح أباطيله، ويستبدل به الدين الحق، الخالي أساسا من الأباطيل، ولكن اليهود حين دخلوا في الأمر لم يدعوا الفرصة لتصحيح الدين، وإنما استغلوها فرصة سانحة لتحطيم الدين، وهذا هو الدور الحقيقي الذي لعبوه في الثورة الفرنسية.
    والحقيقة أن المحافل الماسونية المنتشرة في فرنسا في ذلك الوقت ساهمت في التحضير للثورة، وهي التي رفعت شعاراتها الخاصة -الحرية والإخاء والمساواة- شعارات للثورة الفرنسية، على غير وعي من الأمميين الذين قاموا بها، واشترك بعض الخطباء من اليهود في إلهاب حماسة الجماهير وتفجير الغضب المكبوت.
    أما عن أسباب دخول اليهود في الثورة فقد كان لتحقيق هدفين كبيرين من أهدافهم الخاصة، أحدهما كانت الثورة تتجه إليه من تلقاء ذاتها، والثاني كانت وجهة الثورة فيه تُيسِّر لهم الوصول إلى هدفهم الخاص إذا استغلوا الأحداث.
    وهدفهم الأول: فقد كان تحطيم الإقطاع، وهذا كان يوافق هدفا مرحلياً خاصا لليهود؛ إذ كان لليهود أكثر من مصلحة في تحطيم الإقطاع، فلا عجب أن يدخلوا في الثورة التي رأوها متجهة- من تلقاء نفسها- إلى تحطيمه.
    كانت الثورة الصناعية تدق الأبواب، وكان اليهود يقدِّرون لأنفسهم فيها أرباحا طائلة عن طريق الإقراض بالربا، فمنذ مولدها واحتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة سقطت فريسة في يد اليهود، وما تزال حتى هذه اللحظة في أيديهم، فقد كان المال الوفير الذي يصلح لتمويل الثورة الصناعية في يد طائفتين اثنتين في ذلك الحين: طائفة أمراء الإقطاع وطائفة المرابين من اليهود.
    فأما أمراء الإقطاع فقد رفضوا تمويل الصناعة الناشئة وأبوا أن ينقلوا أموالهم من دورتها الزراعية المألوفة لديهم والمضمونة الربح لهم، إلى عملية جديدة لا يعرفونها، ولا يطمئنون إليها لعدم تمرسهم بها، خاصة وأن كثيرا من العلميات الصناعية كان يفلس في مبدأ الأمر بسبب نقص الخبرة، أو عدم توفر الأسواق، أو عدم وجود المواصلات الميسرة، أو عدم إقبال الناس على الأشياء المصنوعة الآلة، وتفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم الألفة الطويلة.
    عندئذ تقدَّم اليهود لتمويل تلك الصناعات مرحبين، لأنهم -على طريقتهم- لا يخسرون شيئا سواء ربحت الصناعة أو خسرت أو أفلست إفلاسا كاملا، ذلك أنهم لا يشتركون اشتراكا مباشرا برؤوس أموالهم، وإنما يقرضون أصحاب الصناعات بالربا الفاحش مقابل ضمانات تضمن لهم رجوع أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضوا للخسائر التي كانت تتعرض لها الصناعة الناشئة في ذلك الوقت في كثير من الأحيان، إلا أن العقبة أمام الصناعة الناشئة لم تكن عقبة التمويل فحسب، وهي بالنسبة لهم لم تكن عقبة بل كانت مصدر ربح وفير، إنما كانت العقبة الكبرى هي توفير العمال اللازمين للصناعة، فقد كان العمال في الريف يحتجزهم الأحرار، وهم قلة قليلة إلى جوار العبيد والأقنان، وكلهم لا يملكون الانتقال إلى حيث تقوم الصناعات بالمدينة، حيث توجد الأسواق المعقولة لتصريف المنتجات الصناعية، ومن ثم كان لا بد من تحطيم الإقطاع لتحرير وقود الصناعة الجديدة، وتقرير (حق الانتقال) لكل من يريد، وهو حق لم يكن قائما في ظل الإقطاع.
    وهذا الهدف- وهو تحرير العبيد لتوفير العمال اللازمين للصناعة في المدن- لم يكن في حساب الثائرين ولا شك يوم قاموا بثورتهم العنيفة ضد مظالم الإقطاع، ولكنه كان هدفا واعيا لليهود منذ أول لحظة.
    وأما الهدف الثاني: فقد كان تحطيم نفوذ الكنيسة ورجال الدين، وهذا الذي حوله اليهود لحسابهم الخاص إلى تحطيم لذات الدين؛ لذلك سعوا بجمعياتهم الماسونية المنبثة في أنحاء فرنسا، وبخطبائهم وكتابهم إلى توجيه غضب الجماهير المجنونة نحو الدين ذاته لا نحو رجاله فحسب، وكان أن أعلنت في فرنسا الثورة، أول حكومة لا دينية في العالم المسيحي لا تجعل الدين أساسا لأي شيء في حياة الناس.

  10. #10
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    سادسا: النظريات العلمية/ الفكرية التي تزامنت والثورة الصناعية.

    ثم أعقب ذلك ظهور نظرية علمية خطيرة استغلها اليهود أنجح استغلال لتحويل أوروبا إلى اللادينية، تلك النظرية كانت نظرية تشارلز دارون [1809-1882م باحث إنجليزي، صاحب نظرية التطور في الأجناس الحية، أحدث كتابه أصل الأنواع الذي تضمن نظريته في التطور ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكانت له آثار بعيدة في كل المجالات]
    يقول كتاب بروتوكولات حكماء صهيون في ذلك: "إن دارون ليس يهوديا، ولكنا عرفنا كيف ننشر آراءه على نطاق واسع، ونستغلها في تحطيم الدين".

    زلزال اللادينية الداروينية
    وهي إحدى النظريات التي كان لها أكبر الأثر في التاريخ الأوروبي جُملة، بل -بالنظر إلى النتائج الفكرية والاجتماعية- هذه النظرية من أهم النظريات في التاريخ، فعلى الرغم من الثورة الفرنسية، ونظرية إسحاق نيوتن التي فسرت كل شيء تفسيرا ميكانيكيا، كذا النظريات الفلسفية وانتقادات سبينوزا وفولتير الشديدة، على الرغم من ذلك كله لم يكن ليسمح لأي مفترض أو متكهن بأن يتنبأ بانهيار كامل للمسيحية قبل قرون عدة، فقد بقيت كيانا قائما تدعمه عواطف الأغلبية من الناس، وتسانده موروثات عميقة الجذور من القيم والمثل والتقاليد، حتى وهم يثورون عليها ويقفون ضد طغيانها.
    لكن جاءت نظرية في النشوء والانتخاب الطبيعي، وتُعرف اختصارا بالتطور، لتضرب كل تلك الثوابت التي عاش عليها الأوروبيون قرونا عدة؛ ففي سنة 1859م نشر الباحث الإنجليزي تشارلز داروين كتابه "أصل الأنواع"، حيث أراد الباحث أن يثبت افتراضه بتطوّر الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد إلى الدقة والتعقيد، وتدرجها من الأحط إلى الأرقى، وأن الفروق الخِلْقيةَ داخلَ النوع الواحد تُنتج أنواعا جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة؛ ولذا يفترض داروين أن أصلَ الكائناتِ العضويةَ ذاتِ الملايين من الخلايا كائنٌ حقير ذو خلية واحدة.
    وبحسب قانون "الانتقاء/ الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب" الذي أوجده دارون نَمَت الأنواع التي استطاعت التّكُّيف مع البيئة الطبيعية ومصارعةَ الكوارث المفاجئة، وتدرجت في سُلَّم الرقي في حين هلكت الأنواع التي لم يحالفها الحظ في ذلك؛ وعِلّة ذلك –كما يفترض دارون- أن الطبيعة وهبت بعض الكائناتِ عواملَ البقاء ومؤهلاتِ حفظ النوع، بإضافة أعضاءَ أو صفاتٍ جديدة تستطيع بواسطتها أن تتواءم مع الظروف الطارئة، وقد أدَّى ذلك إلى تَحَسُّنٍ نوعي استمر عبر ملايين السنين نتج عنه الإنسان.
    وباختصار شديد، تَصَوَّر أنه من خلال العملية التي سماها عملية "التطور" سارت الحياة في سلسلة طويلة من الرقي التدريجي بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالإنسان على النحو التالي: كائن وحيد الخلية (=الأميبا)، فطريات متعددة الخلايا، نبات، نبات يشبه الحيوان (=الهيدرا)، حيوان يشبه النبات (=المرجان)، حيوانات لافقارية، حيوانات فقارية دنيا (=الأسماك والطيور)، حيوانات فقارية أرقى (=الثديات الدنيا)، الثدييات العليا، القردة الدنيا، القردة العليا (=الغوريلا والأورانج أوتانج (=إنسان الغابة) والشمبانزي والسعدان)، الحلقة المفقودة (=القرد الشبيه بالإنسان أو الإنسان الشبيه بالقردة العليا/ الإنسان).
    ويشرح دارون مُعللا بالقول: "إن الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق"، ثم يستدرك بأنها: "تخبط خبط عشواء". ذلك بإيجاز شديد هو لب النظرية التي طلع بها دارون في ذلك الكتاب، وهي في جوهرها فرضيةٌ بيولوجية أبعدَ شيء عن أن تكون نظريةً فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة، وقد علّق عليها اثنان من أساطين علم الأحياء في القرن الماضي، وهما: روبرت أوين [عالم أحياء إنجليزي، من أساطين علم الأحياء في القرن التاسع عشر 1771-1858م، ومفكر اشتراكي وصناعي ثري] في إنجلترا، وأغاسيز [وهو عالم أحياء من أساطين علم الأحياء صاحب نظرية "التولد الذاتي" التي اشتهرت في القرن التاسع عشر في أوروبا]في أمريكا: "إن الأفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وسوف تنسى بسرعة" [سلسلة تراث الإنسانية، 9/125].
    وهي بالفعل نسيت اليوم بين أمواج ثورات بحر العلوم التطبيقية والاكتشافات العصري، إلا أن مكمن خطورة النظرية لا ليس في كونها مجرد فرض علمي بيولوجي، بل فيما تَرتَّب على هذا الفرض من نتائج؛ فالنظرية التي تُقرِّر حيوانية الإنسان وماديته، بمعنى أن الظروف المادية المحيطة به هي التي أثرت في تطوره وإعطائه صورته، وهذا ينافي ما أشاعته الأديان السماوية حول القصد والغاية من خلقه، كما تنفي أنه المتفرد بين بين الكائنات الأخرى بالعقل والقدرة على الاختيار والتمييز، فضلا عن المزايا الأخرى الإنسانية.
    فحين يكون الإنسان حيوانا أو امتدادا لسلسلة التطور الحيواني فأين مكان العقيدة في تركيبه، وأين مكان الأخلاق أو التقاليد الفكرية والروحية والاجتماعية؟؛ وحين يكون حيوانا أو امتدادا لسلسلة التطور الحيواني، فما مقياس الخطأ والصواب في أعماله؟ وكيف يقال عن عمل من أعماله إنه حسن أو قبيح، جائز أو غير جائز.. بعبارة أخرى: كيف يمكن إعطاء قيمة أخلاقية لأعماله؟وحين يكون حيوانا أو أمتدادا لسلسلة التطور الحيواني، فما معنى الضوابط المفروضة على سلوكه؟ وما معنى وجود الضوابط؟ وهذه هي المنظومة التي تربط أي إنسان بنسيجه العائلي والاجتماعي ومن ثم المدني والقومي.
    وبصرف النظر عن صحة المعلومات الواردة في نظريته وصحة تفسيراته لها أو عدم صحتها، فقد أنشأت هزة هائلة في المجتمع الغربي كله، اهتزت لها الكنيسة من جهة، والدوائر العلمية من جهة أخرى والجماهير من جهة ثالثة.
    الكنيسة بدورها أشهرت كفر وزندقة وهرطقة دارون وختمت عليه بالمروق من الدين؛ لأنه ينفي الخلق المباشر من الله للإنسان، بل يُقرر أن الحياة قد وجدت على الأرض بالصدفة في ظروف معينة ليست قابلة للتكرار، وقد جاوبها دارون من ناحيته باتهامها بالجهل والتخريف ومحاربة العلم بحقائقه ونظرياته؛ لكن على الرغم من ذلك فقد انتشرت النظرية الدارونية انتشارا واسعا، وكان هذا الانتشار بسبب بعض الأسباب والعوامل التي ساعدت على تبني الكثير من العلماء والجماهير تلك النظرية، ومن أهمها:
    1. الظروف التاريخية السيئة: فقد ولدت النظرية في عصر كان فيه الصراع بين العلم والدين على أشده، وكانت الثورة الصناعية قد أخذت تطمس ملامح المجتمع الأوروبي، وتصبغه بصبغة جديدة متحللة من الدين والأخلاق، وكان الإنسان الأوروبي في كل مكان يتحفز للأخذ بثأره من رجال الكنيسة الذين أذاقوه ألوان الذل والاستعباد، فكان ظهور النظرية فتحا جديدا بالنسبة له.
    2. الاستغلال البشع للنظرية من قبل حكماء صهيون: تقول البروتوكولات: "لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح دارون وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحا لنا على التأكيد." [البروتوكول الثانى]
    وجد اليهود في النظرية الدارونية فرصة سانحة لتقويض عقائد الأممين، وإزالة ما بقى من أثر للدين في حياة الناس، وينبغي لكي ندرك دور اليهود في إفساد أوروبا دون تهويل في تقدير مقدرتهم الشريرة أن نشير إلى أن عالما فرنسيا سابقا هو جان باتيست لامارك [من علماء الطبيعة الفرنسيين، مؤلف دائرة المعارف النباتية وغيرها، صاحب نظرية في التطور معروفة باسمه، 1744-1829م] كان قد قال شيئا قريبا مما قاله دارون، ولكن اليهود لم يستطيعوا استغلال نظريته كما فعلوا بنظرية دارون، لأن الثورة الفرنسية لم تكن قد وقعت بعد، وكان المجتمع ما يزال متماسكا بالصورة التي لا تدع لليهود فرصة الدخول، كما أن نظرة الكنيسة والمجتمع لهم مازالت على حالها من احتقارهم ونعتهم بأبشع الصفات، فعجزوا يومئذ عن الدخول، إلى أن زلزل المجتمع بما أحدثته الثورة الفرنسية التي اشتركوا هم في توجيهها وجهة معينة، وأحدثت الثغرات التي يمكن أن ينفذوا منها، فلما جاءت نظرية دارون تلقفوها ونشروها بكل ما أوتوا من قوة لتحطيم كل القيم في حياة البشرية؛ لذا كان من أهم أسباب انتشار الدارونية الحملة الصحفية المكثفة التي أطلقت للتشهير بأعداء النظرية، وتحيُّز الصحف شبه الكامل لدارون على الكنيسة؛ إذ كانت الصحافة قد وقعت في قبضة المرابين اليهود، بفضل المركز المالي الذي هيأته لهم الثورة الصناعية.
    إن النظرية -بصرف النظر عن صحتها أو عدم صحتها من الوجهة العلمية البحتة- لم يكن لتصاغ بالطريقة التي تصادم العقيدة بهذا العنف لولا ذلك الإرث بين الكنيسة والعلماء، الذي جعلهم يتعمدون تجريح الدين ورجاله انتقاما مما فعلته الكنيسة من قبل، كما جعل أوروبا تهرب من إله الكنيسة وتضع الطبيعة إلها بدلا منه، فصاروا يطلقون عليها الطبيعة الأم (Mother Nature)، فكانت تلك النظرية ذات أثر عميق ومحوري في التاريخ الأوروبي الحديث عامة، حيث كانت بمثابة شرارة البدء في التحول إلى اللادينية العلمانية.

  11. #11
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    هزات ارتدادية داروينية
    والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا، كيف أثرت نظرية دارون على الحياة والأفكار العلمية الغربية آنذاك، وما آثارها على مستقبل العلوم الغربية ميدانيا وفكريا؟ يرى المؤرخون أنها أثرت على مفاصل مستقبل الغرب العقائدي والاجتماعي والعملي؛ إذ انهارت العقيدة الدينية، وتغيرت النظرة إلى الإنسان ذاته فكرا ومقصدا ومآلا.

    أولا: انهارت العقيدة الدينية:
    فبعد سنة 1859م، أي بعد ظهور نظرية دارون، أصيب العالم بنقص حقيقي في الإيمان -على حد تعبير المؤرخ ويلز- بسبب ما أضيف من تفسيرات على نظرية التطور، يقابله حماس منقطع النظير في استقبال النظرية، ونشوب معارك تعد من أعظم المعارك الفكرية في التاريخ، فاشتط أصحاب النظرية في موقفهم، وتطرفوا إلى حد إنكار التصور الديني جملة وإعلان إلحادهم الصريح، وتطرفت الكنيسة ومناصروها فأعلنت كفر وهرطقة كل من لم يكن في جانبها، في وقت أثبت الزمن خطأ المواقف التي اتخذتها الكنيسة من النظريات الكونية السابقة.

    ثانيا: انتفاء فكرة الغاية والقصد:
    لقد تطابقت الأديان على أن للوجود الإنساني على الأرض غاية مقصودة أرادها الخالق الأعظم، ومهما اختلفت الآراء والمذاهب في ماهية هذه الغاية وتصورها، وتصوير الخالق وقدراته، فإن حقيقتها العامة لا تقبل الجدل؛ ومع ظهور نظرية التطور العضوي، ومناداتها بأن الإنسان وليد سلسلة طويلة من التطورات المتعاقبة، بدأت من جرثومة في مستنقع آسن، وانتهت في خط سيرها المتخبط إلى صورته الراهنة، لم يعد هناك ما يدعو إلى التفكير في الغاية من خلق الإنسان، فالنظرية تنسب عملية التطوّر إلى العوامل الطبيعية البحتة، والطبيعة كما يفترض داروين: "تخبط خبط عشواء"، فمن العبث أن نبحث عن غاية مرسومة وهدف مقصود لعملية الخلق وللوجود الإنساني، فلو أن الطبيعة وهبت الضفدعة –مثلا- القدرة على التطور، ومنحتها ما منحته صدفة للإنسان؛ لكانت هي سيدة المخلوقات، ولهذا قال جوليان هكسلي: "من المسلَّم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات، ولكن قد تحل محله القطة أو الفأر". [1887-1975م أخصائي علم الحيوان، أدى دورا في تأسيس اليونسكو. وفي فترة لاحقة أصبح نائبا لرئيس اللجنة الدولية لتاريخ التطور العلمي والثقافي للبشرية]

    ثالثا: حيوانية الإنسان وماديته:
    عندما طلع كوبرنيق بنظريته الفلكية بنفي مركزية الأرض للكون، أحس الضمير الأوروبي بأنه قد صُدم في صميم كرامته ومركزه في الوجود، واعتقد البعض أن الإيمان بهذه النظرية إهانة مباشرة للإنسان (=سيد المخلوقات)، فلما جاء داروين بنظريته، وقعت الطامة الكبرى، فزعم أن الإنسان حيوان كسائر المخلوقات الحيوانية، فوجه بذلك إلى الكرامة الإنسانية أعنف لطمة في تاريخها، وقلب الشعور الإنساني رأسا على عقب، وهز المشاعر والمعتقدات والقيم التي كانت منذ فجر التاريخ حتى عصره راسخة لا جدال فيها، وأصبح الحال كما وصفه جوليان هكسلي: "بعد نظرية داروين لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيوانا". [معركة التقاليد، محمد قطب/ 52]
    فإذا كان الإنسان حيوانيا فليتصرف كما تتصرف الحيوانات دون أن يشغل باله بالقيم والمبادئ؟ ولماذا يقلق ضميره بالأخلاق والشرف والأمانة؟ ولم لا يتعامل الإنسان كما تتعامل الحيوانات في حياتها ما دام ليس هناك فرق؟

    رابعا: عمومية التطور:
    ويعد هذا الأثر من أهم الآثار التي أتت بها النظرية الدارونية، فإذا كانت الحياة تتطور، من الخلية الواحدة إلى الإنسان المعقد الشديد التعقيد، وإذا كان الإنسان ذاته قد تطور من حيوان سابق إلى حيوان يشبه الإنسان، فماذا يمكن أن يكون ثابتا على وجه الأرض؟!
    والمحصّلة أنه ليست الأحياء وحدها هي التي تطورت أو تتطور، بل الحياة كلها خاضعة لمبدأ التطور؛ فالعادات تتطور والأخلاق تتطور والتقاليد تتطور وحتى الدين ذاته يتطور؛ لذا كانت هذه النقطة أخطر النتائج المترتبة على النظرية الدارونية، واستغلها اليهود أعظم استغلال في تحطيم الدين وإبعاده عن الحياة بصورة شبه كاملة.
    وكان هذا التدبير اليهودي على أيدي ثلاثة من أكبر علمائهم، الذين صاغوا الفكر الأوروبي كله في ميدان الاقتصاد وعلم النفس والاجتماع، أخطر ثلاثة ميادين في عالم الفكر على أساس معاد للدين؛ أولئك كارل ماركس [1818- 1883م، فيلسوف اجتماعي وسياسي يهودي ألماني، ألف العديد من المؤلفات إلا ان نظريته المتعلقة بالرأسمالية وتعارضها مع مبدأ أجور العمال هو ما أكسبه شهرة عالمية] وسيغموند فرويد [1856- 1939م عالم نفس يهودي نمساوي، ورغم إعلان إلحاده إلا أنه كان دائما يؤكد على أهمية الديانة اليهودية في تكوينه] وإميل دركايم [1858 - 1917م، فيلسوف وعالم اجتماع يهودي فرنسي، نشأ في عائلة من الحاخامين اليهود، يعتبر أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث].
    إذا اعتبرنا أن التحول العاصف في وجه أوربا المسيحية تحركة من جذوره بكماشة، فإن نظرية دارون وما صاحبها من نظريات فكرية كانت الذراع الأولى، أما ذراع الكماشة الثاني فهي الثورة الصناعية الأوربية منقطعة النظير.

    ثورة الصناعة
    لقد كان يتوقع لقضية التطور المطلق -كنظرية أكاديمية- أن تبقى حبرا على ورق، أو كلاما أيَّدته الجماهير بدافع التخلص من ربقة الكنيسة، وسوَّق له اليهود لخدمة أهدافهم، لولا أن أوروبا كانت تمر بفترة "تطور" اجتماعي ساهم في قبول فكرة التطور المطلق، فلقد كان هناك حدث اقتصادي واجتماعي ضخم يهز أركان الحياة هزا، ولا يقل مفعوله عن مفعول نظرية التطور، ذلك هو الانقلاب الصناعي في أوروبا.
    بدأ الانقلاب الصناعي بظهور الآلة، فأحدث انقلابا كاملا في الحياة الأوربية، لا يقف عند حدود العلاقات الاقتصادية أو الاجتماعية، وإنما يتعداها إلى كل نواحي الحياة، ويتلخص التغيير الذي أعقب الثورة الصناعية فيما يلي:
    1. نشأة المدن الصناعية:
    حيث بدأت المدن الصناعية تنشأ جاذبة الشباب من الرجال يعملون في المصانع الجديدة، ويسكنون في المدينة على نسق جديد لا يعرفونه من قبل، حيث كانت الحياة الريفية هي الحياة التي عاشت فيها أوروبا طيلة القرون التي مضت، والتي كانت تتسم بالهدوء والاستقرار؛ فالشاب أو رب الأسرة يذهب مبكرا إلى المزرعة ليعمل عند من يعمل من الإقطاعيين أو في حقله الخاص إن كان حرا، ثم يعود إلى بيته لتناول الطعام والجلوس مع أسرته، ثم ينام مبكرا ليستيقظ مبكرا للذهاب إلى العمل، ويمارس ما اعتاد عليه طيلة السنوات التي عاشها منذ بدأ العمل بلا أي تغيُّر يذكر.
    وهذا النمط لاجتماعي أثمر نوعا من الترابط بين أهل الريف؛ فتجمعهم روبط العادات والتقاليد والتكاتف عند المصائب، وتقديم المساعدة عند أي ضائقة تمر بأحدهم، وعلى أقل تقدير يجمعهم التعارف الاسمي والشكلي، فإذا جاء رجل من خارج المدينة عرف في الحال أنه غريب، فكان هناك تعارف بين أهل القرية بعضهم لبعض. وما دام أهل الريف تجمعهم روابط قوية فكان بينهم عادات وتقاليد وأعراف غير قابلة للخرق؛ لأنها من التراث الموروث، فلها نوع قوي من القداسة في قلوب الناس، ومن يخرقها يتعرض إلى الاستهجان واللوم، وربما النبذ والقطيعة؛ لهذا كانت الحياة مستقرة ليس هناك جديد؛ فكل الأيام تشبه بعضها، إلا ما يكون من أعياد أو مناسبات أو لمن يذهب إلى الكنيسة أسبوعيا.
    أما في المدينة فالأمر جد مختلف، فالضوضاء في كل مكان، وصوت الآلات عال مزعج، وساعات العمل قد اختلفت، فالعامل قد يعمل ليلا أو نهارا، وقد يطرد من العمل فيبحث عن عمل آخر، فأصبح كل يوم في المدينة الصناعية لا يشبه اليوم الذي كان قبله.
    والشارع أصبح مزدحما بالناس، أصناف مختلفة من الناس، رجال ونساء وأطفال، كزحمة المواسم والأعياد في القرية، ولكن في غير موسم أو عيد، وعلى نحو آخر غير ازدحام القرية، فهنا ناس لا يعرف بعضهم بعضا، ولا يحفل بعضهم بشؤون بعض، ولا يلتزمون إزاء بعضهم البعض بتقاليد التعارف والارتباط، لقد أصبح في كل يوم هناك "تطور"، و في كل وقت هناك الجديد.

    2. خروج المرأة للعمل:
    كانت تقاليد المجتمع الأوربي وتشريعاته تحجب المرأة عن التعامل الحر في المال والملك، وتمنعها من حرية التصرف المباشر في أي شأن من الشؤون العامة، ولكن في المدن الصناعية وتحت وطأة الاستغلال، ساءت العلاقة بين العمال وأصحاب المصانع، الذين يشغلونهم فوق ما يطيقون ويعطونهم أبخس الأجور، مما يجعل العمال يضربون أو يهددون بالإضراب، فيبحث السادة الجدد عن سلاح مضاد، هو إيجاد جيش احتياطي من العمال الذين يقبلون العمل بنفس الأجر بل بأجر أقل، فكانت المرأة التي هجرها عائلها، أو لا تجد عائلا بعد نزوح ألوف الشبان إلى المدينة وترك ما يقابلهن من الفتيات بلا رجال، جاءت تبحث عن عمل لتعيش، ورضيت بهذا الأجر الدون تحت وطأة الظروف؛ وصادف أن أحست المرأة أنها تتحرر على الرغم من الظروف الاستغلالية التي وضعت فيها، لأنها قادرة أن تفعل ما يحلو لها مادامت تنفق على نفسها، وكان لهذا الشعور بعد آخر في مستقبل الحياة الأوربية.

    3. أصبح العمل ليس قاصرا على رب الأسرة فقط:
    وهي نتيجة لخروج المرآة إلى العمل، فأصبح الرجل يعمل والمرأة تعمل والأطفال يعملون، ولم يَعُد البيت في حسِّهم جميعا يمثل الرباط المقدس الذي يربط بعضهم ببعض، فغاب تدريجيا حس الالتزام نحوه بآداب ومشاعر وتقاليد وطقوس، تلك التي كانت في المجتمع الريفي، الذي يعيش المجتمع فيه برباطين متقابلين يربطان كل أفراد البيت: رباط عاطفي تملك قيادته الأم، ورباط عملي يملك قيادته الأب، والأطفال بين هذا الرباط وذاك يروحون ويجيئون في حضن الأسرة ولا يتعدونه.
    كل ذلك تغيَّر حين خرجت المرأة من مستقرها فانفلت الرباط العاطفي، فلا وجود له في زحمة العمل والجهد الناصب الذي تبذله المرأة فيه، وتغير كذلك حين استقلت المرأة اقتصاديا، فانفلت الرباط العملي الذي كان يحكمه الأب، ثم تغير مرة ثالثة حين ذهب الأطفال يعملون، فيصهرهم جو العمل مبكرا قبل أوانهم، ويُفسد فيهم مشاعر الطفولة، ويستحث فيهم مشاعر الرجول في قوالب الأطفال، فتختل مشاعرهم وينفلتون من رباطي عاطفة الأمومة وعاطفة العمل الأبوي معا.
    4. نشأة النظام الرأسمالي:قام النظام الرأسمالي الصاعد مع صعود الثورة الصناعية على أساس ربوي صريح، وعلى الرغم من احتجاج الكنيسة وصراخها ضد نظام الربا، فقد مضت الرأسمالية في طريقها، مدفوعة بشهوة المال الجامحة، ولا تهمها قيود الأخلاق أو قواعد الدين، فكان من نتائج تلك التغيرات:
    - التفكك الأسري وبالتالي من العادات والتقاليد والأخلاق: فالرجل من حيث هو رجل لم يعد له السلطان المطلق في بيته كما كان، والمرأة لم تعد تعتبر نفسها قعيدة بيتها، ولا ملزمة بالطاعة الكاملة، وطفل مشرد نفسيا وإن كان يحمل بين أصابعه شيئا من النقود، وبيت لا رباط فيه؛ فتنشّأ جيل جديد بلا تقاليد أو أخلاق تحدد الصواب من الخطأ، لا شيء إلا الحرية.
    - التهيئة لقبول فكرة التطور حتى في العادات والتقاليد والأخلاق بل حتى في الدين نفسه: فلقد كانت الحياة من قبل هادئة رتبية بطيئة، تمر على وتيرة واحدة في القرية أو الإقطاعية؛ الفلاحون يعملون في الأرض أَرِقّاء أو طلقاء، وزوجاتهم في المنازل يدبّرن شؤونها ويغزلن الغزل ليبعنه في السوق، والأسرة مَكَنِيَة الروابط، لا يفكر أحد أو يجرؤ على تفتيت روابطها، والناس متعارفون على مفهوم معين للدين والأخلاق والتقاليد، يرعونه حق رعايته أو لا يرعونه، ولكنهم لا يفكرون في مناقضته حتى ولو خالفوا تعاليمه في سلوكهم الواقعي، ولكل شيء من ذلك قداسة: قداسة استمدها من طول الممارسة وثباتها، فوق استمدادها من رهبة الدين.
    والجريمة الخلقية يرتكبها نفر من الشبان الطائشين لأنهم طائشون، وقد يتغاضى عنها المجتمع، ولكنه في نظرة جريمة، والفتيات لا يرتكبن هذه الجريمة لأن سمعتهن تذهب إلى الأبد، وكذلك تقضي مفاهيم المجتمع، فهناك الفضيحة وهناك العار، وهناك أيضا في هذه الحالة رهبة الدين، أما الآن وفي المجتمع الجديد فكل شيء قابل لأن يتغير، فعجلة الحياة تسير بسرعة ولا مكان للروابط والعادات والتقاليد في المجتمع الصناعي.


    تلك النقطة (=التطور المطلق) هي التي نفذ منها اليهود لهدم الدين الكنسي الأوروبي على أيدي ثلاثة من ألمع علمائهم، وهم كارل ماركس وسيغموند فرويدوإميل دركايم، حينما قامت الفرقة بين الدين والعلماء، وبين الدين والمفكرين، وبين الدين ودعاة الحرية، وبين الدين والمرأة الراغبة في اقتحام المجتمع أو حتى بين الناس وقواعد الأخلاق، في ميدان الجنس بصفة خاصة، كان الابتعاد عن الدين أو النفور منه أو الاكتفاء بإهماله والانصراف عنه حتى ذلك الحين مزاجا شخصيا لأصحابه، يصنعونه لحسابهم الخاص كأفراد، أو كضرورة يتلمس إليها الأعذار.
    ولكن علماء اليهود الثلاثة (=ماركس وفرويد ودركايم) تدخلوا في الأمر ليجعلوا من كل ذلك نظرية يسندها العلم، ويعطيها سند الحقيقة العلمية في أنظار الجماهير، فلا يعود الأمر بعد مزاجا شخصيا يحتاج الإنسان إلى الاعتذار عنه وتلمس المبررات له، وإنما يعود واجبا يقتضيه التقدم العلمي، لا يحتاج إلى مبرر آخر، فهو يبرر نفسه بنفسه، ولا يُعتذر عنه فهو في غير حاجة إلى اعتذار، بل الذي يحتاج إلى التبرير والاعتذار هو التمسك بالدين والأخلاق والتقاليد، فهي تهمة ينبغي التبرؤ منها أو تقديم المبرر المعقول.
    إنهم لم يقولوا إن المفهوم الكنسي للدين هو المنحرف، ويحتاج إلى تقويم، وإنما قالوا إن الدين ذاته هو الانحراف الذي يحتاج إلى تقويم، آخذين من فكرة حيوانية الإنسان وماديته الداروينية أساسا، فمدوها ووسعوا نطاقها، وعمموا إيحاءاتها في كل اتجاه، فكان ماركس في الاقتصاد، وفرويد في علم النفس، ودركايم في الاجتماع، ولكنهم يلتقون في النهاية عند محور واحد لا غير (كل شيء يتغير ويتطور، والبقاء للأقوى/ الأمثل).

  12. #12
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    ماركس والاقتصاد الإنساني
    لقد كان ميدان بحثه علم الاقتصاد، حيث وضع مذهبا اقتصاديا يتناول تصورا كاملا للحياة من زاوية معينة، يتمثل فيها الإيحاءان الداروينيان (=النشوء والتطور)، وطد فيه أركان التفسير المادي للتاريخ، بجعل القوى المادية السلطان الأكبر على نشاط الإنسان كله، كما يجعل هذا النشاط ماديا بصفة أساسية، ومنبعثا عن الكيان الحيواني للإنسان؛ فيقول ماركس: "في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم، فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يحدد صورة العمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة، ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم"، كم يلاحِظ ماركس في نظريته أنه: "ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية، ولدى تحقيقنا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم، وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم؛ فإنهم يغيرون كل العلاقات الاجتماعية".
    وتبدأ النظرية المادية من أن الإنتاج وما يصاحبه من تبادلات هو الأساس الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي، فحسب هذه النظرية تجد أن الأسباب النهائية لكافة التغيرات أو التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس، أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل.
    ويلمّح ماركس إلى أن التجمع الإنساني حينما يرسم دستورا للحياة، فهو محصور في نطاق المأكل والمسكن والإشباع الجنسي، أما الرسالات السماوية فهي وهم من أكبر أوهام البشرية، وفي ظل التفسير المادي للتاريخ لا وجود لشيء اسمه الله، ولا والوحي، ولا الرسالات.
    ومن هنا أطلق ماركس على الدين لقب "أفيون الشعوب"، فهو شيء ابتدعه الإقطاعيون لتخدير العبيد والطبقة الكادحة عن المطالبة بحقوقهم المسلوبة، وإغرائهم بالصبر على سوء أحوالهم والرضى بها طمعا في الجنة في الآخرة، مما ييسر لهؤلاء الإقطاعيين أن يستمتعوا بالثروات المغتصبة وهم آمنون.
    أما القيم -ومن بينهما القيم الخلقية-فيرى ماركس إنما مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي، ومن ثم ليس لها وجود أصيل في الحياة البشرية، فضلا عن كونها غير ثابتة، فهي متطورة بحسب التطور الاقتصادي الذي تمر به البشرية، ولما كانت الأطوار الاقتصادية للبشرية حتمية ومتعاقبة، فالقيم الخلقية كذلك تأخذ أوضاعا ومتطورة، وهي حتمية التطور مع تطور أوضاع البشرية.
    وبهذا تحرر المجتمع المتمدن من ربقة العادات والتقاليد، التي كانت صمام الانحلال الأخلاقي في الريف الأوربي؛ فأي انحلال خلقي سيسمَّى –من الآن فصاعدا- تطورا طبيعيا يفرضه المجتمع الجديد، وكل من يريد أن يتمسك بقيم المجتمع الزراعي فهو رجعي لا يفهم شيئا.

    فرويد والنفس الإنسانية
    كانت البداية لفرويد منطلقة من نظرية دارون أيضا، ولكن من جانب حيوانية الإنسان، إن ميدان بحثه هو النفس الإنسانية بمشاعرها وانفعالاتها، ذلك العالم الداخلي في مواجهة العالم الخارجي الذي تحدث عنه ماركس، النفس في نظره هي الميدان الأصيل للحياة، عن تركيبها الذاتي تنبثق الأفعال والأفكار والمشاعر، وتتحول إلى وقائع عملية في واقع الحياة، أي أن فرويد بحث ونظّر الجانب المقابل لماركس، ومع ذلك يصل معه إلى النتيجة ذاتها في موضع الدين والأخلاق، ويتخذ في بحثه التفسير الحيواني ذاته للحياة الإنسانية وللإنسان كمركب حيواني.
    وإن كانت الصورة التي يرسمها فرويد للنفس الإنسانية أفحش وأخطر، وإن التقت مع ماركس في النهاية عند نقطة تسخيف للدين والأخلاق، واعتبارهما قيما غير أصيلة في الحياة البشرية، وإنما انعكاسا لشيء آخر.

    ما هي نظرية فرويد:
    تتلخص نظرية فرويد عن النفس الإنسانية في الآتي:
    إن الحياة النفسية للإنسان ليست حيوانية فحسب، ولكنها كلها تنبع من جانب واحد من جوانب الحيوان، هو الجنس المسيطر على كل أفعال الإنسان؛ فحقيقة الإنسان الباطنية العميقة ليست هي الطاقة الشهوانية هي على وجه التحديد الطاقة الجنسية دون أي طاقة أخرى من طاقات الإنسان أو الحيوان، فالمولود يرضع ثدي أمه بدافع جنسي، ويتبرز بدافع جنسي، ويظل يتعامل مع الآخرين بناء على هذا الدافع وحده، واستمد من ماديته نفسية تجعل الإنسان خاضعا لغريزته مسَّيرا بها بلا اختياره، فهو لا يملك إلا الانصياع لأوامرها، وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب. [الإنسان بين المادية والإسلام، محمد قطب/ 51]
    أما الدين فهو في الأصل: الشعور بالندم الذي استولى على أبناء الأسرة البشرية البدائية الأولى حين قتلوا أباهم، ولماذا قتلوه؟ لأنه كان يحول بينهم وبين اللقاء الجنسي مع الأم، فابتداء الدين في صورته الأولى عبادةُ للأب، ثم تطور إلى عبادة الطوطم [Totems استخدمه كمصطلح لأول مرة جون لونج في نهاية القرن الثامن عشر، والطوطم في النظرية الاشتراكية هو الحامي القوي للناس، الذي يمدهم بالطعام]، ثم تطور إلى عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي، والأخلاق تطورت في المراحل نفسها باعتبارها جزءا من الدين أو مستمدة منه.
    ويُلحظ هنا في نظرية فرويد الجنسية، أنها جاءت في وقت كان الجنس في أوروبا طاقة مستقذرة، ينفر الناس من الحديث عنها وكشفها للنور، فيصر فرويد إصرارا على أن يفسر النفس كلها، بجميع ألوان نشاطها، من خلال هذه الطاقة المستقذرة أوروبيا بالذات، ويفسر الدين والأخلاق بصفة خاصة بأنها انبثاق جنسي، وجنسي على وجه التحديد، بما يوحي أنه إذا كان الجنس المحرك الأساسي للإنسان فلِم النظر إليه كأمر بشع مستقذر؟
    ومما يثير الانتباه أن مؤلفات فرويد جميعها تعبر عن يهوديته أكثر مما تعبر عن منهجه العلمي، وهذه اليهودية تظهر جلية في التدنيس والتلويث للجنس البشري، وهي ظاهرة بارزة في التلمود التوراتي. [يراجع الكنز المرصود في قواعد التلمود]
    جاء في بروتوكولات حكماء صهيون: "يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان فتسهل سيطرتنا، إن فرويد منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غرائزه الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه".

    دوركايم والاجتماع الإنساني
    بنى دوركايم نظرية اجتماعية على أساس المبادئ التي وضعها دارون في نظرية التطور، وكسلفيه (ماركس وفرويد) دعمت الدعاية وأجهزة الإعلام نظرية الرجل، بل رفعته إلى مرتبة غير عادية، حتى صار عند المؤرخين رائد علم الاجتماع بعد كونت، وأمسى رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية.

    كيف ساهمت نظريته في بناء اللادينية؟
    أخذ دوركايم فكرة التطور الدائم من الدارونية، والذي يلغي فكرة الثبات، وأخذ عنه فكرة القهر الخارجي الذي يقهر الفرد على غير رغبة ذاتية منه مما يؤدي إلى تطوره.
    وأخذ عنه التفسير الحيواني للإنسان، فهو لا يفتأ يستشهد في كل حالة بما يحدث في عالم الحيوان ومَدَّه مَدَّا واسعا فشملت الحياة كلها؛ إذ جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظريته في "العقل الجمعي" التي تقول: "إن الإنسان حيوان خاضع إلى الجبرية الاجتماعية، أو قهر اجتماعي يفرضه عليه العقل الجمعي للقطيع البشري، ويستمد شواهده المؤيدة من عالم الحيوان ومجتمع الحيوان" [قواعد المنهج في علم الاجتماع، دور كايم/ 42،222].
    وبهذا ألغى دوركايم أن يكون الكيان النفسي للفرد هو أساس الحياة الاجتماعية، بل العكس في نظره أقرب إلى الصواب، مفترضا أن الحياة الاجتماعية هي التي تشكل مشاعر الفرد، وعليه فلا يجوز أن نفسر الحياة من نفسية الفرد، كما يفترض علم النفس كله، وإنما ينبغي أن نفرق بين الظاهرة النفسية والظاهرة الاجتماعية تفريقا كاملا، حتى وإن قام بينهما أحيانا نوع من الاتصال.
    ومن هنا ينفي دوركايم أن يكون الدين أو الزواج أو الأسرة أمرا فطريا في الإنسان، وإنما هو من عمل العقل الجمعي ذي السطوة القاهرة على الأفراد، وهذا العقل دائم التغير والتطور والتشكل، فإذا قال العقل الجمعي في طور من أطواره: "ليكن دين أو زواج أو أسرة فليكن ذلك، أما إذا قال حسب هواه: ليكن لا دين ولا زواج ولا أسرة، فسرعان ما يخضع الأفراد لقهره فينسلخون من دينهم وأخلاقهم وتقاليدهم..."
    كما أن العواطف المتعلقة بها ليس مصدرها خالق أو دين كما يتصور الناس، فهي عنده: "لا تمتاز ... في شيء عن الظواهر الأخرى على مر العصور، وهي وليدة التجارب الإنسانية..." [قواعد المنهج في علم الاجتماع/ 203]، ويَخلُص دوركايم إلى أنه لا وجود لتفاصيل القواعد القانونية والخلقية في ذاتها؛ إذ ليس من الممكن أن تصبح مجموعة القواعد الخلقية التي لا وجود لها في ذاتها موضوعا لعلم الأخلاق.. وبهذا لا تفسر الحياة البشرية ذات الصفة الاجتماعية –في نظره- عن طريق نفسية الفرد وطبيعته وكيانه الفردي، إنما يفسرها وجود العقل الجمعي، خارج نطاق الأفراد.
    وباختصار ترى نظرية دوركايم الاجتماعية أن محور وجودنا يقوم على ثلاثة أسس:
    1. عقل جمعي عشوائي خارج عن شعور الأفراد.
    2. هذا العقل يُصدر أوامره على شكل ظاهرة اجتماعية تتقلب وتتغير بطريقة غير منطقية.
    3. هذه الظاهرة تقهر الأفراد وتخضعهم لسطوتها شعروا أو لم يشعروا.
    فدوركايم يأخذ على علماء الاجتماع السابقين قائلا: "ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقولون بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الإنسان، وأن هذا الأخير مُزوَّد بحد أدني من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين وصحبة الأبناء، وغير ذلك من العواطف، وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدين والزواج والأسرة على هذا النحو، ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان، وعلى أنها قد لا توجد جملة في بعض الظروف الاجتماعية الخاصة، ولذا فهذه العواطف المثالية نتيجة للحياة الاجتماعية وليس أساسا لها، أضف إلى ذلك أنه لم يقم برهان قط على أن الميل للاجتماع كان غريزة وراثية وُجدت لدى الجنس البشري منذ نشأته، وأنه من الطبيعي جدا أن ينظر إلى هذا الميل على أنه نتيجة للحياة الاجتماعية التي تشربت بها نفوسنا على مر العصور" [قواعد المنهج في علم الاجتماع/ 219].
    تؤدي هذه الأسس الثلاثة التي يراها دوركايم أنها محور الحياة الاجتماعية إلى نتيجة مفادها:
    1. أن الأديان ليست إلهيا لأن فكرة الألوهية ليست إلا تعبيرا عن البيئة الاجتماعية في مرحلة من مراحل تطورها.
    2. أن الأديان ظاهرة اجتماعية يفرضها العقل الجمعي بقدرته القاهرة على الأفراد في بعض البيئات والمراحل، دون أن يكون لهم حرية اختيار في ذلك، وهذا يعني أنه لو فرض عليهم ألا يكون لهم دين مطلقا لكانوا غير متدينين ولا يملكون إلا الانصياع لذلك.
    3. أن الأديان ليست فطرية، ومثلها الأخلاق والأسرة.
    ورغم أن دوركايم لم يكن له نفس الأثر في نفوس الشعبية الأوروبية كماركس وفرويد، وذلك بسبب طبيعة الطبقة التي يخاطبها إلا أن مذهبه هو من أكبر المذاهب الاجتماعية الغربية، ولا يزال له أثر عظيم في الدراسات المعاصرة. [ينظر: كتاب المجتمع، لماكيفر وزميله/ 16-17]

    اكتمال حلقات اللادينية
    دخلت أوروبا بعد الثورة الفرنسية مرحلة جد مغايرة عن ماضيها، بل لقبه المؤرخون الغربيون بعصر "الثورة" ولم تكن ثورة صناعية فحسب، بل كانت ميلادا شموليا لمناحي الحياة الغربية، لم تقتصر على ما أنتجه العقل البشري من مادة قدر على تشكيلها وصناعتها، تغلغل الميلاد الشمولي علوم في النفس والاجتماع والاقتصاد، وبداية تشكل واقع رأسمالي صناعي جديد، لم تعرفه البشرية من قبل.
    ويبقى أن نشير إلى أمرين:
    الأمر الأول: أن الاتجاه المادي في تفسير العلوم، والذي يستمد أصله من نظرية التطور الداروينية، لم يكن قاصرا على علماء اليهود الثلاثة فقط (=ماركس وفرويد ودوركايم)؛ فقد جاء الكثير من قبلهم ومن بعدهم بأفكار مماثلة أو ربما أكثر غلوا وتطرفا، لكن تسليط الضوء على هؤلاء؛ لأنهم قاموا بذلك من منطلق أيديولوجي عقدي بالدرجة الأولى.
    كذلك لم يكن الاتجاه المادي قاصرا على المجالات العملية التي ذكرناها فقط (=الاقتصادية والنفسية والاجتماعية) بل شمل ذلك السياسة والعلم التجريبي والفن والأدب...، وغيرها من المجالات، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الاقتصادي آدم سميث [منظر وفيلسوف اقتصادي إنجليزي من القرن الثامن عشر، قوي التأثير في علم الاقتصاد العلماني المعاصر، له كتاب (ثروة الأمم) يعتبر أهم المؤلفات الاقتصادية وأبعدها أثرا]، والسياسي نيكولو مكيافيللي [1469-1527م، فيلسوف سياسي إيطالي، صاحب كتاب (الأمير)، وإليه تنسب مقولة: "الغاية تبرر الوسيلة"]، والأدباء فريدريك نيتشه [1844-1900م، فيلسوف ألماني، كان من مؤسسي العرقية الجرمانية التي قامت عليها النازية، يتلخص مذهبه بما يدعى "إرادة القوة"، من كتبه: "نشأة المأساة" و"روح الموسيقى"ودانتيه [1265-1321م، شاعر إيطالي، صاحب ملحمة (الكوميديا الإلهية)، وصف فيها طبقات الجحيم والمطهر والفردوس في سفرة وهمية قام بها، ويرى البعض أنه استنسخها من رسالة الغفران للمعري]، وجان بول سارتر [1905-1980م، فيلسوف وروائي فرنسي من رواد الوجودية، يصف في كتاباته الإنسان بأنه كائن مسؤول ولكنه وحيد يعيش في كون لا معنى له، من مؤلفاته الفلسفية (الوجود والعدم)، رفض قبول جائزة نوبل في الأدب لعام 1964م].

    الأمر الثاني: ما آل إليه حال المجتمع الأوربي الجديد بعد هذا كله، حيث أصبح يرتكز على محورين، وهما: التطور/ لا ثابت في الحياة، والعداء للدين والأخلاق؛ ما خلق في النفسية والعقلية الجمعية الأوروبية عدة مرتكزات وثوابت:
    1. الربط بين هذا التحلل الديني والانحلال الخلقي وبين التطور، والإيحاء بأن هذا التحلل والانحلال أمر حتمي؛ لأن التطور حتمي لا قِبَل لأحد بوقفه عن طريقه المحتوم، فقيود الأخلاق ينبغي أن تُحطَّم لأنها تعوق التطور، وقد تقيَّدنا بها في الماضي في المجتمع الزراعي؛ فينبغي أن نطرحها اليوم من المجتمع الصناعي المتطور (كما أوحى ماركس)؛ أو تقيَّدنا بها نتيجة الجهل الخطير بحقيقة النفس الباطنية، وبأن الأخلاق كبت ضار بكيان الإنسان ( كما أوحى فرويد)؛ أو تقيَّدنا بها جهلا منا بأنه لا توجد حقيقة ثابتة للقيم الخلقية، إنما هي تتطور بتطور وسائل الإنتاج (كما أوحى ماركس) أو بتطور حالة المجتمع (كما أوحى دوركايم).
    2. العداء للدين، فهو قيد آخر يعوق التطور، وقد ورثناه عن أسلافنا في عماية وجهالة وجمود وتأخر، وقد كان هذا كله يناسب المجتمع الزراعي المتأخر، ونحن اليوم في المجتمع الصناعي المتطور لا يطيق هذه الخزعبلات (كما أوحى ماركس)؛ أو قد كان هذا يناسب عصر الجهالة السابق، يوم كنا نظن الدين شيئا له قداسة، قبل أن نعرف أنه كبت جنسي ضار مؤذ منفر ( كما أوحى فرويد)؛ أو يوم ظننا أنه فطرة إنسانية (كما أوحى دوركايم).
    3. ينبغي أن نخلق لأنفسنا مجتمعا جديدا متطورا وثابا؛ لننطلق مع وثباته دون قيود دين أو أخلاق أو تقاليد، فهذا هو السبيل الوحيد للتقدم الصحيح.
    وهكذا بدأت اللادينية (=العلمانية) في الانتشار شيئا فشيا، ولا شك في أن انتشار العلمانية وتجذرها في شتى المجلات كان له عدة أسباب، أهمها:
    1. اليهود: الذين عملوا على نشر تلك الأفكار وساعدهم على ذلك سيطرتهم على مجريات الاقتصاد والإعلام العالمي.
    2. وقوع العالم في ويلات الحرب العالمية الأولى والثانية: التي حفرت تضاريس خارطة التجمعات الإنسانية وأعرافها الجديدة، محدثة تجذرا عميقا في مفاهيم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والعسكرة.
    3. الحساسية المفرطة من الدين وكل ما يقترب منه، نظرا للإرث الكنسي الماضي.

  13. #13
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    سابعا: انصهار الفكر الغربي الحديث في العلمانية كوريث لثقافة روما المسيحية.

    الثورة العلمانية الأوربية
    تعارف المؤرخون على تسمية المرحلة الانتقالية من العصور المظلمة إلى الاتجاه إلى العقل والعلوم والمعرفة بعصر التنوير (Age of Enlightenment)، وهو مصطلح يؤرخ القرن السادس عشر في الفلسفة الأوروبية، وغالبا ما يُعدّ جزءا من عصر أكبر يضم أيضا عصر العقلانية، فالمصطلح يشير إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية دافعت عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاقوالمعرفة بدلا من الدين؛ ومن هنا نجد أن ذلك العصر هو بداية ظهور الأفكار المتعلقة بتطبيق العلمانية، ورواد هذه الحركة كانوا يعتبرون أن مهمتهم قيادة العالم إلى التطور والتحديث، وترك التقاليد الدينية والثقافية القديمة، والأفكار اللاعقلانية ضمن فترة زمنية دعوها "بالعصور المظلمة".

    ماهية عصر التنوير
    أجاب إمانويل كانت/ كانط [1724-1804، فيلسوفوعالمألماني برز في مجالات الفيزياء الفلكية والرياضيات والجغرافيا وعلم الأنسنة، أحد أكثر المفكّرين المؤثرين في المجتمع الغربيالحديث، وقد تأثر هو كثيرا بأفكار أبي حامد الغزالي وفلسفاته] عن هذا السؤال بقوله:"إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد"، كما عرَّف القصور العقلي على أنه "التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار بدون استشارة الشخص الوصي علينا"، ومن هذا المنظور جاءت صرخته التنويرية لتقول: "اعملوا عقولكم أيها البشر، لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم، فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب.. تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر؛ فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها..."، كما دعا إلى حمل شعار: "الجرأة من أجل المعرفة" في سبيل الإصلاح.
    ويسجل المؤرخون لكانط أنه لم يفهم التنوير نقيضا للإيمان أو للاعتقاد الديني، وإنما شدد على أن " من حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان"، وحذر من الطاعة العمياء للقادة أو لرجال الدين.
    في نهاية القرن الخامس عشر، ظهرت تغييرات جذرية، وبدأت تظهر في الأدب اتجاهاتٌ تطالب بالانغماس في اللذة ومباهج الحياة، كما ظهرت تغييرات جديدة في الوسائل والأسلوب أدت إلى ظهور الروح الخلاقة في الفن الفرنسي (=عصر التنوير) الذي ولد في فترة تكوُّن الحكومات المطلقة في أوروبا، وتاليا في فترة تركيز الحكم المطلق في فرنسا نفسها.
    كان عصر التنوير وما أنتجه من أفكار وضعية وعقلانية ملهما لعدد من الثورات الاجتماعية والسياسية شهدتها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أسفرت عن قيام الدولة الأوربية الحديثة، مرتكزة على البيروقراطية، وقيام جيش كمؤسسة قوية ومتمتعة باستقلال نسبي، وسيادة جو من العقلنة في التنظيم. كما سادت في هذه الدولة أنظمة سياسية بديلة من أنظمة القرون الوسطى، بحيث قامت هذه الأنظمة بانتزاع الصفة الإلهية عن سلطة الملوك فاصلة الدين عن الدولة.
    شكلت هذه الحركة أساسا وإطارا للثورة الفرنسية فيما بعد، ومن ثم للثورة الأمريكية، وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية، كما مهدت هذه الحركة لنشوء الرأسمالية التي سادت في الغرب، ومن ثم ظهور الاشتراكية التي سادت في الشرق، كما شهدت بروز حركة توحيد العلوم التي تضمنت الإيجابية المنطقية. [يراجع موقع موسوعة www.wikipedia.org، عصر التنوير]

    العلمانية
    يجب أن نشير أولا إلى أن مصطلح العلمانية لم يستقر على مفهوم يحدد المراد العملي منه، بقدر ما كان يحدد الموضوع الذي يبحثه، حيث تأتي كلمة "علمانية" من الإنجليزية "Secularism" لتعني فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة، وعدم إجبار الكل على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية. وينسحب هذا المفهوم على الكون والأجرام السماوية عندما يُفسّر بصورة مادية بحتة بعيدا عن تدخل الدين في محاولة لإيجاد تفسير للكون ومكوناته. ومن مطالبها على المستوى السياسي حرية الاعتقاد وتحرير المعتقدات الدينية من تدخل الحكومات والأنظمة، وذلك بفصل الدولة عن أي معتقدات دينية أو غيبية، وحصر دور الدولة في الأمور المادية فقط، أما فلسفة الحياة وحركتها فتستمر بشكل أفضل ومن الممكن الاستمتاع بها بإيجابية عندما نستثني الدين والمعتقدات الإلهية منها.
    لقد استخدم مصطلح "Secular" لأول مرة مع توقيع صلح "وستفاليا" الذي أنهى الحروب الدينية المندلعة في أوربا عام 1648م، وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة (=الدولة العلمانية)، حيث يشير المصطلح في الاتفاقية إلى "علمنة" ممتلكات الكنيسة؛ بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية.
    كما قد يكون مرادفا لـ "الحركة العلمانية" من أيديولوجيا العلمانية المتطرفة ما تذهب إلى أن الدين ليس له مكان في الحياة العامة، كما أن في أحد معانيها الوسطية تأكيد حرية الدين على المستوى الشخصي دون أن تفرضها الحكومة على الناس، بمعنى أن تتخذ الدولة موقفا محايدا على مسائل العقيدة، و لا تعطي الدولة امتيازات أو إعانات إلى أصحاب الأديان.
    وبالجملة تشير العلمانية –كحركة ثورية إصلاحية ضد التسلط الكنسي- إلى الاعتقاد بأن الأنشطة البشرية والقرارات، ولاسيما السياسية منها، ينبغي أن تستند إلى الأدلة والحقيقة بدلا من التأثير الديني الغيبي، على عكس المرجعيات الدينية التي تعتمد على ما تعتقده كحقائق مطلقة أو قوانين إلهية لا يجوز التشكيك في صحتها أو مخالفها مهما كان الأمر.

    العلمانية وشموليتها
    تميز كتابات الفلاسفة بين نوعين من العلمانية: الجزئية والشاملة.
    العلمانية الجزئية
    هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية لمفهوم العلمانية، ومن ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة والاقتصاد، وهو ما يُعبّر عنه بعبارة "فصل الدين عن الدولة"، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود غيبيّات وما ورائيات، ويمكن تسميتها "العلمانية السياسية" أو "العلمانية الأخلاقية" أو "العلمانية الإنسانية".
    العلمانية الشاملة
    وهي رؤية شاملة للواقع تحاول -بكل صرامة- تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيّات في كل مجالات الحياة، يتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون، وأن المعرفة المادية المصدر الوحيد للمعرفة، وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي، ويطلق عليها أيضا "العلمانية الطّبيعية المادية" (=نسبة للطّبيعة والمادة)، وهذه الأخيرة مرّت بثلاث مراحل أساسية، تشكل التوجه العام للتطبيقات العملية في الفكر والمزاج الغربي العام في جميع شؤون حياته، منذ تبنيها وإلى يومنا هذا، وهي مرحلة التحديث [اتسمت هذه المرحلة بسيطرة الفكر النفعي على جوانب الحياة بصورة عامة، فلقد كانت الزيادة المطردة من الإنتاج هي الهدف النهائي من الوجود في الكون، ولذلك ظهرت الدولة القومية العلمانية في الداخل والاستعمار الأوروبي في الخارج؛ لضمان تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية. واستندت هذه المرحلة إلى رؤية فلسفية تؤمن بشكل مطلق بالمادية، وتتبنى العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، وانعكس ذلك على توليد نظريات أخلاقيّة ومادية تدعو بشكل ما لتنميط الحياة، وتآكل المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة]، والحداثة [هي مرحلة انتقالية قصيرة استمرت فيها سيادة الفكر النفعي مع تزايد وتعمق آثاره على كافة أصعدة الحياة، فلقد واجهت الدولة القومية تحديات بظهور النزعات العرقية، وكذلك أصبحت تحركات السوق الخالية من القيم تهدد سيادة الدولة القومية، واستبدل الاستعمار العسكري بأشكال أخرى من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي، واتجه السلوك العام نحو الاستهلاكية الشرهة]، وما بعد الحداثة [في هذه المرحلة أصبح الاستهلاك هو الهدف النهائي من الوجود ومحركُه اللذة الخاصة، واتسعت معدلات العولمة لتتضخم مؤسسات الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية الدولية وتتحول القضايا العالمية من الاستعمار والتحرّر إلى قضايا البيئة والأمراض الجنسية وثورة المعلومات، وتضعف المؤسسات الاجتماعية الوسيطة مثل الأسرة، لتحل محلها تعريفات جديدة للأسرة مثل رجلان وأطفال أو امرأة وطفل أو امرأتان وأطفال…، كل ذلك مستندا على خلفية من غياب الثوابت المعايير الحاكمة لأخلاقيات المجتمع والتطور التكنولوجي الذي يتيح بدائل لم تكن موجودة من قبل في مجال الهندسية الوراثية].

    التلخيص
    حاولنا في صفحات أن نتعرف مفاصل التحولات في الحياة الغربية المعاصرة، لنجيب على تساؤلات: كيف أصبحت الغرب على ما هو عليه اليوم، بعد أن كان يرزح في عصور من الظلمات؟
    فرأينا كيف كانت أوربا..
    1. ملامح روما قبل الديانة السماوية، وظروف اعتناقها المسيحية رسميا عام 325م.
    2. كيف أثرت الآراء في الكنيسة الرومانية عقيدةً وشريعةً وصبغت إيقاع حركة الحياة الغربية.
    3. ثم تحولها إلى أداة للتسلط والظلم، وآثار ذلك على العقلية والنفسية الغربية.
    4. ودخول حركات الإصلاح الديني الداخلية ونشوء جماعات مسيحية غربية جديدة.
    5. ثم إرهاصات الثورة الفرنسية (1798م) وما تلاها من صدمات حضارية لروما الجديدة.
    6. والنظريات العلمية/ الفكرية التي تزامنت والثورة الصناعية.
    7. وأخيرا انصهار الفكر الغربي الحديث في العلمانية كوريث لثقافة روما المسيحية.

    ما أحوج الشرق المسلم إلى فهم تلك التحولات الفكرية الغربية، لاسيما مع كثرة مؤتمرات الحوار والمناقشات الدورية بين الغرب والإسلام، فكيف تحاور من لا تعرف ماضيه وحاضره، ولا تفهم كيف تقرأ أبجديات بوصلة تحركاته حاضرا وتستقرئ اتجاهه مستقبلا، وكيف يفكر

  14. #14
    السلطان الناصر سابقا الصورة الرمزية صلاح الدين يوسف
    تاريخ التسجيل
    10 2008
    الدولة
    أعماق السكون
    المشاركات
    8,703

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    تم الانتهاء من الكتاب بحمد الله وفضله،،

    قرآءة ممتعة ومفيدة،،

  15. #15

    رد : العلمانية نشأتها وتاريخها

    روووعة والله هذا كنز باذن الله ساقرأه قريبا
    وبوركت جهودك اخي الكريم
    ونفع الله بك الاسلام والمسلمين

    اللهم امييين

 

 

تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •