بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ملخص للبرنامج الإذاعي "تساؤلات عن أعظم التحولات" وفيه إجابات وافية حول العلمانية وكيف نشأت حتى قبل أن تنشأ، بشكل مختصر وفيد في مايقارب "50" صفحة، وقد استأذنت معد البرنامج في إنزال الملخص في الشبكة وقد سمح لي بذلك، وها أنا ذا أترك الملخص بين يديكم، وأتمنى لكم قرآءة متأنية ومفيدة وممتعة،،،
؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛
تساؤلات.. عن أعظم التحولات
"متى واجهتنا تساؤلات الحاضر واستغربنا حدوثه،
وتساءلنا: كيف.. ولِمَ.. وماذا حدث؟
لنستنطق إجابات التاريخ
التي يبعث بها إلينا حين نفتش في أغواره.."
إعداد وتقديم
عادل علي عبدالله
يناير 2008
كيف خُلق الفكر الغربي المعاصر؟ (1/1)
في عالم تتزايد فيه حده الصراع الشرقي الغربي، وتتنوع صور التصادم والصراع، وتعود إلى أعماق التاريخ القديم والوسيط والمعاصر؛ ما بين صراع ثقافي إلى صراع فكري إلى صراع اقتصادي، مرورا بالصراع العسكري، والقوي فيه يحاول فرض هيمنته وتوجهاته ورؤيته الحضارية على الضعيف، ويرد الضعيف بالدعوة إلى الحوار، ويشدد أنه بالحوار فقط سيعاد كتابة التاريخ!!
في ذلك العالم الذي أخذ الصراع فيه منحنًى فكريا؛ يفترض العاقل أنه من المتحتم الوقوف لقراءة فكر الآخر والمرتكزات العقلية والنفسية التي تكونت لديه؛ فـ "الفكر مرآة السلوك" كما يقال، فإن الممارسات العملية والتركيز الغربي على بعض القضايا المحورية بالنسبة إليه، وسعيه إلى فرض أجندته على الشرق؛ إنما هي بسبب ما يتركز في العقل الغربي من توجهات ونظريات تكونت عبر السنين حتى أبرزت ذلك الفكر -بما فيه من حسن وقبح من وجهة نظر الشرقيين-؛ وهو ما يدفع إلى التساؤل: كيف تشكّل هذا الفكر الغربي حيث يناقش كيفية تحوّل الفكر الغربي من فكر فلكلوري تقليدي جامد إلى إلحادي براغماتي حيوي، ومن فكر متأثّر يستنسخ محيطه الجيوثقافي إلى فكر يُصدّر أساليبه ومدارسه إلى أقطار العالم، بل يهيمن عليها ويستأثر بلغة تفكيرها!
قراءة الفكر الغربي.. ضرورة حيوية:
وإذا أردنا أن نضع منافع قراءة الآخر والتعمق في فهمه عبر مطالعة تاريخه؛ فإننا يمكننا أن نوجز ذلك في نقاط أساسية:
1. فهم طبيعة الصراع مع الغرب ومرتكزاته؛ ما يساعد على تبني حلول واستراتيجيات صحيحة تجاهه مبنية على رؤية واضحة للآخر.
2. ازدياد القدرة على كيفية إدارة حوار ناجح مع الغرب بفكره المهيمن، دون التقوقع في حلول فردية/ حزبية/ قطرية النزعة.
من أين نبدأ؟!
بحكم أن الفكر الغربي إنما هو نتاج تراكمات مئات السنين، إذن فهو محكوم بمراحل أساسية وحقب زمنية رئيسة هي الحلقات التي تجمعت واحدة تلو الأخرى لتكوّن طوقا كاملا يَجُر إلى الواقع المعاصر، ويمكن أن نوجزها فيما يلي:
1. ملامح روما قبل الديانة السماوية، وظروف اعتناقها المسيحية رسميا عام 325م.
2. كيف أثرت الآراء في الكنيسة الرومانية عقيدةً وشريعةً وصبغت إيقاع حركة الحياة الغربية.
3. ثم التحوّل الذي لحق بالكنيسة سياسيا واجتماعيا، وآثار ذلك على العقلية والنفسية الغربية.
4. ودخول حركات الإصلاح الديني الداخلية ونشوء جماعات مسيحية غربية جديدة.
5. ثم إرهاصات الثورة الفرنسية (1798م) وما تلاها من صدمات حضارية لروما الجديدة.
6. والنظريات العلمية/ الفكرية التي تزامنت والثورة الصناعية.
7. وأخيرا انصهار الفكر الغربي الحديث في العلمانية كوريث لثقافة روما المسيحية.
وسنحاول في الحلقات القادمة من هذا البرنامج أن نشرح كل عنصر بأسبابه وتداعياته، وكيف أثر على العقلية الغربية، حتى نخرج بعد ذلك بمجموعة من الثوابت الفكرية والنفسية عن العقلية الغربية.
ولنبدأ اليوم بعرض أول تلك المراحل وهي: اعتناق أوروبا للمسيحية: كيف تم ذلك؟ وما هي أسبابه؟ وهل كانت المسيحية التي جاء بها عيسى الناصري مساوية تلك التي اعتنقتها أوروبا؟
أولا: ملامح روما قبل الديانة السماوية، وظروف اعتناقها المسيحية رسميا عام 325م.
الوثنية في أوروبا:
عرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري [مذهب أسسه أبيقور [341 ق. م ـ 270 ق. م]، والأبيقورية من أمّهات المدارس التي رفضت الدين، وما يتعلق به من معتقدات جملة وتفصيلاً، بل رأوا أن السعادة الحقيقية لبني البشر لا تتحقق إلا في حالة الانسلاخ عن الإيمان بالله، ومحاربة جميع ألوان التدين مطلقا، فإن الغاية التي يرمي إليها الأبيقوريون هي أن يزيلوا عن الإنسان كل الأوهام والآراء السابقة التي من شأنها أن تعكر صفو الحياة السعيدة] على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يألُ أباطرة الرومان جهدا في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى، مثال ذلك:
1. اغتيال "مرقص" في الإسكندرية عام 62م, وهو الذي أدخل الديانة الجديدة إلى مصر، وكلما زاد عدد المؤمنين زاد الاضطهاد، إضافة إلى المغالاة في الضرائب التي كانت تفرض على كل شيء حتى على دفن الموتى؛ حيث كانت روما تريد فرض عبادة الإمبراطور، كذلك العبادات الوثنية على المصريين.
2. عصر الشهداء: وفي العصر الذي تولى فيه الإمبراطور دقلديانوس الحكم عام 248م، بلغ الاضطهاد في عصره ذروته، وأطلقت الكنيسة القبطية على ذلك العصر "عصر الشهداء"، وقال بعض المؤرخين: إن عدد الشهداء وصل إلى 144.000 شهيد خلال تسعة أعوام.
3. وفي عهد الإمبراطور قسطنطين، وتحديدا في العام 325م تم إعلان المسيحية عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية.
أسباب اعتناق أوروبا للمسيحية:
إن إقبال الرعايا الرومان على اعتناق الدين النصراني كان له العديد من الأسباب التي ساعدت على انتشارها منها:
1. ما في المسيحية من وعود بالخلاص من الفقر والظلم في العالم الآخر، ما حدا بالكثير من الضعفاء والبسطاء والمظلومين في الإمبراطورية الرومانية باعتناق النصرانية، في محاولة لتصحيح الواقع.
2. اجتذاب المسيحية الكثير من أصحاب الميول الفلسفية بما كان فيها من التعقيد.
3. رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، ما جعل المضطهدين أكثر تماسكا من ذي قبل.
4. حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة التي تنذر بتفككها.
ما هي النصرانية التي اعتنقتها أوروبا؟!
لقد عرفت القارة العجوز ديانات كثيرة، ويكفينا أن نستعرض بعض الديانات والعقائد التي كانت في حوض البحر المتوسط والتي كان من أهمها:
1. الديانة اليهودية: وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها الأم فلسطين، حيث ولد المسيح عليه السلام وأرسل.
2. العقيدة المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان.
3. الأفلاطونية الحديثة: وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:
§ المُنشئ الأزلي الأول.
§ العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.
§ الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل، وكان موطنها الإسكندرية.
4. الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:
§ حورس، الذي كان ابنا لسيراييس.
§ سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.
§ إيزيس، والدة حورس.
5. الوثنية الرومانية: ديانة الإمبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:
§ التثليث: (=جوبيتر، مارس، كورنيوس).
§ عبادة الإمبراطور؛ إذ كان الأباطرة يدّعون الربوبية.
§ تقديس الصور والتماثيل وعبادتها.
6. أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، واعتبار إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني.
ولو حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:
1. الإيمان بالتوراة اليهودية.
2. اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.
3. التثليث.
4. الحلول (=تجسد الإله في شكل بشري).
5. تقديس الصور والتماثيل.
6. الهروب من الحياة (=الرهبانية).
وبالنظر إلى تلك الدعائم الست نستطيع أن نزعم أن تلك العقيدة المشتركة -إذا قارنَّاها بالعقيدة النصرانية التي اعتنقتها أوروبا- سنجد أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الذي دخلت فيه أوروبا، وليس هذا هو موضع التفصيل لبيان التشابه بين الديانة الرومانية القديمة والنصرانية التي اعتنقتها أوروبا.