سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


بهائي راغب شراب

ابنة الشمس وقصص اخرى

تقييم هذا المحتوى
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بهائي راغب شراب مشاهدة المشاركة
شريان الحياة

جاء من البلاد البعيدة
البعيدة جدا ..
البلاد التي اعتدت علينا .. وسلبتنا وطننا .. ونفذت وعدها الجائر لليهود ..
جعلته وطنا لهم ..
جاء هو اليوم لشيء آخر
ليس عدوا .. بل صديقا ..
جاء يعتذر عما جناه أسلافه بنا ..
ويشاهد على الأرض وقائع الألم والعذاب الذي تسببوا به لنا طوال قرن كامل من الغزو والاحتلال
جاء مع شريان الحياة ..

قبل الدخول إلى رفح ذاق الأمرين ، كان عليه أن يصابر ويصبر على أذى المحطة الأخيرة المقفلة ... أراد الوصول بأي ثمن إلى أرض فلسطين .. إلى غزة ... التي هي كما يقول لمن معه .. العنوان الأصيل لفلسطين ، والمُعَبِرَ الوحيد الصادق باسم الفلسطينيين جميعا ..
قبل شهور من خروجه من بلاده البعيدة .. اتخذ قراره بالذهاب إلى غزة .. سمع عنها كثيرا أ وقرأ أكثر .. بلد تحت الحصار .. تحت الدم والموت والدمار .. بلد مرشح للموت الزؤام ..

وهو يعلم أن الأعداء يخططون لذلك .. منذ خرجت غزة من تحت مظلتهم الكالحة السواد ، ومنذ تحررها من أسر كوبونات المعونات المذلة ، ومنذ تحولت غزة إلى ضمير حي ، لا تجدي معها رشوة المال ولا المناصب ..
غزة فقط يُرْضيها أن تُرْضِي الله .. وما يرضي الله .. أن تقاوم المستبدين والطغاة والغزاة والمنافقين ..
رَفْضَ غزة للالتحاق بطابور المطبلين أثار عليها الغضب .. المنافقين والحاقدين والحكام المستبدين ..

غزة تلك الأرض الصغيرة التي تطيح بها مجرد نفخة ريح .. لكن مهلا .. الرياح لم تؤثر بها .. والعواصف تجاوزتها ، وموج البحر لم يغرقها ..
لقد صُبَّ عليها رصاصُ اليهود صبا من كل صوب .. ولم ينل من غزة .. ولم يُذِل غزة .. ربما آذاها .. وطبيعي أن تتأذى غزة .. أليست تحيا بروح وجسد وأنفاس وقدر .. لكن الأذى ليس اشد على غزة من الرضا بالاحتلال وقبوله مغتصبا ثابتا لأرض فلسطين .. وليس أشد على غزة من التفريط بالقدس وبالمسجد الأقصى . . وبالحقوق الأصيلة الثابتة للفلسطينيين ..
رفعت غزة رأسها عاليا .. عانقت النخيل ، وطالت سماء العز والكرامة والإباء..
وهو .. جاء من البلاد البعيدة .. شُجَّ رأسُه في العريش .. فسال دمُه الثائر .. ضمده بالقماش .. وأصر أكثر أن يدخل غزة . . ليكتشف السحر الذي فعلته له ولأصحابه في القافلة الشريانية .. إن لغزة سحرا ، وإن لها لأمرا .. وشأنها يبدوا أعظم من أي شأن ..

يجب أن يدخل غزة ..
..
ليومين لم يعرف فيهما للنوم طعما .. دخل بعدهما غزة ليلا .. عند منتصف الليل ..
ومباشرة أحس بالفرق الكبير بين أن يكون في غزة .. وان يكون خارج حدودها بعيدا عن أنفاسها وعن وجوه رجالها ..
دخل .. فاجتاحته حيوية فائقة مندفعة من المشاعر والوجدانيات السامية .. تخبره .. إياك وان تنام .. إياك وان تميل إلى الراحة .. وقتك محدد بالساعات قبل أن يخرجك منها الذين لم يريدوا إدخالك إليها ..
سجد لله شاكرا .. كما الجميع فعلوا .. ومن حقهم أن يسجدوا لله .. فقد انتصروا أخيرا ودخلوا إلى غزة ... التي ترعب أعداءها ، بصمتها وهدوئها ،وبجلالها وصمودها ، وبما تخبئه في أحشائها المقدسة ..

وسأل باحثا في الوجوه التي يراها أمامه ، تندفع نحو استقباله ،تحمله على الأعناق عاليا .. سأل وعيناه تجولان في الجمع . أين أنت يا صديقي .. أين أنت يا احمد القسام .. أين أنت يا مجاهد .. لا تحملوني .. خذوني إلى هناك .. إلى الحدود .. أريد الرباط ولو ليلة واحدة معكم .. في سبيل الله . .. ألم يخبرنا رسول الله .. " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" .. وها أنا أخيرا في أرض الرباط .. وفي لحظة الرباط .. وفي زمن الرباط .. وفي جدوى الرباط .. ومع جيش الرباط ..

أريد الرباط ..
امتدت إليه الأيادي الحانية .. أخذته من نفسه .. وقد أحاطت به كسوار يلف على المعصم ، وذهب معهم .. لم يذهب لبيت ولا لفندق ولا ولا .. ذهب إلى الحدود .. إلى أقرب نقطة رباط في مواجهة العدو .. هكذا أراد منهم .. واستجابوا له ..
قالوا له : أنت منا . وسترابط معنا .. نقدر مجيئك من البلاد البعيدة .. لتكون معنا ولتقف معنا وقفة عز وشرف ولو لساعات قليلة .. أنت منا .. وسترابط معنا ..

كان مسرورا جدا .. طوال الليل كان معهم .. مع المجاهدين . اختلط بهم وصار كواحد منهم .. انشغل كما ينشغلون .. بالمراقبة وبتلاوة القرآن .. مد احدهم يده إليه ليعطيه شيئا .. نظر .. فرأى بضع تمرات ..أخذها بشغف .. لم لا .. وهو يعرف أنها طعام المجاهدين الوحيد أيام معركة الفرقان .. أكل واحدة .. ووضع اثنتين في جيبه .. وهو ينوي أن يحملها معه إلى بلده البعيد ..
لم يشعر بالتعب ولا بطول الليل .. بل كان يحلق في السماء .. يحلق بعيدا بعيدا . .إلى مجالات الحياة الحقيقية حيث الصدق والوفاء و الانصهار ..
لقد انصهر بالكامل مع تلك اللحظات الساعاتية ... إنها بالنسبة له عمره الجديد ... كان يرى نفسه وقد صار بين يدي الله يسأله فيجيب .. قد رابطت فيك يوما في غزة .. يا رب لقد رابطت فيك ليلة كاملة باردة مخيفة بعيدا عن أهلي وعن داري وعن وطني .. يا رب رابطت فيك في غزة صرت واحدا منهم .. من المجاهدين المرابطين المؤمنين المصلين ..
..

آلاف الأميال قطعها من أجل هذه اللحظة الغالية التي لا تقدر بثمن ..
شهرا كاملا فوق الطريق يسير مع القافلة بصعوباتها وطولها وألمها وأملها ... من أحل الحصول على هذه الجائزة .. جائزة الرباط في غزة .. ولو لليلة واحدة .

***
عند الصباح .. أراد توديعهم .. لقد انتهت المهلة المسموح له بالبقاء خلالها في غزة .. حذروه من التأخير .. وإلا سيسجن مع أهل غزة ولن يسمح له بالخروج أبدا ..

نظر إلى وجوههم .. رأى النور يشع من وجوههم ومن ملامحهم ومن ثناياهم .... سألهم طلبا واحدا .. أن يتعرف عليهم .. إنها لحظة الفراق الأليمة .. شعر فيها وكأن جلده يسلخ عن جسمه .. من أنتم .. أريد أن احمل معي شيئا منكم .. ماذا ستفعلون الآن ..
نظروا إليه بحب واحترام ..
نحن أخوانك وأحبائك .. نحن أنت .. كما أنت نحن .. قال قائدهم له .. ثم أشار لإخوانه فأخذوا يقدمون أنفسهم إليه ..
أنا أحمد .. طبيب ، وسأتوجه إلى المستشفى لعملي ،
وأنا حسين مهندس وسأتوجه إلى الشركة التي اعمل فيها ،
وأنا عادل بائع خضار ، وسأذهب إلى السوق ، إلى بسطة الخضار لأبيع ..
وأنا إبراهيم سمكري وسأذهب إلى ورشتي الصغيرة ...
..
قال قائدهم له : أنت لن تنسانا أبدا .. لأننا لن ننساك
قال والعربة تتحرك : انتظروني .. سأعود إليكم ..
سأعود و.. أبقى ..
**
13/1/2010
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

تعليقات الفيسبوك



التعليقات