سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


يشق ظلمة الليل

"القدس بداية الحكاية"

تقييم هذا المحتوى
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. زهرة خدرج مشاهدة المشاركة
"القدس بداية الحكاية"
"بما أن القدس حبيبة القلب وهي أيضاً أصل الجرح، منها أبدأ حكايتي".
كانت السماء تمطر بشدة والبرد يصب زمهريره... ويتخلل ذلك تساقط للثلج في بعض الأوقات... كنت أسكن بعيداً عن بلد الأحلام... القدس... ولعشقي الذي لا يوصف لها لم أستطع مقاومة رغبتي العارمة بالذهاب إليها، والتوجه مباشرة للمسجد الأقصى لنيل سجدات تبعث الحياة في داخلي وتقربني من الله على أرضه الطاهرة، على الرغم من رداءة الجو... فالجميع قد اختبأوا في بيوتهم يحتمون من البرد القارس والمطر والثلج... حتى المحال التجارية أغلقت أبوابها، وانطلق كلٌ إلى بيته يطلب الدفء والسكينة...
أما أنا فقد كانت نفسي تفيض حزناً وغربةً وحيرة... لم تكن تلك الغربة غربة أرض ووطن، بل كانت غربة تفكير واعتقاد وقيم... اجتزت جميع الحواجز والعراقيل، ووصلت القدس وكانت قبلتي المسجد الأقصى، حاملة غربتي وأحزاني باحثة عن بعض الطمأنينة والراحة... كانت حبات المطر المحملة برذاذ الثلج تضرب وجهي بقوة، لم أحمل مظلة لأنني وجدت في ماء المطر مُسكِّن للزلزال الذي يهتز بعنف في داخلي...
بدأت أغرق في عالمي الخاص الذي يرتبط بحبيبة القلب بمجرد أن وطئت قدماي أولى درجات باب العمود... عبقت رائحة البخور والمسك من حارات البلدة القديمة، وتراءى لي طيف صلاح الدين الأيوبي في ثوب خشن، يسير في أزقة البلدة العتيقة متوجهاً صوب الأقصى، تناثرت الدموع على وجنتي غصباً عني وناديته بصوت متهدج قائلة: يا صلاح الدين، يا مُحرر الأقصى، أترى حالنا الذي وصلنا إليه؟ اليهود، أذل وأدنى وأقذر خلق الله يحتلون القدس ويعيثون فيها فساداً وإفساداً‏، يهددون المسجد الأقصى ليل نهار، ويدنسونه بأقدامهم النجسة، يريدون بناء هيكلهم الذي يزعمون وجوده على مصاطب الأقصى بعد أن أفرغوا الأرض من تحته وبنوا فيها معابد الكفر والشيطان، وبعد أن استطاعوا إذلالنا وإخماد العزة والكرامة داخل الكثيرين منا، وسادتنا وحكَّامنا يجلسون مع نقضة العهود والمواثيق ويعقدون معهم اتفاقيات الذل والعار... التي تُملِّك اليهود ما لا يملكون، وتعطهم ما لا يستحقون، ونحن أبناء الأرض وأهلها نُجرد من حقنا فيها، بل ونُقتل ونُطرد ونُعتقل تحت حجج واهية كثيرة ومتنوعة من اليهود وممن يتسلطون علينا من حكامنا، ليس نحن في فلسطين فقط، وإنما في كل قطر يحوي أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم...
أدار صلاح الدين نظره في أرجاء المكان وقال بصوت عميق ينطلق من عمق الزمان الغابر: لا تحزني، وعدُ الله آتٍ وقريب، وسيعيد التاريخ نفسه، سيعود جيش محمد صلى الله عليه وسلم وسيفتح خيبر مرة أخرى، وها هي ذا بوادر الصبح قد بدأت بالظهور على أيدي الشباب المسلم في فلسطين ومصر وسوريا واليمن والعراق، على الرغم من الاضطهاد والسحق الذي يلاقونه...
استبشري بالخير يا ابنتي فما دام الظالم ماضٍ في ظلمه فاعلمي أن زواله أكيد وقريب، وكوني على ثقة أيضاً أنه ما دام المظلوم ماضٍ في مقاومته فاعلمي أن نصره أكيد وقريب... فلا تبتأسي...
وأخذ صلاح الدين يتلو «حَتَّىظ° إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ غ– وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ»يوسف110، «وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب» البقرة214، «أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض» النحل45. فأولئك الأعداء المغترون بقوتهم وغدرهم وبطشهم موعودون بمكر الله، فإن مكروا فالله يمكر بهم وهو خير الماكرين.
تذكري آيات الله وليملأ الأمل والتفاؤل نفسك، فنصر الله قريب، ما هي إلا مسألة وقت، وما تمرون به من مشاقّ ما هو إلا ليميز الله الخبيث من الطيب ليستحق الطيب النصر حينها «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ» محمد 31.
أوصيكم بالثبات على دين الله وسنة نبيه، وعليكم بالصبر وعدم الاستسلام لعدوكم وإن دفعتم أرواحكم ثمناً لهذا الثبات والصبر، حتى يأتي أمر الله، ألا إن نصر الله قريب...
غادرني طيف صلاح الدين، ولكنه ترك في نفسي أملاً عظيماً بزوال الغمة التي ظللت بسوادها على أمة الإسلام... وعلمت أن المسجد الأقصى سيبقى بخير ما دام هناك فتية آمنوا بربهم يحملون إيمانهم في صدورهم وأرواحهم على أكفهم يحاربون بصدور عارية عدواً مدججاً بالسلاح... ينتظرون الغلبة من الله.
#دكتورة_زهرة_خدرج
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

تعليقات الفيسبوك



التعليقات