سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


ياسين عز الدين

اتفاقية الدفاع عن القدس: الأسباب والخلفيات

تقييم هذا المحتوى
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ياسين عز الدين مشاهدة المشاركة
اتفاقية الدفاع عن القدس: الأسباب والخلفيات





بقلم: ياسين عز الدين

لعل أهم سؤالين يتبادران للذهن عند السماع عن اتفاقية الدفاع عن القدس التي وقعها الملك عبد الله الثاني مع محمود عباس قبل يومين، هو لماذا الآن؟ وماذا ستكون تداعياتها؟ ولعل أغلب الناس تعامل بلا مبالاة مع الاتفاقية بدون أن يقرأوها انطلاقًا من عدم ثقتهم بطرفي الاتفاقية ولا نواياهم.


ولسنا سذجًا لنتوقع من اتفاقية دفاع عن القدس أن تنص على تسيير الجيوش أو تسليح المقاومة، خاصة في ظل الوضع الحالي والتوازنات الدولية، لكن أقل ما فيها أن تتضمن بنودًا عن إجراءات سياسية أو اقتصادية أو إعلامية تنظم آلية للدفاع عن القدس ضد الاحتلال الصهيوني، هذا ما يتبادر لذهن أي إنسان عاقل.


وكنت قد تكلمت ساخرًا عن الاتفاقية يوم توقيعها أنها اتفاقية لحماية الأقصى من الخطر الشيعي، لإيماني بأن محمود عباس والملك عبد الله لا يمكن أن يتصديا للخطر الصهيوني، وذلك قبل أن أقرأ نص الاتفاقية، وعندما قرأتها تفاجأت بأن مزحتي وتهكمي كان أقرب للواقع منه للخيال والسخرية، ليس من جانب الخطر الشيعي أو الإيراني بل من جانب عدم وجود أي شيء فيها يتعلق بالخطر الصهيوني المحدق بالأقصى!

وقد أرفقت نص الاتفاقية في نهاية المقال حيث لن تجدوا أي ذكر للكيان الصهيوني أو تهويد الأقصى، ولن تجدوا حتى كلمة "إسرائيل الشقيقة"!! تصوروا أن اتفاقية للدفاع عن الأقصى والقدس المحتلتين من قبل الكيان الصهيوني والذي يعمل حثيثًا على تهويدهما، لا يوجد فيها أي ذكر للصهاينة والتهويد والتجاوزات التي يرتكبوها!!


عن ماذا إذن تتكلم الاتفاقية؟ الاتفاقية تنظم العلاقة بين النظام الأردني والسلطة الفلسطيني فيما يتعلق بالمسجد الأقصى (وكأننا نتكلم عن مؤتمر يالطا* عربي) حيث يوزع الطرفين الصلاحيات والامتيازات بينهما في القدس المحتلة، دون أي مبالاة بوجود المحتل الصهيوني صاحب الكلمة العليا والتي يستطيع شطب كل ما اتفقا عليه بجرة قلم مجندة صهيونية على بوابة الأقصى.


الاتفاقية تحفظ حق النظام الأردني بإدارة الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة (تحفظها من السلطة وليس من الاحتلال الصهيوني)، وما يسمى بالدور التاريخي الأردني (ولا أعرف إن كان التفريط بالقدس في حرب عام 1967م هو جزء من الدور التاريخي أم لا)، وفي المقابل يحفظ حق السلطة في "ممارسة السيادة" على القدس ويؤكد على دور منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.


ولا ندري كيف ستمارس السلطة سيادتها على القدس، لأن الاتفاقية تركتها معلقة هكذا بدون توضيح أو تفصيل، وكأنه تحصيل حاصل وسرعان ما سنرى السيادة الفلسطينية تنساب على كل حجر وزاوية في القدس المحتلة.


كما أكدت الاتفاقية على حق الأديان الأخرى في القدس (هل المقصود المسيحيين واليهود؟ أم المسيحيين وحدهم؟)، وأكدت على حرية وصول جميع المسلمين "في الانتقال إلى الأماكن المقدسة الإسلامية ومنها وأداء العبادة بما يتفق وحرية العبادة"، ومن يقرأ هذه الصياغة يظن أن القرار بيد النظام الأردني أو السلطة الفلسطينية؟ طيب وماذا عن حقيقة حرمان سكان الضفة والقطاع من الوصول إليها؟ وماذا عن منع مدير المسجد الأقصى الجديد من دخوله؟ وماذا عن منع العشرات من الشبان المقدسيين من دخول الأقصى؟ كيف ستعالج الاتفاقية هذه المعضلات؟


طبعًا لن تجدوا شيء يتكلم عن ذلك بالاتفاقية، وهي أصلًا لم تأت بجديد بل هي عبارة عن تدوين للعلاقة القائمة بين السلطة والنظام الأردني في القدس منذ العام 1988م، والسؤال المطروح إذن ما الذي استجد من أجل تجديد هذه الترتيبات وصياغتها على شكل اتفاقية؟ وأين هو الدفاع عن القدس الذي لم نجده سوى في العنوان؟


أبواق السلطة والنظام الأردني الإعلامية يتكلمون عن أن الاتفاقية جاءت بسبب زيادة وتيرة التهويد الصهيونية، وجاءت بعد إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وهذا كلام فارغ فكيف تواجه التهويد وهي لم تذكر شيئًا عن الصهاينة؟ وكيف ستترجم السيادة الفلسطينية على القدس وهي لم تذكر أي خطوات عملية للوصول إليها؟
فقط توزيع أدوار بين النظام الأردني والسلطة فيما هو متاح لهم على الأرض، والصهاينة والأمريكان كانوا على علم بالاتفاقية (مثلما أكد بركات الفرا سفير السلطة في القاهرة)، فهل يعقل أن يوافقوا على اتفاقية تمس الصهاينة؟


إذا لم تكن الاعتداءات الصهيونية الأخيرة هي السبب وراء هذه الاتفاقية فما السبب إذن؟ بما أنها اتفاقية ثنائية وتتعلق بالشأن الداخلي فلا بد أن الأسباب داخلية، والتغير الداخلي الوحيد الذي حصل في الآونة الأخيرة هو تعيين الشيخ ناجح بكيرات مديرًا للمسجد الأقصى، وبصفته مقرب من الحركة الإسلامية فيبدو أن تعيين الأوقاف الأردنية له في هذا المنصب قد استفز السلطة وحركة فتح.


ومن يتابع حركة فتح منذ نشأتها يجد أن بوصلتها كانت دومًا تشير نحو الصراع على الأحقية بتمثيل الشعب الفلسطيني، ابتداءً من التآمر على أحمد الشقيري أواخر الستينات وعزله عن قيادة المنظمة وتنصيب عرفات بدلًا منه، ومرورًا بالصراع مع النظام الأردني طوال السبعينات والثمانينات حول التمثيل الفلسطيني، وحرب المخيمات في شمال لبنان وبيروت في الثمانينات، وأخيرًا التنافس والاحتكاك مع حماس طوال فترة التسعينات وبعد انتخابات 2006م.


فحركة فتح عندها عقدة تاريخية وهي عدم القبول بوجود أي شخصية قيادية فلسطينية من خارج إطار الحركة، حتى لو كان ذلك يعني التحالف مع العدو التاريخي للشعب الفلسطيني (الاحتلال الصهيوني)، ووجود شخصية محسوبة على التيار الإسلامي في منصب حساس وهام مثل مدير المسجد الأقصى لا بد أنه استفز القاطنين في المقاطعة.


وبما أن تعيينه جاء بقرار أردني فلا بد أن السلطة احتجت واعترضت، لتأتي المفاوضات وتنتهي بهذه الاتفاقية لتضمن السلطة حقها بأن يشاورها النظام الأردني في التعيينات الحساسة مستقبلًا (كما أكدت الاتفاقية ضمنًا)، ولمعالجة الخطأ الحالي (أي تعيين بكيرات مديرًا للأقصى) استعانت السلطة بإسرائيل الشقيقة التي أصدرت قرارًا بمنعه من دخول المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر ثم جددها لستة شهور أخرى بداية الشهر الماضي، وهي قابلة للتمديد.


لا أملك دليلًا على أن هذا الدافع الحقيقي للاتفاقية، لكن لم أجد تطورات وأسباب أخرى تفسر هذا التصرف، مع ذلك أقول بكل ثقة أن الاتفاقية لا علاقة لها بالتصدي للعدوان الصهيوني والدليل هو ما ورد فيها، كما أنه من الأكيد أن للسلطة وحركة فتح أسبقيات بالإستعانة بالاحتلال من أجل التخلص من منافسيها (وخاصة المحسوبين على حماس) ولي تجربة شخصية معهم، والأكيد أيضًا أن هم السلطة الأول هو تنحية منافسيها من حماس، وهي ليست في وارد الصدام مع المحتل الصهيوني.


إذن نحن نتكلم عن اتفاقية لتكريس الوضع القائم اليوم في القدس، وليتقاسم الطرفين الفتات الذي يسمح لهما به المحتل الصهيوني، وبذلك يمكن أن نسميها بأي شيء إلا اتفاقية الدفاع عن القدس.

*مؤتمر يالطا : عقد عام 1945م بين قادة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية (الاتحاد السوفياتي وأمريكا وفرنسا وبريطانيا) ليناقشوا تقسيم مناطق النفوذ في العالم فيما بينهم.
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

تعليقات الفيسبوك



التعليقات