سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


[ اعلان هام ] تحديث البريد الإلكتروني للعضوية

يشق ظلمة الليل

«حكاية عشق قديم»

تقييم هذا المحتوى
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. زهرة خدرج مشاهدة المشاركة
في طفولتي أحببت القراءة جداً، بدأت حكاية العشق بيني وبينها عندما أحضر لي خالي مجموعة كبيرة من القصص الملونة قبل أن أدخل المدرسة... كنت أنظر في الصور وأتخيل من خلالها قصة أعيش تفاصيلها، فهنا بطة تبدو متعجرفة، وهذا ذا كتكوت يظهر أنه جبان، وهناك قرد كبير قالت أمي إن اسمه غوريلا، وهذه تلبس تاجاً ذهبياً على رأسها... وهكذا... أحببت تلك القصص جداً وربما تفاجئون عندما أخبركم أن مصير تلك القصص الرائعة التي لا أستطيع أن أنساها حتى الآن، هو التمزيق والتقطيع إرباً... ولا أدري سبب ذلك، أهو الفضول أم حب الاستطلاع أم ماذا يسمونه في علم النفس...
وبعد أن تعلمت القراءة بدأت أقرأ قصص المغامرون الثلاثة والألغاز الرائعة التي كانوا يحلونها ويجلون أسرارها، ثم قصص أرسين لوبين، والمفتش واطسون... لم أكن أقرأ القصص بل كنت أعيش أحداثها، وأحفظ شخصياتها، وكيف يفكرون، وأصبحت أتوقع ماذا وكيف سيتصرف كل منهم في الخطوة التالية... أورثتني تلك القصص دقة الملاحظة التي لا زلت أتمتع بها حتى الآن، وسعة الخيال. ارتقيت بعد ذلك للأدب العالمي فكانت قصص تشارلز ديكنز ومكسيم غوركي على رأسها، ثم ارتقيت لأقرأ علوم الفلك والفضاء والكون، ثم للأحياء وعالم الحيوان، وبعد ذلك للتاريخ والدين والسياسة، وكان لكتاب البداية والنهاية لابن كثير –رحمه الله- ومجموعات الخطب المنبرية للشيخ عبد الحميد كشك –فارس المنابر رحمه الله- كبير الأثر في نفسي، فكان لكل عمر ما يميزه من القراءة، أما الآن فقد أصبحت قراءتي تخصصية أكثر يعتمد أكثرها على المراجع الأجنبية بحكم الأبحاث الدائمة والدراسات التي يجريها الأوروبيون باستمرار في العلوم المختلفة والتي نكاد نفتقدها في عالمنا العربي.
بالقراءة أحسست بمتعة لا توازيها متعة أخرى، وأنا أحمل الكتاب بين يدي وأغيب بين صفحاته في عالم آخر، وربما أحياناً في كوكب آخر، حيث الكلمات هي التي ترسم العالم بصورة أوضح وأجمل مما ترسمه ريشة الفنان وألوانه، فكنت أعبر الصحاري المقفرة، والغابات الموحشة، وأمشي بين الثلوج الكثيفة، وأزور قمم الجبال والوديان السحيقة، وأغوص في أعماق البحار، وأعبر الأنهار، وأقف على شواطئ بحر العرب والخليج العربي، وأرى الثقافات المختلفة بين أجناس البشر وأعراقهم وجنسياتهم، وأشاهد الكائنات الحية التي لا تعد ولا تحصى، وأطَّلع على حياتها، وأتعرف على خلق الله، وأستشعر قدرته عز وجل التي تتجلى في صنيعه... كنت أعيش التجربة بكل أحاسيسي وعقلي... لم أكن أشعر بالوقت كيف يمضي وأنا مستغرقة في القراءة، وأحياناً ينتصف الليل ولا أنتبه إلا عندما أنهي كتابي، أو أجد نفسي نائمة والكتاب على صدري ونظارتي فوق عيني... وعندما كانت أمي -رحمها الله- تطلب مني ترك الكتاب والذهاب للنوم، كنت أقرأ في غرفتي خلسة على الضوء الخافت المتسرب من خلال الباب...
وعندما أشتري كتاباً جديداً خاصة عندما يكون العنوان جذاباً – ولا أعلم أنني في أي مرة اشتريت كتاباً لا يحمل عنواناً جذاباً- أو عندما أكون قد بحثت طويلاً عن الكتاب قبل أن أعثر عليه –ككتب سيد قطب رحمه الله- كنت أشعر كمن هو مدعو إلى وليمة شهية وأحشائه تتفطر جوعاً ولا يستطيع الانتظار أكثر ليتذوق الطعام الشهي ويملأ معدته منه.
كنت أدخر من مصروفي الشخصي مبلغاً محدداً كل شهر وأشتري الكتب التي أحب اقتنائها. وأحياناً كثيرة أتنازل عن بعض الأشياء الضرورية مقابل أن أشتري تلك الكتب... ولا زلت حتى الآن أرى الكتب وما تحمله من معرفة هي الثروة الحقيقية للإنسان... وعندما أزور أناساً لا يوجد في بيتهم مكتبة أو رف كتب على أقل تقدير، أستغرب وأسأل نفسي: كيف يعيش هؤلاء؟
كان لتعلمي مهارات القراءة السريعة تأثير كبير ومهم في أسلوب قراءتي وكمية الكتب التي أصبحت أقرأها يومياً بحكم الأبحاث التي أجريها والكتب التي أؤلفها... فمهما كان الكتاب كبيراً لا يأخذ مني الآن سوى بضع ساعات لإنهائه واستخلاص زبدته، لأنتفع به وأنقل هذه المنفعة لقرائي الأعزاء...
وقبل أن أغارك أقول: مهما كان الكتاب الذي تقرأه، فإنك ستكتسب منه أشياء كثيرة، فالقراءة تكسبك خبرات الآخرين دون أن تضطر لخوض تجاربهم، وهي تلهمك وتولد الأفكار الجديدة في داخلك... فاقرأ... واجعل القراءة كعادة تناول الطعام لديك، لا تستطيع الاستغناء عنها.
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

تعليقات الفيسبوك



التعليقات