سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


بهائي راغب شراب

الأضحية - قصة قصيرة

تقييم هذا المحتوى
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بهائي راغب شراب مشاهدة المشاركة
الأضـحـيــــــــة

ما الذي يجري بربك؟
هل تطرد قلبك، أم أن قلبك يقض مضجعك؟
لماذا إذن تبقى واقفاً هنا وحدك كشاهدٍ لم ير شيئا بعد؟ أنت تنتظر ما لا تعرفه، بل تجهل من أين سوف يأتي، ومع أي ريحٍ سيصدم ملامحك المتشوقة للانبهار..

لماذا عليك أن تمارس فعل الوقوف، وأنت لا تملك هدفاً محدداً تصوب نحوه، حتى أنك تفتقر لوسائل الوصول إلى هدفك المجهول..
ماذا ستقول يا مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم.. وبماذا سترد..!

أنت موجود.. إذا أنت موجود، الوجود بالنسبة إليك يعني أن تأكل وتشرب وتغير ملابسك، والقدرة على تشكيل ملامحك الأرجوانية بين وقت وآخر وفقاً لما تتوهم أنك هو، ووفقاً للخارطة الذهنية التي تم تكييف سلوكك لتصبح آلة للموت كما أنت اليوم، وتحويلك من كونك أنت إلى كونك شيئا آخر لكنه حتما ليس أنت، وأن تجري على هواك، الذي.. لا تعرف تفاصيله.. فقط مجرد توقعات مُبْهَمة..
لكن المسألةَ ليست هكذا، والمعادلة مختلفة.. فكونك موجود لا يعني حقاً أنك موجود فعلاً، صورتك على الجدار أيضاً تخبرنا بوجودك، لكنها تبقى مجرد صورة.. تبهت يوماً بعد يوم، عليك أن تكون شيئاً قبل أن تكون موجوداً.. عليك ألا تكون صورة أبداً..
عليك أن تكون أرضاً معمرة، تنبض بالحياة وبالأمل.. نعم أرضاً تثمر الحب، تحتضنُ الأرواحَ الطاهرةَ التي تتصاعد يومياً مع كل عدوانٍ صهيوني، يستهدف ضفائرَ عشقك الاستشهادية، المتجذرةَ في أعماق وجودك، والذي تخفيه هنَّاتك المبعثرة بين أسئلتك التي لا معنى لها، مثل.. هل تقاومُ عدوَّك أم تعشقه إلى درجة الغرور والتيمن بمحاسن تبعيتك المطلقة..

عليك أن تكون مخيماً وأن تجرب معنى العيش محاصراً في مساحة ضيقة، وسط جدران مغلقة، تتلاحق بين أزقته أنفاس الحيارى بين أسئلة وجودهم هم أيضاً، بين هل وكالة الغوث تعطيهم حياة، أم أنهم أصبحوا مجرد لعبة صيفٍ ساقطة، ترفعها وقتما تشاء في وجه الذين يفركون عيونهم عند يقظتهم من غفلة الكوبونات المخدرة ..

عليك أن تتحول إلى مُعْضَلةٍ في وجه عدوِّك، فلا يستطيع الوصول إلى رقمك السرِّي الذي من خلاله يقنصك أمام المارة، وأنت تجلس مع جيرانك البسطاء الذين يرَوْنَ فيك حُلْمَهم المقدس، فتكون قد ضيعت حقك في الوجود..
وعليك أن تكون شهيداً حتى قبل موتك، تناجز أعدائك، لا تسلمهم مقودك ليقهروك، ليستعبدوك، وليستبعدوك من قاموسك الفلسطيني، الذي بناه تاريخٌ طويل من بطولات الصمود والموت وقوفاً تحت شمس الحرية الدافئة..
وأراك مازلت مصراً على أنك موجود بدون كل ذلك..

حسنا إذن.. أخبرنا من تكون؟ وماذا تفهم؟ وإلى أين ستذهب؟ وكيف ستستغل وجودك الذي قررته لنفسك..
هل ستعيد وطناً يغتصبه متطفلٌ على تاريخك المسلوب؟ هل ستنقذ روح طفلٍ غاضبة من سلوكك المطأطئ لعدوك؟ وهل سترتاح وأنت حي تأكل كما تقول من فتات موائدهم المغموسة بالدم الفلسطيني، وتلبس ملابسهم الحربائية المتلونة، وسط أبناء حارتك الجوعى الذين بالكاد يسترون أوقاتهم من فضيحة السكوت عراة في فجر النداء العالي الذي يبشر بالقيامة..
**
مْسَلَّم بن سالم الِمْسَلَّم ما زال يعتقد أنه على صوابٍ، وأنه بالتنسيق مع العدو إنما يداري على ممارساته غير المقنعة، ويحولها إلى عمل تطوعي خيري يجب أن يثاب عليه، في الدنيا والآخرة، معتقدا أنه بذلك ينقذ نفسَه من اغتيال الليل لأحلامه الضيقة التي انحرفت عن الرؤيا الصادقة، وإذ يعتقد بقوة أن عدوه بالأمس وباليوم وفي الغد، يمكن أن يصبح صديقه الوحيد، كما هو واقع يعيشه اليوم، يحتضنُه ويدافعُ عنه ويحميه من جور أخيه الآخر، الذي رفض مْسَلَّم شراكته منذ البداية.. ليس لشيئ محدد.. فقط لأنهم أمروه بذلك وإلا.. فليبحث عن مصرف مثالي يمده بقوت يومه..

هكذا يفهم مْسَلَّم طبيعةَ عمله مع العدو، مجرد وظيفة يأكل من ورائها عيشاً حافاً، ولا مانع لو شرب ورائها كأساً من الخمر المعتقة في سراديب عصور الظلام القائمة ..

مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم، أيضاً مستعدٌ وفقَ فهمِه هذا أن يقتلَ أبيه، لو رفض الآخرَ، الدموي، شريكاً له في فلسطين، وفي الأقصى، وفي التاريخ، وعندما نشرح لمسلم بأن العدو لا يريد شريكاً أياً كان شكل ومدى استعداده للتفريط، خصوصاً لو كان مْسَلَّمَ نفسه، يضحك مقهقهاً كالأبله بأنك متآمر عليه، وأنك شريك لحفنة الإنقلابيين الذين لا يحفلون بما تفعل، ولا يصبرون لجني ثماره..
وعندما نتسائل عن أي ثمارٍ يعني.. يهز رأسَه مباهياً.. ستعلمون كل شيء في وقته، ستعلمون كل شيء في وقته..؟
**
في صباح هذا اليوم الموافق تاريخاً مخيفاً، لا يود أحد أن يذكره، وفي نفس الوقت لا يمكن نسيانه، حدث ما لم يكن في الحسبان، لقد تلقى مْسَلَّمَ بن سالم المسلَّم أمراً واضحاً.. عليك أن تقتل اليوم أسداً في عرينه، اقتله قبل أن يستيقظ ويهاجم مجموعات الجُرَذَانِ المتجيِّشةِ وراء الذئب القاتل، الذي يغلق الباب عليه..
لبس مستعجلاً.. وحمل سلاح القنص الذي يدل على أسلوبه في الحياة، وفتح الباب ليخرج، عندما سمع تساؤل ولده الصغير.. إلى أين تذهب يا أبي.. ألست في إجازةٍ اليوم.. إنه أول أيام عيد الأضحي، وقد وعدتنا بأضحيةٍ سمينةٍ..
ابتسمَ، دون مشاعرَ، ودون رد واصل خروجه، فحاسوبه الداخلي يطرق على رأسه المبرمج بأيدي الغرباء.. اقتل.. اقتل.. اقتل.. وظيفتُك حمايتُنا، وظيفتُك أن تقتلَ من أجلِنا، اليوم فرصتك لتبرهن على مدى انتمائك لمنظمة القتلة العالميين..

خرج وهو لا يلوي على شيئ أمامه، ولا يلتفت لمن ترك خلفه، فقط مهمته الأولى التي ستزيد حصته من غلة كوبونات وكالة الغوث، وستمنحه تصريحاً بمدة أطول، للمرور إلى حانات هرتسليا وتل أبيب وحيفا و..
لقد كان أول يوم في عيد الأضحى.. الناس كلهم كانوا في طريقهم إلى المساجد وهم يرددون تكبيرات العيد.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وهو يسير باتجاهٍ معاكس تماماً، لاتجاههم..
هو لا يذكر أنه صلى مرة واحدة في حياته، فقط ربما مرة أو مرتين أضطر فيها لذلك، وفعلها بدون وضوء وبلا طهارة من خبث الجنابة، التي لم يفكر في يوم من الأيام أن عليه إزالته بالاستحمام..

عندما وصل لعرين الأسد، لم يعجبه الحال، كان زملاؤه في حالة استنفارٍ مستفز، يضربون الناس ويبعدونهم عن المكان.. فقط.. دون أن يتخذوا إجراءً فعلياً للهجوم على العرين. ووجدها فرصةً لاثباتِ نفسه، واثباتِ استحقاقه الجائزة أكثر من غيره، فوراً قال لهم: أنا لها.. أنا لها.. كيف يا مسلم أخبرنا.. ماذا ستفعل.. سألوه، أجابهم : اجمعوا مجموعةً من الأطفال، ودعوني أقتحم العرين من ورائهم، هيا، وبدون وعي استجابوا له.. وهم فرحين بالاكتشاف المبين، لقد فعلها أحدهم أخيراً، وأثبت أنه قادر على قهر وجودهم الغائب..
**
عندما عاد في الليل إلى أطفاله، وجدهم ما يزالون في حالة يقظة كاملة، تستحوذهم مشاعر السخط والغضب على أبيهم الذي لم يفِ لهم بوعده، بأن يكون معهم في أول أيام عيد الأضحى.. يذبح أضحيته، ويفرح أهل بيته، كلهم حانقون على تصرفه العجيب..
سألوه : أهذا وعدُك.. أهكذا يمضي العيد ككل عام وأنت بعيداً عنا، أين كنت، ماذا كنت تفعل، وماذا تحمل معك..
قال بسرعة وهو يلقي بحقيبةٍ ثقيلةٍ أمامهم: خذوا.. إنها لحمة العيد.. افعلوا ماشئتم، وكلوا ما تقدرون على أكله..
اندفعوا مسرعين إلى الحقيبة، وقبل أن يفتحوها
توقفوا: كيف! نحن لم نتفق على لحمة جاهزة.. اتفقنا على أضحية حية،
قال: إنها كذلك.. لم أشترها بل هي نصيبي من أضحية اليوم..
نصيبك؟! تسائلوا مندهشين..
نظر إلى وجوههم.. لمَ العجب؟! لقد اشتركت وبعض الزملاء في ثورٍ كبير،
ولماذا لم تحضر مبكراً، إننا الآن بعدَ منتصف الليل،
قال: لا تكثروا من الأسئلة.. لكن سأخبركم.. لقد قمت وزملائي بزيارة إلى تل أبيب، قضينا وقتاً ممتعاً هناك.. احتفالاً بهذه المناسبة..

تل أبيب ؟! لماذا تل أبيب؟ وهل تحتفل تل أبيب بعيد الأضحى مثلنا.. إنهم يهود.. ليسوا منا، ولسنا منهم، لا ننتمي إليهم ولا ينتمون إلينا، لا.. لا ليس الأمر هكذا..
كنا مجموعة أصدقاء عمل.. واحتفلنا بانجازنا عملاً مهماً.. أجاب..
ما هذا العمل المهم الذي يبعدك عنا.. قالوا
تمطى وفرد ذراعيه ورفع رأسه مُبَاهياً: لقد اصطدنا أسداً شرساً، قاوَمَنَا، وقَتَلَ بعْضَنَا قبل أن نتمكن منه..؟!!!!!
وهنا تدخلت
زوجته : أتساءل.. من منكم الذي ذبح الأضحية..
مْسَلَّم بن سالم المْسلَّم: جميعنا
الزوجة: جميعكم.. لم أفهم
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: كانت سكيني التي نحرت الأسد
الزوجة: الأسد؟! أسأل عن الأضحية لا الأسد..
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: نعم.. نعم.. أقصد الثور
الزوجة : لكنني لم أعهدك تعرف الذبح الحلال
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: ما هذا الكلام الكثير..
الزوجة: أظن أن الأضحيةَ ليست حلالاً..
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: ليست حلالاً؟!! ماذا تعنين؟
الزوجة : نعم.. كُلْهَا وحدك.. لن نشاركك ذبيحتَكَ أبداً .. قبل أن تثبت لنا بأنها ذُبِحَتْ حلالاً
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: لقد فعلت ذلك من أجلـ...
الزوجة: لا .. ليس من أجلنا.. لم نكن أبداً ضمن خططك أو مشاعرك، لقد أبقيتنا دائماً على هامش حياتك.. المقززة!
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: بل من أجلكم..
الزوجة: لا.. بل من أجلهم..
مْسَلَّم بن سالم المْسَلَّم: من تقصدين؟!
الزوجة:
الغرباء.. الغرباءَ.. أسيادك الجدد .. الذين تعرفهم.. يسوقونك كعبد، وتخدمهم بلذة ، تطعن أهلك بخنجرهم ،وتحرق وطنك بنارهم، ثم يشعرونك أنك القوي بسلاحهم، والغني بأموالهم، فيستعبدونك، فلا تنحرف عن تنفيذ أوامرهم ضد شعبك، وأسود شعبك ..
بئس الرجل أنت ، وبئس الزوج لأهلك ، وبئس الوالد لأولاده .. ما جئتنا إلا بالعار يهلكنا..
ويحك احمله وحدك ، ولا تشركنا في وِزْرِ خيانتك..
لا بارك الله في إجرامك..
أنت عبد "دايتون" وجنديه الحارس لأهوائه، وكنت أظنك تحمل السلاح دفاعا عنا وعن أسود بلدك .
.

***
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

تعليقات الفيسبوك



التعليقات