سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: المهاجر

  1. #1
    عضو نشيط الصورة الرمزية بهائي راغب شراب
    تاريخ التسجيل
    09 2006
    الدولة
    خانيونس
    المشاركات
    1,202
    مشاركات المدونة
    152

    المهاجر

    المهـــــــــاجـر
    قصة قصيرة
    بهائي راغب شراب
    11 / 4 / 1981

    لم يتجاوز ما مضى من عمر صابر الثلاثين عاماً ..
    ظوال هذه السنين لم يعش صابر في مكان معين ولا في بلد معين ،
    إذا طالت إقامته في بلد حط رحاله عندها فلم يكن ليقيم في مدينة واحدة ، سرعان ما يتركها إلى أخرى ..
    وإن أقام في مدينة فترة أطول نجده لا يستقر في منزل واحد .. دائم التغيير لمحل إقامته .

    كالرحالة الذين يولدون في الصحراء ،
    دائم التنقل من كثيب إلى كثيب ومن أرض إلى أرض ، يتبع منابع الماء حيث الحياة .. يبحث عن المرعى الغني بالحشائش التي تشبع طموحاته المجهولة داخل نفسه ولو مؤقتاً
    ..
    صابر ..
    الطيب ، سمرة بشرته توحي بذلك لمن يراه أول مرة ، يقضي أعماله بسرعة عجيبة .. تحسبه الريح إذ يمر كلمح البصر أو إنه البرق يضيء الليل كله.. ثم يختفي بسرعة .. سرعته هذه ميزة أدمن عليها، وكثيراً ما أوقعته في مشاكل هو في غنى عنها ، بل وفي بعض المرات تتضافر سرعته في الإنجاز مع طيبته ونواياه الساذجة فيصاب بالارتباك ويتعرض لمخاطر حقيقية تهدده مباشرة ..

    يعرف ذلك عن نفسه ، يحاول تفادي إدمانه السرعة ، يحاول إشراك عقله ليصاحب طيبته .. لكنه يفشل باستمرار ..
    ويقول لنفسه : إنه خلق للحركة والاندفاع ولم يخلق ليستقر ويهدأ وينام ،
    خلق ليبحث ، ليجري ، ليتيه ، ليصل ،
    وعندما يُسْأَل إلى أي شيء تريد أن تصل يأتي رده مٌبْهَماً وواضحاً: ..
    لا شيء معين أريد الوصول إليه وهذا حق .. إلى ماذا ؟ لا أعرف ..
    أشعر أحياناً بأنني أقوم برحلة إلى داخلي أكتشف مجاهلي الأصولية ومكامني الأثرية ،
    أريد أن أصل إلى شيء لا أدرك كُنْهَه ، شيء ليس له شكل .. ليس له اسم ، شيء غير مرئي ..
    وهل الأهداف تُرَى ؟ .. لا يمكن أن ترى الهدف عينٌ مجردة مهما بلغت حدة إبصارها ، إنه شيء داخلي ..

    لم يكن في الغرفة إلا صابر ، يراجع احلامه ودروبه وأهدافه .. يحسب ارباحه وما كسب و..
    يستعرض شريط حياته من خلال خيط ذهبي لامع يشق ظلام الغرفة ،
    يحاول امساك النور بأصابعه ،
    يحتاج ليعرف كيف اقتحم خلوته التي فرضها على نفسه
    ويحتاج أن يهتدي لخطوط حياته كلها بحيث تتماسك مكونة خيطاً طويلاً يمتد لأميال بعيدة من عمره الماضي والحاضر والقادم ..

    تتسارع أصابع صابر مرتعشة في الانتقال خلال الخيط الذهبي اللامع وهو يذكر اسم الله كأنه يسبح ويشكر ،
    فجأة .. يقع صابر على الأرض ، .. لا يعلم كيف وقع ولم .. فقط وجد نفسه وقد وقع متمددا ؟؟ جمع أنفاسه .. شبك اصابعه النحيلة التي انحفرت فيها آثار تدخين السجائر
    وقام من مكانه وتحرك كرجل آلي دون أن يشعر.. يتابع خيط الضوء ..
    لم ير من سطوة أفكاره الحائط الواقف أمامه يمنعه من متابعة تقدمه، اصطدم به ... كيف قام من مقعده .. وكيف اصطدم بالحائط .. لا يدري كيف..
    ثّمَّ إحساس ينتابه بوجود موجات مغناطيسية تخترق جسده كله .. تدفعه باتجاه ظل متحرك غير مرئي، يجذبه إليه ، يحثه المسير إليها ، واعلان الاستسلام التام برفع الراية البيضاء..
    حتى إذا استسلم لهذا الشعور لم يلبث إلا والحائط يردعه يعيده إلى وعيه الحالك في السواد ، فيعود حيرانا إلى الغرفة وحيداً ..يجلس في وسطها..
    يتذكر تماماً عندما كان يعيش بين والديه ، حيث كان والده دائم الحث له على الذهاب إلى المسجد للصلاة ..و إلى تعلم القرأن والعمل بسنة رسةل الله محمد عليه الصلاة والسلام .. وكيف كان يجامله ويذهب أمامه ..
    حياته لم تعد تطاق .. ينسكب الماء الساخن على قدمه اليمنى .. لم يصرخ ولم يتآوه .. إنه حتى لم يعلم أن الماء المغلي قد حرق بشرة قدمه .. حيث كان يعد فنجاناً من الشاي.. إنه مغرم جداً به لا يستطيع التقليل من الكميات الكبيرة التي يتناولها منه.. لقد أدمنه تماماً كالتدخين الذي يستهلك منه صحته لعدد السجائر الكثيرة التي يدخنها يومياً ،
    إذا حدث ولم يشرب كوب الشاي اليومي مع السيجارة عند قيامه من النوم يقضي يومه كاملاً في حالة عصبية شديدة ، لا يحتمل ملامسة النسيم له ولا يحتمل أن يسمع حفيف أوراق الشجر .. يصبح كل شيء أمامه سياطاً تنهش لحمه وصراخاً يضج رأسه ..

    أخذته أفكاره بعيداً وارتحلت إلى آفاق عليا بعيدا عن جسده الذي لا يمكن أن يعي شيئاً حوله .

    لقد أُبْلِغَ أنه وَرِثَ البيت والأرض ووجبت له العودة إلى أرضه والى بيته ..
    لكن..وآهٍ من لكن هذه..
    فهو لا يطيق العيش في منزل واحد أكثر من أشهر معدودات فكيف يحتمل البقاء الأبدي رهين بيته الخاص وفي بلده الخاص وفي شارعه الخاص وبين الناس أنفسهم ..
    حيث الوجوه والأصوات والحركة .. روتين لا نهاية له ..
    تعود السفر والترحال ,,أصبح مهاجراً، والمهاجر لا يستوطن مكاناً ولا ناسا ولا حتى اسما معيناً.. يسأم المكوث ويسأم الانتظار ، يسأم الصمت ويسأم الجلوس على الكرسي الهزاز بين أزهار حديقة بيته تحت ظل أشجارها يستمع لشدو العصافير ، يمضي وقته بلا عمل ، حتماً سيشبه تنابلة السلطان لا هم له إلا الأكل والنوم .. ملل ,, ملل .

    ولكن ماذا بعد السنين الطويلة التي قضاها بعيداً عن بلده..والتي لم توصله إلى الاقتناع بحياته الحالية.. الخالية من المعاني .. العارية بدون أهداف.. فسيّان عنده أن يكون أو لا يكون له هدف ما دام هذا الهدف لا مرئي ولا وجود له حتى الآن ..
    وهو لا يقتنع بالعودة ولا بالاستقرار لكنه ايضا وبكل قوة يحتاج إليه من أجل عائلته الصغيرة المشردة معه .. تتبعه قي جميع احواله .

    لقد تزوج أثناء تجواله الطويل ، بنى أسرة صغيرة ،وانجب أولاداً وبناتاً .. ما ذنبهم ليحكم عليهم بالترحال ... يظلون مشردين مثله دون نهاية .. لقد عانوا وسيعانون الكثير مما لا تطيقه أرواحهم الطيبة السلسة الرائقة ..

    الفرصة مواتية الآن لهم ليستقروا .. الاستقرار يعزز لهم كيانهم الذي سوف يقيمونه بأنفسهم ويمنحهم كرامتهم التي يستمدونها من كيانهم ومستقبلهم .. الآن لا مستقبل أمامهم إلا الضياع في لجة الغربة القاحلة ، المجرد من انفاس السكينة والاطمئنان.. السير إلى لا شيء .. المجهول فقط ينتظرهم بالغموض والرعب الذي يسرق لحظات هناءتهم القليلة ..
    الآن لا مستقبل .. لا مستقبل أمامهم ..

    زوجته .. ما ذنبها .. تحرم الإحساس بالسعادة والأمان ،
    كل زوجة تحلم بالبيت ، وبالأولاد تربيهم ،
    تحلم بأن تكون زوجة حقيقية لا مجرد واجهة يختفي ورائها الرجل هارباً من واقع أليم يعيش فيه ..
    إنها تحبه كما يحبها ويرعاها وهي بحاجة إلى البيت والى الشارع والى الناس ..
    أصبحت لا تفقه شيئاً من أمور حياتها غير السفر والترحال والتغيير من عنوان إلى آخر جديد . حتى أولادها لم ينعموا بفرص التعليم التي يهربون منها بسفرهم وتقلباتهم المستمرة ولا يحملون معهم سوى الحسرة على فقدان فرصة غالية أخرى ضاعت منهم ..

    أيرسلها هي وأولاده إلى البيت والاستقرار حيث المستقبل الحقيقي لهم.. ويظل هو يواصل حياته كما يريد لها ..! لكنه يعرف أنه لن يقدر على البعد عنهم ولا يتصور أبداً العودة إلى عيش العزوبية السابقة حيث الشرود المتواصل والوحدة والسراب والظلام والبرد ...
    عليه أن يضحي ، أنانيته يجب أن تنهزم وتتوارى ... لم الخوف .. الطريق واضح .. زوجة و أولاد ، بيت وعنوان ،
    كل إنسان يبحث عن هذه الأشياء ... وجميعها عنده متوفرة، يملكها، .. لن يفرط فيها في لحظة أنانية قاتلة ، لن يقذف بها إلى الريح تحملها بعيداً تلقيها إلى الأرض مجرد ذرات متناثرة لا شكل ولا معنى لها ..

    تتضح الرؤيا داخل روحه المتوثبة للوصول إلى النهار الكامل ،
    يتسع الخيط الذهبي شيئاً فشيئاً ، ينشر اجنحته بحجم السماء الصافية .. لم يعد خيطا رفيعا ، لم يعد له وجود..
    انه ضوء لا نهاية له ولا حجم يقيده ضمن حدود هلامية شفافة ..
    الغرفة أصبحت قطعة ذهبية متوهجة ، اختفى الظلام نهائياً ، المقاعد تملأ أرجاء الغرفة ..
    الحركة تملأ المكان .. موقف السيارات .. السوق المزدحم .. صراخ الباعة الجائلين .. النوافذ المفتوحة لتهوية البيوت ..تلاميذ المدارس يجرون وراء بعضهم البعض .. عربات الكارو المعبأة بالخضار .. ومواكب الأعراس تدفع نفسها مخترقة كل ممنوع .. وشجار بين اثنين تحلق حولهما مجموعة من الناس يتفرجون وكأن أمام حلقة مصارعة غبية .. لا أحد يحاول الفصل بين المتنازعين ..
    الحياة بأبهى صورها تجري أمامه .. تعيده إلى لحظة الصراخ الأول عند ولادته الأولى من رحم أمه الأولى التي لم يجد بعدها أما أخرى تحنو عليه وتحميه ..
    يشعر بنغسه بعيدا عن الغرفة .. لكن .. آه هذه لعب الأولاد .. طائرة .. سفينة .. دبابة .. آه ما أجمل مدفعها ...
    يمد يده إلى الدبابة ، كانت آخر لعبة اشتراها لولده الصغير.. يضغط على زر التشغيل..تتحرك.. يدور برجها وسط قصف مدفعها ...
    ويبتسم صابر
    أحس بالحياة تغمره وان روحا جديدة تسري في عروقه المتيبسة تحركها بسلاسة ويسر..
    يا لها من حياة تدور كهذا البرج نحن فيها كقذائف هذا المدفع يطلقها مجو الهدف الوحيد ...
    لن يظل مهاحرا
    وسيعود
    نعم سيعود
    عودته ليس قرارا يقرره ..
    عودته حالة صواب يعيشها .. وعودة إلى الجذور
    ***
    ملاحظة: نشرت في صحيفة الوحدة الاماراتية في 11/4/1981







    التعديل الأخير تم بواسطة بهائي راغب شراب ; 2020-01-15 الساعة 16:35

  2. #2
    مشرف الصورة الرمزية ذكرى صلاح الدين
    تاريخ التسجيل
    03 2010
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    2,923

    رد: المهاجر

    قصة صابر المهاجر قصة جميلة ما شاء الله.
    بورك قلمكم أ. بهائي راغب شراب.

 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •