عبد الفتاح العويسي

لاشك أن الجهود المعرفية قد لعبت في الماضي دوراً محورياً في الإعداد للتحرير الأول والثاني لبيت المقدس ومسجده الأقصى. فما كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن يحرر بيت المقدس لو لم يسبقة إعداد، بما في ذلك الإعداد والتهيئة المعرفية المنظمة والممنهجة، ضمن الخطة الإستراتيجية التي وضعها بنفسه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، واستمر عليه الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه. حيث كان بيت المقدس مصدراً للأمل والسعادة والأمان، ومقراً ملهماً للمسلمين الأوائل في مكة. فمنذ إسراء النبي محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ربط بيت المقدس بعقيدة المسلم، وأضحى مقر الأمل والأمان الدائم للمسلمين ومصدره، يمثل صورة حية في أذهانهم وتصورهم، كما أنه عبأ نفوس المسلمين ومشاعرهم وعواطفهم حوله، وعلق قلوبهم وعقولهم به، وجعلها تحن شوقاً إليه. ومنذ ذلك الحين، أضحى بيت المقدس يمثل الأمل والأمان في عقل المسلم وتطلعاته للتغيير. وهو ما حدث – كذلك – في زمن حروب الفرنجة (الصليبيين) عندما بدأ بالإعداد عماد الدين، مروراً بنور الدين وتوج بالتحرير الثاني زمن صلاح الدين.
وفي المقابل، فعلى الرغم من حب العرب والمسلمين– بشكل عام - لبيت المقدس ومسجده الأقصى، فإن حبهم لا يعدو أن يكون حباً عاطفياً تنقصه المنهجية في البحث والتمحيص، وغير مبني على منظومة معرفية متكاملة. ولاشك أننا – في القرن الحادي والعشرين - قد وصلنا إلى درجة التخمة من دغدغة العواطف والانحياز العاطفي فقط، والانتصار بالانفعال والإثارة والخطب الحماسية، أو البكاء على الأطلال. ومن المؤسف - كذلك - أنه لا توجد جامعة فلسطينية أو عربية تدرس دراسات بيت المقدس

ونتيجة لإغفال البعد المعرفي – عن قصد أو عن حسن نية كالانشغال بأبعاد أخرى لنكبة 1948، أو هزيمة 1967 - وفي ظل انحسار حضورنا الثقافي وشهودنا الحضاري، وغيابنا الأكاديمي الرصين من جهة، وانصراف الإسرائيليين والمستشرقين للتصنيع والإنتاج الأكاديمي والتسويق في بلادنا العربية والمسلمة الخالية من إنتاجنا الأكاديمي من جهة أخرى، أضحى إنتاجهم – الذي يملأ الساحة الأكاديمية اليوم – يشكل المصدر والمرجع لنا، مما أثر تأثيراً خطيراً في تفكيرنا وتعليمنا وثقافتنا. وبذلك أصبحت "حصوننا مهددة من الداخل"، وسقطنا ضحايا أسر حضارة أخرى مع خسران حضارتنا الذاتية، أو أصبحنا في حالة ما يعرف "بالإنغماس الحضاري"، ووصل الأمر إلى أن أضحى تفكيرنا محصوراً في التفكير بأوعية الآخرين الفكرية.

وفقهاً لهذا الواقع الأليم، وإيماناً بأن "حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد"، تم تأسيس المشروع المعرفي لبيت المقدس مشروعاً معرفياً حضارياً أكاديمياً فكرياً ثقافياً حول الأحلام – برؤية واضحة، وتخطيط ممنهج، وعزيمة صادقة متواصلة - إلى حقائق خلال العشرين عاماً الماضية (1994 – 2014).

وبتوفيق من الله وفضله ومنته، تم الإعلان عن الإنطلاقة الثانية للمشروع المعرفي لبيت المقدس في الأقطار العربية والإسلامية من خلال إفتتاح المخيم المعرفي الدولي الأول لسفراء بيت المقدس ورواد المشروع المعرفي لبيت المقدس باسطنبول، في 26 إبريل (نيسان) 2014، تحت شعار "المعرفة تقود التغيير والتحرير" يقودها صفوة من المبدعين المتميزين الشباب الذين تم إعدادهم معرفياً في السنوات الماضية.

وإنطلاقاً من مقولة الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضى الله عنه - فاتح بيت المقدس: "أنت على ثغرة من ثغور الإسلام، فلا يأتين من قبلك"، شاركونا الإعداد للتحرير القادم لبيت المقدس ومسجده الأقصى، من خلال المرابطة معنا على هذا الثغر المعرفي الهام، لنتكامل به مع العاملين في المسارات الأخري.