مما لا شك فيه أن المجتمعات البشرية على شتى أنواعها وفرقها وتعدداتها واختلافاتها بل وعلى مراحلها الزمنية المختلفة لم تستطع وإلى هذهِ اللحظة من الزمن أن تحل مشكلة الزواج والعلاقات الاجتماعية بين أفرادها، وذلك على الرغم من أنَّ هذهِ العلاقات تُعد من أسس بناء وإستقرار مجتمعات الكائنات الحية، وكأن الإنسان هُنا يُصنف في أدنى هذهِ الكائنات لفشلهِ في إيجاد ثوابت اجتماعية متفق عليها بين بني الجنس الواحد بحيث يلتزم أفراده بهذهِ الثوابت دون نقاش أو جدال فيسيروا عليها لتكون حينئذ من البديهيات.
فكون العائلة هي أساس المجتمع، لا بُدَّ من أن يكون حينئذ طريقة تأسيس تلك العائلة من المسلمات الاجتماعية بحيث يتم تأسيسها بكل يسر، ليهتم الناس بعدها في المسائل الجادة والحقيقية والتي تأخذ جهد وتعب ولا يمكن إحاطتها بنظام أو السيطرة عليها بقوانين مثل مسألة الرزق والحماية وغير ذلك.
فما سبب فشل الإنسان كمخلوق حي في إيجاد تلك الثوابت بحيث يتساوى أو يتفوق على نظرائه من الحيوان والنبات في هذا الشأن؟
وما هو ذلك العائق الكبير الذي يمنعه من إيجاد تلك المعادلة الصعبة التي تُرضي جميع الأطراف من البشر فيتمسكوا بها ويجعلوها من الثوابت الإجتماعية؟
هل يدرك الإنسان قيمة وحقيقة ان تكون مسألة تكوين عائلة بشرية من السهولة بمكان بحيث يتم ارتباط الزوج والزوجة بعقد الزواج بكل يُسر ليتم بعدها تأسيس العائلة وإنجاب الأطفال، حتى نكون كتلك المخلوقات التي تُحيط بنا على أقل تقدير.
لكي نجد الجواب الشافي والحل الأكيد بكل صدق وأمانة علينا أن نبحث عن تلك العوائق التي تُعيق الإنسان من تحقيق ذلك الهدف السامي، وبهذهِ الحالة علينا أن ندرس طبيعة دور كل من الذكر والأنثى البشر في العائلة!
لنبدأ بالأنثى أولاً
إن دور أنثى الإنسان في تأسيس العائلة هو الدور الأساسي والمحوري، فمن دون الأنثى لا توجد عائلة، ودورها هُنا يتمحور بشكل رئيسي حول إنشاء البيئة والأجواء المناسبة للذكر، فإن تمّ ذلك وكان الذكر راضي ومستقر في عائلتهِ كانت العائلة مستقرة وكان المجتمع سعيد وكان الإنسان جدير بالحياة، والعكس بالعكس، وهذا ما نلمسه كواقع في المجتمعات الغير بشرية.
وكون الإنسان في صراع دائم مع نفسه بسبب الحروب والقتل والدمار ناهيك عن الفساد وسفك الدماء مما يضع مسألة جدارتهِ بالحياة على المحك، فإذا كان الإنسان غير جدير بالحياة فإن مجتمعه بعيد عن السعادة، وإذا كان المجتمع غير سعيد فذلك يعني بأنَّ العائلة ليست مستقرة، وإذا كانت العائلة غير مستقرة فذلك يدل على أن الذكر غير راضي، وهذا يقودنا إلى كون الأجواء المناسبة في البيئة الأسرية غير صحيحة بمعنى أن الأنثى هُنا مقصرة في تثبيت ركائز العائلة، إذاً في الأنثى المشكلة والحل فقط.
وعندما نعود ونبحث عن أسباب التقصير لدى الأنثى، ونبحث في العلاقات الاجتماعية البشرية والسائدة بالوقت الحاضر نجد بأنَّ أغلبية المجتمعات البشرية في زماننا الحالي مؤسسة على زوج وزوجة فقط، مما يقودنا إلى الاستنتاج بعدم وجود رضى من قبل الطرفين على هذا الوضع وإن لم يُقرا بذلك لأي سبب.
المرأة في المجتمع الحالي كيان مستقل لهُ أحلامه وطموحه وتطلعاته، فهي متعلمة ومثقفة ولها إطَّلاع واسع على مجريات الأحداث المحيطة بها، ولها كذلك شخصية ورأي ومبادئ وقيم، وبمجرد إلزامها بدور تأسيس العائلة والحفاظ على استقرارها وثباتها لها وحدها دون مشاركة الزوج أي الذكر فهذا ظلم كبير لها، وهذا الظُلم يكون في حالتنا هذهِ السبب الرئيسي في عدم الاستقرار في المجتمع.
إذاً المشكلة الحقيقية في المجتمعات البشرية الحالية تكمن في الظلم الحاصل على المرأة دون غيرها، وسبب الظُلم هُنا هو إلزام المرأة بمهام رئيسية ومهمة في استقرار العائلة ثُم المجتمع دون إعطائها تلك الأهمية أو المساحة الكافية لتحقيق ذاتها، وهذا الأمر نستطيع لمسه بنسب الطلاق العالية في المجتمعات البشرية الحالية ناهيك عن نسب الجريمة أو الاغتصاب والقتل والفساد والعزوف عن الزواج من كلا الطرفين.
ولكي يتم تحقيق الاستقرار في المجتمع الإنساني علينا أن ننصف المرأة، ولكي ننصف المرأة علينا أن نخفف عنها أعباء مسؤولياتها العائلية بأكثر قدر ممكن، ولكي يتم ذلك علينا أن نضع الأسس والقوانين الملزمة لكلا الجنسين بحيث يتم إعطاء كل ذي حقٍ حقهُ من كلا الطرفين دون انتقاص أو جحود، فإذا أوجدنا العدل والإنصاف كذلك الرضا في البيئة الأساسية للمجتمع نكون قد وجدنا الحل السحري لكل مشاكلنا الاجتماعية البشرية.
إن إلقاء المسؤولية الكبرى في تحقيق السعادة الأسرية على عاتق المرأة وحدها فيه ظلم كبير للمرأة، فالمرأة لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتكفل بالشؤون العائلية لوحدها دون مساعدة، فإرضاء الزوج وإيجاد الأجواء المناسبة في البيت ورعاية الأطفال فضلاً عن حفاضها على كيانها ووجودها وشخصيتها واستقلالها لهو أمر مستحيل لا تستطيع أنثى واحدة أن تقوم به مهما كانت او تكون، ناهيك عن كون هذا الأمر مخالف لطبيعة المرأة وتكوينها الجسدي والعقلي وكذلك النفسي.
زوجة واحدة لزوج واحد ولعائلة كاملة يعد من المستحيلات، ولقد أثبت الواقع المرير الذي تعيشه الإنسانية الآن على فشل الفلسفات الارتجالية والبعيدة عن الدين والمُعتقد والفطرة البشرية، تلك الفلسفات التي تُلزم المرأة لوحدها أن تكون المسؤولة الأولى والأخيرة عن مصير العائلة ومن ثُم عن مستقبل الإنسانية ككل وهي كذلك مسؤولة عن إثبات وجودها وتحقيق سعادتها في المجتمع، وهذا الأمر يقودنا إلى البحث عن قوانين ونُظُم تُساعد ذلك المخلوق المسكين المسمى بالأنثى على تحمُّل هذا العبء الكبير في محيطه بين بني جنسه.
التاريخ يقول لنا بأنَّ المرأة كانت قبل مجيء الإسلام وعلى الدوام مُستغلة من قبل الرجال عن الطريق قوانين الزواج التي تسمح للرجال بالتعدد اللا محدود فيما يخص الزوجات، وهذا الأمر لا شكًّ فيه ظلم كبير للنساء بجعلهِنَّ مجرد عدد عند الرجال، ثُم جاء الإسلام وحدد الزواج بأربع فقط مما يُعطي للزوجة المساحة الكافية لتكتشف ذاتها وتحقق وجودها وألَّا تكون مسخَّرة للزوج تطيعه وتخدمه وتربي أولاده ثم تهتم بالمسكن لوحدها دون مساعدة من أحد، وهو الأمر الذي يستحيل عليها تحقيقه، أما بمشاركة أربع زوجات لزوج واحد كحد أقصى فيه العدل والإنصاف لكل الزوجات وهنَّ يتقاسمنَّ مهام الواجبات العائلية ليكون في ذلك مساحة كافية لكل منهُنَّ في تحقيق ذاتهن.
هذه الفترة من تاريخ الإسلام حيث تمَّ تحديد التعدد بأربعة فقط كان المجتمع حينها على أكمل وجه، وكان الرجال حقاً رجال سواء في البيت أم خارجه وفي مجتمعه، كذلك النساء كانوا أعلام ومصدر احترام وتقدير من قبل الجميع لدورهِم الفعَّال والحقيقي في المجتمع.
ثُم حدث بعد ذلك بسنين طوال أن جاءت فلسفات واجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان لتُعيد المرأة إلى الزاوية المُظلمة بل إلى ما هو أسوء وضع عاشته النساء على الإطلاق، وهو أن يتم تحديد الزواج بزوجة واحدة فقط على ان تتحمل بذلك جميع الأعباء التي كانت لأربعه من الزوجات، فكانت النتيجة الفشل الذريع وعلى كل المستويات، فالأزواج لم يعودوا راضين لدرجة أنَّنا نجدهُم الآن إمَّا هاربين من مسؤولية الزواج أو باحثين عن رجولتهم خارج إطار الزوجية، وبالنسبة للنساء فإننا نجدهُن غير راضين وعلى الدوام متحسرين وهُن بذلك في صراع دائم مع الزوج الذي لا يُرضيهِ شيء ومع المجتمع الذي يلوم المرأة على كل شيء فيُظهر كلاهُما بالنتيجة عدم الرضى من دور النساء.
كذلك الأولاد عندما ينشؤون بأجواء مليئة بالتناقض في عدم معرفتهِم بحقيقة المشكلة لتقودهُم أفكارهُم في أغلب الأحيان إلى الاعتقاد بأنَّهُم هُم سبب الخلاف وبأنَّهُم كأطفال عالة على والديهِم، فتتأصل بهِم الشعور بالنقص الذي يقودهُم بطبيعة الحال إلى الجهر بالمعصية، وهو الأمر الشائع بين الشباب في أغلب المجتمعات الآن، فالشباب أول من يتمرد وآخر من يُطيع.
مما تقدم يتضح لنا بأن أساس المشكلة هو في عدم التوازن الأسري بين الزوج والزوجة وأصل الخلاف في توزيع المهام في الأسرة الواحدة.
الحل الجذري والفعال والمُجرب بل والمثبت فعلياً وتاريخياً ودينياً وشرعياً هو أن تكون العائلة المثالية عبارة عن زوج وأربع زوجات، حينها فقط سوف يشعر كل إنسان في هذهِ العائلة بقيمتهِ الحقيقية في الوجود وبوضعه الطبيعي في المحيط، فالزوج لا يأخذ مصداقيتهُ حينها من زوجه واحدة أو اثنتين إنما يأخذهُ من أربع زوجات وهو الذي يجعلهُ رجل حقيقي بمعنى الكلمة. وبعيداُ عن الاستثناء الذي جاء بهِ الإسلام بخصوص الزوج ليعذر من لديه نقص في الشخصية واستسلام بعدم قدرتهِ على أن يعدل أو أن يُقسط وهو الأمر الذي يُحبط الرجل لمجرد القبول بهِ ويجعلهُ بذلك رجل انهزامي يستسلم قبل أي مواجهة، وبخصوص الزوجة فإنها سوف تكون ملكة بيتها بمعنى الكلمة فلا يوجد إلزام أو أجبار بل توزيع المهام بين أربع من النساء ليتم من خلالهُم تثبيت ركائز العائلة ومن بعدهِ المجتمع ومن ثُم الإنسانية جميعا، فلا تُلام المرأة بعد ذلك على تقصيرها بأي شيء، فالمسؤولية موزعة بالتساوي بين أفراد العائلة وكل فرد فيه لديه مساحة واسعة من الحرية والقدرة على إثبات الوجود، وهذا الأمر المثالي هو ما يناسب طبيعة الرجل كزوج وطبيعة المرأة كزوجة من دون أن يكون هُناك أي ظلم لأي طرف أو انتقاص لحقوقهِ وشرعية وجوده، وهو الأمر الذي سوف يكون على الدوام في جنان الرحمن، فلماذا لا نبدأ بهِ من الآن؟؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد "محمد سليم" الكاظمي