سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: شوقٌ إلى ضمَّة

  1. #1
    كاتبة الصورة الرمزية د. زهرة خدرج
    تاريخ التسجيل
    08 2016
    الدولة
    فلسطين
    المشاركات
    1,192
    مشاركات المدونة
    8

    شوقٌ إلى ضمَّة

    «شوقٌ إلى ضَمَّة»
    الحزن والكتابة هي السمات الأبرز لشخصيتي التي لم أكف عن ممارسة طقوسها منذ بدأت أعي في هذه الدنيا، وكان لوالدي الدور الأكبر في هاتين السمتين، ليس لأنه علمني إياهما أو كان قدوتي فيهما، أبداً، إنما غيابه عني كان هو السبب. فإذا ما أحكم الحزن قبضته على روحي، وشعرت بفراغ عميق لا يستطيع أن يملأه أي شخص عدا أبي البعيد عني، تجدني أعتزل الدنيا وما فيها، وألوذ بأوراقي، فأمطرها حروفي وأغرقها بكلماتي، وأبثها مشاعري، وأسر لها بكل ما يؤرقني. كان الشوق إلى عناق دافئ أغوص فيه في صدر والدي، يشعرني دائماً بالبرد والجوع والظمأ، فكنت ألجأ إلى الكتابة عساها تشبع روحي وتوي ظمأها وتبثها بعض الدفء المتسلل عبر المسافات والجدران من قلب والد غائب أحتاجه ولا أعرفه.
    لا أتذكر يوماً كان فيه والدي بيننا، فقد كنت صغير لم أتجاوز الثالثة من عمري عندما بدأت افتقد أبي وأسأل عنه، لم أنتبه متى وكيف وأين ولماذا غاب عني، سمعت كلاماً لم أفهمه يدور همساً عن والدي يتداوله الكبار، كنت أسألهم وكنت في كل مرة أسمع الإجابة نفسها على ذات السؤال: والدك أسير، محكوم عليه بمؤبدات سبعة وعشرة أعوام. وحين دخلت المدرسة أدركت قيمة السنوات العشر، فهي تنتهي حين أصبح في الصف السابع، ولكن، ما حكاية هذه المؤبدات السبعة، ماذا تعني؟ أهي أجزاء من ساعة أم أجزاء من أيام أم أجزاء من أسابيع؟ وحين أعيتني الإجابة عدت أسأل من حولي: ماذا تعني مؤبدات سبعة؟ كانوا يجيبونني بأنها فترة طويلة جداً، ولكني لم أفهم، هل يقصدون أنه سيعود عندما أصبح أنا في الصف التاسع مثلاً؟ أم عندما أنهي الثانوية العامة؟، وعندما كنت أحاصر أمي وأطالبها بأن تحدد لي متى سيخرج أبي من الأسر ومتى سأراه، كنت أشاهدها تبكي دون أن تجيبني، فتتركني في حيرة تغرقني بالكآبة.
    وعندما كان يأتي العيد، تطفو المشاعر السلبية على سطح نفسي، وتنحسر عن حرمان أعجف لا يعوضه إغداق من حولي بالهدايا والعطايا والملابس، فلا أخال حب الوالد يعوضه أي شيء سواه، وكنت أُكثر السؤال عن والدي عندما أشاهد أبناء الأقارب والجيران يخرجون مع آبائهم، بينما أبقى أنا مقيم في البيت أو متسكع في الشارع أرقب الفرح يضحك في عيون الأطفال الآخرين. فأعود حزيناً لأمي، متمنياً لو أن أبي يمسك بيدي ونخرج معاً لزيارة الأقارب، ثم يأخذني للأرجوحة، يدفعني للأمام حتى تعلو وترتفع فأشعر وكأنني طيار يحلق بطائرته في أعالي السماء، يغيب بين الغيوم في عالم مليء بالخيال والجمال والحكايات، تضمني أمي، وأنا أشاهد دمعة تجاهد نفسها في إخفائها عني.
    وفي اليوم الذي أنهيت الثانوية العامة بتفوق، احتل الحزن مكان الفرح في بيتنا، فهذه محطتي الأولى التي أجتازها بتفوق وأحتاج لوالدي أن يفرح لفرحي ويضمني إلى صدره. ومن دون مقدمات أو تنميق بدأت والدتي بالبوح وأخذت تسرد على مسامعي تفاصيل لم أعرف عنها شيئاً من قبل، علمت منها أن والدي كان مهندس عمليات جهادية ضد المحتل، محتل اغتصب الأرض وهدم البيوت، واقتلع الشجر، وقتل وشرد وهجَّر البشر، وأقام حفرياته تحت أولى القبلتين، فأنشأ الأنفاق التي جعل منها كنس يتعبد فيها، وادعي أن هذه الأرض ملكه وملك أجاده.
    أخذ والدي يحضر العبوات الناسفة، ويدرِّب المجاهدين الذين ينفذون العمليات الجهادية التي تزلزل كيان الاحتلال، وعلمت أيضاً أن والدي الآن ومنذ اعتقاله قبل خمسة عشر سنة، ممنوع من الزيارة، ومعزول في زنزانة انفرادية وحده لا يرى ضوء الشمس ولا يتكلم مع أي بشر. أما أمي فهي لا تعلم عنه شيئاً، سوى ما يصلها من معلومات في فترات متباعدة من المحامي، ولم تره منذ اليوم الذي اعتقل فيه. وحين سألتها: وهل تعتقدين أن والدي سيخرج من السجن؟، أجابت بصوت متهدج: رغم أن الواقع يؤكد أن والدك لن يخرج من السجن حياً، إلا أن أملي كبير بالله، أن لا يطول أسره، فالمقامون لا ينامون عن إيجاد الوسائل وتوفير الإمكانيات التي يطوعونها ليخرجوا الأسرى بها من السجون، ليعانقوا ضوء الشمس، ويستعيدوا حريتهم المسلوبة. انسابت عبرات أمي على وجنتيها طوال حديثها عن والدي، كانت فخورة به، ولكن شفقتها وحزنها عليه غلبها، وأسبغ على نظراتها ذبولاً أعرفه تمام المعرفة.
    نمت تلك الليلة باكراً، فاستيقظت على صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة، جلست في سريري، فإذا بأبي يقف أمامي وقد غزا البياض شعره، أما وجهه فقد بدا شاحباً، لم أصدق نفسي أنني أراه حقيقة، سارع بالانحناء إلى جانب سريري، ضمَّني إليه بقوة، قبَّلني، أرخيت رأسي على كتفه، لم يكلمني، شعرت بالدفء والراحة والاسترخاء، غفوت وأنا بين يديه طرِباً لسماع نبضه... استيقظت على صوت المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله...
    نهضت... أخذت أدور البيت باحثاً عن ضيفي الحبيب... لم أجده... أكان طيفاً مر في خيالي؟ أم أنه حلم تراءى لي لشدة شوقي له... توضأت وخرجت للمسجد وأنا أحس به يسير معي جنباً إلى جنب.
    #دكتورة_زهرة_خدرج









  2. #2

    رد: شوقٌ إلى ضمَّة

    أستاذتي الكريمة

    لامست مشاعري كلماتك.

    وفي اليوم الذي أنهيت الثانوية العامة بتفوق، احتل الحزن مكان الفرح في بيتنا، فهذه محطتي الأولى التي أجتازها بتفوق وأحتاج لوالدي أن يفرح لفرحي ويضمني إلى صدره. ومن دون مقدمات أو تنميق بدأت والدتي بالبوح وأخذت تسرد على مسامعي تفاصيل لم أعرف عنها شيئاً من قبل، علمت منها أن والدي كان مهندس عمليات جهادية ضد المحتل، محتل اغتصب الأرض وهدم البيوت، واقتلع الشجر، وقتل وشرد وهجَّر البشر، وأقام حفرياته تحت أولى القبلتين، فأنشأ الأنفاق التي جعل منها كنس يتعبد فيها، وادعي أن هذه الأرض ملكه وملك أجاده.
    أخذ والدي يحضر العبوات الناسفة، ويدرِّب المجاهدين الذين ينفذون العمليات الجهادية التي تزلزل كيان الاحتلال، وعلمت أيضاً أن والدي الآن ومنذ اعتقاله قبل خمسة عشر سنة، ممنوع من الزيارة،
    شهادتي بامتياز حزتها الآنا .... ففيم أترِعَت اللحْظات أحزانا

    إني تذكرت أغلى الناس فانهمرت .... دموع عينيّ من ذكراه تهتانا

    تقول والدتي والله يكلؤها.... أبوك يا زهرتي قد كان إنسانا

    أحب خالقه والناس كلهم .... والقدس والمسجد الأقصى وبيسانا

    هالته قطعانُ أوغادٍ وفتكهم ... بشعبه فتلظى القلب نيرانا

    مضى يهندس أنفاقا ليسلكها .... ليوثُ غابٍ سعوا للرد شجعانا

    مدججين بإبداعات قائدهم ... من الذخائر أشكالا والوانا

    يكذبون الذي الإعلام يزرعه .... يحطمون خرافات وبهتانا

    الجبن معدن هذا الخصم نعرفه .... جيوش أمتنا تحميه مذ كانا

    لا بل تحاصرنا تبّت جحافلهم ..... وقد كسوا أمتي خزيا وخذلانا

    ما الفرق بين أخٍ شزْرًا إليك رنا .... والخصمِ يرمقهُ المخزيُّ ولهانا

    مرت عليه سنون في زنازنهم ... وما كحَلت طويلا منه اجفانا

    لله درك تبقى رغم أنفهم..... مبجلا في قيود السجن سلطانا

    بنظرة منك إيحاءٌ لهم بغدٍ .... يوفي به الله " كن يا نصر " قد كانا

    هيهات يضعف من مولاه يصحبه ......أدعوه يا والدي يرعاك مولانا

    تم النشر هما :

    http://arood.com/vb/showthread.php?p=86034#post86034

  3. #3
    كاتبة الصورة الرمزية د. زهرة خدرج
    تاريخ التسجيل
    08 2016
    الدولة
    فلسطين
    المشاركات
    1,192
    مشاركات المدونة
    8

    رد: شوقٌ إلى ضمَّة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خشان خشان مشاهدة المشاركة
    أستاذتي الكريمة

    لامست مشاعري كلماتك.

    شهادتي بامتياز حزتها الآنا .... ففيم أترِعَت اللحْظات أحزانا
    إني تذكرت أغلى الناس فانهمرت .... دموع عينيّ من ذكراه تهتانا
    تقول والدتي والله يكلؤها.... أبوك يا زهرتي قد كان إنسانا
    أحب خالقه والناس كلهم .... والقدس والمسجد الأقصى وبيسانا
    هالته قطعانُ أوغادٍ وفتكهم ... بشعبه فتلظى القلب نيرانا
    مضى يهندس أنفاقا ليسلكها .... ليوثُ غابٍ سعوا للرد شجعانا
    مدججين بإبداعات قائدهم ... من الذخائر أشكالا والوانا
    يكذبون الذي الإعلام يزرعه .... يحطمون خرافات وبهتانا
    الجبن معدن هذا الخصم نعرفه .... جيوش أمتنا تحميه مذ كانا
    لا بل تحاصرنا تبّت جحافلهم ..... وقد كسوا أمتي خزيا وخذلانا
    ما الفرق بين أخٍ شزْرًا إليك رنا .... والخصمِ يرمقهُ المخزيُّ ولهانا
    مرت عليه سنون في زنازنهم ... وما كحَلت طويلا منه اجفانا
    لله درك تبقى رغم أنفهم..... مبجلا في قيود السجن سلطانا






















    وكلمات قصيدك أخي رائعة... تحكي القصة وتبث الأمل
    قصتنا التي تتكرر بذات التفاصيل منذ دنست أقدام المحتلين ديارنا، فصادروا الأمل والبسمة وجميع المعاني الجميلة داخل نفوسنا، وسرقوا ضوء نهارنا وتركوا ظلامهم يخيم على أيامنا
    نحتاج دائماً إلى من يشجعنا، ويشحننا بالطاقة، ويبث الأمل في نفوسنا
    شكراً أخي








  4. #4

    رد: شوقٌ إلى ضمَّة

    احب كتابتك جلها اه تذكرينني فيما سياتي ياترى في ذات يوم مرت من امام المحل ام عبد الله السيد فصافحتها بحراراة وقلت لها سيخرج زوجك بإذن الله وقالت ياترى سيرخ من السجن لكني والله على ثقة سيخرج بعز عزيز مهما طالت السنون فامانا بالله ومن ثم الكتائب كبير .

 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •