معالجة داء آلزهايمر بإزالة البروتينات السامة في الدماغ




تجربة دوائية جديدة لداء آلزهايمر، تقضي على بروتينات دماغية سامة وتبطئ من سرعة فقدان الذاكرة.

انتهت للتو تجربة دوائية جديدة لداء آلزهايمر، وجد فيها الباحثون نتائج واعدة، وهي الأفضل حتى الآن في صراعنا مع هذا المرض.
ترجمة ما تحت الصورة: اللون الأحمر يمثل ترسبات بروتين بيتا النشواني حقوق الصورة: Ayres, Michael/Sevigny et al/Nature

يعمل الدواء على ترسبات البروتين النشواني amyloid deposits، وهي بروتينات سامة مرتبطة ببداية مرض آلزهايمر، وبعد مرور اثني عشر شهراً فقط على المرضى الذين أُعطوا الدواء بأعلى الجرعات، لم يعد هناك أي أثر لهذه الرواسب عندهم، ولم يكن ذلك وحسب، إذ إن المرضى في المراحل العشرين الأولى من المرض عندما أخذوا جرعات دوائية عالية خلال أكثر من ستة أشهر، وجدوا إشاراتٍ تدل على بطءٍ في التدهور المعرفي cognitive decline وفقدان الذاكرة memory loss.

تحدث أحد الباحثين (ستيفن سَلواي Stephen Salloway) وهو عالم أعصاب من مشفى باتلر Butler Hospital في العاصمة بروفيدانس التابعة لولاية رود آيلاند الأميركية، لمجلة Nature: "إن هذه النتائج هي أفضل ما سمعناه خلال خمسٍ وعشرين سنة قضيتها في أبحاث داء آلزهايمر، وهذا يعطي الأمل للمرضى والعائلات المتأثرة بهذا المرض".

أضاف باحث آخر من فريق الأبحاث لصحيفة The Independent، وهو العالم روجر نيتش Roger Nitsch من جامعة زوريخ Zurich University في سويسرا: "مقارنةً بالدراسات الأخرى التي نُشرت في الماضي، فإن حجم التأثير الذي يقوم به هذا الدواء لا مثيل له".

قبل أن ندخل في التفاصيل، علينا توضيح أن هذه مجرد تجربة دوائية واحدة تمت على عددٍ قليلٍ من المشاركين، ووُصفت التجربة بأنها باعثة على التفاؤل بشكلٍ حذر cautiously optimistic، كما أنه لا شيء مؤكد حتى تخضع النتائج للتكرار ضمن تجربةٍ أطول ومجموعةٍ أكبر وأكثر تنوعاً من المشاركين، لذلك، بينما نشعر بالحماس تجاه الإمكانية المذهلة لهذا الدواء، يجب علينا أن ننتظر التجارب المتابَعة، وأخذ ذلك بعين الاعتبار.

إليكم ما حدث.
تطوع في الفريق 165 مشاركاً، قد شُخصوا بالمراحل الأولى من داء آلزهايمر لاختبار فعالية دواء، بالاعتماد على جسم مضادantibody يدعى "أدوكانوماب" aducanumab.
وُجد أن الجسم المضاد "الأدوكانوماب" يظهر بشكلٍ طبيعيٍّ عند الأشخاص الذين يشيخون بدون أن يطرأ عليهم أي تدهور معرفي ذي أهمية، لذلك أراد الباحثون معرفة ماذا يمكن أن يحصل لو قاموا بحقن جرعات عالية من الأدوكانوماب عند الأشخاص المصابين بالمراحل الأولى من المرض.

إن الآلية التي يعمل بها الجسم المضاد غير معروفة، لكن الباحثين أعلنوا مؤخراً في مؤتمر، أنه على ما يبدو يقوم الجسم المضاد بمهاجمة الترسبات النشوانية في الدماغ، وليس في المجرى الدموي.

تشرح الدكتورة كارين وينتراوب Karen Weintraub لمجلة Scientific American: "تشير الفرضية إلى أن الأجسام المضادة التي تهاجم البروتين النشواني في المجرى الدموي تنحرف عن مسارها ولا تصل أبداً إلى الدماغ، ومن خلال التركيز على البروتين النشواني في الدماغ، يظهر لنا بأن الجسم المضاد "الأدوكانوماب" قادر على العبور إلى الدماغ وصولاً إلى هدفه".

قُسّم الـ 165 مشاركاً إلى مجموعاتٍ مختلفة، مجموعة تلقّت الجسم المضاد الأدوكانوماب بجرعاتٍ مختلفة، ومجموعة واحدة من 40 مشاركاً تلقت دواءً وهمياً placebo.

من بين الـ 103 مشاركاً الذين تلقوا الدواء مرةً واحدةً في الشهر على مدار 45 أسبوعاً، جميعهم لاقوا انخفاضاً في كمية الترسبات النشوانية في أدمغتهم، ووجد العلماء أنه كلما زادت الجرعة، كان القضاء على الترسبات أكبر في الدماغ.

أما المجموعة المؤلفة من 21 مريضاً -التي تلقت الجرعة الأعلى من الدواء- فلم يعد هنالك أثر للترسبات النشوانية في أدمغتهم بعد مرور عام.
اللون الأحمر يمثل ترسبات بروتين بيتا النشواني حقوق الصورة: Ayres, Michael/Sevigny et al/Nature

سُجلت نتائج مشابهة في دراسة تمهيدية قبل التجربة التي أجريت على فئران، وكانت نتيجتها القضاء على الترسبات النشوانية عند أدمغة الفئران بعد المعالجة بالأدوكانوماب.

قام الباحث بمجال داء آلزهايمر إيريك ريمان Eric Reiman من مؤسسة بانر لداء آلزهايمر the Banner Alzheimer’s Institute في العاصمة فينيكس التابعة لولاية أريزونا الأميركية وهو غير مشارك في هذه الدراسة، بإخبار الصحفية إيريكا تشيك هايدن Erika Check Hayden من مجلة Nature: "إن هذا الدواء له تأثيرٌ عميقٌ في عكس مقدارٍ من الترسبات النشوانية أكثر من أي شيء آخر رأيناه حتى الآن".

وعلقت الصحفية إيريكا في المقال: "إن هذا الاكتشاف ملفتٌ جداً ومشجعٌ ويعد تقدماً كبيراً".

لا أحد متأكد بشكلٍ كاملٍ ما السبب الكامن وراء داء آالزهايمر، ولكن يُعتقد بأنه ناتج عن نشوء نوعين من الآفات في الدماغ، وهما الترسبات النشوانية والتشابكات الليفية العصبية neurofibrillary tangles.

تقبع الترسبات النشوانية بين العصبونات كعناقيد كثيفة من جزيئات البروتين بيتا النشواني، وهو بروتين دبق سرعان ما يتكتل مع بعضه، أما التشابك الليفي العصبي فيحدث نتيجة بروتينات معيبة من نوع بروتينات تاو defective tau proteins، التي تتكتل مع بعضها مشكلةً كتلةً كثيفةً وغير منحلةٍ داخل العصبونات.

يسبب ذلك عائقاً في نقل المغذيات الأساسية للدماغ، والذي يُعتقد بأنه السبب في التدهور المعرفي وفقدان الذاكرة المترافقين مع داء آلزهايمر.

تشير التجربة الجديدة إلى أنه إذا كان بالإمكان التخلص من الترسبات النشوانية، فلديك الفرصة في عرقلة تطور المرض.

أعلن الباحثون أنهم لاحظوا انخفاضاً في سرعة التدهور المعرفي عند 91 مريضاً عولجوا بالدواء.

شرح العالم روجر نيتش في بيانٍ صحفي: "أظهر الجسم المضاد الأدوكانوماب تأثيراتٍ إيجابيةً على العلامات السريرية، بينما أظهر المرضى الذين تلقوا العلاج الوهمي تدهوراً معرفياً واضحاً، وبقيت القدرة المعرفية مستقرةً بشكلٍ واضحٍ عند المرضى الذين استمروا بأخذ الجسم المضاد".

إن النتائج مثيرة بالتأكيد، إلا أنه حان الوقت لتكرار التجربة على مجموعةٍ أكبر من المرضى. يتألف الفريق حالياً من 2700 مشترك من عشرين دولة مختلفة، للمشاركة في تجربةٍ مدتها 18 شهراً، والتي يتوقع الحصول على نتائجها عام 2020.

قام الباحث جيمس بيكيت James Pickett، رئيس البحث في جميعة آلزهايمر the Alzheimer’s Society وهو غير مشارك في هذه التجربة، بإخبار الصحفي إيان جونستون "Ian Johnston" في صحيفة The Independent: "إن هذه النتائج هي الأكثر تفصيلاً وأملاً قد رأيناها في دواء يهدف لتعديل الأسباب الكامنة وراء داء آلزهايمر".

أضاف الباحث جيمس بيكيت: "لا يوجد دواء حالي لمعالجة آلزهايمر يتعارض مباشرةً مع مسار المرض، ولذلك، فإن الحصول على دواء يقوم فعلياً بإبطاء مسار المرض عبر التخلص من الترسبات النشوانية، سيكون خطوةً هامة".