سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...



النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    كاتبة الصورة الرمزية د. زهرة خدرج
    تاريخ التسجيل
    08 2016
    الدولة
    فلسطين
    المشاركات
    360
    مشاركات المدونة
    7

    هل رأيت محمداً؟؟

    هل رأيت محمداً؟؟

    "يا قدس يا أملي الكبير، يا قلب أمي، يا كتاباً من عبير، كل الطيور تعود في ذيل النهار، كل الطيور تعود إلى الأوكار، إلا أنا يا قدس أخطأني القطار".

    محمد، وحيدها كان طفلاً صغيراً لم يعي على الدنيا، عندما غادر والده إلى العالم الآخر إثر حادث سير، ليتركهما وحيدين في هذه الدنيا دون من يرعاهما، نذرت حياتها لأجله وتكفلت بتربيته، فاضطرت للعمل في محل تجاري لبيع الملابس النسائية لتسد رمقهما بما تحصل عليه من مبلغ صغير.
    ولد محمد ونشأ في البلدة القديمة في القدس، التي أحبها، بل عشقها، فأصبحت كالهواء الذي يتنفسه، لتعني له الحياة، فلا يستطيع الاستغناء عنه، حبها اختلط بدمه وعظمه وكل خلية من خلايا جسمه، فللحياة في البلدة القديمة في القدس معنى آخر، هو ارتباط بالدين والوطن والتاريخ، فكل درجة من درجات الحارات القديمة وكل بلاطة مرصوفة في أرضيات شوارعها تحمل حكايات تاريخ طويل، الكثير من محطاته مشرقة وضاءة وبعضها معتم وحزين.
    تحمَّل مسؤولية الأسرة مبكراً جداً، فقد كان يحضر جميع مستلزماتها، وكم ألح على والدته بأن تتركه يعمل مكانها لكسب الرزق، ولكنها كانت ترفض ذلك بحدة وإصرار، "فمدرستك هي الأولوية الآن، وعندما تكبر سيكون ذلك بانتظارك" كانت ترد عليه قائلة.
    كان جنود المحتل المدججين بالدروع والسلاح (وكأنهم في معركة) ينغصون على الفلسطينيين حياتهم في تلك البقعة المباركة بحواجزهم العسكرية التي يضعونها في طرقات البلدة القديمة بشكل عشوائي وبشكل متكرر ودون سابق إنذار، فيقومون بتفتيش كل من يمر تفتيشاً مهيناً ودقيقاً (حتى الأطفال لم يسلموا من تفتيشهم)، ويغلقون الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى فيمنعون المصلين من الدخول لأداء الصلوات،
    وحدث ذات مرة عندما كان محمد عائداً من المدرسة أن اعترضه الجنود على أحد الحواجز وطلبوا تفتيش حقيبته، رفض ذلك، فقالوا له بعربية ثقيلة يبدوا أنك تخبئ فيها شيئاً لا تريدنا أن نراه، ما هذا الشيء؟ أرنا إياه، فأجابهم بالإنجليزية ساخراً من قولهم: There are Hundreds of bombs فما كان من الجنود إلا أن أخذوا بالضحك بصوت عالٍ وهم يقولون: مخربٌ صغير.
    كان كبتهم لحريته وحرية الفلسطينيين الآخرين يشعره كثيراً بالضيق، ويثير لديه تساؤلات لا يتوقف عن إلقائها على والدته ملحاً عليها بطلب الإجابة؛ مثلاً كان يقول لها: لماذا يفعل هؤلاء الجنود ذلك؟ لماذا فتشوا حقيبتي اليوم عند عودتي من المدرسة فأنا أرتدي ملابس المدرسة ولا أحمل سوى الكتب والأقلام؟ ماذا يريدون تماماً منا؟ ومن هم هؤلاء؟ أليست القدس بلدي وبلد أبي وجميع أهلي ورثناها أباً عن جد؟ أليست الطرقات والأرصفة والأبنية القديمة والمساجد والكنائس شهودٌ على ذلك؟ ماذا يريدون منا؟ ما علاقة اليهودي الروسي الأشقر ذو العيون الزرقاء والفلاشا الأسود بالقدس؟ ما الذي جمعهم من بلادهم وأتى بهم إلى هنا ليضعوا الحواجز ويمنعوننا من التحرك بحرية في بلدنا ويمنعونا من الصلاة في أقصانا؟ لماذا يا أمي، لماذا؟
    كانت تحاول تهدئته بكل ما لديها من قوة، تضمه، وتهدئ من غضبه بحكايات طفولتها وحكايات القدس وتاريخها، وعمر بن الخطاب عند قدومه للقدس فاتحاً، وصلاح الدين الأيوبي، وتؤكد له إنه سيفهم المعادلة جيداً عندما يكبر ويعي، وتقول: عليك أن تدرس وتتعلم الآن لأنك بهذا ستعرف كيف تدافع عن القدس، وتضع حداً لهؤلاء المحتلين.
    على الرغم من صغر سنه إلا أنه لم يكن يترك الصلاة في المسجد الأقصى، إلا إذا منعه الجيش من الدخول، وكثيراً ما كان يتحايل عليهم ويسلك طرقاً أخرى حتى يستطيع الدخول وأداء الصلاة. وكم كان يشعر بالسعادة عندما يخيف الجنود المارين بالبلدة القديمة في دوريات المشاة ويجعلهم يبدون أغبياء أمام أصدقائه وأمام المارة، فأحياناً لدى مرور تلك الدوريات؛ كان يتعمد الصراخ بشدة بشكل مفاجئ وهستيري ويشير إلى أعلى وكأن شيء مخيف على وشك السقوط فوق رؤوسهم، فيلوذون بالفرار بكل ما أوتوا من قوة ويختبئون في أي مكان يستطيعون، ليتبين لهم بعد لحظات أنها كانت محض خدعة، ويأخذ هو بالضحك بصوت مرتفع على جبنهم ونذالتهم، وذات مرة تمكنت دورية من الإمساك به وأوسعوه ضرباً، ولم يتركوه إلا عدما أُغمي عليه.
    كبر محمد وكبرت أحلامه بالدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، لم يستطع الانتظار حتى ينهي تعليمه ويصبح طبيباً كما تريده والدته ليدافع عن القدس بعلمه وطبِّه، بل اختار طريق السلاح والمقاومة. نظم مجموعة من أقرب أصدقائه، كان عددهم ثلاثة، استطاعوا –بعد جهد مضني- الحصول على قنابل يدوية، ومسدسات أخفوها بشكل جيد، وبدأوا يتدربون على استعمال السلاح والقنص في أحد أحراش القدس البعيدة عن الأعين، حتى أتقنوا عملهم، واتفقوا على تفجير قاعدة عسكرية تقع قرب أحد المستوطنات التي تجثم على على صدر القدس الحبيبة، راقبوا المكان لفترة طويلة ودرسوه بشكل مستفيض، ثم وضعوا خطة للهجوم وأخرى للانسحاب، ووضعوا عدة سيناريوهات لخطط بديلة في حال تبدل الموقف لأي سبب من الأسباب لضمان نجاح العملية بإذن الله.
    كان غياب محمد لفترات طويلة يقلق أمه، ألحت عليه كثيراً بالبقاء في البيت لمراجعة دروسه، فامتحانات الثانوية العامة على الأبواب، كان يطمئنها بأنه يدرس المطلوب منه جيداً مع أصدقائه، وسينجح بإذن الله وكان يطلب منها أن تدعو له بالتوفيق والنجاح والقبول.
    في اليوم الموعود، فجر يوم السبت، صلى الفجر في المسجد الأقصى وتوجه مسرعاً للقاء أصدقائه، في المكان المحدد، وانطلقوا بعد التوكل على الله وطلب العون منه، وصلوا المكان في الوقت المقرر، استخرجوا عتادهم من مخبئه، وبدأت ساعة الصفر؛ تجهز محمد بذخيرته وانطلق زاحفاً متخطياً جميع الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعسكر بالطريقة التي خُطط لها سابقاً، جميع سكان المعسكر يغطون في نوم عميق، ولم يكونوا يعلمون أن هذه اللحظات ستكون آخر عهدهم بالحياة، الوحيدون المستيقظون هم الجنود الذين يحرسون المعسكر في برج المراقبة، وقد كان صدى ضحكاتهم يتردد في المكان دون أن يدركوا أن الموت يقف منتظراً الأمر بنقلهم إلى جهنم.
    وصل محمد المواقع الأمامية من المعسكر وزرع قنابله الموقوتة في جميع الأماكن المقررة، ووصل صديقه عبد الله إلى النقاط الخلفية وأيضاً أدى مهمته على أكمل وجه، بينما انتظر سالم في الخارج يغطيهم بنيران مسدسه إذا ما انكشف أمرهم -لا سمح الله-، وبدأ الاثنان الانسحاب من المعسكر، وبدأت الدقائق المتبقية على الانفجار الذي سيحيل المعسكر إلى أثر بعد عين بالنفاذ، كانت خيوط النهار قد بدأت تظهر بوضوح، لتبدي ما وريَ عن الأعين، لاحظ أحد الحراس شيئاً يتحرك على الأرض في ناحية المعسكر الشرقية، فأطلق عليه النار من رشاشه، فأصابت محمد في فخذه، ولم يكن قد وصل إلى نقطة الأمان بعد، ولكنه لم يستسلم، بل تابع الزحف والانسحاب وهو يدعو الله أن يكون صديقاه قد وصلا لنقطة الأمان، ولكن ساقه أصبحت ثقيلة جداً ككيس رمل عليه سحبه بقوة حتى يتمكن من التحرك للأمام، ولم تكد صفارات الإنذار تدوي في المعسكر معلنة عن حالة الطوارئ محذرة من اختراق محتمل، حتى أعقبها دوي انفجارات عنيفة ومتتالية هزت القدس ودوت في سمائها.
    واستيقظت أم محمد على منادٍ يهتف باسم محمد وسط أحلامها، هبت فزعة من نومها، بحثت عنه في البيت فلم تجده، ارتدت ملابسها وذهبت للبحث عنه، سألت الجيران، وأصحاب المحلات، والمارة، وكل من تعتقد أنه ربما يعلم أين محمد، دون أن تتلقى جواب من أحد، ويمضي الوقت، دون أن يحمل أي خبر جديد عساه يطمئن قلبها، ومنذ ذلك الوقت، لا زالت في البلدة القديمة ملاءة سوداء في داخلها امرأة تقف على قارعة الطريق تسأل كل من يغدو من أمامها: هل رأيت محمد؟ هل رأيت محمد؟.

    #دكتورة_زهرة_خدرج








  2. #2
    عضو نشيط الصورة الرمزية أم كوثر
    تاريخ التسجيل
    04 2011
    الدولة
    فلسطين إن شاء الله
    المشاركات
    4,696

    رد: هل رأيت محمداً؟؟

    أبدعتِ أختي الفاضلة كعادتك وأدام الله عطاءك وسدد خطاك ورفع قدرك محمد استشهد ولأن المحتل حقود يعتقد أنه إن هو دفن جسده الطاهر في مقابر الأرقام فقد شفى غليله منه !! وحتى يحرم أمه أن تزوره وتستأنس به وتدعو له ، إلا أن روح محمد في أعلى عليّين ، تتنعم في جنان غناء وفيها ترفل ، هو في حمى آمن عند رحمان رحيم بجوار الكريم وقد تحقق له كل ما وعد الله عز وجل لعباده المتقين..

    قال تعالى :
    ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ، بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) صدق الله العلي العظيم
    توقيع أم كوثر



  3. #3
    مشرف الصورة الرمزية ذكرى صلاح الدين
    تاريخ التسجيل
    03 2010
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,752

    رد: هل رأيت محمداً؟؟

    كثر الله من أمثال محمد
    وبارك في قوة المجاهدين وحفظهم من كيد الصهاينة المجرمين
    وبارك انتفاضة القدس

    وبارك فيك وفي حرفك المقاوم أختي الغالية الراقية د. زهرة خدرج.

 

 

تعليقات الفيسبوك







ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •