بقلم: إسراء خضر لافي
كم مرة تكرر على مسامعنا المثل القائل: "التكرار يعلم الحمار"، وأحيانًا للملاطفة تُستخدم لفظة "الشطار"، وبعيدًا عن التشبيهات فإن عملية التعلم بما فيها من فهم وتحليل وحفظ تعتمد على التكرار حتى يتم المقصود، سواء باستقاء معنى أو ترسيخه في الذهن أو محاولة الربط والاستنتاج، وإن كان هناك فارق بين الاعتياد على التكرار كآلية، وممارسة التكرار جنبًا إلى جنب لمهارات أخرى أهمها التفكير؛ فمثلًا: أنت في كل يوم ترى في طريقك لأي مكان تحبه ذات المشهد، وربما لم تفكر فيه ولم تحاول أن تجعل للمشهد إطارًا ولم تنتبه لما يقابله من مشاهد أخرى، هذا اعتياد للتكرار، أما في مرحلة أعمق وفي كل مرة تنظر لما اعتدت عليه فإنك تجد شيئًا وتدرك جديدًا، ولهذا في تكرار قراءة القرآن في كل مرة معنى جديد، فأنت تقرأ للأجر وقد لا يحضر الذهن، وتقرأ في الضيق فيَمَسّك منه معنى، وتقرأ في الفرح فتدرك شيئًا آخر، إلى فتوحات أخرى حين يتحرر القلب من أقفاله.

فهذا حافظ القرآن يعتمد على التكرار، ومستظهر الشعر والأقوال المأثورة يعتمد عليه، وصاحب الخط الجميل لم يتقنه دون تكرار، والطفل وهو يتعلم كل شيء نعتمد معه على التكرار حتى يحفظ الشيء وقد يسبق الحفظ الفهم، ويمكن للإنسان أن يحفظ دون فهم، ولكن هذا حفظ مؤقت لا يدوم، فإن فهم ما يحفظ ويردد، وأتقن مع ذلك صناعة رابط لما فهمه وحفظه فإن فترة حفظه تطول، وإن فَقَدَ ضبط النص فلن يفقد جوهر المعنى.

حتى اكتساب عادة جديدة يلزم معه التكرار؛ إلا أن بعضنا لن يحتاج ذلك فيكفيه أن يمارس العمل مرة واحدة ليصير جزءًا من حياته، وأغلب الدورات التدريبية تعتمد على تكرار المشاركين لما يراد لهم اكتسابه بطرق مختلفة في فترة قصيرة مكثفة حتى يصير جزءًا من تكوينهم.


إلا أن التكرار يكون مؤذيًا لسريعي التعلم، ولمن يسبقون أي مجموعة يحضرون فيها، لهذا نظام التعلم في مجموعات أفضل من التعلم على شكل صف كمجموعة واحدة، فالمجموعة التي تنهي فهم فكرة يمكنك الانتقال معها إلى فكرة جديدة، بينما في نظام الصف الواحد لا يمكنك فعل ذلك إلا إن ابتدعت وسيلة تُشغل المتقدمين في الوقت الذي تكرر فيه لمن لا زال بحاجة لذلك.


بينما في تجارب الحياة العامة التي يُكثر فيها بعض الشباب من تكرار أخطائهم أو أخطاء مَن سبقوهم رغم النصيحة وحضور الحكمة، إلى جانب تذمر الشيوخ أو أصحاب الخبرات من الحاجة لمعالجة ذات الإشكاليات المتكررة من جيل لآخر في دوائر مختلفة؛ فإنها علامة على حياة المجتمع ولا تدعو لليأس، ولكن المشورة الصادقة تصبح عزيزة مع الزمن ولا يُقدرها أغلب من يحتاجون إليها لأنهم لا يدركون حاجتهم لها، ولا يقرؤون خطى مَن سبقهم، فهل يُطيق أصحاب الخبرة والتجربة الصبر على التكرار؟


ومن وجوه التكرار الجميلة في الحياة أن الفشل بتكرار المحاولة يصبح قصة نجاح، والمثابرة تحتاج لتكرار على فترة طويلة حتى تبلغ الهدف منها، وتأمل معي كيف أن المرأة كلما أنجبت تحسنت صفات مواليدها، وكأن التكرار هنا يحسِّن أداء الرحم، وهي ملاحظة لا تستند إلى دراسة علمية، والشاهد أن تكرار الفعل إن كان صوابًا في ذاته يعود بالخير على صاحبه، سواء مهارة أو علم؛ ففي التكرار إجادة وجمال.

23 صفر 1439هـ

12 تشرين ثاني 2017مـ