سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...





النتائج 1 إلى 26 من 26
  1. #1

    العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -1-
    نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1614
    بتاريخ : الجمعة 29 جمادى الأولى 1439 / 16 فبراير 2018

    مقدمة



    بسم الله الرحمن الرحيم.
    الحمد لله الذي خلق فهدى، وجعل العقل سببا لمن اهتدى، فكان انتفاؤه خليقا بمن ضل وسلك سبل الردى؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد هادي العقل في ظلمات الحس والفكر بما يجعله يفوز بخيري الاعتبار، وعلم المنتهى والمبتدا؛ وعلى آله وصحبه، ومن لطريقه انتهج وبسنته اقتدى.


    في البداية لا بد أن نقرر أن العقل عام، لا يصلح فيه الكلام عن عقل عربي أو غيره، وإلا نُسبنا إلى "العنصرية" التي لا تمت إلى المنهج العلمي بصلة. غير أن ما أصاب العقل العربي الجمعي (الثقافة) من تشوهات، صارت مانعة للشعوب العربية عن إدراك ما هو من قبيل البداهة اليوم، جعلنا نتناول هذا الموضوع، ونخوض فيه غمار استكناه مبادئه ومآلاته، على ضوء ما هو مشترك عام؛ لعلنا نخطو خطوة في اتجاه الإصلاح المنشود، من غير الوقوع فيما يُحرف التوجه أو يناقض الغايات.


    إن الأحوال التي تعيشها العرب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخهم، تدل على أن الخلل لديهم كبير، وأن الأزمة عميقة؛ لم يفد معهما ما قدمه المفكرون إلى الآن من دراسات، زُعم أنها تهدي إلى ما ينفع الناس، ويغير من حالهم. ولكننا عند رجوعنا إلى الواقع نستخبره، فإننا لا نكاد نجد لتلك الدراسات أثرا يُذكر؛ إلا ما كان حبيس قاعات الندوات والمحاضرات، وبين أعداد قليلة من المهتمين، تعجز أن تكون واسطة فعلا، بين المفكرين وعموم الناس. هذا على افتراض أن المفكرين، يقدمون في هذا المضمار، ما يُمكن أن يُعتدّ به؛ والحال أن الإنتاج الفكري العربي على ندرته، لا يعدو أن يكون ترديدا ورجع صدى، لفكر غربي أوروبي على التخصيص؛ بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة، عندما تُراد مخالفة الفكر الغربي في بعض التفاصيل، مخالفةَ من لا يستطيع الانفكاك عن منطلقاته ولا عن آلياته.


    إن الواقع الذي نعيشه اليوم، يدل بوضوح على أن العرب لا عقل لهم، بالمعنى العام؛ لأن العقل النظري وحده، الذي يحوزه بعض الأفراد، لا يُمكن أن يُعتبر عقلا جمعيا لأمة ما، إلا إن صدّقه العقل العملي الجمعي لديها؛ وإلا كنا بإزاء ازدواجية العقل، كما هو الشأن حقيقة. وإن حالة الفُصام العقلية هذه، لا يمكن أن تُتناول بعيدا عن معرفة أصول العقل لدينا، من حيث هي خصوصية تميّزنا عن غيرنا؛ ولا بعيدا عن المؤثرات الخارجية التي دخلت علينا من أمم أخرى لأسباب معلومة تاريخيا وجغرافيا... لهذا، فإنه لن يكون من السهل الغوص في عمق هذه المسألة، ولا الخروج منها بما ينفع في تصحيح الأوضاع القائمة، والتي تبدو وكأنها قدر أبدي، لا تمكن زحزحته البتة...


    لو عدنا إلى الواقع، فإننا سنجد المرجع في حياة الناس القوة (بمعناها المادي) لا العقل؛ وهذه القوة قد تكون متمثلة في نظام الحكم، كما قد تتجلى في أعراف المجتمعات وتقاليدها... بل عند التحقيق، سنجد قوة المجتمع في توجيه الأفراد، أشد من قوة الأنظمة الحاكمة، رغم ما هو سائد في هذا المضمار من اعتقاد. ولولا تلك القوة، ما استطاعت قوة الحكم ذاتها، أن تهيمن على مجتمعاتنا، إلى الحد الذي لا يقبله عقل ولا دين.


    إن مجتمعاتنا العربية في غالبيتها مسلمة؛ وإن الدين في أصله جاء ليرتقي بالإنسان من وهدة الحيوانية، إلى ذرى الربانية، التي هي الغاية العليا للعقل؛ لكننا نجد الأمر بعكس هذا في الأزمنة المتأخرة عندنا... ولقد تعجل كثير من الملاحظين في نسبة ما نعيشه من تخلف وانحطاط في زماننا إلى الدين -وهم محقون من دون شك، في الشق الذي نجد له رعاية من الفقهاء الذين باعوا آخرتهم بعرض من الدنيا- لكن الحقيقة هي أن الدين لا يؤتي أكله إلا إن استند إلى عقل سليم. فالعقل مقدم على الدين في الاعتبار؛ وإلا ما كان ليجعله الشارع شرطا في التكليف.


    فإن انضاف الدين إلى عقل مختل، فإن النتائج تكون كارثية. وما هذا الذي نراه من عنف غير مفهوم، أو من تخلف مقيم، إلا من توابع هذه الخلطة المدمرة. والذي نقصده نحن من سلامة العقل المشروطة في التدين، ليس هو ما يظنه بعض من لا علم لهم مِن تحكيم العقل على الدين؛ وإنما هو سلامة الانطلاق في التدين، مع الإبقاء على إمكان التوسع في المراحل التي تأتي بعد ذلك، بحسب الشروط. وهذا أمر غاب عن الفقهاء أنفسهم، في الوقت الذي كان ينبغي أن يحرصوا عليه، وأن يكونوا هادين إليه.


    وما العقل الفقهي في الحقيقة، إلا صنف واحد من أصناف العقول التي ينبغي علينا النظر فيها، إن كنا نريد إدراك الخارطة العقلية للمجتمعات العربية بصفة شاملة، إدراكا ينفع في الخروج بمستخلصات عملية، تساعد على الانعتاق مما نحن فيه. وهذا لا بد أن يأتي من الداخل لا من الخارج... ونعني بالخارج، الأمم الأخرى المخالفة، كما نعني من يتأثر بهم منا؛ فهذا لا ينفع في شيء!.. ولعلنا سنعرف أسباب ذلك كلما أوغلنا في هذا الكتاب... وأما الداخل، فنقصد به شرط الإحاطة بالخصوصيات، بعد تثبيت العموميات. وهذا لا بد فيه من تجرد عزيز الوجود، لا ينبغي أن ينفي الانتماء الضروري لتحقق الاطلاع على الأمور عن ذوق وتجربة، لا تصورا فحسب.


    ونحن في هذه الورقات، سنعمل إن شاء الله، على إضاءة بعض جوانب هذا الموضوع الخطير، لنتعرف أبعاده شيئا فشيئا؛ ونتبيّن مواضع الخلل منه في كل مرة، عسى أن نصل إلى ما يعيد أمتنا إلى واجهة التاريخ مجددا؛ خصوصا ونحن نعلم أن لها من الأهلية، ما لا يشاركها فيه غيرها من الأمم البتة...




    جرادة في 21 من ذي الحجة لسنة 1438الموافق لـ: 12-9-2017.






    .......








  2. #2

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -2-
    نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1620
    بتاريخ : الجمعة 06 جمادى الثانية 1439 / 23 فبراير 2018

    العقل الجاهلي


    بما أن عرب الجاهلية، لم يكونوا أهل كتاب، فإن أقصى ما يكون عليه العقل لديهم، هو ما يوافق حال الفطرة على الإجمال. ولو تأملنا هذا، لوجدناه حال الحكماء منهم، الذين ضمّنوا حكمهم أشعارهم أو خطبهم ومواعظهم. وإن انحياز العقل العربي الجاهلي إلى الشعر وما شابهه، ينبئ عن خصوصية لديه، إن هو قورن إلى العقل الغربي، اليوناني خاصة. وهذا يتطلب منا أولا معرفة نسبة الفن إلى الفلسفة...

    إن الفلسفة هي التعبير عن المعقولات، في قالب لغوي فكري؛ وهذا يعني أن اللغة لها أهمية قصوى، تجعل الفلسفة مقيدة بها، ولا تتجاوزها. أما الفن كالموسيقى، فهو لغة مطلقة في مقابل اللغة المعلومة، يعبر بها الفنان عن معان مطلقة أو شبه مطلقة، وإن بقيت على نوع تقيُّدٍ بأمهات المواجيد كالحزن والفرح والهيبة والعظمة والرقة وغير ذلك... وعلى هذا، يكون الشعر في الترتيب أعلى من الفلسفة وأدنى من الموسيقى (الفلسفة اليونانية القديمة كانت شعرا).

    والعرب عندما أتقنوا الشعر، فإنهم قد برهنوا على أنهم قد ملكوا ناصية اللغة، على الأقل بالقدر الذي حازه الفلاسفة، وإن اختلف توظيفها بين الفريقين. ولا شك أن التوظيف الفني، لا يقل عن التوظيف المنطقي الذي هو عصب الفلسفة؛ بل يزيد عليه بما يدخل في المواجيد التي هي وراء المعقولات. وهذا يعني أن للمواجيد منطقا خاصا بها، قد يغفل عنه الغافلون. وعلى هذا، فإن العرب أرقى من اليونان من هذا الوجه، وإن جُهل لدى الدارسين ما نذكره هنا، أو قلّ من يشير إليه من المنصفين.

    وإن ميل العرب إلى الإطلاق، لا شك كان داعيا (دعاء استعداد) لأن ينزل فيهم الوحي الإلهي المطلق، الذي هو القرآن الكريم. ولا شك أنّ تقبُّل العرب للقرآن، يختلف حتما، عن تقبل الفلاسفة لو نزل فيهم؛ لِما هم عليه من التقييد، الذي يمنعهم عن إدراك جل معانيه. بل إن حال الفلاسفة مع الوحي، لا يكون بعيدا عن الانقباض الناشئ من التنافر بين المتنافريْن. نقول هذا على العموم؛ وإلا فإن القرآن لا يخلو من آيات منطقية تبهر أشد الناس عقلا وأقواهم برهانا.

    أما الفوضى السياسية التي كانت تغلب على العلاقات القبلية، فإنها كانت في الغالب تدور حول الحفاظ على البقاء، في عالم تنافسي، الغلبة فيه للأقوى عُدة وعددا. ومع ذلك، فإن العرب كانوا على أعراف تكاد تكون أرقى مما هو العالم عليه اليوم من قوانين، إذا ضربنا صفحا عن الفارق في الجانب التقاني الموهم بالتقدم. هذا يشبه قليلا، ما كان عليه الهنود الحمر من مروءة، في مقابل وحشية البيض المستعمرين، في أمريكا.

    عندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» ، فإنما كان يعني حال العرب عند البعثة على التخصيص. وإن عدم الاشتغال بالكتابة والحساب، لا يعني إلا البقاء على حال الفطرة في حق من سيُقبلون على الإسلام، إقبال من كان في ظمأ إليه. وإن اشتغال الأمة فيما بعد بالكتابة والحساب، لم يُخرجها عن صفتها الأصلية في عمومها، وإن خرج من ظن أنه حصل شيئا من طريقهما، لا يوافق الوحي، كحال المستغربين من أبناء أمتنا في زماننا. والأمية لدينا لا تعني الجهل هنا، وإنما تعني البقاء على حال من الصفاء، يضيء زيت الأمة بإذن ربها، بمجرد أن يمسه نور الوحي.

    أما عبادة العرب للأصنام، فقد كانت نكوصا عن الفطرة من غير شك؛ لكنه في غالبه كان موافقة لما درج عليه الآباء، من غير تمحيص أو تعقل. وهذه العبادة تُنبئ عن قصور في معرفة الله، مع حدس بضرورة وجودها المحوري في حياتهم. ويبقى قلة منهم من وُفق للبقاء على الفطرة من غير تقييد بعقل، كقس بن ساعدة، الذي هو معدود من أهل الفترات كما هو معلوم. ولو عدنا إلى مقارنة العقل العربي (الشرقي) إلى العقل اليوناني (الغربي)، لوجدنا شبيها لقس بن ساعدة نوع شبه، وهو أفلاطون الذي كان يرفض وثنية قومه؛ على اختلاف وتفاوت بين الرجلين، من حيث دخول الفكر على الفطرة. ومن الجيد هنا أن نقرر الفرق بين العقلين الشرقي والغربي، حتى لا نقع في غلط محاولة توحيدهما فيما بعد، كما فعل المستشرقون من الغربيين، والمستغربون من الشرقيين. وسنرى لهذا الخلط انعكاسات كثيرة، حين الخوض في التفاصيل مستقبلا، إن شاء الله.

    والفوارق التي بين العقل الشرقي ونظيره الغربي، لا يمكن أن تؤخذ إلا على جهة التغليب، بسبب وحدة العقل العامة، كما هو معلوم، وكما أوضحنا في المقدمة. وعلى هذا، فمن سمات العقل الشرقي الميل إلى الإطلاق الذي يناسب الفنون والتصوف والتنجيم والغيبيات؛ أما العقل الغربي فحتى فنه فكري مقيد بقواعد صارمة. وإذا أخذنا مثلا على هذا سمفونية كلاسيكية في مقابل موسيقى هندية كلاسيكية أيضا، فإننا سنتعرف الفرق فورا، عندما نجد الأخيرة متحررة كثيرا، حتى فيما يعود إلى درجة الصوت الواحدة (النوتة)، التي تؤدَّى في الموسيقى الهندية بتموج في التردد يكاد يُخرجها عن الضبط. وقُل مثل ذلك في الجملة اللحنية وتنويعاتها، وفي الإيقاعات وغير ذلك...

    إننا عندما نتناول مصطلحات كالشعر والفلسفة والفن والفكر، فإنما نريد منها معانيها الأصلية، لا التي هي شائعة اليوم؛ لأن التعليم السقيم الآن قد أفسد كل شيء؛ حتى عاد الجاهل الساكت معه، أفضل حالا من المتعلم. وعلى كل حال، فإن القارئ يحتاج معنا في معظم ما نكتبه، إلى أن يدقق في معاني الألفاظ، والتي قد تخرج عن المألوف منها؛ ذلك لأننا نعتمد الأصل اللغوي دائما، في التأكيد على المعنى الاصطلاحي. وهذا يكون بمثابة تجديد للغة، ضمن تجديد الخطاب إن شاء الله...

















    ........

  3. #3
    عضوية مجـمـدة
    تاريخ التسجيل
    03 2018
    المشاركات
    1

    رد: العقل العربي ومآلاته

    شكرااااااااااااااااا








  4. #4

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -3-
    نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1626
    بتاريخ : الجمعة 13 جمادى الثانية 1439 / 02 مارس 2018




    إسلام العقل




    إن العقل المجرد، عاجز عن معرفة الحقيقة من نفسه، وإن بالغ في فعل التفكر، بسبب أصله العدمي. والعقل الفني أقدر على إدراك هذا الأمر من العقل الفلسفي، لعدم إلفه تعمل نفسه كالثاني، ولانفساح الإدراك لديه بأكثر من الثاني؛ لكن هذا لا يعني إيمان العقل الفني حتما، كما هو معلوم. ولما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العرب، بادر إليه من كان سليم الفطرة قوي الاستعداد، كأبي بكر وخديجة وعلي رضي الله عنهم؛ وتأخر الباقون قليلا لقصورهم وانحجاب فِطَرهم، لسبب من الأسباب؛ كاعتبار العادات ورأي القوم وغير ذلك... وأما من أصر على الكفر، فإن الفطرة لديه كانت قد انطمست، وغلبت عليه الظلمة الأصلية، فزاد ظلمة على ظلمته، باعتبار أن الطبيعة عينها ظلمة ثانية.

    والعقل لا يُسلم في الظاهر إلا لعقل أكمل منه، يستمد منه الهداية، ويتحقق منه ذلك يقينا، للمناسبة التي بين العقلين؛ وليس ذاك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم يأتي الإسلام لله تبعا لذلك، بعد إخبار النبي عن ربه وشؤونه. كل هذا، لأن الله من حيث الذات مطلق، لا يُعقل منه إلا أنه لا يُدرك. ومن هنا كانت وساطة النبوة، لا غنى لأحد عنها؛ علم هذا من علمه، وجهله من جهله. وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من جهة حقيقته)، فقد كانت له هذه الهيمنة على العقول، لأنه أصلها من حيث الوجود؛ فهو العقل الأول الذي له السبق في المرتبة، والذي تنبثق عنه كل العقول التي هي دونه. لكن هذا الأمر لا يعلمه إلا من كشف الله له ذلك؛ وأما من غير هذا الطريق، فلا يُدرك أبدا.

    إن الفرق بين العقل المسلم والعقل الكافر، هو أن الأول علم أن مدده يأتيه من غيره (ربه)؛ والثاني انحجب بشهود نوره المجعول، فظن أنه من نفسه، فانقطع معها. وهذا يعني أن الحقيقة واحدة لدى العقلين، لكن هذا علمها، والآخر جهلها. والعلم والجهل هنا عائدان إلى القابلية التي هي فيهما غير مجعولة. وأقصى ما يمكن أن يقال عن القابليات، هي أنها كصور الشريط السينمائي، التي عندما تمر أمام المصدر الضوئي، تظهر مشاهد حية على شاشة العرض. نعني أن ما كان من الصور داكنا، منع ظهور النور على الشاشة؛ وما كان شفافا سمح بنفاذ النور من خلاله إليها؛ ليظهر كل تفصيل بحسب خصوصيته نتيجة لذلك. وهذا الذي نذكره، هو سبب انقسام الناس إلى مؤمن وكافر؛ وإلى ظهور التوجه الديني الذي يتعلق أصحابه بالله، إلى جانب التوجه الإنساني، الذي يكون الإنسان محور الوجود فيه عند أصحابه. وأما غير هذين التوجهين، فهي تفاصيل وفروع عن هذين الأصلين فحسب؛ مهما بلغت في تعددها وتشعبها.

    والدين الموحى به، ليس على التحقيق إلا طريقا لارتقاء العقل في سلم الكمالات، ليعلم في كل مرحلة ما لم يكن يعلم؛ إلى أن يصل إلى العلم بالحقيقة كما هي في نفسها. وأما العقل الكافر، فرغم شعوره بالفراغ، ورغم سعيه إلى تحصيل العلم بالحقيقة من طريق تكسُّبه الفكري، فإنه لن يتمكن من ذلك أبدا. ولعدم علمه بحقيقة ما عليه المتدينون، فإنه سيسعى إلى تفسير أحوال أهل الدين، بحسب تصوره هو فحسب. وهذا المسلك قد أنتج جل نظريات المعرفة التي ظهرت في العالم، على اختلافها وتضادها.

    ومن أغرب ما وصل إليه العقل الكافر في نظرية المعرفة، قوله بالنسبية المطلقة، التي تجعل كل عقل على حقيقة يراها هو كذلك، ويرى غيره سواها. وهذا وإن كان له مسوغ في الحقائق، إلا أنه لا يمكن أن يُقبل من حيث الفكر والمنطق؛ لأن القول بتعدد الحقائق، مع تعدد العقول، لا يمكن أن تنتج عنه معرفة مشتركة معيارية. وهذا يكون أقرب إلى السفسطة والقول بالعبثية، ويُنهي كل كلام عن العقل والمعقولات.

    والقول أيضا بأن الحقيقة لا تُدرك، هو مناقض للعقل نفسه؛ لأنه لا مُدرَك للعقل إلا الحقيقة، وإن لم يعلم هو ذلك دائما!... وأما مسارعة بعض العقول إلى تقرير أن الحقيقة لا تُدرك أبدا، فهو للتغطية على جهلها فحسب. وهذا يلحق بالانحرافات النفسية، أكثر مما يدخل ضمن طرائق التفكير والتعقل. أما القول بأن الحقيقة مطلقة والعقل لا يُدرك المطلق، كما قررنا سابقا، فهو تعجل في الحكم، قبل تبيّن التفاصيل في أحوال المحكوم عليه، وأحوال الحاكم (العقل). وعلى كل حال، فهذه المسألة تعيدنا إلى حقيقة مبايَنة الدين للفلسفة، وتؤكدها.

    وأما إرجاع الفلاسفة عدم العلم بالحقيقة، إلى نسبية العقل نفسه، فهو جهل بالعقل، وبنسبته إلى الحق. ونعني من هذا أن العقل يمكنه أن يبلغ مرتبة الإطلاق عن طريق الدين. وعندها يُعلم الإطلاق بالإطلاق، لا بغيره. وهذا الذي نقوله، يراه الفلاسفة محالا، بسبب قياسهم على أنفسهم، الذي لا يصح. فليس الفيلسوف أكمل العقول حتى يُحتكم إليه؛ وإنما هو عقل سائر في طريق التعقل، بحسب سعة عقل كل فيلسوف.

    أما النبي، فهو عقل مطلق في صورة مقيدة. ولهذا يكون إخباره للناس من خارج دائرة العقل، والتي هي دائرة الوحي. ولو كان النبي غير مطلق، لما كان نبيا؛ بل كان واحدا من عوام الناس أو فيلسوفا. ولو كان أحدَ هذين، لانقطع الناس عن الحقيقة انقطاعا كليا، يدخل بنا في العبث. والله لم يخلق العالم عبثا، كما أخبر سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].







    .......

  5. #5

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -4-


    العقول الكاملة





    نقول هنا بكمال العقل، بدل الكلام عن إطلاق العقل، لنخرج من التناقض اللفظي فحسب؛ وإلا فإن المعنى المقصود واحد. وعلى هذا تكون العقول الكاملة للأنبياء عليهم السلام ولورثتهم من الربانيين بعدهم. وأما محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه الأكمل لختميته العامة. وهذه المرتبة التي لنبيّنا، هي التي يشير إليها قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]. فهذا الميثاق، هو إبراز للأكملية إلى جانب الكمال؛ والمقصود هو أنه عندما يأتي الأكمل، فعلى الكامل أن يتأخر. وما يجري على الأنبياء، يجري على أتباعهم بالأحروية.

    وأما الكمال من حيث هو، فهو انتفاء الظلمة بالكلية، ليبقى العقل نورا خالصا. والكمال الأكمل، لا يفصله عن الإطلاق الذاتي، إلا التعين؛ لأن التعين تقيُّد. وهذا هو أول تعين تنزلت به الذات، ليُعلم منها ما كان مكنونا في غيبها من صفات وأسماء. ولهذا السبب، كان من لا يأتي من باب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يمكن أن يحصل شيئا من العلم بالله (الحقيقة)، وإن زعم ما زعم. والربط هنا بين العقلي والديني، يبرز ضرورة الدين ضمن فعل المعرفة، ويخرج بنا عن التصور الشائع الذي يجعل الدين خصوصية ثقافية تعود إلى الإنسان ذاته.

    لا شك أن الفلاسفة لو خطر لهم أن العقل يمكن أن يكون مطلقا، لسعوا إلى تحقيق ذلك ولو ببذل النفوس؛ ولكنه لا يخطر لهم. والأمر هنا ليس غياب معلومة أو حضورها، بقدر ما هو تراتب عقول، تكون المرتبة فيه حاكمة -ولا بد- على الـُمدرَك. وهذا، كان ينبغي أن يُدرج ضمن المقررات التعليمية، حتى لا يبقى العقل شيئا واحدا في التصور الجمعي، لو كان يُراد للناس الخير. ولقد ذكر الله تعالى تراتب العقول في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]. فالتكليم بالوحي عام، وهو ما يلقي الله في قلوب عباده بداهة. وهذا يشمل ما يجده المخترعون والمكتشفون في العلوم الدنيوية الصناعية والفيزيائية والطبية وغيرها؛ وما يجده المجتهدون من الفقهاء من طرق الاستنباط التي لم تكن معروفة لديهم. وهذا باب واسع، لو أردنا استقصاءه لما استطعنا. وأما التكليم من وراء حجاب، فهو لأهل السمع؛ وهم أهل الفهم عن الله، في الكلام المعتاد للناس، من غير أن يشعر بهم المتكلمون؛ وهؤلاء من خواص الناس. كما يدخل في هذا الصنف، من يأتيهم الكلام من وراء صور عقولهم، فيظنونه من عند أنفسهم، وهو في الحقيقة من الله؛ وهذا عام. وهو أيضا باب واسع، فيه من الأسرار ما لا يُحاط به أبدا. وأما التكليم عن طريق الرسل، فهو بمعنيين: معنى خاص بالأنبياء عليهم السلام، كما هو مقرر عند أهل الدين؛ ومعنى خاص بأقوام الرسل، الذين يكلمهم الله من وراء صورهم، عليهم السلام. والرسل بالنظر إلى المعنى الأول ملائكة، وبالنظر إلى المعنى الثاني بشر. ولو علم أهل النظر من الفلاسفة، من أين تأتيهم الأفكار، لعادوا من طريقهم إلى طريق التشرع من غير شك؛ لكن الحكمة اقتضت أن يُحجبوا عن ذلك. وهذا الذي خلصنا إليه، يعني أن كل العقول، تعقل عن الله؛ ولكن منها من يعلم ذلك، ومنها من لا يعلم؛ ومنها من يعلم ذلك في وقت دون وقت... هذا فحسب!...

    وأما الكمال الوراثي، فللأمة المحمدية منه النصيب الأكبر بين الأمم؛ بسبب انقطاع نبوة التشريع بعد البعثة المحمدية. وهؤلاء الورثة منا، هم نظراء لأنبياء الأمم السابقة فينا؛ إلا أنه لا نبوة. وهم لا يخلو منهم زمان رضي الله عنهم؛ منهم من هو على قدم إبراهيم، ومنهم من هو على قدم موسى، ومنهم من هو على قدم عيسى، أو على قدم غيرهم عليهم السلام. وأما المحمدي من الوارثين، فينبغي أن يكون ختم زمانه، لانتهاء علم الوراثة إليه.

    فهذه العقول هي العقول الكاملة، من بين بني آدم جميعا. وغيرها من العقول، يكون ناقصا عنها، محصورا في مرتبته من سلم العقول، لا يتجاوزها. وكل ما يعده الناس عقلا في العادة، ليس هو ذاك الكامل؛ وإنما هو عقل نظري، يكون بالقياس إلى الكامل، كالأعمى مع البصير. وعندما نجد الله في القرآن يصف بعض الناس بالعمى، والبعض الآخر بالإبصار، في مجال الإدراك والمعقولات، كما في قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50]؛ فإن ذلك يكون حقيقة لا مبالغة فيها، كما يتوهم الغافلون. وهذا الفرق، لا يعلمه إلا من ذاق الإبصار بعد العمى؛ لا قبل ذلك.

    ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو العقل الأكمل، فإن عقول الأنبياء وعقول الورثة الكاملة، تستمد منه؛ وهو وحده الذي يكون استمداده من الله، من غير واسطة. وأما العامة والسالكون من كل زمان، فيستمدون من الأنبياء في أزمنة النبوات النيابية، أو من الورثة. ولما كان العلم بمراتب العقول وبكمالها، من العلم الخاص الذي لا يُذكر في الجامعات والمعاهد، فإن كثيرا من الناس يبقون محرومين منه؛ بالأخص فيما يعود إلى العلم بالله وصفاته وأفعاله سبحانه؛ فإنه لا يُحصّل إلا من جهة الاستمداد حصرا.

    ولما كانت العقول الكاملة، شرطا في الاستمداد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الزمان الذي يأتي بعد انتقاله عن الدنيا إلى قيام الساعة، فإن التّديّن سيتفاوت في الأزمنة المختلفة، بين القوة والضعف، بحسب تحقق هذا الشرط. ولما كان العلم بهذا الأمر قد انقطع في الأزمنة المتأخرة -خصوصا بعد دخول النظر فيما لا مدخل له فيه- فإنه قد صار من اللازم الكلام في هذه المسائل، من أجل استعادة التدين، كما هو في أصله.








    ..................

  6. #6

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -5-


    خصوصية العقل النبوي





    يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو عقل العقول، لدلالة الكتب كلها عليه. وأميته لها معنيان: الأول، وهو الذي تعلمه العامة، لكونه صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقرأ ولا يكتب من جهة العادة؛ وأما الثاني، فهو معنى ذاتي، لا يشاركه فيه أحد. ويعني أنه صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق الذاتي، مع ظهوره بالأسماء الإلهية التي هي الصورة الإلهية. ولما كان عيسى عليه السلام، مظهرا لباطن محمد من جهة الاسم الباطن، فإنه كان أعلم الناس به. ولذلك سماه أحمد لانتهاء المحامد في العلو إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وحده. وقد ذكر الله ذلك في كتابه عند قوله تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

    ولما كان عيسى مظهرا محمديا باطنيا، فإنه ظهر بالتصرف الإلهي في الكون، فأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص. فاختلط على النصارى من بعده، معنى الأمية الذاتية بالمعنى اللفظي الشائع (النسبة إلى الأم)؛ فعبدوه للأول، ونسبوه إلى أمه للثاني. وقد أنكر الله عليهم هذا الجمع الذي لا يستقيم؛ فقال عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]. وأما محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جهل عمومُ أمته أميته؛ وإلا لكان أولى بالعبادة لديهم، من عيسى لدى قومه. وهذا من الجهل النافع.

    ولما أراد الله تنبيه العرب وغيرهم، إلى خصوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخبرهم عنه فقال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ . لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 69، 70]. وهذا، ليخرجه من تصنيفهم العقلي، الذي كانت العقول الشعرية ستجعله بسببه في الذروة، لو ثبت أنه شاعر؛ وحاشاه. وهذا يعني أن العقل النبوي خارج التصنيف، ومنفصل بالمرتبة عن جميع العقول. وقد جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بين الصمت الذاتي، الذي هو الأمية؛ وبين الكلام الاسمي، الذي خرج من فمه الشريف قرآنا. ولما كان الشعر كلاما صادرا في مرتبة الأفعال عن عقول غير كاملة؛ فإن الله تعالى منع أن يُنسب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إليه، تنزيها لمكانته الخاصة؛ وهو قول الله: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}، أي في نفسه؛ وإن توهم بعض الجهلة أنه شاعر؛ أو تقوّلوا عليه ليلبسوا أمره على من لا علم له. وأين الشعر الذي هو أرضي مظلم، من القرآن النور، المخبر عن الله. ونحن إن كنا قد ذكرنا سابقا أن عقول الشعراء شبه مطلقة، فذلك بالقياس إلى العقول المفكرة، التي تشاركها في الأرضية؛ وأما بالقياس إلى الكمال المطلق، فلا اشتراك.

    ولقد ميّز الله طبقة الشعراء في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 224 - 226]. ولما كان الشعراء يتبعهم الغاوون، الذين هم الضالون؛ فهذا يعني أنهم أئمة ضلال، بسبب عدم التزامهم الحق في كل ما يقولون، وتكلفهم في الكلام للحفاظ على الأوزان وتلازم المعاني. وقولهم ما لا يفعلون، هو من مفاخرتهم بأنفسهم، التي لا يرعون فيها المعايير كما هي في نفسها، والمستلزمة للإنصاف. ولما كان عرب الجاهلية على هذه الصفة، فقد جاء القرآن ليرفعهم إلى مرتبة العقول السائرة في طريق الكمال. وهذا السير، جعل الشعراء أنفسهم يتغيرون، كما أخبر الله في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227]. فكان عمل الصالحات وذكر الله منهم، في مقابل الغواية الأولى؛ وكان الانتصار بعد الظلم، في مقابل المفاخرة الجاهلة.

    ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أميا بالمعنى الذاتي، فإنه كان مطلقا إطلاقا لا يبلغه أحد سواه. ولهذا لم يصف الله أحدا من الأنبياء بالأمية سواه، وإن كان كثير منهم أميين بالمعنى العرفي. والإطلاق المحمدي، يجعل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، مجهولا عند الخلق. ومن علم منه شيئا، من الأنبياء، أو من الورثة من هذه الأمة، فإنما علم منه ما يناسب عقله هو فحسب؛ فيكون العالِم قد علم منه نفسه لا غير؛ ويبقى ما هو خارج ذلك مجهولا، كما ذكرنا. ومن هذه الحيثية، فإنه يمكن القول بأنه لا يعلم محمدا على وجه الإحاطة، إلا الله. وإن كان هذا حال الأنبياء والورثة معه صلى الله عليه وآله وسلم، فما الظن بمن دونهم من العقول الفقهية أو المجردة!...

    ولو علمت النصارى شيئا قليلا من حقيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لانصرفت عن عبادة المسيح ابن مريم عليه السلام؛ لأن المرتبة الأصلية في الدلالة على الله، ليست له بالقطع. ونحن هنا لا ندعو إلى عبادة غير الله، ولكن ننبه إلى ما هو الأمر عليه، من غير زيادة ولا نقصان. والآن لمتعجب أن يعجب، كيف احتجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن عوام أمته، حتى ما عادوا يرونه إلا كواحد منهم!... نعني من هذا، أن انحجاب المسلمين عن حقيقة نبيهم، هو أعجب من عبادة النصارى لعيسى!...

    ولما نطق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن في العرب، ميزه الخبراء فورا، وعرفوا أنه مخالف لشعرهم ونثرهم، من جهة المبنى والمعنى معا. وقد وصل الأمر بالمتأخرين من فقهاء اللغة لدينا، إلى القول بتصنيف العربية إلى نثر وشعر وقرآن. فالقرآن جنس مستقل من المباني اللغوية، وصنف مستقل من جهة المعاني أيضا؛ ما دام يخبر عن الذات ومراتبها، في مجتمع لم يكن يعلم من المعاني إلا ما له صلة بالأرضيات (مرتبة الأفعال وحدها).

    إن العرب لما خضعوا لسلطة الوحي، لم يكن ذلك، عن إدراك عقل خرافي كما يزعم المغرضون؛ وإنما عن وعي بربانيته التي لم يكن لها من اشتراك مع البشري إلا الوعاء اللغوي من حيث ألفاظه وحروفه، نطقا ورسما. وهكذا، فإن جزيرة العرب ستكون منطلق النور والهدى إلى العالم أجمع، منذ ذلك الحين وإلى قيام الساعة. وهذا حدث فريد غير متكرر، لم تبلغ الأمة المحمدية نفسها إدراك حقيقته على عمومها، مع كل ما قيل فيه إلى الآن؛ وإلا لكانت اتخذت أيام عمرها كلها أفراحا بهذا الحدث السعيد، الذي جعله الله من نصيبها، فضلا ونعمة!...








    .........

  7. #7

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -6-


    دلالة المكان


    إن ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، ثم بعد ذلك نزول الوحي فيها، يدلان على أن مكة هي مركز الدعوة الإلهية بالأصالة. وقول الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]، يدل على أن مركزية مكة للمعمور، هي من وجهين: الأول، لأنها أم القرى. ومعنى هذا أن اليابسة كلها قد خرجت منها (كما يخرج الولد من أمه)، لكونها كانت أول ما أظهر الله على وجه الماء. وقد جاء في الحديث: «أَوَّلُ بُقْعَةٍ وُضِعَتْ فِي الأَرْضِ مَوْضِعُ الْبَيْتِ ثُمَّ مُدَّتْ مِنْهُ الأَرْضُ.»
    [1]. والوجه الثاني، هو توسطها ما حولها من اليابسة حقيقة، لتكون بذلك عاصمة للأرض كلها. وكون مكة بهذه المثابة، يجعلها لا شرقية ولا غربية؛ لكون النسب تعود إليها لا إلى غيرها. فالشرق ما كان شرقها، والغرب ما كان غربها.

    وبما أن الوسط في اللغة، أعلى الشيء، فإن مكة تكون لها الرفعة المعنوية، على كل بقاع الأرض. وبما أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، أعلى العقول مرتبة، فقد ناسب من هذا الوجه مكة، ليكون النبي الوحيد الذي يظهر فيها، بخلاف كل الأنبياء السابقين، الذين ظهروا فيما حولها. وكما كانت الكعبة رمزا إلى الذات، والطواف المسبع رمزا إلى أمهات الصفات؛ فكذلك كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذاتيا، والأنبياء صفاتيين. ولما كانت هذه الرفعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة من كل وجه، فإنها تعدت إلى أمته فضلا من الله ونعمة، كما أخبر الله في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

    وأما كون المدينة المنورة مهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومهبطا لشطر الوحي، وموضعا للقبر الشريف؛ فيجعلها في المرتبة الثانية بعد مكة، كما كانت الحقيقة المحمدية (العقل الأول) في المرتبة الثانية من الذات. كل هذا، لأنه ما في الوجود شيء إلا الله على التحقيق؛ وكل مشهود في هذا الوجود، فهو كلمة قرآنية إلهية، تنبئ عن الأسماء الإلهية، التي هي المعاني الذاتية الغيبية. ومن يعطيه الله إدراك الترابط بين الأدلة والدلالات والمدلولات في الوجود، فإنه سيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو السر الذاتي المسمى إنسانا (من إنسان العين الذي هو بؤبؤها). ومن هنا كان المقصودَ لله من الخلق وحده، وكانت المخلوقات الأخرى مخلوقة له (من أجله)؛ فهي إذاً مخلوقة بالقصد الثاني. ومن هنا أيضا كانت كل العقول (وما في الوجود إلا عاقل) تطوف حوله طوافا ذاتيا، في انجذاب يشبه انجذاب الألفاظ إلى معانيها، والمعاني إلى ألفاظها؛ فكان مطلوبَ كل العقول، من كل طريق. ولكن ما عرفه، إلا من سلك السبيل التي دل عليها من قوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]. المحبة المذكورة في الآية، هي الجاذبية الرابطة بين الطالب والمطلوب، في كل عالم بحسبه. والمحبوبية التي يصل إليها المتبع باتباعه، هي بلوغ القصد من المطلوب. ومغفرة الذنوب، هي رفع توهم المغايرة، الذي كان لدى الطالبين أول طلبهم. وعلى هذا، فإن عقول الفلاسفة وأهل الفن وغيرهم، لا تطلب في سلوكها الفكري أو العقلي عموما، إلا معرفة ما ذكرنا، وإن لم تعلم ذلك.

    وإذا قارنا بين العقول المجردة والتي تسير على السبيل المشروع، فإننا سنعلم لمَ كانت معرفة الحقيقة من نصيب أهل التدين دون غيرهم. ولكن ينبغي أن نفرق هنا، بين أهل التدين الرسمي، الذي لا بد له من أن ينحرف عن أصله لأسباب تظهر في الأمم كلها؛ وبين أهل التدين الحق، غرباء زمانهم، الذين يقتدون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة.

    ولو أن العرب المسلمين كانوا على وعي بمكانة مكة حقيقة، لجعلوا أمورهم كلها تعود إليها (لا نقصد هنا نظام البلد التي هي فيه). فمن ذلك، ينبغي أن تكون المرجع في التوقيت العالمي، وأن تكون المنطلق في دراسة طبقات الأرض، وما يتعلق بها من جاذبية وحركة هواء، ومن دراسة للفلك والسماء، وغير ذلك مما يكاد لا ينتهي. إن مكة التي يجعلها المسلمون قبلة في كل صلواتهم، من كل مكان في الأرض، تجعل العقول في كل وقت متوجهة إلى الله، في صورة حسية ومعنوية، لو تبيّنها الناس لوجدوها أعظم آية على إلهية دين الإسلام.

    ومن يتأمل أحداث التاريخ الكبرى عبر العصور، فإنه يجدها تدور حول مكة، اقترابا وابتعادا؛ لو تمكن الناس من مشاهدة حركتها بسرعة تلائم إدراكهم، لعلموا أنها قلب الأرض الذي تجبى إليه كل أحوالها؛ يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57]. وسبْق معرفة أهل الجاهلية بمكانة مكة، كان يجعلهم -من دون أن يعلموا- متوجهين إلى الحق، منتظرين مبعث خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يقدح في توجههم، أن يكون شطرهم قد كفر بما جاءهم من الحق فيما بعد؛ لأن المرء قد يطلب شيئا، ويضل عنه لسبب من الأسباب، كما هو معلوم. ومن كان خبيرا بشؤون الدنيا، فإنه يعلم هذا علم يقين. ولو غصنا في المعنى أكثر قليلا، لوجدنا شطرا ممن آمن بالدعوة أنفسهم، لا يعلمون حقيقة ما آمنوا به، ولا غاية ما وصلوا إليه. فكأن معرفة الحقيقة عزيزة إلى الحد الذي يجهلها معه المؤمنون والكافرون جميعا. وقد اصطفى الله لها من المؤمنين رجالا، جعل شرط وصالهم ذهاب عقولهم. ونعني بذهاب العقل هنا، فقْد حدوده وقيوده ليخرج إلى الإطلاق. ومن يخرج إلى الإطلاق، فإنه سيجد الأرض كلها مسجدا (حراما)، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ.»
    [2]. كل هذا، لأن الذات محيطة بالصفات والأفعال، لا يخرج عنها شيء من المعقولات، حسا ومعنى.


    [1] . أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
    [2] . متفق عليه، واللفظ للبخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.










    .........................

  8. #8

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -7-


    العقل لدى الصحابة




    الصحابة بالمعنى الخاص، هم الطبقة من الناس الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذوا عنه ظاهرا وباطنا. وما نريد أن ننبه إليه هنا، هو أن أخذ العقول عن العقل الأكمل، لا يكون من طريق السماع وحده كما يتوهم ذلك جل المتأخرين؛ وإنما يكون من طريق القلب (العقل) غيبا أيضا. وهذا الاستمداد المزدوج، هو الذي ارتقى بالصحابة رضي الله عنهم، من مرتبة العقل المعاشي والعقل المجرد، التي كانت سائدة في زمن الجاهلية، إلى مرتبة العقل المؤمن ثم الرباني.

    إن ترقية العقول، التي تخرج أصحابها من دائرة المشترك (الجاهلي)، إلى ما لا عهد للعرب به، من إدراك وفطانة؛ ومن طريقة في المعاملات، تتخطى المصالح الدنيوية؛ ومن انخراط في مشروع أمة، ما كانت العرب تفقه له معنى؛ ينبغي لها (الترقية) أن تحظى بعناية كل الملاحظين والدارسين، من العرب أنفسهم، ومن العجم؛ وينبغي أن يُنظر في أسبابها ووسائلها، لمن كان من أهل الدين، علما وعملا؛ لأن هذه الطفرة، هي في الحقيقة أهم حدث بشري على الأرض، على مدى التاريخ من دون منازع. كل هذا، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو المقصود بالتبليغ عن الله بالأصالة، كما كان من جهة حقيقته هو الواسطة الوجودية بين الله وجميع خلقه.

    إن الصحابة -وقد كان جلهم أميين- قد انقلبوا من بشر مغمورين لا يؤبه لهم، إلى أئمة في العلم والأخلاق والبر؛ بل إن كثيرا مما وصلوه، يكاد يخرج عن طاقة البشر الذين أتوا من بعدهم؛ وكأنهم قد جاوزوا البشرية، ودخلوا في دائرة الأملاك المطهرين!... ويكفي أن نشير إلى صفة الصدق التي كانت شائعة بينهم، حتى لقد كان أقلهم شأنا، يشهد على نفسه، وكأنه قد باينها وجدانا. أما أكابرهم رضي الله عنهم فقد كانوا صديقين (مبالغة من الصدق)، يتقدمهم أبو بكر الصديق، الذي ما عرف أحد قيمته، إلا وعلم بعد ذلك أنه ما عرفه (مثال ذلك ما حدث بينه وبين عمر رضي الله عنهما زمن حروب الردة).

    إن الصحابة قد جاوزت عقولهم الدنيا لتعقل الآخرة، كما وقع للحارث بن مالك رضي الله عنه، الذي أخبر بحاله في قوله: "أَلَسْتُ قَدْ عَزَفْتُ الدُّنْيَا عَنْ نَفْسِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا؛ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا؛ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا -يَعْنِي: يَصِيحُونَ-؟"[1] ... بل إن كبار الصحابة كانوا يعقلون الله بإذنه؛ وهذا يعني أن عقولهم بلغت مرتبة الإطلاق. وهذا الحال مجهول لعموم الأمة، ولا يتعلق به علم العلماء. ولو أن الناس تأملوا قليلا معاملة الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما وسمها من تعظيم وتفان وفداء، لاستبانوا بعض ما أشرنا إليه من إطلاقهم؛ ولكن العقول لا تُدرك إلا ما هو من طورها بلا شك.

    إن ما بلغه الصحابة من سمو للعقل، لم يكن في الأمم السابقة إلا للأنبياء عليهم السلام، إن علمنا أن مرتبة الوراثة في الأولين كانت للأنبياء في الغالب؛ ولم يكن من الورثة بالمعنى العام بينهم، الذي يشمل غير الأنبياء، إلا القليل. أما نحن -بحمد الله- فلا يخلو زمن من أزمنتنا من وارثين على قدم الأنبياء عليهم السلام. وهذه خصيصة اختص الله بها هذه الأمة من دون أخواتها. وهذا يرد على بعض جاهلينا، الذين يقولون بالفترة في زمن هذه الأمة. وكيف تكون فترة، والرسالة مستمرة نبوة ووراثة، إلى قيام الساعة؟!...

    إن أعلى مرتبة يبلغها العقل هي الربانية. والربانية قسمان: نبوة ووراثة. ومعنى الربانية، هو حلول حكم الربوبية محل حكم العبودية من العبد الرباني؛ فيكون النور (الله) هو المدرك لذاته سبحانه على قدر العبد المتنور لا على قدر الله. وهذا أمر يغيب عن جل العقول، حتى لتظن القائل به منحرفا عن صحيح الاعتقاد؛ وهو ما خالف على التحقيق، إلا ما عند غيره من آثار الظلمة...

    إن زمن تواجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة على الأرض، يربيهم ويرقيهم، هو غرة الزمان كله؛ بحيث لا يأتي زمان بعده مثله أبدا. وعلى هذا، وجب على الناس عرض أحوالهم على أشخاص الصحابة، ليعلموا منها السليم والسقيم. ومن هنا، فإن حديث: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.»[2] ، صحيح المعنى، وإن لم يثبت من طريق أهل الحديث؛ لأن المقصود من الاقتداء، السير على الأثر ووجدان الأحوال، لا مجرد اتباع الأقوال، التي قد تصح أو قد لا تصح. والسير على الأثر لا يكون إلا بالتزكية كما تعلمها الصوفية.

    وهذا الذي ذكرناه، هو السبب في كون القرن الأول (جيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم) خير القرون. وخيرية القرون التي تلي، لا تؤخذ إلا على العموم؛ وأما من جهة التعيين، فلا يمتنع أن يوجد في الأمة من يفضل الصحابة ولو من وجه واحد من الوجوه، ممن جاءوا بعدهم، رضي الله عنهم. والله سبحانه يفعل ما يشاء، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. وهذا أمر جهله بعض القاصرين، فصاروا يتكلمون فيه بما لا يليق، ويجعلونه عقائد يروزون بها الناس بالباطل، ظنا منهم أن تنزيه الصحابة مطلقا ينفعهم. والكلام هنا لأهل العلم لا للعوام؛ لأن العوام ليس في مقدورهم تمييز ما نقول.

    ولو أننا عدنا إلى موقعة صفين، ونظرنا إلى اختلاف الصحابة في الرأي، لميّزنا ثلاثة أقسام رئيسة: قسم هم من كانوا مع علي عليه السلام (وهم أهل الحق)؛ وقسم هم من كانوا مع معاوية (وهم أهل البغي)؛ وقسم هم من توقفوا (وهم من لا علم لهم في هذا الأمر على الخصوص). وهذا يجعل الثلث منهم، وحدهم، هم من كانوا على تعقل صحيح. والسبب في هذا الاختلاف، عدم إلفهم رضي الله عنهم للخلافة، وقد كانوا على نبوة، قبل مدة يسيرة. وقد شاء الله لهم هذا، ليَحق على الأمة ما قُضي عليها في الأزل، من افتراق واقتتال. فكان دخول زمن الخلافة مؤذنا بفتح باب البلاء الذي رأيناه يتزايد مع المراحل التي ستعقب. كل هذا، والصحابة، حكم المخالف منهم (الذي لم يكن مصرا على الباطل وهو يعلم) حكم المخطئ إن شاء الله، وإن أدى الأمر إلى استشهاد بعضٍ منهم جراء ذلك. والشهادة في حق المؤمنين كرامة، كما هو معلوم...





    -------------------------------------------
    [1] . المنتخب من مسند عبد بن حميد.
    [2] . موافقة الخُبْر الخَبَر في تخريج أحاديث المختصر لابن حجر العسقلاني (1\148-145)






    ...........................

  9. #9

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -8-


    العقل والخلافة





    عقل الخليفة مطلق كامل، يستمد من العقل النبوي؛ وهو لا يظهر إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدنيا. والخلفاء لا يخلو منهم زمان، لضرورة وجود الوساطة الوجودية بين الله والخلق. وأما الخلفاء المعلومون في الظاهر للعموم، والذين لا يتجاوز عددهم اثني عشر، فهم نخبة من بين الخلفاء، جمعوا بين خلافة الظاهر (الحكم) وخلافة الباطن (ربوبية العالم (من التربية)). وكل من يحصر الخلافة الإلهية (النبوية) في هؤلاء وحدهم، فهو واهم.

    ولما كان الصحابة قد ألفوا الأخذ عن العقل النبوي، فإنهم قد تغير عليهم الحال كثيرا عندما انتقلوا إلى الأخذ عن الخليفة، الذي كانوا يرونه واحدا منهم قبل مدة قليلة. هذا فيما يرجع إلى عوامهم؛ وأما الخواص، فإنهم ما لبثوا أن عرفوا مرتبة الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه، بعد زلزال وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي مروا به، كل على حسب مكانته (مقامه). وفي حجْب بعض كبار الصحابة عن خلافة أبي بكر، حكم إلهية ستظهر آثارها في كل الأزمنة التي ستأتي بعد ذلك... وإن كل القياسات العقلية التي يعتمدها أهل السنة والشيعة جميعا في هذه المسألة، هي قياسات مشوبة إن لم نقطع بفسادها كلية؛ لأن العقل لا يحكم فيها إلا بما تعطيه مرتبته؛ والأمر في حقيقته هنا، شطره غيبي. وكل العقول دون الكاملة، لا يوثق بأحكامها إلا فيما هو من طورها. ولو تنبه الناس إلى هذا الأمر، لكُفوا ضلالات كثيرة؛ ولكنها الحكمة الإلهية مرة أخرى...

    إن جهل شطر كبير من الصحابة بمكانة الخليفة، جعلهم يكتفون بآرائهم الشخصية أو آراء من يرونه أهلا للرأي بحسب ترجيحهم. وهذا هو السبب المباشر في تعدد الاجتهادات لدى القرن الأول والذين يلونهم، والتي ستكون الأساس لبناء المذاهب الفقهية المختلفة على الخصوص، بعد ذلك.

    ولما كانت الخلافة الكاملة (الظاهرة الباطنة) استثناء في حال الأمة، فإنه سرعان ما انقلب الحكم لدى المسلمين إلى مُلك. وهذا ينبغي أن يُفهم على أنه وضع جديد مراد لله، وإن كان مخالفا في بعض جزئياته لشرعه سبحانه. نقول هذا، لأن العقول الضعيفة تتوهم أن الأمر كان يمكن أن يكون بخلاف ذلك، لو أن المسلمين في كل زمن حرصوا على أن يقيموه كما هو في أصله. والحقيقة أنه لا يكون في الوجود إلا ما أراد الله، وإن كان المراد مما تجب مخالفته. وهذه مسألة لا يقوى على الخوض فيها إلا من كان مميِّزا بين ظاهره وباطنه؛ وأما العامة، فلا ينبغي تحميلهم ما لا يطيقون منها.

    عندما ستنقلب الخلافة ظاهرة فحسب، ستنحجب جل العقول في زمانها عن العقل النبوي من وجهيه: الأصلي والوراثي؛ وستتوهم استقلالها فيما تتوصل إليه من رأي وفهم. وهكذا ستتسع دائرة الخلاف مرة أخرى، إلى أن تصل إلى التعارض المؤدي إلى الاقتتال، الذي نعرفه من تاريخنا كله.

    ولما كان اختلاف العقول غير الكاملة أمرا حتميا، بسبب تعدد مراتبها؛ فإنه قد ظهر الاختلاف في استنباط الأحكام بسرعة فيما بينها. وهذا الاختلاف لا يعود إلى الاختلاف على النصوص الحديثية وجودا أو عدما، تصحيحا أو تضعيفا فحسب؛ وإنما شمل أيضا الاختلاف على فهم النصوص القرآنية. وهذه الصنوف من الاختلاف، هي التي كانت في الحقيقة وراء بروز علمي الحديث والتفسير، بالإضافة إلى علم الفقه الأصلي.

    لكن العقول عند اشتغالها بالعلوم الدينية، صارت تنحصر شيئا فشيئا مع مرور الزمان، في العمل الفكري (التعمل) المحض، وصارت تبتعد عن التلقي -إلا فيما ندر- وكأن الدين مجال عقلي كالفلسفة. وقد استفحل طغيان الفكر لدى المسلمين، عند نشوء علم الكلام، الذي كانت تُبحث فيه العقائد بالمنطق العقلي وحده. وهنا وقع الانحراف شبه التام عن أصل الدين، من دون أن يشعر الناس بذلك. وكأن الانطلاق من القرآن والسنة في هذه العلوم، كان يوهم بأن الأمور باقية على أصلها. وهذا زعم، لا بد أن يطالَب أصحابه بالبرهان، كما لا يخفى.

    وفي هذه المرحلة من الزمان، والتي توافق القرن الثاني للهجرة فما بعده، كان لزاما الاستعانة بالفلسفة، على الأقل من حيثما هي أساليب ومذاهب في النظر؛ كما صار المنطق علما لا يُستغنى عنه، من حيث هو ناظم ورائز...

    إن ما حدث في هذه القرون الأولى من انبهام في إدراك الدين، ومن انفتاح على ما ليس منه في الأصل، ومن اقتصار للعقول شبه التام، على الكسب دون التلقي، هو ما سيجعل الدين ينفتح على ما ليس منه، حتى يعود عاملا فيه من الداخل، مولّدا مذاهب وفِرقا، ما كانت لتوجد في مجتمع الصحابة قط؛ وهو ما سيمكّن غير المسلمين فيما بعد، من دراسة الإسلام ومحاولة الحكم عليه، بسبب مشاركتهم أهله في المرتبة العقلية، كما هو معلوم لدى الفلاسفة والمناطقة واللغويين. وقد برز المستشرقون في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، في تناول الدين، من هذا الوجه، حتى صاروا يصوغون له معالم تجاوزوا بها ما كان من إنتاج العقل المسلم نفسه. ولعلنا نعود إلى بعض التفاصيل، مما يدخل فيما ذكرناه، في فصول مقبلة إن شاء الله.

    وعلى هذا، فإن ما حدث في القرون الثلاثة الأولى، كان هو الأساس لكل ما سيأتي بعده، وإن بدا أن بعض التفاصيل وليدة عصرها، لمن لم يكن واسع الإدراك.


















    ................................



  10. #10

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -9-


    العقل زمن الأمويين




    إن أهم ما يميز عصر الأمويين، هو تقهقر العقل السياسي من الخلافة إلى الملك؛ لأن هذا ستكون له آثار على فقه أحكام الحكم، التي ستُغيَّب إلى يومنا هذا. ومع سكوت الفقهاء عن أحكام الحكم، أو جهلهم لها كلها، سيعود الناس إلى حكم الجاهلية جزئيا؛ وسيؤدي هذا إلى مصادمة روح الشرع لدى عموم المسلمين. وهذا الوضع وإن لم يكن علمانية بالمعنى الذي يُعرف اليوم، إلا أنه علمانية تطبيقية جزئية؛ ستكون أساسا لكل علمانية تأتي بعدها.

    ولما كان التدين متطلبا معاملةً لله، تشمل ضمنها معاملة الوجه الرباني في كل عصر، من نبي أو خليفة؛ فإن المـُلك سيصبح مانعا للناس عن هذه المعاملة، لدخولهم في تدين مقطوع أو شبه مقطوع. وهذه الحال ستجعل مريدي التدين الحق، يطلبونه حيث يغلب عليهم الظن بوجوده، بعيدا عن أصحاب السلطان. وستدخل الأمة مع هذا، في التدين المخلوط بالأيديولوجيا، كما حدث مع الفرق المختلفة والطوائف.

    وما دام الأمر منوطا بالظن، فإن كل فرقة ستظن أنها على الدين الحق على التمام، دون غيرها. وهذا سيجعل الفرق كلها في النهاية على بعض التدين، من دون أن تشعر هي بذلك. وهذا يعني أيضا تعدد العقل المتدين، وإن عومل معاملة تميل إلى التعميم والإجمال في الغالب. ولقد كان من أهم خصائص هذا العقل المتعدد، إغراقه في عملية التفكر، إلى الدرجة التي ستعود معها العلوم الدينية، علوما عقلية بالمعنى الفكري؛ في نبذٍ واضح للعقل المتلقي، يكاد يكون شبه تام. بل إن التلقي ذاته، صار معدودا عند علماء الدين أنفسهم، ضربا من الخرافة واللاعقلانية.

    ولعل أبرز من أرادوا الدلالة على أصالة التلقي في الدين، بعد الصحابة، الأئمة الذين صاروا ينفصلون في منهاجهم عن التيار العام، كالحسن البصري، ومن سيأتي بعده ممن يواصل على نهجه، كعبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض وغيرهما. ومن هذا التيار، سيخرج بعد مدة، ما صار يُعرف بالتصوف، عند اكتمال تمايُز الفِرق فيما بينها، وظهور التفصيل في التدين، في مقابل ما كان على عهد الصحابة من وحدة.

    وأما الاستبداد في الحكم الذي بدأ مع أول سلطان أموي، والذي هو مخالف للشريعة من جهة التأسيس من غير شك، فقد أسس لمنطق القوة السلطانية، بعد أن كانت الأمة لا تعرف إلا قوة الحق البرهانية. وهذا سيكون له أثره في توجه كثير من المسلمين إلى العلوم الكونية والعقلية التي لا تعتني بالآخرة، فضلا عن سواها مما يعطيه الدين بإذن الله. وكأنهم بهذا التوجه، يبتعدون عن موضع التنازع مع الحكام؛ بل إنه قد يرفع قدرَهم لدى السلطان عندئذ، إتقانُهم لعلوم يُحتاج إليها في مجالات عملية عدة، تخدمه وتخدم توجهاته. وهذا التوجه، سيقوى ويشتد، إلى أن يبلغ مداه في العصر العباسي مع حركة الإقبال على كل صنوف المعارف، كما هو معلوم، ترجمة وتصنيفا.

    ومن غريب الأمر، أن يعُد المسلمون الإقبال على العلوم الدنيوية، دلالة على النهضة والرقي؛ وكأن الدين جاء لخدمة الدنيا وحدها، أو كأنه كان ناقصا بدونها!... ثم إن إعراب المسلمين عن حاجتهم إلى علوم الكافرين غير العملية، هو من إقرارهم بعدم جدوى الدين في كثير من وجوه حياتهم، من حيث لا يشعرون. وفي الحقيقة، إن الدين قد صار مجهولا عند أغلبية المنتسبين إليه، وإن أبقوا على بعض معالمه، من باب التراث الثقافي والأعراف. ونحن عندما نقول هذا، لا نبغي معاداة العلوم الكونية، وإنما نريد تمييز مرتبتها وعدم إحلالها محل ما يتعلق بالله وبالآخرة من جهة الإدراك. ويكفي في هذا، أن نعلم أن العلوم الكونية لا يتجاوز أثرها الدنيا؛ وأن الطبيب -مثلا- سينفصل عنه علمه بالطب مع خروج نفسه؛ ولن ينفعه شيء من ذلك في البرزخ؛ وسيعود جاهلا من جملة الجاهلين هناك، إن لم يكن على علم ديني إلى جانب الطب...

    إن ما حدث عند انفتاح المسلمين على العلوم الكونية، هو أمر يوافق اتجاه خط التدين العام لدى الأمة، والذي سيسير انطلاقا من القرون الخيّرة، في اتجاه أزمنة الغفلة والفتن المتلاطمة. ولا شك أن العقول الغافلة والمفتونة، سينعكس إدراكها للحقائق وقتها، لترى أفضلية العلوم الكونية على العلوم الدينية في النهاية. بل إن هذا الانعكاس، سيكون أساسا لكل غزو عقلي تتعرض له الأمة في تاريخها؛ ومن ضمنه الغزو الاستعماري المباشر، الذي صار منافسا في المجالات الدنيوية، ومنتصرا فيها.

    ولعل القارئ سيجد منا هذا الكلام دعوة إلى زهد ذميم، ما أكثر ما دعا فقهاء الزمان إلى نبذه. والحقيقة هي أن الذين يرون هذا، لم يخبروا صحيح التدين، المبني على المعاملة الصادقة لله، حتى نسمع لاعتراضهم. ولو علموا حقيقةً أنهم في تدينهم يتولى الله رب العالمين جميع أمرهم -مما يتوهمون أن لا طريق إليه إلا العلوم الكونية- بما لا يقارن، مع من أتقنوا الأسباب المعهودة، وبما هو من محض القدرة، لاستحيوا من ربهم أن يلتفتوا إلى شيء سواه، ولا سوى عند التحقيق!...

    ولنضرب على هذا مثلا حتى يعقله من لا إلف له بما نقول؛ ولنأخذ مريضا بالسرطان -مثلا- أعيى الأطباء دواؤه، وتيقنوا من قرب وفاته، وصاروا يعدون الأقارب لتقبل المصاب بما يليق فحسب. فشاء الله أن يجعل عبدا من عباده، يتصل به قريب من أقارب المريض، ويتوسل إليه أن يفعل ما باستطاعته لعودة المريض إلى عافيته، رغم يأس الجميع. ويتدخل العبد ويستجيب الله، فيتفاجأ الجميع عند إجراء فحص طبي بغياب تام للمرض، جعل الأطباء يجتمعون ليدرسوا ما حدث، وليجدوا إجابة "علمية" مقنعة، دون فائدة... إن هذه الحادثة، ومثيلاتها، واقع لا مفر من الإقرار به. فهل نفعت العلوم الكونية، حيث نفع المدد الإلهي؟!... فلمَ إذاً يتسابق المبجلون للعقل إلى إثبات ما لا يثبت، وإلى تفضيل ما لا يفضل؟!... مع كون العقل لا يقبل تجاوز المجربات (الملاحظة)، ولا الإخلال بالمراتب!... فإن قيل: إن ما تذكره يدخل في باب الكرامات، وليس من شؤون العقل! قلنا: إن كل ما يحدث في العالم، هو كرامات، تعجز العقول الضعيفة عن إدراكها فحسب. يقول الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]...










    .................

  11. #11

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -10-




    العقل زمن العباسيين





    ليس العصر العباسي إلا تتمة للعصر الأموي، لذلك سيعرف زمن العباسيين استكمالا لما سبق، من انحراف عقلي لدى الأمويين، وإن كان يبدو في عين العقل القاصر نهضة علمية، لا زال البعض يتغنون بها إلى اليوم. وإن أهم ما تمكن ملاحظته بهذا الخصوص، ما يلي:

    1. توسع البلاد الإسلامية، ودخول الشوائب العقلية التي كانت سابقة من حيث الوجود على الأرض، على العقل العربي الذي قد بدأ هو نفسه ينقطع -ولو جزئيا- عما دل عليه الوحي.

    2. طغيان العقل الفقهي على العقل بالمعنى الكامل، وهو ما سيجعل الجانب "القانوني" يغلب الجانب المعرفي لدى الأمة. وهذا اختزال مخل للدين لديها؛ وإن بقي الأمر على حاله لدى أفراد معدودين.

    3. تولُّد العقل المتفلسف الديني (الكلامي) عن العقل الفقهي من جهة، والعقل المجرد الفلسفي من جهة أخرى. وهذا العقل، وإن كان ضعاف العقول يعتبرونه رائدا، إلا أنه قد أصاب التدين في مقتل. وذلك لأن الدين في أصله طريق موصل إلى معرفة الله (الحقيقة)؛ ولما صار العقل مرجعا لنفسه في طريقة التوصل إلى المعارف عند النظر في النص، فإنه قد قطع الدين عن أصله وغايته، وإن بقيت الصورة الخارجية موهمة ببقاء الأمر على أصله. وهكذا فلن يعقل العقل إلا نفسه وحدها؛ نعني صورته العلمية. وهذا بالتأكيد هو العقم العقلي، وإن توهم أصحابه -لطول الطريق- غير ذلك!...

    ولما كان الاعتزال هو التفلسف من داخل الدين، فإنه قد استهوى جل العقول المؤهلة، للنظر في التوحيد وفي الصفات الإلهية، بحسب ما يمكن أن يكون برهنة على كل ذلك، برهنة كلامية قد لا تكون منطقية دائما. ولقد وقعت المعتزلة في غلط منهجي، لم يزل عاملا لدى مَن بعدها من العقلانيين إلى اليوم؛ وهو روْم تحكيم العقل (المخلوق) على الله (الخالق)، في انعكاس لما هو الأمر عليه، غير خاف. ولقد بلغ الاستبداد العقلي مداه، عندما تحول استبدادا سياسيا في عهد المأمون العباسي. ولم يشعر الناس، أنهم بالمبالغة في تحكيم العقل (عقل مخصوص)، قد خرجوا عن أصول الدين...

    ولقد أثر الاعتزال في العقائد العقلية لدى المسلمين جميعا، إما بكيفية طردية، وإما عكسية؛ فكان ذلك من أسباب ظهور العقائد الشيعية والسنية على السواء، كما هي في تفاصيلها. ورغم أن العقيدة الأشعرية والماتريدية، جاءت لترد على انحرافات المعتزلة بحسب القصد الأول، إلا أنها لم تخرج عن منهاجها العقلي في تأسيس العقائد؛ وهو ما سيجعلها متولدة عن الاعتزال ومتممة لمساره في النهاية. ويكفي دليلا على ما نقول، أن العقيدة صارت عند المسلمين منذ ذلك الوقت إلى الآن عقلية، من دون أن يسأل سائل نفسه: هل كان الصحابة رضي الله عنهم، على مثل ذلك؟!...

    إن العودة إلى تحكيم العقل، قد نزلت بالأمة في عمومها من مرتبة العقل الرباني، إلى عقل بين منزلتي المتدين والمجرد. ومما زاد في انبهام الأمر على من لا علم له، استصحاب هذا النكوص العقلي لازدهار غير جلي، في مجالات العلوم الكونية، الذي يُعطي انطباعا بالتقدم والرقي، بحسب ما يحكم العقل المعاشي والعقل المجرد. ولم يتفطن عموم المسلمين، وهم من ضعاف العقول، إلى أن الأمر ليس منوطا بالدنيا وحدها؛ وإنما هو أبدي وشامل. وهذا الانحراف سيبقى مستمرا في الأمة، إلى أن تنضاف إليه في أزمنة متأخرة حركات عقلية مادية، تروم القضاء على الدين قضاء مبرما؛ وإن كان هذا لن يتم أبدا، بسبب السند الوجودي الذي للدين، والذي لا دخل لسلطة العقل فيه.

    وفي الوقت الذي كان العقل العام، يمضي بعيدا عن أصول الدين، بقي العقل الصوفي الذي يعتمد التلقي عن الله في ترقيه، على الأصل الذي كان عليه خواص الصحابة. وهكذا سيستمر الاستمداد الخاص من العقل الأكمل صلى الله عليه وآله وسلم، وسيظهر عقل الجنيد دالا على هذا الطريق، ومؤسسا رسميا للتصوف، بما هو ربانية مستمرة، وإن جحدها شطر كبير من علماء الدين (الفقهاء والمتكلمون). وفي الحقيقة، قد وقع لهذه الأمة ما وقع للأمم السابقة من انحراف، وإن كان في حق هذه الأمة أخف وألطف، لشرفها وعناية الله بها.

    نحن لا نريد أن نفتح الباب لكل تصوف سيظهر في الأمة بكلامنا؛ لأن منه من هو أشد انحرافا من انحراف الفقهاء؛ ولكننا نريد إعادة الاعتبار لطريق أصيل في التدين، بدأ مع الصحابة، وسيستمر إلى قيام الساعة. نعم، إن تمييز التصوف المعرفي السليم، قد يتطلب مجهودا، بسبب كثرة الصور الشائهة عنه؛ ولكن الأمر يستحق أن يُبذل في سبيل تحقيقه كل الجهد.

    إن المرحلة التي ستأتي بعد العصر العباسي، ستعرف انتصارا للعقل المتلقي على العقل المفكر ولو نظريا؛ وسيكون أبو حامد الغزالي رضي الله عنه أبرز محددي معالمها بتصانيفه. إن الغزالي الذي تصوف بعد أن اشتغل بالفلسفة والكلام، قد دل على الأصل بالحجة والبرهان؛ حتى أفحم الخصوم وقطعهم. وإن كان بعض المتأخرين، يعدون الغزالي مغتالا للعقل العربي، ومؤذنا بدخول الأمة في عصر "الانحطاط"، فإننا نرى أنه -رضي الله عنه وجزاه خيرا- قد أنقذ العقل العربي المسلم، من موت مؤكد، يعود به إلى التجرد التام عن الدين.

    لكن لا بد من ذكر أن الدلالة الغزالية، لم تفلح في العودة بالفقهاء الذين ألفوا استغلال سلطة لا تقل عن سلطة الحكام، إلى الجادة. وهكذا سيكون الانحطاط العام الذي طبع ما بعد العصر العباسي في الحقيقة راجعا إلى التخلف الفقهي السياسي، الذي مهد لمرحلة الاستعمار المباشر فيما بعد؛ وكأن الأمة على دين باطل، أو على غير دين (سبب إلهي)!...

    إن فضح الغزالي لتهافت الفلاسفة، الذي هو سمة لهم عبر العصور، لم يستفد منه عبدة العقل إلى يومنا هذا، لشدة ظلمتهم، ولعدم إدراكهم ردود الغزالي التي لم تكن تخلو من نور. وهذا يدخل ضمن معرفة طريق الفكر بالكشف، التي لم نر من يعتني بها من الدارسين، رغم وجود نماذج لها في كل زمان.











    ....................................

  12. #12

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -11-




    الغاية





    إن الغاية من العقل، إدراك الحقيقة. هذه الحقيقة قد تكون جزئية إجرائية، كما قد تكون كلية علوية. والعقول كلها، لها نصيب من إدراك الحقيقة بحسب مرتبتها. فأقل العقول إدراكا، والتي هي العقول المعاشية، تدرك ما تقوم به من ضروريات مادية؛ لكن هذا الإدراك يكاد لا ينفعها في تبيّن النسق العام الوجودي، الذي هو مطلب العقل الفلسفي، والعقل الديني.

    إن العقل الفلسفي يعطي الانطباع بأنه أعلى العقول، عندما نجده يبحث عما وراء كل المـُدركات الحسية والمعنوية المعتادة. وقد يُظن في مقابل ذلك، بنزول العقل الديني عنه في المرتبة، عند تسليمه بما لا يُدرِك حقيقته، من شعائر وعبادات؛ تتوهم العقول الفلسفية أن التسليم بها، حتما هو مخالف للمنطق السليم. والحقيقة هي أن الدين إن كان ربانيا، فإنه يرتقي بالعقل إلى ما لا يتمكن من العثور على طريقه من نفسه أبدا، فضلا عن أن يعثر عليه هو ذاته (المقصود).

    والغاية التي تسعى إليها العقول، إما عن وعي وإما عن جبلة، هي حقيقة الوجود، وما يُشهد منه في عالمي الحس والمعنى معا. وإدراك الحقيقة وإن كان حقيقيا، فإن الناس يتفاوتون فيه، إلى الدرجة التي قد توهم بالاختلاف، عند إنكار الأدنى ما قد يفوه به الأعلى.

    ولما كان للحقيقة شأنان أحدهما الظهور والآخر البطون، فإن هذا قد جعل الزمان تحت حكمي هذين الشأنين، على العموم، فيما يتعلق بمسار البشرية جمعاء؛ أو على الخصوص، فيما يعود إلى أمتنا التي هي الآخرة في الأمم. وقد كان الحكم للبطون في كل الأزمنة عموما، التي كانت قبل البعثة المحمدية، في حين أن الحكم بعد البعثة قد صار للظهور. ولكن فيما يخص الأمة المحمدية وحدها، فإن الحكم انتقل من الظهور في النصف الأول من مدتها، إلى البطون في النصف الثاني. وإن أهم ما يميز هذا الانتقال، هو ظهور العقل الوراثي الأكبر، في الأمة بين القرنين السادس والسابع الهجريين، ألا وهو ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه، والذي هو الختم المحمدي الخاص بهذه الأمة، في مقابل الختم المحمدي العام في البشرية كلها من جهة الولاية، والذي هو عيسى بن مريم عليهما السلام.

    وظهور الشيخ الأكبر، كان مؤذنا بالدخول تحت حكم الباطن، وكان تجديدا للدين بفتح الباب على الحقيقة، لا يعلوه في ذلك إلا العقل النبوي المؤسس للدين بالأصالة. ولما كان عقل الشيخ ابن العربي بهذا السمو، فإن العقول الضعيفة قد سارعت إلى إنكار ما جاد به من علوم، حتى تُبقي على مكانة لها بين الضعفاء. لكن كل هذا لا يمكن أن يؤثر في حقيقة ما صار واقعا لا يقبل الانتفاء، وهو دخول العقل العربي الإسلامي مرحلة جديدة من مقاربة الحقيقة، ومن إمكان تحقيق الترقي، إلى حيث لم يكن الناس يظنون أنه داخل ضمن المتاح.

    وسيعرف قيمة العقل الأكبري صنفان: الأولياء، الذين عرفوا أنه ينطق من مكانة لم يبلغوها؛ والفلاسفة الأحقاق، الذين ظهر لهم أنه ينطق من خارج دائرة العقل. ولقد عرف خواص الأولياء مرتبته الختمية من غير عسر؛ لكن عوامهم وطائفة الفقهاء، توهموا أنه متفلسف، خلط بين علوم أهل الطريق (التصوف) ومقولات الفلاسفة. أما الفلاسفة، فلجهلهم بطريق السلوك (السير) الديني، فإنهم لا يرونه إلا فيلسوفا أكبر؛ وهم بالتأكيد مخطئون في ذلك...

    إن إدراك الحقيقة، ليس منوطا بالعقل كما يتوهم أنصاف العقلاء؛ وكأنها (الحقيقة) نظير لكل ما يتناوله العقل، ويدخل في دائرة تصرفه. ولقد جهل هذه الخصيصة التي للحقيقة جل العقلاء من داخل الأمة ومن خارجها، بسبب طغيان الكسب لديهم، وجهلهم بالتلقي الذي هو الأصل، كما ذكرنا مرارا. وإن التلقي (الوهب) قد عودي من قِبل المعادين لسببين اثنين: الأول: لأن جل العقول تقصر عنه، بسبب عدم صفائها، أو بسبب عدم اتباع الشريعة؛ والثاني: لأن الفقهاء ينزلون بالخطاب الديني، من مستوى الوحي إلى مستوى العقل المفكر، الذي لا يداني العقل الفلسفي عينه في كثير من الأحيان. وهذا الأمر قد أعطى انطباعا لدى من لا علم له، بتخلف الدين من حيث هو، عن الفلسفة. وقد نتج عن هذا الخلط ضرر كبير، لا زالت الأمة تعاني منه إلى اليوم. وزاد من ترسّخ هذا الانطباع، استمرار تقهقر العقل الفقهي ذاته مع مرور الزمان.

    وأما اللبس الذي وقع فيه الفقهاء، فهو توهم كونهم على علم بالحقيقة، لمجرد اشتغالهم بالعلوم الدينية، بحسب عقولهم (مكانتهم)؛ فصاروا يدلّون بخطابهم على ما لا يدركون في الحقيقة. ومع قصورهم البادي، ظنوا أن لا مطلب وراء ما هم عليه؛ وكأن الدين لا يعطي غير ما وصلوا هم إليه. فحكموا على الدين -ولو من غير قصد- بالانقطاع المنتج للعقم. وهذا الانقطاع، هو الذي سيمكّن السلاطين على مر العصور، والسياسيين اليوم، من توظيف الدين توظيفا دنيويا، يضر بالناس ولا ينفعهم.

    ومن شدة ما انطمست حقيقة الدين لدى الناس، صاروا لا يخطر في بالهم أنه مصدر للمعرفة، وأنه طريق إلى الحقيقة، يبلغ بهم -إن أذن الله- ما لا يبلغه التفلسف وإعمال العقل. بل إن جل المفكرين اليوم -لضعف عقولهم وإيمانهم- لا يرون الخلاص إلا في الانعتاق من الدين، إما كليا وإما جزئيا؛ من غير أن يمحصوا ما يظنون؛ وكأن الأمر فيه متسع للتجربة، التي قد تذهب بأجيال في سبل الهلاك، قبل أن يُعلم عدم جدواها. ولا يخفى هنا، ما للتقليد من مدخل في الأمر، ولا ما للعقل المعاشي من اعتبارات، يُقدمها على ما هو أولى باعتبار العقول الأرقى...









    ........................




  13. #13

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -12-




    التنظير للنكوص





    بين القرنين السابع والثامن الهجريين، سيظهر عقل ضلالي، يلبس لبوس الدين، وهو ابن تيمية الحراني. هو عقل فقهي في أصله، تعلم طرائق الاستنباط وخبر المنطق، فظن -كما ظن غيره- أن بإمكان العقل أن يصل إلى الحقيقة من نفسه؛ فأعاد صياغة الدين من جهة العقائد، بحسب ما يراه هو، ومن دون أن يتأدب مع الله ورسوله في اقتحام ما ليس من طوره. ولم يخطر له أنه قد يدخل بابا من الضلال، سيجرف منه أجيالا متتالية، ويحمل أوزارهم.

    لا بد أن نلاحظ أن العقل المضل، يكون أقوى من غيره في طريق التعقل المعتاد (الذكاء)؛ وإلا لما تمكن من إدخال الوهم والاشتباه على الناس. وابن تيمية حتى يقطع الناس عن الحق -وهو بلا شك مستمد وحيه من الشيطان (العقل المضل الأكبر)- نظّر لتوحيد يقطع فيه الناس عن العقل الأكمل صلى الله عليه وآله وسلم؛ وبهذا يُبقيهم على ظاهر من الدين، ويقضي قضاء تاما أو يكاد، على إيمانهم في الآن ذاته. ولقد قدم تنظيره في قالب فكري بسيط (نسبيا)، تتوهم العقول الضعيفة معه أنها على الحق المبين. ولهذا السبب، لم يتبع ابن تيمية من كل زمان، إلا أضعف الناس عقولا، وأبعدهم عن الكمال. وفي مقابل ذلك، قد باء الرجل بلعن من كل عقل مستنير من زمانه إلى اليوم...

    إن الدين عندما يُنزع منه النور المستمد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد يعود بعكس ما جُعل له، مفضيا إلى الشر المحض، الذي يفوق كل شر دونه، وإن كان هذا الذي دونه في الظاهر كفرا أو فسقا؛ لأنه سيستصحب معه عند الجاهلين مهابة الدين وحرمته. وهذا في الحقيقة هو ما أدخل الأمة في فتن لم تعهدها من قبل، جعلت طائفة منها، تتوهم أنها وحدها الناجية، تقتل عددا كبيرا من المسلمين، من غير أن تشعر بفداحة ما تقدم عليه. وقد بلغ الأمر ذروته من السوء مع ابن عبد الوهاب وحليفه ابن سعود، عندما استُحلت دماء عدد كبير من سكان الجزيرة العربية، بغرض إكراههم على اعتناق ما سيقلب الدين رأسا على عقب.

    إن ابن تيمية وإن كان مسبوقا بالخوارج زمن الفتنة الأولى في تكفير المسلمين، إلا أنه سينفرد بالتكفير الممنهج، الذي ينشأ عن منظومة موازية للدين الأصلي؛ بعكس المكفرين الأولين الذين كان تكفيرهم عن رأي واحد (فتوى) خالفوا فيه الخصم. وهذا التكفير المنهجي، هو الذي سيُنتج في الأزمنة المتأخرة جيوشا من القتاليين، الذين يكادون يضاهون في الوحشية، ما عرفته القرون الوسطى الأوروبية. ورغم أن النتائج مخالفة لما رُبّي عليه الصحابة، إلا أنه لا أحد يريد أن يعيد النظر في المقدمات عند المتأخرين. وهذا يعني أن الأمر ليس منوطا بالعقل وحده، وإنما تدخل فيه اعتبارات أخرى سياسية، داخلية (من داخل الأمة)، وخارجية. ولسنا نعني بالخارجية، إلا ما كان ذا صلة بالحزب الشيطاني الدجالي العالمي، من وقتها إلى اليوم.

    إن العقل التيمي لما انقطع عن الأصل النبوي، كان لا بد أن يصطنع أصلا يوهم به أتباعه أنه لم يغيّر ولم يُبدّل؛ فقال بمرجعية السلف بحسبه. والسلف ليسوا أصلا في الدين على التحقيق، وإنما هم مظاهر للتدين فحسب. وهكذا فإن كل ما سيعجز ابن تيمية عن إيجاد نص صريح له في القرآن أو الحديث، سيعزوه مرسلا إلى السلف. وسيتلقف ضعاف العقول من ذوي العقل المعاشي مقولته التي تناسب إدراكهم الاختزالي، ليُنشئوا تيارا عريضا في الأمة، سمي جهلا بالتيار السلفي. فكان هذا التيار صورة لجمود العقل المعاشي على ما يتصور أنه كان عليه من يعتبرهم سلفا. فظهر الدين في صورة أقل مما هو عليه العقل المعاشي الكافر، ليرسخ في أذهان المبشرين بالتغريب لدينا، أن النهضة لا يمكن أن تكون إلا بالقطيعة مع الدين نهائيا!... فكانوا مصيبين مخطئين!...

    ولا عجب من أن الأمة مع القرن الثامن الهجري، ستبدأ شيئا فشيئا في الدخول إلى عصر الانحطاط الذي انتهى بها فريسة للمستعمرين من الأوروبيين الذين أعلنوا مع عصر "تنويرهم" التخلص من الدين بالمعنى الذي كان لديهم. وهذا سيجعل أصحاب العقل المعاشي لدينا يرون أن المدنية مشروطة بالتحلل من الدين، قياسا على الأوروبيين. هؤلاء قد خرج من بينهم "مفكرون" ليس لهم من الفكر في الحقيقة، إلا بعض تقليد -على قصور- للفكر الفلسفي الغربي بمختلف مدارسه.

    مع ضعف العقل الفقهي، وظهور المفكرين المستغربين، سينحسر الدين داخل المساجد والزوايا صوريا، ليتوهم جل أهله أنه لا قِبل له بمقارعة العصرنة؛ وكأنه لا بد من مقارعة!...

    وإن الحركة الدينية التي سيتزعمها جمال الدين الأفغاني منذ القرن الثالث عشر الهجري، لن تخلو من أثر للفكر الغربي، الذي سيزداد وضوحا مع محمد عبده ورشيد رضا بعده. وهذه الحركة التي سيقصد أهلها الإصلاح، لن تكون إلا محاولة مصالحة مع العقل الغربي الذي برع في العلوم الكونية حتى صار فيها إماما.

    ولما كانت الغلبة العددية للعقل المعاشي المنبهر بالحضارة الغربية، فإن العقل العربي سيتنازل عن خصوصيته الإسلامية جزئيا، عندما سيعلن المرجعية القومية بديلا عن الجامع الديني. وقد ساعد في ذلك عرب غير مسلمين، وجدوها فرصة لاستعادة حق ظنوه قد سُلب منهم طويلا. من أبرز هؤلاء أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي.

    إن اعتناق العقيدة القومية منذ بدأ، وحتى لما كان بذرة لدى الدولة الأموية، كان سببا في فقدان المنعة الضرورية لمواجهة كل أصناف الغزو الفكري الذي ستتعرض له الأمة، من ذلك الحين وإلى الآن. ذلك لأن المنعة لا تكون إلا سماوية، في معاملة لله رب العقول أجمعين.





    ...............



  14. #14

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -13-



    الهزيمة ونتائجها






    إن العقل العربي الذي غلب عليه الجانب الفقهي الجامد، لم يصمد أمام العقل الغربي المعتضد بالفكر الرياضي والفلسفي؛ لأن برهان الأخير آني راهن، في حين أن برهان الأول قد كاد يقطع مع الراهنية منذ زمن. وإن اعتبرنا العقل العربي شرقيا (وهو كذلك)، والعقل الأوروبي غربيا، فإننا سنجد أنفسنا أمام صنفين من العقل، سيتباريان في جميع المجالات المعرفية. والواجب علينا نحن من منطلق البحث عن الحق، هو أن ننظر في هذا التباري، بما يجعلنا نظفر منه بالحق في النهاية؛ وإلا فإنه العبث الذي يقضي على معنى العقل، والذي قد بدأت دائرته في الاتساع في عصر الحداثة، ليستفحل أمره فيما بعدها، بحسب الاصطلاح.

    وقبل أن نستمر في الكلام، فلنعد إلى معنى الشرق والغرب من جهة العقل؛ لنقول إن العقل الشرقي يتراوح بين العقل الإشراقي والنبوة؛ وهذا هو ما جعل ظهور جل النبوات في الشرق. وأما العقل الغربي، فهو العقل المنوط بالمظاهر الكونية والقوانين الناظمة لها؛ لذلك فهو عقل كفري في غالبيته. هذا من جهة الظاهر والعموم؛ وأما من جهة الباطن وخصوص الأمة، فإن العقل الشرقي شرعي ظاهري؛ والعقل الغربي (المسلم)، عقل ولائي غيبي. وإن عقلين متمايزين، يغلب على أحدهما عكس ما يغلب على الثاني، لا يكونان إلا خصمين (بالمعنى المعرفي) إن وُجدا في حلبة واحدة.

    ولما كان العقل العربي في أضعف حالاته عند دخول العقل الغربي في عصر نهضته، نتج عن هذه المواجهة تأثير للعقل الغربي على نظيره الشرقي، لا زال ساريا إلى الآن. وإن أهم ما أصاب العقل العربي عند انهزامه ما يلي:
    1. أصبح كل علم يأخذ مكانته في حياة الناس، يكون ذلك بحسب ما يُدركون منه عن طريق البرهنة أو التجربة فحسب. وهذا سيُصادم منطق التسليم في مجال الدين، وسيدفع علماء الدين أنفسهم إلى تكلف منطق فكري له، توهموا معه أنهم به قد يُجددون الدين، ويجعلونه مسايرا للعصر. من ذلك، منطق الإعجاز العلمي في الوحي، الذي شاع في زماننا. والعلماء في الحقيقة، ما زادوا على أن أضعفوا المنطق الديني لدى الناس؛ خصوصا إن علمنا أن من العلوم الدينية، ما هو فوق العقل نفسه، وإن كان هذا العقل في أعلى مراتبه المجردة.
    2. لقد أُعطيت الأسبقية في حياة الناس، لما هو ظاهر ومادي ملموس، على حساب ما هو غيبي. وهذا فيه انحياز مخل، لا يخدم الغاية القصوى، التي هي إصابة الحق، كما هو في نفسه؛ خصوصا إن علمنا أن من المخلوقات الطبيعية، ما لا يُدرك بالحواس، كالجن؛ والأمثلة كثيرة في هذا الباب. وهذا يعني أن العقول ستقصر عن إدراك شطر من المحسوسات في النهاية، فضلا عن قصورها عن إدراك الغيب ذاته.
    3. ولقد كان لكل ذلك، نتيجة سياسية حتمية، هي الخروج من الدولة الدينية (خلافة أو ملك)، إلى الدولة التي تُدار بما يتوافق عليه الشعب (نظريا)، وإن كانت محض استبداد. ولقد عمل على تأسيس هذا التحول، نظام التعليم الموروث عن المستعمر، والذي حمل في طياته الخلفية الفلسفية الخاصة به، من دون أن تعي الشعوب العربية ذلك في البداية.
    4. انحصار اعتبار الفوز والخسران فيما هو دنيوي محسوس. وهذا سيُضعف الإيمان بالآخرة لدى الشعوب، ليصل إلى أدنى حد له في المرحلة التي نعيش. بل إن المنفعلين على التمام لهذا التوجه، قد ألحدوا (نبذوا الدين) وصاروا من أتباع العقل الغربي، دون أن يبلغوا التغرب التام، الذي يكونون به غربيين. وهذا من أعجب ما يكون، لو تفطنوا!...

    إن دخول العقل الغربي على الشرقي بهذا العنف، لن يُنهي الصراع بينهما، كما توقع الغربيون وأتباعهم، في مدة قصيرة؛ بل سيفتح موجات من المواجهة، ستزداد حدتها، مع بدوّ عجز العقل الغربي عن تفسير كثير من الظواهر الكونية؛ وعن ضمان قدر من تحكم الناس في حياتهم، بحسب ما يقتضيه المنهج الفكري؛ وإلا، فإن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر من الجميع، وفي كل شيء...

    إن الماديين، لا بد أن يكونوا قد لاحظوا تغير النظريات الفيزيائية، من النيوتونية، إلى النسبية، إلى فيزياء الكم، إلى غير ذلك مما لا ينتهي... إن النظريات التي كانت تؤسس لثبات المادة، حتى يثبت بها غيرها مما هو منبثق عنها، قد انتهى بعضها؛ بعد الغوص في الذرة بدءا من البروتون والإلكترون، ومرورا بالبوزون، إلى الفراغ، بحسب بعض الفيزيائيين. فإن كان الفراغ أصلا للمادة، فماذا سيبقى من المادة، بحسب التصور العام؟!...

    إن العلوم المادية الخاضعة للتجريب والقياس، رغم التقدم الحاصل فيها، لم تساعد على الإجابة عن الأسئلة الوجودية؛ بل قد زادت من إلحاحها؛ لدى العلماء على الأقل. وإن الموت الذي ينتقل معه العباد من هذه الدنيا، التي عُلم منطق فيزيائها، إلى عالم ذي فيزياء مخالفة، لا بد أن يجعل الناسَ يعيدون النظر فيما كان من الثوابت لديهم، عندما تصير متغيرات!... من يمكن أن يُكلّمنا عن النفوس بعد الموت؟... وعن صفاتها والعلاقات التي بينها: الجاذبية، والتنافر، والأحجام، والنفاسة، والتركيب، وغير ذلك؟... أما من لا يؤمن بما بعد الموت، فلا كلام معه؛ لأنه يشبه الأعمى الذي ينكر الأشياء، لكونه لا يراها هو فحسب. وهذا المنطق، لا يُعتبر إلا عند أهله، إن كانوا قد جمعوا بين الحمق والعمى جميعا؛ وإلا فإن العاقل سيستدل بإدراك غيره من الناس على المبصرات ذاتها، التي لا يُدركها هو.

    إن العلوم التي لا تُجاوز الدنيا، والتي هي مع ذلك نسبية وجزئية، لا يُمكن أن يُعتدّ بها، في عالم الأبد؛ ما دمنا نشاهد بالحس قِصر مكوثنا في الدنيا، ولا نشك فيه!... أيكون العلم متعلقا بما هو وقتي، مع تمام الجهل بما هو أبدي باق؟!... لا بد أن الإجابات عن هذه الأسئلة تعود إلى مقدار إدراك المرء للوجود، بما هو وجود؛ لا بما هو ظرف لحياة أولى...

    رغم كل ما يقال وما يُظن، فإن العقل الغربي من أجهل العقول بالحقائق؛ والعقل العربي له في مقابل ذلك باب إليها، لو أنه عرف قدره، ولم يلهث خلف الأول يقتدي به على غير بصيرة...









    ....................

  15. #15

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -14-



    المكان والزمان




    إن إدراك الأشياء على حقيقتها، لا يكون إلا للربانيين؛ لأن معرفة الحقيقة لا تكون إلا بالإذن. ولما جهل أهل الكفر وأهل الغفلة من المسلمين هذا، فإنهم أسلموا الرأي لحواسهم وعقولهم، وظنوا أنهم قادرون على ما يرومون؛ وهيهات!...

    وإن من أصعب الأمور إدراكا، وأشدها غموضا، أقربها إلى العباد وألصقها بهم؛ ومن ذلك المكان والزمان. فالمكان (من المـَكِنَة)، وهو الأصل الذي يستند إليه المخلوق في الحس. وأثره على الإدراك لا يخفى، لأنه محيط مكتنف؛ لا يمكن الخروج عن حكمه إلا لأفراد هم أهل الإطلاق. والإطلاق لا يُتصوّر، ولا يُعلم إلا ذوقا.

    ثم إن حقيقة المكان، التي تكاد تبلغ درجة الوجوب في نظر العقول الضعيفة، لا تخرج عن الإمكان. ومن هذا الباب نُطق السياسيين الكاذبين بعبارة "البقاء للوطن"... والإمكان مصحوب بالعدم على الدوام. ومع أن هذه الحقيقة مقررة لدى جل العقول نظريا، إلا أننا سنجد الأمر مخالفا لما هو عليه عمليا. ولا يشهد إمكان المكان (العالم)، إلا من كان ينظر بالله من العباد؛ وأما غيرهم، فإنهم لا يطيقون ذلك؛ وربما قد تذهب عقولهم، لو لاحت لهم لائحة منه.

    إن كل ما ذكرنا، نريد منه أن القياسات العلمية والاستنتاجات، والتجربة والملاحظة، المعتمدة في معرفة العالم، وفي أحيان كثيرة في معرفة حقيقة العالم، كما يزعم الفيزيائيون وأهل الفلك وغيرهم، ليست إلا إمكانا في إمكان. والممكن حقيقته غير ثابتة، ولا يعطي إلا إمكانا علميا من سنخه؛ إذا توهم المرء يقينيته، فإنه يكون مجانبا للصواب، وواقعا تحت تحكم الوهم. وإن الإمكان الذي نتكلم عنه هنا، ليس الإمكان العقلي الذي قد تستوعبه العقول المحجوبة؛ وإنما هو الإمكان الشهودي، الذي تعده هذه العقول حقا وحقيقة.

    وإذا كان إدراك المكان لا يتأتى لكل أحد، فكيف بالزمان الذي هو ألطف منه. والزمان ألطف من المكان، لأنه نسبة عدمية، ناشئة عنه؛ فكأنه بهذا إمكان الإمكان. ومع أن الزمان بهذا الغموض لدى العقول المحجوبة، فإنه يدخل في جل حساباتها، وكأنه أمر وجودي ثابت. وحتى الذين قالوا بعدمية الزمان، أو أشاروا إليها من الفيزيائيين، فإنهم يفعلون ذلك في عالم التجريد العقلي، ولا يتمكنون من مشاهدة ذلك في الواقع الحسي؛ لشدة غلبة ظلمة النشأة الطبيعية عليهم.

    والنسبية التي يدخل الزمان في تعقلها، لم تكن لتصح لولا عدمية الزمان الأصلية. ومن يتأمل النسبية بجميع معانيها، لن يجدها تخرج عن الإمكان ذاته بوجه ما، والقابل أحيانا للتشعب والتسلسل والتعدد. وأما من يجعلها أساسا ثابتا، للعالم في ذهنه، فإنه سيكون كمن يريد أن يجعل الإمكان أساسا لإمكان ثان؛ وهذا من أشد الأمور مشقة على العقول. ولقد نبه الله تعالى إلى هذا، عبر مثلين ذكرهما لأعمال الكفار (الكفار هنا، هم من لا علم لهم بالحقيقة؛ والأعمال، يدخل ضمنها عمل عقولهم)، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39]. والمعنى هو أن من لا علم له بالإمكان، فإنه يظنه وجودا تاما، ويبني على ذلك معتقداته (ومنها حساباته العلمية المجردة)، فإذا أماط الله له الحجاب، شاهد الوجه العدمي الذي للإمكان، وميزه عن الوجه الوجودي منه، والذي ليس إلا الله. فإذا صح منه هذا العلم، فإنه يعيد حسابه، ليعطي كل ذي حق حقه: الوجود لله، والعدم للصورة الإمكانية. ثم يقول الله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]، ليدل على أن معرفة الإمكان عن طريق التوغل فيه، لا يزداد المرء معها إلا بعدا. والسحاب المذكور، هو التجريد الذي يغلب على العقول، إن هي تمادت في النظر إلى الإمكان بنفسها؛ لأن العقل ذاته إمكان؛ والإمكان لا يُعلم من الإمكان، وإنما من الوجود؛ وهو الذي سماه الله نورا. فمن كان من الناس وجوديا، ذا نور، فإنه سيعلم ما ذُكر؛ وإلا فإنه سيُبعد في الظلمة، إلى حد تنكُّرِه لنفسه، من شدة الحيرة. وهذا هو ما يشير إليه قول الله تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]. فهل بقي لمن لا يرى يده، كلام عما هو أبعد منها؟!...

    وأما القول بتقدم العقل في اتجاه خط الزمان حتما، فلا يصح؛ لأن من العقول التي سبقت في الزمان، ما يشهد بتقدمه في المرتبة، الخاص والعام. والكلام ليس مقصورا هنا على الأنبياء، الذين يُعدون طبقة لوحدهم عليهم السلام؛ وإنما يتجاوزه إلى من هم دونهم. وأما التقدم التقني الذي يتزايد مع الزمان، فإن له صلة بالمظاهر العامة المعاشية، لا بالعقول وحدها. وهذه المظاهر تعود إلى أصل في التجليات الإلهية، يخص عقولا بعينها من هذا الوجه، لا كل العقول.

    وبما أن إدراك الواقع المحسوس، منوط في معظمه بإدراك المكان والزمان، فإنه بانحجاب العقل عن حقيقتيهما، سيُحجب تبعا لذلك عن حقيقة الحس نفسه؛ وهذا بخلاف ما تعتقده العامة من سهولة إدراكه. وهذا يعني في النهاية أن قليلا من العقول من تدرك العالم المحسوس على حقيقته؛ ويعني أيضا، أن الإدراك العقلي نفسه، لا بد أن يعود على الحس؛ وإلا فإنه يكون مقطوعا، لا فائدة منه.

    ومن ينظر إلى مسيرة العقل المفكر، عند الكافرين، فإنه سيجده -رغم إنجازاته التي يتوهم أنها له حقيقة- لا يتمكن من التحكم في مآلات الأمور؛ وأنى له!... وإن العقل العربي المسلم، بسبب انهزامه المرحلي أمام العقل الغربي، لم يخن نفسه فحسب، وإنما هو قد خان نظيره الآخر أيضا، لإقراره له على ما هو عليه، من غير تبيين للشروط وللنتائج، كما هي بالتفصيل.

    ورغم أن العقل العربي -كما كان زمن الغزالي- قد كان منارة يُهتدى بها؛ إلا أنه في الأزمنة المتأخرة، قد تخلف حتى عاد يستهدي بالعقل الكافر، من غير تحرج؛ {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22].







    ...........................

  16. #16

    رد: العقل العربي ومآلاته


    العقل العربي ومآلاته -15-






    شرف الحس






    إن كثيرين يظنون أن الدين يتجاوز الإدراك الحسي، وينقطع تبعا لذلك عن الواقع، جزئيا على الأقل. وهذا ما أدى منذ البداية، إلى عدِّه ميتافيزيقا لدى الأقدمين. وقد أكد هذا الوهم، الفهم المغلوط للزهد، من كونه حالا للمؤمن. والحقيقة هي أن الدين يحث على التخلص من تأثير الحس من جهة التربية فحسب، حتى يتمكن العقل من الانطلاق شطر المعارف العليا؛ لكن هذه المعارف نفسها، لا بد أن تعيده إلى الحس، بوصفه تكثيفا للحقائق في أبهى صورة ممكنة. فإن لم تُعده إلى الحس، فإنه يكون غير كامل بالتأكيد؛ وإن بدا غير ذلك، لمن لا علم له. ولقد نشأت عن هذا الجهل بحقيقة الدين، نزعات متطرفة في التزهد، كما كانت الرهبانية عند النصارى.

    وأما قول الله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]، فيدخل فيه الكافرون بالمعنى الأكبر والأصغر؛ ونعني أهل الكفر والعامة من المسلمين. وعلمهم بظاهر الحياة الدنيا وحده، يعني جهلهم بباطنها، الذي منه حقيقة الحس. لهذا، فمن يزعم من أهل العلوم الكونية علما بالمحسوسات (المادة)، فإننا نكذبه، ونقول له: إنما تعلم بعض ظاهرها. كل هذا، لأن الحقائق تظهر في الظاهر وتبطن في الباطن؛ وهي هي.
    وأما إمكان الحس، فلا يعلمه إلا العارفون، ولا يشهده على الدوام إلا الأكابر منهم. وهو من أعجب ما يطلع الله عباده عليه. ولا يشبه ما ندل عليه هنا، إلا ما نراه من حقيقة الكمبيوتر، الذي لا تكون فيه المعلومات على اختلاف أجناسها، إلا أكوادا مركبة من الآحاد والأصفار. وإن أردنا المطابقة بين الحس والكمبيوتر، فإن الواحد سيكون للوجود الظاهر، والصفر للصورة العدمية، حيث كانا. والمجموع العائد إلى الواحد والصفر معا، هو الإمكان الظاهر في صور كل الممكنات.

    والأشياء تكون مجموع إمكانات على حسب التركيب الذي فيها. وكل ما هو وجود فيها، هو آحاد؛ وكل ما هو أعدام هو أصفار. وهكذا يكون لكل مشهود في العالم، كود لا نظير له؛ وهو الاستعداد. وعلى هذه القاعدة، ينبغي فهم القرآن، عندما يُثبت أو ينفي. غير أن ما نذكره هنا، لا تتمكن العقول المظلمة من إدراكه، وإن كانت من أعلاها. وهذا هو السبب في جهل الفيزيائيين والفلاسفة لحقيقة العالم، وإن أرادوا مقاربتها من وجوه عدة قد تبهر العامة.

    وإن كانت العقول، تعجز عن إدراك الحس وهو الأقرب إليها، فكيف تزعم بعد ذلك إدراكا للحقيقة الكلية؟!... وأي إدراك حسي، هذا الذي ينتهي إلى إدراك العدم؟!... نقول هذا، لأن كل العقول العلمية التجريبية، رغم يقينها أنها على علم ثابت صحيح، ليس لها من العلم إلا الاسم. وأما الفلاسفة، فهم صبيان العقلاء؛ يتشبهون بمن لا يبلغون شأوهم من جهة ظاهر المعنى. ثم إن حقيقة العلم، لا تؤخذ من جهة العادة والتلقين، اللذين يكونان عن التربية الاجتماعية؛ ولكن عن الله الحق رب العالمين. ولسنا نعني هنا فهم القرآن بآلة العقل؛ وإنما نعني فتح الله لعباده في كلامه. وهذا هو ما سميناه سابقا التلقي؛ ويسميه غيرنا (ونحن معهم) الكشف.

    إن المحسوس، لا يدل حتما على الثبوت، كما تتوهم العقول الضعيفة. وإن اختلاف العوالم مع اشتراكها في كونها محسوسة، لا يعني أنها مدركة دائما. والتوازي الحاصل بين العوالم والتقاطع، لا يكون دائما مدركا للجميع. وبهذا يكون الإدراك الحسي لدى المدركين نسبيا من غير شك. فإذا أضفنا هذه النسبية العامة، إلى النسبية الخاصة، التي تجعل العالم الواحد، غير مدرك إلا جزئيا من جهة الحس؛ فإنه سيظهر مدى غياب إدراك المحسوس بالمعنى الشامل. هذا إن لم يزد العقل الضعيف من تحريف الإدراك الحسي، فتصير الظلمات طبقات، بعضها فوق بعض.

    إذا كان العقل (المشترك)، لا يدرك المكان والزمان على حقيقتيهما، ولا يُدرك المحسوسات على حقيقتها، فماذا بقي له من الإدراك!... وإن من تكون حاله هذه، ولا يبحث عن تقويم لإدراكه، ويمضي على ما هو عليه، إلى حين انقضاء عمره، لا يصح أن يُعد عاقلا، إلا عند من هو أضعف منه عقلا!...

    أما إذا كان المكان أمكنة، والزمان أزمنة، فللمرء أن يتصور مدى الجهل بالحس. ومن كان على هذا الجهل، فكيف يزعم أنه يعلم سبيله في العالم! وكيف يكون آمنا على نفسه، مع كل هذا الجهل!...

    إن الحال التي نشير إليها، هي ما سماها الله غفلة مرة، وسماها عمى وصمما مرة. نعني أن من لا يرى العالم على حقيقته، فما رآه؛ وهذا هو العمى. ومن كان أعمى، فكيف يوثق في وصفه للعالم، وهو لا يراه!... يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

    إن العمى والصمم اللذين ورد ذكرهما في القرآن، يفهمهما كثير من الناس على أنهما مجاز؛ وهما حقيقة!... لا يعلم حقيقة العمى إلا من رد الله عليه بصره؛ ولا يعلم حقيقة السمع، إلا من أسمعه الله!... {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21]؛ أي: لا تظنوا أنكم تسمعون، في حال كونكم لا تسمعون!... الحكم منكم لا يصح!...

    وعن ابن سلام رضي الله عنه، وقد كان يهوديا فأسلم، أنه قال: [إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يعني في التوراة): إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ. أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي؛ سَمَّيْتُهُ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ؛ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ. لَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ، بِأَنْ يُشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ نَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًا، وَقُلُوبًا غُلْفًا.]
    [1] . فمن أراد من الناس أن يُفتح قلبه وحواسه، فعليه أن يلتمس النور من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الفاتح لما أغلق. وسيجد هذا الوعد الإلهي حقا، وسيفرح بنعمة الله عليه.

    لكن المسلمين، الذين يزعمون في أنفسهم أنهم أتباع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، قليل منهم من يجد ما ذكرنا. وقد زاد بعضهم أن شك في الدين، وتوهم أنه كغيره من الأديان، مبني على أقوال ملفقة، لا أساس لها. والحقيقة هي أن الخلل في المسلمين وفي اتِّباعهم. ولو أنهم حققوا الاتباع، لصحت لهم النتائج. ولولا أن الفقهاء قد غشوا الناس بإقرارهم على الباطل، لسهل عليهم تمييز ما نقول من أول نظرة.


    [1] . أخرجه الدارمي في سننه.





    .....................

  17. #17

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -16-


    تقهقر العقل الفقهي






    إن العقل الفقهي هو العقل المفكر لدى العرب المسلمين؛ والمفكرون بالمعنى الخاص، هم الفقهاء كما هم في الحقيقة. والشرع الذي أباح للفقهاء استعمال الفكر، فإنه قد حد لذلك حدودا، منها أن يكون الفكر في مجال الأحكام، الذي هو من التشريع القانوني بالمعنى العام. ولم يُجز الشرع للفقهاء إعمال الفكر فيما عدا ذلك، إلا فيما هو مشترك بينهم وبين عموم المسلمين من اعتبار. وأما العلوم الدينية مما سوى الفقه، فليست منوطة بالفكر، وإنما بالإلقاء (الكشف). وهذا يكون بحسب درجة قرب العبد وتنوّره. والخلط بين الفقه بالمعنى الاصطلاحي، والفقه بالمعنى اللغوي، كان من غير شك، من أسباب التخلف، التي ننبه إليها هنا. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.»[1]، فإنما كان يعني التفقيه الرباني الكشفي بالدرجة الأولى. وإذا كان المعنى الاصطلاحي يدخل ضمن الحديث، فإنه لا بد أن يكون في الدرجة الثانية. ولكنّ الفقهاء بقصرهم المعنى على ما يناسبهم، قد عملوا على تحريف الدين تحريفا خطيرا، نشأت عنه جل الأضرار التي تعاني منها الأمة اليوم.

    وأما من جهة ثانية، فإن الفقه قد زاد ضعفا عندما بدأ يشتغل به أصحاب العقل المعاشي، الذين هم غير مؤهلين لذلك. وقد وقع هذا، عندما صار "التفقه" سببا للارتزاق ونيل الحظوة عند أهل الدنيا. وبما أن المعاشيين لا يهمهم إلا الرزق، فقد صار الفقه معهم حرفة كسائر الحرف. والعامة لا يميزون بين الفقيه الأصلي ذي الملكة، والفقيه المعاشي؛ فنشأ هذا الخلط الذي هو من أقوى أسباب تخلف الأمة بلا ريب.

    وإن كان الفقهاء الأصلاء، يتقون الله في علمهم ويتحرون إصابة الحق، فإن المرتزقة قد صاروا يبيعون الفتوى لمن يدفع أكثر. بل إنهم سيوالون في بعض مراحل تاريخنا، الأجنبي الذي قد يكون عدوا للأمة، وسيفتحون له بابا إلى تحقيق أغراضه؛ وهذا من أسوأ ما وقع لنا.

    لقد دخل الالتباس على المسلمين منذ القرون الأولى، عندما لم يجدوا أئمة الفقه يتكلمون عن فقه القلوب، وعن حلالها وحرامها؛ فظنوا بذلك أن الدين لا يتجاوز الظاهر من الأحكام. ولقد كان حريا بالأئمة أن يدلوا على أولئك الذين يفوقونهم في العلم بالدين، حتى يُبقوا الدلالة على الدين كاملة. نعم، لقد فعلوا بعض ما ينبغي فعله مع الأئمة من آل البيت عليهم السلام، زمن الأمويين والعباسيين؛ لكن الأثر كان قليلا، إن نظرنا إلى النتائج النهائية اليوم. ولا يخفى ما كان يتعرض له أئمة الفقه من إرهاب الدولة، منذ بداية عهد الأمويين؛ وإن كنا نرى أن إعلان الحق وتبيين أحكام الدين، كانا يقتضيان أكثر مما فُعل في مواجهة الاستبداد، من غير شك.

    إن كان الدين منذ القرون الأولى قد تعرض للتحريف، بالقدر الذي كان، فما الظن به عندما ستحتك الأمة بالحضارات المختلفة إبان الفتوحات؟! وما الظن عندما تُستعمر بلاد الإسلام ويحكمها من هو على ملة أخرى؟!... وأما اليوم، فالأمة في أضعف حالاتها، بسبب التشوهات المتراكمة؛ وبسبب النفوذ الدجالي، الذي صار أهله يسيطرون على العالم اقتصاديا وعسكريا.

    إن العقل العربي اليوم، قد عاد من أضعف العقول في العالم؛ لا لأنه ضعيف من جهة الاستعداد الأولي، ولكن لأن التربية التي تشكل معالمه سقيمة، تعمل بعكس الفطرة، وبعكس المنطق العقلي. وهذا الصنف من التربية، الذي تأباه العقول السليمة حيث كانت، لم يكن ليستمر فينا القرون بعد القرون، إلا بالقهر. وهذا هو ما دأب عليه جل حكامنا، منذ معاوية وإلى المماليك الجدد اليوم.

    إن أمة كان يُلعن فيها علي عليه السلام على المنابر منذ القرن الأول، وهو عقل رباني كامل مبرّز، لا بد أن أمرها سينتهي إلى الحضيض (من جهة الظاهر). إن كان حب علي علامة على إيمان صاحبه، وبغضه علامة على نفاقه كما أخبر هو نفسه عليه السلام بقوله: "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِق!"
    [2] ؛ فما القول فيمن يلعنه؟ وفيمن يسمع لعنه ولا يتمعر وجهه لذلك؟ وما حكم مسجد يُلعن فيه؟ وما حكم صلاة تنتهي بلعنه عليه السلام؟...

    إن الفقهاء الأولين قد قصّروا من غير شك، في إعلان الحق وقتها؛ وإن كنا نعلم الشدة التي كانوا فيها. لكنّ السكوت على شناعات كهذه، لن تقتصر آثاره على زمانها. ومن ينظر إلى حال الأمة اليوم، سيجد تلك الآثار حية جديدة متزايدة مع الزمان. إن هذا التصرف العنيف من قِبل بعض حكام الأمويين مع إمام كعلي عليه السلام، قد ولّد تيارا مضادا، قابل اللعن باللعن، والبغض بالبغض. فصارت الأمة في شطر منها، متوزعة بين نواصب وروافض، ينبغي العمل على الحد من شرورهم أجمعين.

    إن الفقه اليوم، لا بد أن يخرج عن هيمنة العقيدة، التي تجعله شيعيا أو سنيا؛ لأنه في أصله يُعنى بالأحكام العملية. ولو استطاع الفقهاء من الجانبين، العودة بالفقه إلى حياده الأول، لتحققت للأمة أولى الخطوات المفضية إلى وحدتها الواجبة. وإن المرء ليعجب كثيرا، من علماء زماننا من الجانبين، كيف يعجزون عن التزام المنهجية العلمية وحدها، في أقوالهم وأفعالهم. لا شك أن السلطة السياسية، ما زالت صاحبة الكلمة في هذا الأمر؛ لكن مع ذلك، لو كان العلماء علماء حقا، لكانت لهم بعض سلطة علمية، تعيد لهم شيئا من مكانة، فقدوها بسوء صنيعهم...


    [1] . متفق عليه، عن معاوية رضي الله عنه.
    [2] . أخرجه مسلم في صحيحه.











    .................................

  18. #18

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -17-

    العقلانية والإيمان





    إن من أسوأ السوء الذي دخل على العقول، الفصل بين طريقي الإيمان والعقل؛ وكأن الإيمان مرادف دائما للخرافة. والحقيقة هي أن الإيمان بالحق، دليل على كمال العقل؛ لأن الإيمان في نفسه علم مجمل. وهو من هذا الوجه، يشبه الحدس الذي يقول به العقلاء؛ وإن كان الإيمان أقوى في المرتبة لربانيته. والفرق بين الإيمان والعلم بحسب العرف، هو أن المؤمن يجد الشيء في قلبه (عقله)، ولا يتمكن من البرهنة عليه برهنة تلزم العقول المجردة. وعلى هذا، فإن العقل المعادي للإيمان، والذي يراه مخالفا للأصول العقلية، إنما يدل على قصوره، وعلى عدم ضبطه للمعاني التي يخوض فيها فحسب.

    وأما إن كان القائل ماديا، لا يقبل إلا ما تشهد له التجربة ويضبطه الحس؛ فإنا نقول له: ليس كل العالم مادة، ولا كله خاضعا للحس. وإن لم تكن تدرك هذا، فاعلم أنك تعيش في عالم وهمي، تظنه العالم الأصلي. وهذا يشبه ما يحدث لبعض المرضى العقليين، الذين يُمضون عمرهم كله داخل عالمهم الخاص الوهمي، والناس ينظرون إليهم من الخارج على أنهم أسوياء. ولن ندلل على ما نقول هنا بالأمثلة، لأن المقال لا يتسع لذلك.

    إن الإيمان، يفتح الباب للعقل، من أجل تحصيل العلم الذي يخرج عن الماديات (ظاهرها)، بما هي مشتركة بين المؤمنين والكافرين؛ وعن التفكير، بما هو عمل بشري قاصر. إن العلم الناتج عن الإيمان، يتدرج بصاحبه في مراتب التطهير، لتنتفي عنه الشوائب المانعة من تلقي العلم، عن العليم الخبير سبحانه. ثم بعد ذلك، يهجم عليه العلم من كل جهة، ليعلم به حقيقة كل معلوم، ويعلم مرتبة هذا المعلوم، والحكمة من ظهوره في عالمه، سواء أكان العالم ماديا، أم معنويا روحيا، أم برزخيا. ولكل صنف من هذه الأصناف فروع، منها ما يدخل في عالم الشهادة، ومنها ما هو غيبي، ومنها ما هو بين ذلك.

    وأما الذي حدث خصوصا بعد مرحلة الاستعمار، فهو نكوص العقل العربي عند المقلدين للمستعمر، من مستوى العقل المسلم (المؤمن في أولى المراتب)، إلى العقل المجرد؛ مع الزعم بالترقي عن العقل الخرافي (الديني)، إلى مرتبة العقل الحر. وقد أثر هذا التصور على كثير من أصحاب العقل المعاشي، عندما ظنوا أنهم بفعل التعليم العمومي، قد أصبحوا من جملة المفكرين. وقد أدى هذا الخلط، إلى ما يشبه ما أدى إليه دخول العقل المعاشي مجال الفقه؛ ولسنا نعني إلا النزول عن المرتبة إلى ما دونها.

    وإن العقل المعاشي المؤمن، رغم كل المحاولات، لم تستطع موجة التغريب صرفه عن الدين، وإن كانت قد أثرت فيه بنوعين من التأثير: أحدهما الإضعاف الناتج عن التشكيك في كثير من المسائل؛ والثاني التسبب في ظهور تيار مواجه، يعتمد العنف المادي، حيث أعوزه الحجاج العقلي. وهذا الوضع هو الماثل اليوم للأنظار، وإن كان الأفرقاء الوطنيون في الدول العربية يريدون إخفاءه، ليتسنى لكلّ منهم زعم الريادة والقيادة معه، عن طريق المغالطة السياسية، التي يراها المتخلفون وسيلة لغلبة الخصوم.

    لا بد لنا أن نعترف أن الدين لدى غالبية العرب، لا يعدو أن يكون ثقافة، تجتر معها المجتمعات بعض مظاهر التدين، من دون أن تحاسب أنفسها على النتائج التي ثبت تحققها للمؤمنين الأولين. ولا يخفى تلفيق علماء الدين للأجوبة عند الأزمات والإخفاقات والهزائم والتناقضات. فهم -بعكس المطلوب- يعتمدون أسلوب التسويغ، بدل النقد المنهجي الذي لا يقبل العلم سبيلا سواه.

    ومما أعمى أعين النخبة المثقفة العربية عن حقيقة الوضع، صدورهم عن النموذج الغربي فكرا وتاريخا. وهذا جلي، بما أن الفكر الغربي، لا يمكن أن ينفصل عن تاريخه. ولكن أصحابنا، لم يعلموا أنهم بانسياقهم خلف الفكر الغربي بإخلاص، قد انسلخوا من سياقهم التاريخي الخاص، وعادوا لاجئين بالمعنى العقلي، قبل أن يكون شطر منهم لاجئين سياسيين في البلدان الغربية، بعد أن فقدوا الرابط ببلدانهم الأصلية، بسبب الاستبداد السياسي الأعمى.

    إن طبقة العلمانيين من مجتمعاتنا، هي جزء لا يتجزأ من هويتنا حاضرا ومستقبلا. وإذا كانت مجتمعاتنا قد أصيبت بالفصام الثقافي، الناتج عن الاختلاف على الدين، فإن المثقفين المستغربين وجه من هذه الشخصية المرضية، التي لا بد لها من تصالح مع نفسها، إن كانت تبغي بلوغ العافية. وهذا يعني أن اتخاذ الإسلاميين (من التياريْن السلفي والإخواني) العلمانيين هدفا لسهامهم -بغية نفيهم من بلدانهم معنويا على الأقل- ليس أمرا مفيدا للمجتمعات العربية، ولا خادما لها محليا وعالميا. ذلك لأن الأعداء الخارجيين، يراهنون دائما على الانقسامات الداخلية التي يغذونها لوجستيا على الدوام. لكن هذا من جهة أخرى، لا يعني أن نختلق وحدة زائفة بين الأفرقاء والمختلفين داخليا، كما هي عادتنا عند إرادة تجاوز الأزمات، التي ما تلبث أن تتعاظم وتتراكم.

    إن المطلوب من الطبقة التي تزعم العقلانية عندنا، أن توطن نفسها على منازلة علمية بينها وبين الخصوم؛ لأن هذا هو الحل الوحيد لما نحن فيه. وأما التمادي في تبني خطاب ما يسمى عصر النهضة عند الأوروبيين، في مجتمعات عربية مسلمة، تنطلق في تصوراتها من حضارة مختلفة، وتنفرد بسياق تاريخي مستقل، فإنه لن يكشف إلا عن ضعف مدعي العقلانية، إن لم يكن دالا على انخراط محتمل، في تنفيذ مخططات أجنبية. هذا بالإضافة إلى أن عدم قبول المنازلة الفكرية، سيعطي صدقية للخصوم المتحاملين، الذين لا يريدون خوض غمار النزال، بسبب ضعفهم في أنفسهم هم أيضا، لما هم عليه من جهل جزئي بالدين، ومن مخالفة لبعض أحكامه.

    إن الاستمرار على ما نحن عليه، لا يخدم مصلحة شعوبنا من أي وجه من الوجوه؛ بل يخدم المتطرفين من العلمانيين ومن الإسلاميين على السواء، الذين يخدمون بدورهم -بتجافي بعضهم عن بعض- المشروع الدجالي العالمي دون خفاء. وعلى هذا، فإن على العقلاء من أبناء الأمة، المسارعة إلى الخروج من هذا الوضع بأسرع ما يمكن؛ من أجل اختصار الوقت والإعداد لما هو قادم من مواجهات على الصعيد العالمي؛ وإلا خسرنا خسرانا عظيما، تحاسبنا عليه الأجيال السابقة واللاحقة عند ربنا.







    ...............

  19. #19

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -18-


    الفكر والكفر




    إن الأمة العربية لما داخلتها الثقافة الكفرية من المستعمر، لم تنصع لكل ما أُريد منها، حتى قُدّم لها في قالب فكري تتوهم معه أنها مختارة في أمرها. ولقد كان الفكر الفلسفي أول ما تقبلته في شطر منها، على أنه إنتاج إنساني، لا تحده الحدود المادية ولا المعنوية. والحقيقة هي أن الفكر الفلسفي سيعود بها من جهة المرتبة المعرفية إلى ما قبل الإسلام. وهذه من غير شك ردة منهجية، قد أفضت فيما بعد إلى ردة حقيقية لدى بعض من عمل فيهم الفكر عمله، من غير أن يتنبهوا.

    والفكر ضمن البراديغم الإسلامي، ليس اعتباطيا كما هو عند العقل الكافر؛ لأن المؤمن على هدي في معظم أمره، يُغنيه عن التعمل. وهذا الهدي، هو النور الذي ورد ذكره كثيرا في القرآن، كما في قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]. والفكر بالمقارنة إلى هذا النور الإلهي، هو كالعصا التي لا يستغني عنها الأعمى، أو من يسير في الظلام. وإن الأمة لما عادت إلى الفكر العام، قد ألزمت نفسها بالنزول من السير على نور، إلى السير على ظلمة. وإن ما يجده بعض المفكرين من تشابه بينهم وبين المفكرين العالميين، يجعلهم يأنسون لما هم عليه، إنما هو دليل نكوص لا دليل تقدم. فإن قيل إن الله قد أمر عباده بالتفكر في آيات كثيرة من القرآن، كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]؛ فإننا نجيب بأن التفكر لا يستغني عنه العقل المؤمن في المرتبة الدنيا من الدين (مرتبة الإسلام)، لعدم الأهلية للتلقي عن الله. والتفكر وسيلة للاعتبار، الذي يهتدي به العوام إلى الآخرة، وما يقرب إليها من عمل؛ كما أن التفكر وسيلة الفقهاء في تبيّن الأحكام -أئمة ومقلدين- لبعدهم عن الكشف ولقصورهم عن طريق النبيين والوارثين. والله إنما شرع لعباده، ما يتمكن العامة من المؤمنين معه بحسب استعدادهم، من إصابة سبيل السعادة. وأما أن يُجعل الفكر شرطا في تحصيل المعرفة، فهو من الخلط الذي دخل على الأمة، من قِبل المضلين والجاهلين.

    إن الله قد دل على ملازمة الفكر للكفر، عندما ذكر حال الوليد بن المغيرة، في التفكر فيما يصرف به الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يشبه ما يعرفه عصرنا من صنوف الحرب الإعلامية، التي يعتمدها الأعداء. فقال الله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} [المدثر: 18]. ولو كان الفكر منزها عن الضلال والغلط، لما كان وسيلة إلى معاداة الحق قط. ولو تأمل الناس اشتراك الكفر والفكر في مادتيهما، لعلموا أن أكثر الفكر هو من الكفر، وأن أكثر الكفر هو من الفكر. ولو عدنا إلى جل المفكرين في العالم (وعلى رأسهم الفلاسفة)، لوجدناهم كافرين. ولقد أعجبني مؤخرا، ما سمعته من "لوك فيري" (أحد متفلسفي فرنسا وملحديها)، عندما رفض المزاوجة بين الفلسفة والدين، لاختلاف طريقيهما؛ وهذا حق غاب عن كثيرين. فأي منقبة للفكر بعد، وهو لا ينفع أصحابه، بأن يوصلهم إلى طريق السعادة!... وفي المقابل، كم من سعيد من المؤمنين، لا يبلغ مرتبة المفكرين، ولا يجاوز مرتبة العقل المعاشي!... نعني أنه كم من أبله سيدخل الجنة، وكم من مفكر مرموق سيدخل النار!... فالعبرة ليست بمقدار مرتبة الفكر، وإنما بإصابة الحق، ولو من طريقٍ غيره...

    لقد خرج في أمتنا مفكرون، راموا نقد العقل العربي والمسلم، كعابد الجابري وأركون؛ ولكن نقدهم لم يكن عربيا ولا إسلاميا؛ بل كان نقدا غربيا من الجهة المنهجية ومن الجهة الفكرية، وإن كانت اللغة عربية لدى البعض. أما النقد العربي أو الإسلامي الداخلي، فنادر؛ لأن المناهج البحثية المعتمدة غربية في الغالب (الفيلولوجيا والهرمنوطيقا...)، وهي تكاد تطبع كل البحوث الجامعية، في قطيعة شبه تامة عن الهدي الإلهي بالمعنى الحقيق، لا بالمعنى النصي (الذي يكون الانطلاق فيه من النص). بل إن مناهج البحث الغربية، قد بدأت تتسرب إلى العلوم الشرعية ذاتها (بحسب الزعم)، حتى صار بعض الدارسين يرومون إعادة تناول تفسير القرآن على ضوئها، إن كان لها من ضوء. وصار يُنظر في إثبات صحة الحديث، إلى موافقته الأصول العقلية؛ إلى غير ذلك مما هو من المستحدثات التي لا شبهة في مخالفتها للأصول الأولى التي كان عليها المؤمنون الأولون.

    إن جل الإنتاج الفكري الديني، لا يمكن أن يُعد دينا، وإن رام أصحابه تمييزه عن الفكر العام المجرد، ليستميلوا من لا علم لهم إلى ما يرون أنه يخدم أغراضهم. ومع كثرة الإنتاج الفكري في المرحلة الأخيرة بالمقارنة إلى الأزمنة السابقة، فإن الأمة قد دخلت فيما زاد من جهلها بحقيقة الدين، وباعد بينها وبين تحصيل الترقي، بحسب المنطق الديني عينه. كل هذا، وهي لا تميّز حالها، ولا تتبيّن مدى مخالفتها للأصل؛ إلى الحد الذي ما عاد المرء من المتدينين، يتجاوز فيه المرتبة الأولى من الدين، إن سلمت له من التشكيك والتلبيس. وهذا في المجمل، هو سبب الضعف الذي يوجد فيه العرب اليوم، وإن كانت لهم من المؤهلات المادية، ما يجعل كبرى القوى العالمية تحسدهم عليه.

    إن إشاعة ربط التقدم بالفكر مطلقا وعلى التعميم، بين الناس، هو من التدليس الذي يُراد منه في النهاية التسوية بين الحق والباطل. وأما الفكر المتعلق بالعلوم الكونية المضبوطة، فيعدّ من المشتركات الإنسانية التي لا خلاف عليها. ولكن هذا الصنف الأخير من الفكر، الذي لا يلبث أن يتبلور تطورا صناعيا أو تقانيا، لا يقوى في النهاية على أن يتجاوز مرتبة الخدمة للفكر الفلسفي السياسي بمختلف مشاربه. وهذا هو ما يجعلنا نصرّ على تنقية العقل لدينا، من الشوائب المانعة عن عيش الأمة وفق شريعتها.

    إن الفكر من كونه سيرا عقليا في الظلام، هو أكثر عرضة للتلبيس الإبليسي، الذي يختلط فيه الحق بالباطل على من لا نور له. وهذا يعني أن الرعاية الفكرية التي نشهدها في زماننا، من قِبل جهات عالمية تزعم أنها عاملة من أجل مصالح شعوبنا، ليست بريئة، ولا هي بعيدة عن التوجيه الدجالي العالمي. ولو أن الناظر تمعن فيما يُمرر إلينا من آراء ومن مقولات، لسهل عليه تبين ما نشير إليه...

    إن إعادة الفكر منا إلى نصابه، ليست سيرا في اتجاه عكسي لما هو المطلوب، ولكنها حد من الأضرار الناجمة عن الإضلال المحلي والعالمي؛ خصوصا وأن أغلب المفكرين لدينا، لا يرقون أن يُعدّوا من هذه الطبقة حقيقة؛ وإنما هم من المعاشيين، الذين يشتغلون بما ظاهره فكر، لسبب من الأسباب. وإن المجتمع المسلم في خصوصيته، في غنى عن كثير من الفكر بالمعنى المعروف اليوم. ولو أن مجتمعاتنا حافظت على البنية الأصلية التي تمنع اشتغال العوام بما ليس من طورهم، لكفيت هذه الشرور التي صارت تتوالد يوما عن يوم، على أيدي سفهائها.

    إن المساواة بين الناس في المرتبة العقلية، بالنظر إلى الفكر وحده، كما يُراد للأمر أن يكون اليوم، هي مغالطة للعقول الضعيفة، من أجل إدخالها في فوضى معرفية، ترفض معها الهدي الذي يأتيها على أيدي من هم من أئمة الدين حقيقة. ولسنا نعني بالأئمة هنا العلماء التقليديين، لأنهم -من غير شك- سبب من أسباب هذا الخلط الذي استفحل حتى كاد أن يقضي على العقل نفسه...








    ............................

  20. #20

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -19-


    الفكر السياسي

    إن الانحراف السياسي الذي وقع في شؤون الحكم ما بعد النبوة والخلافة، ومنذ العصر الأموي، قد جعل الفكر السياسي العربي الإسلامي، يلقي بظلاله على التدين من الجهة العقدية على الخصوص. وهذا الخلط الذي وقع بين السياسة (بما هي ميل وترجيح لا بما هي أحكام) والعقائد، لم يكن ليساعد على الإبقاء على أصل الدين، ولا على وحدة الأمة.

    ولقد زاد من حدة الأمر جهل جل الفقهاء بأحكام الحكم، التي تختلف بين الخلافة والملك، قبل أن يدخل عليها الفكر الاشتراكي أو الديمقراطي بعد ذلك، ليزيدها انبهاما. ومن أول ما كان ينبغي التنبيه إليه في هذه المسألة، هو أن الخروج من النبوة إلى الخلافة ثم إلى الملك، هو حتمية قدرية، لم تكن الأمة لتتمكن من فعل عكسه، وإن توهم المتوهمون ذلك. ثم إن أحكام الحكم الظاهرة، والتي هي مما يعتني به الفقه من جانب التحليل والتحريم، ليست قدَرا كما يتوهم العامة؛ وإنما هي معيار لما يكون من شأن الحكام؛ على الصورة عينها التي تُقيَّم الأفعال الفردية فيها بالرجوع إلى أحكام الشريعة العامة. ثم إن الحكم في نفسه ليس غاية، بحسب ما يفهم منه الفاهمون؛ وإنما الغاية الله والآخرة. نقول هذا، لأن كثيرا من الجاهلين، يرومون الكمال في الدنيا، إلى الدرجة التي لن ينقصها عندئذ، إلا الخلود لتعود آخرة. وهذا مجانب للصواب من جهة العلم، الذي ينبغي أن يعتبر المتغيرات، والتي من بينها المخالفات الشرعية المتعلقة بالحكم خصوصا.

    ولما اشتغلت العقول الضعيفة بالأمور السياسية، فإنها سريعا ما دخلت في أيديولوجيا يُعمل لها من قبل بعض الجماعات والأفراد. وبما أن هؤلاء لا علم لهم بما يتعلق بالقدر من علوم وآداب، فإنهم سيدخلون في مخالفات شرعية جماعية وفردية، تفوق تلك التي أرادوا الفرار منها أول الأمر. وهذا هو عينه الذي نراه في زماننا، بعد المصائب التي حلت بالشعوب العربية، من وراء عمل الجماعات الحركية الإسلامية.

    نحن هنا لا نريد إقرار الحكم الملكي (يدخل في معناه الحكم الجمهوري أيضا) في البلدان العربية، على ما هو عليه من مخالفة لأصول الحكم الشرعية؛ وإنما نبغي التوفيق بين الأمر الشرعي والقدر المحتوم. فإن امتنعت إقامة الحكم الشرعي في زمن ما، فإن الشريعة تقتضي طلب موافقتها في التفاصيل المتاحة دائما. وهذا يخالف ما تدعو إليه الجماعات الحركية من منابذة الحكم القائم، والعمل خارج السياق العام، إلى حين إقامة حكم شرعي بحسب الزعم؛ لأن في هذا الفعل تعطيلا لأحكام الوقت، التي يمكن أن يكون من بينها التعاون على البر والتقوى، والنصيحة وتغيير المنكر. وهذا مجال واسع من فقه العمل السياسي، لن نخوض في تفاصيله لاتساعها.

    إن المسلمين اليوم، يكادون يُجمعون على الكفر بصلاحية نظام الحكم الشرعي، كما هو في أصله. أولا، لجهلهم بأصول هذا الحكم العلمية؛ فهم لا يكادون يميزون، إلا بعض ما يتعلق بالعدل والأمانة فيها؛ وثانيا، لأن تصورهم للحكم لا يخلو من أمور دخيلة، وردت عليهم من الفكر السياسي العالمي. وإن التوفيق بين الشريعة والفكر العالمي (الديمقراطي على الخصوص)، لا يكاد يخلو منه علم علماء الدين اليوم، فضلا عن العوام الذين تربوا تربية هجينة منذ صباهم. بل إن شطرا كبيرا من المسلمين، ما عاد يطلب إلا الديمقراطية، من دون أن يعلم أصلها، ولا مدى موافقتها أو مخالفتها للشريعة؛ وكأن أمر الحكم صار اجتهاديا، لا أصل له في الوحي (النصوص). بل إن كثيرا من المفكرين الإسلاميين، صاروا يقولون صراحة، بعدم وجود نموذج إسلامي يُعد التزامه عبادة من جملة العبادات؛ وإنما يرون أن الدين قد ترك أمر الحكم لينظر فيه الناس في كل زمن بحسب ما يعنّ لهم. وهذا أمر خطير، له تبعات على عقيدة العبد وعلى عبادته. إذ كيف يعتني الإسلام بتفاصيل الوضوء، لنجدها منصوصا عليها في القرآن، ولا يعتني بأمور الحكم التي هي أعم أثرا بما لا يقارن. إن قولا كهذا، لا يعني إلا أن إدراك الدين قد أصابه خلل كبير، انطمست معه المعالم، وانقلبت الأمور.

    وإن حققنا النظر، فإننا سنجد مسألة الحكم لا يحيط بعلمها الفقهاء ولا العامة؛ وإنما هي من اختصاص الربانيين، الذين انقطعت الأمة عنهم بفعل التوجيه الفقهي القاصر، منذ القرون الأولى؛ بل منذ القرن الأول. ولولا هذا الانقطاع المفضي إلى الفتنة، لما قتل المسلمون عليا عليه السلام وهو الخليفة الرباني الذي لا يشك في خلافته اثنان؛ ولا استقام الحكم ليزيد والحسين عليه السلام يُخالفه. إن الجهل المؤدي إلى انعكاس الأحكام، هو الذي أدى إلى وقوع ما لم يكن ينبغي أن يقع من جهة الشريعة. وأما من جهة القدر، فما وقع، هو ما كان ينبغي أن يكون؛ ولا يكون إلا ما أراد الله، بغض النظر عن موافقة الشرع أو عن مخالفته.

    إن الإيغال في التنظير، والسماح للفكر المنفصل عن العلم وعن الواقع، بتصور ما لا يكون إلا في عالم التجريد، قد أدى اليوم إلى اعتماد فكر ديمقراطي، لا سند له إلا في الخطابات الدجالية التي تريد أول ما تريد، أن تقطع الأمة عن أصولها الدينية الربانية؛ لا لتخرج إلى نظام مخصوص في البداية، ولكن لتنخلع عما كانت عليه (من جهة العلم). وبعد ذلك يسهل إقناعها بجدوى النظام الدجالي الذي تريد القوى العالمية المهيمنة أن تعلن عنه في العقود القليلة المقبلة.

    إن كلام كبار السياسيين في العالم من مدة، عن النظام العالمي الجديد، ليس إلا مقدمة شبه نظرية، يقصد من ورائها تهييء سكان العالم، لقبول الحكم الدجالي الذي سيُفرض بالقوة. وإن ابتعاد المسلمين عن أصول دينهم، وانفعالهم للإيحاءات الديمقراطية الجوفاء، لن يزيد العقل العربي إلا بعدا عما فيه خلاص الشعوب، بأشد مما هو الأمر عليه الآن من فوضى في مجال الحكم والسياسة؛ قد صارت مهزلة، لا يقبل بها إلا من لا عقل له!...






    .......................

  21. #21

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -20-


    العقل والنص



    إن المناهج الغربية التي يعتمدها المفكرون العرب في فهم النص القرآني والحديثي، اللذين تدور حولهما الحضارة الإسلامية، لا يمكن أن تجدي. والسبب هو أن العقل الغربي الكافر المقلَّد، وإن كانت به بقية تنصّر، لا يميّز بين الكلام الإلهي والكلام البشري من الأصل. والعلة في هذا عنده، هي كون النصوص الدينية لم تبلغه إلا مترجمة. والترجمة لا تخلو من دخول التفسير الشخصي للمترجِم، الذي قد يُحرف المعنى المراد، إما عن قصد، وإما عن غير قصد.

    والهرمنوطيقا التي يُراد من ورائها استنطاق النص (أي نص)، معزولا عن قائله، وكأنه كائن مستقل في حقيقته؛ لا يمكن أن تنتج معرفة معتبرة، وإن كان ظاهر الأمر يوحي بتوخي التجرد والحياد. وإن كان لا بد من إقرار بالتجرد والحياد، فإنه سيكون تجرد موت وحياد جمود.

    عندما أراد المفكرون العرب -نعني المستغربين- أن يتناولوا النص القرآني بالدراسة، نسوا (أو أهملوا لضعف إيمانهم أو لانعدامه) أنه كلام الله. وكلام الله لا بد أن يكون مخالفا لكلام الناس؛ وإلا كان الأمر من بدايته اختلاقا وتزويرا للحقائق. نحن لا نشك أن بعض المفكرين، يعتقدون أن القرآن كلام بشري، أنتجته ظروف تاريخية واجتماعية مخصوصة؛ لكنهم لا يجرؤون على التصريح بما يعتقدون، نظرا لإيمان مجتمعاتهم بعكس ما هم عليه. والمجتمع إذا خولف، فإنه يكون ماحقا لمخالفه؛ والمصلحة تقتضي إتيان الموضوع بحذر كبير من قِبلهم، مع إصرار على الاستمرار على التوجه ذاته. ولكن الأمر لا يخضع للأمزجة أو الظنون، من الطرفين؛ وإنما ينبغي أن يُرد إلى الأصل المطابق للحقيقة كما هي في نفسها.

    والكلام الإلهي (القرآن)، يفارق الكلام البشري في كون معانيه ليست منوطة بالألفاظ وحدها، كما هو الشائع في اللغة؛ وإنما هي عائدة إلى الحروف بالدرجة الأولى. وهذه الحقيقة ستجعل القرآن من جهة الظاهر وحده، ذا سياقين متباينين. والسبب في هذا الأمر، هو أن اللغة في أصلها، والتي كانت وحيا من الله لآدم، هي لغة حروف. والتركيب الذي أعطى الكلمات فيما بعد، إنما جاء بعد مرحلة البساطة تلك بمدة؛ عندما بعُد الناس عن الأصل الرباني للغة، وعندما اختصت الأقاليم في الأرض بلغات يمتاز بعضها عن بعض، لأسباب عديدة. وإن ما يدل على هذا الأمر من السنّة، والناس لا يشعرون، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ؛ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ؛ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ.»
    [1] . وإدراك معاني القرآن من هذا الوجه، لا يعلمه إلا آحاد الأولياء على مدى الزمان كله. ولقد نبه إلى هذا الوجه القطب المغربي الكبير، سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه، في الكلام المنقول عنه في الإبريز. ولكن ما ذكرناه، يدل على أن معاني الألفاظ في القرآن، ليست كما هي في الكلام البشري، وإن كان لعوام المؤمنين مأخذ من ظاهره لا يُنكر. ولو تنبه الناس إلى عدم بلوغ النهاية في معاني التركيب اللفظي القرآني، لعلموا إعجاز القرآن الأول، والذي سيفتح بابا مجهولا من العلم، لا يعلمه إلا الخواص. وهذا الإطلاق المعنوي، المصاحب للتقييد اللفظي، هو ما أشار إليه الله في قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]. إن كتابا لا تنفد معانيه، لا يمكن أن يزعم قوم من قاصري العقول، أنهم سيتمكنون من دراسته، مهما بالغ النظام الدجالي العالمي في دعم هذا التيار، بقصد التغطية على الخصوصية الإلهية الثابتة.

    وإذا أقررنا بإلهية القرآن، فإن فهم معانيه كما هي في نفسها، لا يكون إلا بإعلام إلهي. وعلى هذا ينبغي أن يُحمل قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1، 2]. والمقصود تعليم اللفظ والمعنى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعليم المعنى لسواه من المؤمنين؛ كلٌّ على قدر مكانته عند الله. وإن كانت معاني القرآن تُطلب من الله، فإننا سنجد المفكرين الذين لا يجاوزون ما تعطي عقولهم، منقطعين عنها، ممنوعين من الحوْم حول حماها. فكيف إذاً يمكن اعتبار مقالاتهم في القرآن، وهم على هذه الحال!... بل إن الفقهاء (علماء التفسير) أنفسهم، قد تقيدوا في أغلب ما فهموه بعقولهم (وإن كانت مؤمنة). وبقي القرآن من وراء عقولهم غير ممسوس؛ {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77 - 79]. ولو أن الناس كانوا يأخذون فهم القرآن عن الله، ما كان الاختلاف يظهر منهم حول الآية الواحدة، إلا من جهة المكانة!... وهذا في الحقيقة تراتب، لا اختلاف بالمعنى المعروف. يقول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. فالاختلاف في الفهم، يعود إلى اختلاف العقول، لا إلى المعنى.

    وما ينبغي أن يعيه الناظرون في كلام الله، هو أن الكلام الإلهي حي، يتموج بالمعاني في كل وقت وحين؛ وليس ككلام الناس الذي يولد ميتا، ويبقى على حال واحدة طول الأبد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صفة القرآن بقوله: «هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.»
    [2] . ثم إن فهم القرآن يكون على طبقات، بحسب مكانة العقول. وقد أشار إلى هذا التعدد الطبقي، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ»[3] . والأحرف هي الأوجه؛ والظهر والبطن هما الوجهان اللذان الواحد منهما لأهل الظاهر، والآخر لأهل الباطن. والعقل إن لم يعتبر خصائص القرآن عند النظر فيه، فإنه يكون مخلا بمقتضيات العلم، غير مأمون على ما يخرج به من فهم. ولقد رأينا في زماننا، من يتجرأ على القول في القرآن، وهو غير مؤهل لفهم كلام أمثاله من الناس. فما أعجب هذا!...


    [1] . أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
    [2] . أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب عليه السلام.
    [3] . أخرجه ابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه.

  22. #22

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -21-


    العقل المقلِّد


    إن العقل له طريقان في التعقل، وهما طريق الفكر وطريق الكشف، كما ذكرنا مرارا. والفكر هو سير على ضوابط لا تنخرم، كما هو معلوم؛ وأما الكشف فقبول على نور وبينة. وكل ما سوى هذين، فليس من العقل بالمعنى الاصطلاحي؛ وإنما هو من الثقافة العامة، والتربية الاجتماعية المشتركة. وأغلب العقول في المجتمعات، هي عقول تخضع لهيمنة المجتمع، ولا تتمكن من شق طريقها منفردة. وهذا غير مستغرب، إن علمنا أن هذه العقول لا تعدو ما نسميه العقول المعاشية.

    إن الله قد نهى عن التقليد في مثل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]. المقصود بالآباء الأجيال السابقة، التي يقلدها الجيل الجديد، من غير تمحيص لما كانت عليه. ولقد غلط كثير من التالين لهذه الآية ومثيلاتها، عندما ظنوا أن أمر التقليد يخص الكفار والمشركين، قبل الإسلام وحدهم. والحقيقة هي أن كثيرا من الانحرافات التي أصابت المجتمعات الإسلامية، إنما كان مردها إلى تقليد الأبناء للآباء، الذي يكون في الغالب مرفوقا باستبداد وإكراه، لا يختلفان كثيرا عن استبداد وإكراه الحكام. ولولا إكراه الآباء للأبناء، لكان الانتقال داخل الأمة من مذهب إلى آخر سهلا ميسرا، كما تقتضي ذلك حرية الاختيار واستقلالية القرار.

    والأنكى من ذلك، هو أن الإكراه على التقليد، كثيرا ما يُدرج ضمن أعمال البر وأخلاق الإيمان، كما يحدث عندما تُجعل موافقة الوالدين من دون علم بالمآلات، من البرور الشرعي بهما. ونظير ذلك ما يحدث مع علماء الدين، الذين تصير موافقتهم موافقة للدين عينه، من غير تمحيص. إن كل هذا الخلط، قد أصاب الأمة واستمر لديها القرون تلو القرون؛ حتى بلغنا وضعا، يكاد من التركيب أن يؤدي إلى اليأس من إدراك السلامة يوما.

    إنه من المؤكد أن العقول المعاشية، لا تتمكن من التمييز الضروري لتبيّن الحق. وهذا يعني أنه لا مناص لها من التقليد. لكن التقليد من هؤلاء، لا ينبغي أن يكون لكل أحد. وقد سبق أن ذكرنا في فصل قبل هذا، أن العقول الجزئية، ينبغي أن تستمد العلم من العقل النبوي ومن العقل الوراثي. والاستمداد ليس كالتقليد، لأنه نوري، يعلم به التابع ما هو فيه تابع بالنور المستمد. وقد قال الله تعالى في هذا المعنى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]. والعقل المقلِّد، غير المتبع للهدي النبوي، هو في الحقيقة عقل مستقيل، قد أسلم قياده لعقل لا يختلف عنه كثيرا، وإن بدا الأمر غير ذلك؛ خصوصا إن كان المقلَّد مفكرا، والمقلِّد معاشيا. ذلك لأن للمفكر هيمنة على الآخر، لا يتمكن من التملص منها. ولو علم الناس أن العقل المفكر (الفيلسوف)، قد يكون أضل منهم بالنظر إلى معرفة الحقيقة، لأعادوا النظر مرات، قبل أن يعتنقوا مختلف المقولات. نقول هذا، لأن صاحب العقل المعاشي، قد يكون أقرب إلى حال الفطرة من المفكر؛ ولكن المفكر بسبب تمكنه من البرهنة على الأمور، ومن حسن التعبير، فإنه يُظن به أنه عالم بالحقيقة؛ أو على الأقل هو أقرب إليها من غيره. وهذا الخلط، هو من أكبر أسباب ضلال العامة في كل عصر؛ خصوصا إن ألبس لباس السمو، كما يحدث في الجامعات وأماكن العبادة، حيث يُتوهم أن المتكلمين أرفع مكانة من غيرهم وأكثر دخولا في الرسمية.

    عندما ننظر إلى مبادئ الإسلام، التي من أظهرها صرف العبادة لله وحده، وعدم قبول الشريك، ثم نرى المجتمعات الإسلامية ترزح تحت صنوف لا حصر لها، من القيود والأغلال؛ فإنه يحق لنا أن نتساءل عن مدى مطابقة تديننا للإسلام الأصلي، الذي يقول الله في أهله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]. إن الجمود الذي تعاني منه مجتمعاتنا، لا يُمكن أن يكون من الدين الرباني؛ وإنما هو من الدين المحرَّف الذي آلت إليه صورة الدين الأول، بعد تعاقب أجيال من الفقهاء، حرصت على أن تكون الكلمة لهم لا للدين؛ من دون أن يشعر أصحاب العقل المعاشي بذلك.

    أما اليوم، فإن الأمة قد أضافت إلى تقليدها الأول تقليدا ثانيا، هو للفكر العالمي الذي لا أساس له من الهدي الرباني. وقد دخل عليها هذا، بسبب اشتغال المعاشيين بالفكر والنظر، من غير أن تكون لهم الأهلية لذلك. ولقد كانت المؤسسات التعليمية البيئة المناسبة لهذا التلويث المقصود.

    إن النظام الدجالي بفروعه في بلداننا، يعمد إلى إبراز أشخاص بعينهم في مجالات الفكر، وينصبهم دعاة لهذا الخلط الذي لا ينطبق عليه إلا اسم الضلال؛ ويقطع الطريق في المقابل على من يمكن أن يفند مزاعمهم أو أن يكون أهلا للنقد الصحيح، المبني على قواعد الفكر السليم. وإن هذه السياسة التي أصبحت عالمية، لا شك هي من أسباب وقوع هذه الفتن المتنوعة التي لا يكاد يخلو منها بلد من بلداننا.

    إن كل كارثة من الكوارث الحالّة بديارنا، لا تخرج إلى الشهادة (الواقع)، إلا وقد سبقتها كوارث في العقل لدى جموعنا. إن تفجير العقول، يسبق تفجير المباني؛ وإن قتل العقول، يتقدم قتل النفوس؛ وإن استعباد العقول، يؤدي حتما إلى استعباد الأبدان، وإلى احتلال الأوطان، وسرقة أرزاقها...

    إن التقليد لدينا، هو آفة الآفات، التي ينبغي التخلص منها بأسرع مما يُعمل على التعافي من الأمراض الفتاكة. وإن الاستمرار في السياسات الدجالية، لن يتأتى إلا بتغييب العقل بوسائل مختلفة، يأتي في مقدمها الدين المحرف. والدين إن عاد في أي مجتمع، سببا للإضرار بالعباد (بالمعنى الشرعي)، فإن تركه يكون أولى من الاستمرار فيه. أليس لهذا السبب قد دعا الله الكتابيين إلى نبذ ما عندهم، والعودة إلى الأصل؟ {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64].
















    ...............................

  23. #23

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -22-

    نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1702
    بتاريخ : الأربعاء 14 رمضان 1439 / 30 ماي 2018



    العقل والأيديولوجيا




    من أهم العوائق العقلية لدى العرب المسلمين، عدم تمييزهم للأيديولوجيا الدينية، التي يرونها دينا. وإذا دخلت الأيديولوجيا على الدين، فإنها تصير مانعا عن تحصيل الاتساع العقلي، الذي يكون مع ورود النور عقب الأعمال الشرعية. ولقد تأدلج الدين مرتين: الأولى، عندما انغلقت الجماعات (الشعوب) داخل مذاهب فقهية؛ وكأنها الشريعة ذاتها. وهذا قد أغلق باب الاجتهاد الفقهي، الذي كان لزاما أن يبقى مفتوحا؛ حتى يساير تطور مظاهر العيش في كل زمان. والثانية، عندما دخلت الجماعات أقفاص المذاهب العقدية، لتبقى فيها منعزلة عن عموم الأمة، التي كان ينبغي أن يجمعها معها الإسلام بشموليته وسعته.

    إن المرء عندما يتلقى دينه بالتقليد، فإنه يكون قد استبدل نسخة من الدين وضعية، بتلك الأصلية الربانية. وهذا التدين المستحدث، هو ما يجعل الشعوب لا تبلغ ثمار التدين التي عرفها المؤمنون الأولون. وإن التزام التدين، ولو جزئيا، مع فقد صورته الأصلية وحلول الأيديولوجيا محلها، هو ما يؤدي إلى عيش حالة الفصام العقلي الجمعي، الذي يجعل الحياة الاجتماعية في بلداننا، ركاما من المتناقضات التي تكاد تكون في النهاية معضلة لا حل لها.

    والحال العامة، التي قد بلغت من غير شك مرحلة المرض، لا يمكن الخروج منها ببعض مساحيق العصرنة التي نعمل على إخفاء الواقع المرير بها؛ لأن هذا يشبه إغفال المرض العقلي لدى الفرد، إن رأيناه يتقن عمله مثلا، أو يعيش حياة أسرية وفق العادة، من حيث الظاهر. وإن كان المرض العقلي لدى الفرد، قد يبلغ من التعقيد، ما يخفى عن أعين المعالجين أحيانا؛ فإن المرض الجمعي أشد خفاء، لكون المعالجين أنفسهم في الغالب، لا يخرجون عن السمات العامة للمجتمع المريض.

    إن مكانة العقل من الدين، كانت منذ عصر تابعي التابعين وإلى الآن محور الأزمة، على ما حفها من خلاف بين علماء الأمة ومفكريها. وإن ميل البعض إلى العقل، وجعله حكما على النقل، كما فعل الفلاسفة الإسلاميون من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد؛ وميل أهل السلوك من الصوفية الذين على رأسهم الشيخ محيي الدين ابن العربي رضي الله عنه، إلى التلقي، لم يُجْد الناظرين إلى الأمر من الدارسين المتأخرين؛ لأنهم ظنوا الأمر عائدا إلى اختلاف داخل الدين، بما قد يعني أن كل واحد من الفريقين، قد اختار ما يجوز له اختياره؛ من دون إدراك لحقيقة الدين نفسها. والحقيقة هي أن من تفلسفوا من داخل الدين، قد أدخلوا عليه ما ليس منه؛ لظنهم أن الدين طريق إلى الجنة، إذا عمل العبد الحسنات الجالبة للأجر؛ وليس طريقا إلى تحصيل المعرفة، التي توهموا أنها عقلية ولا بد. ولو أنهم رجعوا إلى القرآن، لوجدوا الله تعالى يقول: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19]؛ فدل سبحانه على أن العبد يحصل بالتدين الأجر الذي به ينال الجنة، ويحصل النور الذي يعرّفه بربه (الحقيقة). وإن هذا القصور في إدراك الدين، الذي وقع فيه الفقهاء منذ القرن الأول، دليل على كون عقولهم لم تتجاوز الفكر الفقهي، الذي هو مجاور في المرتبة للعقل المعاشي، الذي يعود إلى المقلدين من العامة.

    إن الدين منظومة معرفية قائمة بذاتها؛ وإن كل من يظن أن العبد في تدينه محتاج إلى إعمال عقله، بما يجاوز القدر المباح للفقهاء في عملية استنباط الأحكام، أو يتعدى الضروري من الفكر لغاية الاعتبار، فإنه يكون جاهلا بحقيقة الدين، غير مدرك لكماله الذي ذكره الله في قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]. والكامل هو من استغنى عن التكميل من خارجه؛ وإلا فلا. وعلى هذا، فإن كل تفكر فوق ما أباح الشارع، هو نقص في التدين، وإن كانت صورته الزيادة.

    إن الدين يعمل على ترقية العقل، من العقل الحسي المعاشي، والعقل المفكر في مرتبة الإسلام، إلى العقل المعنوي الإيماني، الذي يقابل العقل المعنوي الفلسفي؛ ثم إلى العقل الروحاني العرفاني، وبعده إلى العقل الرباني الكامل. والعقل الفلسفي الذي لا يجاوز العقل المعنوي، هو أقل درجة من العقل الإيماني؛ لأن الأول لا يتمكن من الخروج عن ظلمة الأكوان، في حين أن الثاني متقرب إلى رب الكون بالتنوّر (تحصيل النور). وأما العقل الروحاني النوراني، فيقابله -ولا يدانيه- العقل الروحاني الظلماني، الذي يكون لأصحاب الرياضات، ممن يستمدون من أرواح الكواكب. وأما العقل الرباني، فلا مقابل له، لأنه حاكم على جميع العقول.

    ولما دخلت الأيديولوجيا الكفرية، من اشتراكية في وقتها، إلى ليبرالية، فإن العقل العربي زاد بها تشتتا وبعدا عن الصراط المستقيم. وأصبح التقسيم الجديد منضافا إلى التقسيم الفقهي العقدي الأول. وزاد الأمر استفحالا، عندما دخلت الأيديولوجيا السياسية التي للحركات الإسلامية، والتي أتت على ما كان متبقيا من عقل. كل هذا والناس غافلون عن حقيقة الدين المغني عن كل ما ذُكر. وإذا أردنا أن نضرب مثلا للدين مع التفكر الزائد، فإننا سنجعل الدين مشفى تخصصيا مجهزا بأحدث الوسائل؛ والعقل كالتطبيب البدائي الذي يمارسه الناس في الأماكن النائية للضرورة؛ والعبد الذي يتفلسف داخل الدين، هو كمن دخل إلى المشفى العصري، لكنه مواصل للتطبُّب بما اعتاده في بيته. فهو من جهة قد دخل المشفى، لكنه من الجهة الثانية لم يخضع للعلاج الخاص فيه. فإن هو لم يصح، فعليه أن يعلم أنه ما تطبب حقيقة؛ لأنه ما فارق ما كان عليه قبل دخوله. والمفكرون المسلمون عندما لم يصلوا إلى المعرفة الحق، فإن عليهم أن يعلموا أنهم ما تديّنوا بالطريقة السليمة التي تبلغهم ذلك.

    إن الخلط بين ما للعقل من أصول في حال التجرُّد، وما له حال التدين، ما زال مستمرا إلى الآن في جامعاتنا ومجتمعاتنا. وما دام الجهل يُدرس على أنه علم، فلا يُرجى أن تتبدل الحال من اعتقال للعقل، إلى انطلاق تام نحو معرفة يقينية تنفع أصحابها في الدنيا والآخرة.

    إن العقل الكامل الذي هو أرقى العقول، لا يبلغ مرتبة الكمال، حتى يخرج من كل الأقفاص التي أُدخلها بفعل التربية الاجتماعية، أو الدينية التقليدية، التي تقطعه عن غايته منذ بداية الطريق. ومن لا يتبيّن الغاية والطريق إليها، فلا مطمع له في الوصول البتة...





















    ..............................................

  24. #24

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -23-

    نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1703
    بتاريخ : الخميس 15 رمضان 1439 / 31 ماي 2018

    معرفة الله





    إن معرفة الله هي محور كل المعقولات وغاية كل العقول، مع أنها لا تُنال بالعقل. وقد جهل هذا الأصل كثير من المسلمين، بسبب انقطاعهم عن النور النبوي. فلما انقطعوا عن هذا النور، لم يلح لهم إلا نور العقل لديهم، فظنوه مجديا. ولم يعلموا أن العقل لا يجول إلا فيما هو من جنسه؛ ويبقى الله تعالى أعز من أن تهجم عليه العقول، أو يحل حال بحماه من غير إذن وصول.

    سمعنا بعضا ممن يزعمون أنهم مفكرون، ينسبون العقل لله، فيقولون "عقل الله"؛ وما علموا أن العقل مخلوق لله، تعالى الله عما يقولون. هذا يدل على أن الناس قد ابتعدوا كثيرا عن الأصل، وصاروا ينزلقون نحو نوع من المعرفة يكاد يكون وثنية معنوية (الأصنام فيها متخيلة). ولسنا نعني بالوثنية، إلا قياس ما يتعلق بالله، على ما يعقله الإنسان من نفسه؛ وهذا عكس ما هو الأمر عليه. عندما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خلق الله الإنسان على الصورة الإلهية بقوله: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»
    [1]، فإنما أراد أن ينبهنا إلى الأصل الذي إن علمناه، علمنا الإنسان؛ لا أن نقيس الأصل على الفرع، بحسب ما تعطيه العقول. وقد فعل هذا كثير من أهل العقائد، فوقعوا في ضلالات، حالت دونهم وإدراك الحقيقة.

    إن العامة من أهل الإسلام، لا ينبغي لهم الخوض في غوامض المعرفة، لأنها ليست من طورهم. وإن توهُّم الدارسين إمكان تحصيل المعرفة الإلهية من طريق العقل، كسائر ما يُنال من هذا الطريق، من علوم دينية أو عقلية، هو أساس كل البلاء الذي تتخبط فيه الأمة منذ قرون. وفي المقابل، فإن تنكر علماء الدين والعامة من بعدهم، لأهل الله من أصحاب العقول الربانية الكاملة، هو انقطاع عن الله، وإن زُعم غير ذلك. والخواتيم تدل على حال المقدمات؛ والأمر لا يحتاج كثير كلام. أما العقول المعاشية أو شبه المفكرة، فإنها لا تتمكن من الخروج عن الخصوصيات الزمنية المرحلية؛ لذلك فهي لا تعلم النقص الذي هي عليه. نعني أن الأمور تُدرك بالمقارنة التي تتطلب النظر إلى مختلف الأزمنة على صعيد واحد، كما سبق أن أوضحنا في الفصول السابقة.

    إن الله قد تعرف لعباده في كتابه؛ ولكن الكتاب لا تُدرك معانيه، إلا بشروط وآداب، وبإذن إلهي يتيح للعبد إدراك المعنى المراد. وكل من يفرق بين الكتاب ومُنزّله، فهو جاهل بحقيقة الأمر. وأما المطابقة بين النسخ القرآنية المعلومة والمسطورة والمخلوقة، فإنها لا تكون إلا لأفراد. ولو عُرضت مقولات المتكلمين من جميع الفرق، على العارفين الذين يأخذون علمهم عن الله، لظهر أن أغلبها لا يعكس إلا المرتبة العقلية التي لصاحبها، والتي قد تكون شركية؛ مما يخجل صاحبه أن يقابل به ربه يوم العرض.

    إن معرفة الله تفك الأقفال التي على القلوب، لتتمكن هذه من مطالعة الأسرار التي في الخلق. وعلى هذا، فإن العالَم لا يُعلم على التحقيق إلا بعد معرفة الله. وكل من يظن أنه يحصل علما بالعالم قبل ذلك، فإنما هو يعلم ظاهرا من الأمر لا عينه. وإن كانت العقول لا تتمكن من مجاوزة ما هي عليه، وتظن أن معرفة حقيقة العالم، لا تكون إلا من جنس ما لديها، فإنما ذلك لعزة هذا العلم. وليبق "العالمون" على ما يتوهمون، إن هم أرادوا ذلك؛ لأن انكشاف المراتب لا بد أنه حاصل بعد الموت. ومن يهن عليه أمر نفسه، حتى يغامر بها استنادا إلى ظن، فلا أدل على نقص عقله من هذا.

    إن كل أهل عقيدة من المتألهين ومن غير المتألهين، هم على معرفة بربهم بحسب مرتبة إدراكهم. وإن العقائد الباطلة التي لا تنفع أصحابها في الآخرة، هي نتيجة ما لاح لأصحابها من ورائها. فهم مدركون لظاهر العقيدة، محجوبون عن حقيقتها. وهذا يعني أن الحكم ببطلان عقيدة ما، هو عائد إلى المعتقِد لا إلى العقيدة. وهذا أمر قد أغفله المتكلمون في العقائد، فجهلوا العقائد من جهة باطنها.

    إن ما فتح على الأمة باب الاختلاف، هو الإخلال بالترتيب العقلي لديها. وإن الفقهاء الذين لا تُجاوز مرتبتهم العقل المفكر، لم يكونوا يعلمون أنهم بقيادتهم (توجيههم) للأمة، وبحرصهم على الفوز بالحظوة لديها، في قصر نظر جلي، سيعملون على تكسير مجاذيفها وقطع طريقها للظفر بكل ثمار الدين، التي تكون منها العزة والقوة والمنعة والعلم الصحيح والترقي الميسَّر، وغير ذلك مما هو معلوم من القرآن والسنة، ومن سيرة المؤمنين السابقين.

    لم يكن الفقهاء الأولون يعلمون أن الأمور ستنعكس إلى هذا الحد، الذي صار معه الدين وسيلة إلى الدنيا، وصار أهله خدما لأهل الفسق والكفر من غير أدنى حرج. ولم يكن لهم من العلم أو من العقل (الفكر) ما يجعلهم يربطون النتائج بالأسباب؛ لأنهم قد انحدروا إلى عقل مفكك، لا يرقى إلى أن يكون عقلا معاشيا سليما، فضلا عن أن يكون غير ذلك.

    لا شك أن معرفة الله، تفتح آفاقا في معرفة أسرار الدين وأسرار التشريع، تتجاوز منتهى ما يبلغه العقل الفقهي. وهذا يعني -كما هو الشأن فيما يتعلق بالعالم- أن الفقهاء عند استنباطهم للأحكام، لا يعلمون منها إلا ظاهرها، كما لا يعلم مَن يظن أنه يعلم العالم، من العالم إلا ظاهره. إن العقل الفقهي، لا ينبغي أن ينقطع عن العقل الرباني، إن كان يريد ضمان السداد في معرفة الأحكام. وإن عدم تعريف المسلمين، في أثناء دراستهم للعلوم الدينية، بمراتب العقول، وبخصائصها في كل مرتبة، هو خيانة للدين وللأمة من غير شك. وإن مواصلة الفقهاء المتأخرين، التعمية لمرتبة الربانيين، لا تجعلهم في النهاية، إلا ضمن صف أعداء الدين؛ وإن زعموا غير ذلك. هذا، لأن الدين لا يتمكن أحد من النيل منه من خارجه؛ وإن كل الأمم التي سبقتنا، والتي خرجت عن الصراط المستقيم، لم يكن ذلك منها إلا بعد أن أضلها علماؤها وشرعوا لها من الشرائع ما لم يأذن به الله. إن اتباع أمتنا لسَنن من قبلها، كما أُخبرنا، قد تم في زماننا وبلغ الغاية في المطابقة. ومن أراد أن يتبيّنه من القرآن، فلينزل آيات أهل الكتاب علينا واحدة واحدة، وليتتبع تفاصيل ذلك؛ فإنه سيجده كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ!»
    [2].


    [1] . متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    [2] . متفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.












    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

  25. #25

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -24-

    نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1704
    بتاريخ : الجمعة 16 رمضان 1439 / 01 يونيو 2018

    الإحاطة الإلهية


    عندما يعتقد الناس أن الإيمان متعلق بـ "ما وراء الطبيعة"، يتوهمون أن الله من ذلك العالم، مباين لهذا؛ وهو سبحانه خالق العوالم. وعندما يصنف العالم إلى طبيعة وما وراءها، بتعبير قدماء اليونان، فينبغي تمحيص هذا القول، على نور الوحي، الذي هو إعلام من الله نفسه سبحانه. وإن عدنا إلى تصنيف العالم، فإننا نجده عندنا شهادة وغيبا. والله سبحانه محيط بهما، ولا يحيط به هو شيء. ومن اعتقد أن الله وراء الشهادة (غير مشهود)، أو اعتقد أنه وراء الطبيعة، فإنه يكون قد حيّز؛ وهذا شرك جلي.

    يقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. الضمير هو، يعود إلى الذات. وأما الأول والآخر والظاهر والباطن، فهي اعتبارات نسبية، تعني أن الله محيط بكل شيء من جميع الجهات. وإذا كان الله هو الأول والآخر، فهذا يعني أن الفاصل بينهما خط وهمي اعتباري غير وجودي. وليس إلا العالم، الذي لم يخرج عن إمكانه قط. والأمر صحيح أيضا، فيما يتعلق بالظاهر والباطن. وهكذا، فإن الله أظهرُ من العالم، وأقربُ من الشهادة؛ وهو وراءَ العالم وأبطنُ من الغيب. وهذه الإحاطة الذاتية، لا تتمكن العقول من إدراكها وتعقلها؛ لأن العقول نفسها داخلة في هذه الإحاطة. والعقل لا يُدرك إلا ما يحيط هو به. فما أعجز العقل عن معرفة الله!... وكل من يروم معرفة الله المعرفة الحق بعقله، فليعلم أنه لا يحوز حتى مقدمات هذه المعرفة، والتي منها معرفة حقيقة العقل ذاته.

    إن العقول المعاشية والمفكرة، لا يجوز لها (ولا يصح) أن تبحث المعارف، بما تعلمه من قياسات وبناءات نسقية، وإن كانت تنطلق من الوحي. لأن مرتبة هذه العقول، تعطيها أن تؤمن بما أخبر به الوحي، لا أن تعلمه. وعلى هذا، فإن جل العقائد التي ظن المتكلمون والمتفلسفون أنهم استنبطوها من الوحي، ليست إلا تخرصات من قِبلهم، لا تغني في عالم المعارف شيئا. والأغرب من هذا، هو أن العقائد الصائبة من حيث ظاهر اللفظ، تفهم منها العقول ما يخالف حقيقة ما يدل عليه اللفظ ولا بد. كل هذا، لأن المعرفة الإلهية هي من خارج العقل في الأصل. وأما عقول العارفين الربانية، فإن علمها بالحقيقة ليس منها. وإدراك هذا الصنف، قد يشتبه على من لا علم له، لإلفه بإحاطة العقول بمُدركاتها في العادة؛ والله يحيط ولا يُحاط به، كما أسلفنا. ولهذا السبب، فإن معرفة العارفين نفسها، من أعجب العجب...

    إن كل عقل من كل مرتبة، له نظر إلى الحقيقة؛ ولكن العقول الكاملة وحدها، هي من تحوز معرفة الشمول، التي يشير إليها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]. والمشرق والمغرب في عالم المعاني، حالان للعقول. فأصحاب المشرق هم العارفون، وأصحاب المغرب هم المحجوبون من المؤمنين ومن الكافرين. ووجه الله المشهود لكل فرد من أهل المشرق وأهل المغرب، هو ما يشهده كل واحد، من غير استثناء أحد. وهذا يعني أن العقائد من جهة مناطاتها الشهودية واحدية الحقيقة؛ ولكنها من جهة التعبير عنها من طرف المشاهدين تختلف، مِن تلك الموافِقة لما هو الأمر عليه وجاء به الوحي، إلى ما يخالف ذلك ويدخل في البطلان. وهذا العلم المتعلق بمعرفة الحق والباطل في العقائد، مع كون الوجود حقا لا يخالطه باطل، هو مخصوص بأهل الإطلاق وحدهم.

    وبما أننا كنا قد دللنا في فصل سابق على ترتيب العقول، الذي لا بد من العمل عليه في الأمة، حتى تستقيم أمورها؛ فلا بد أيضا أن نبيّن ما يحدث عندما يؤول الأمر إلى العقول الدنيا. أولا، ينبغي أن نعلم أن موافقة الترتيب أو مخالفته، لا تغير من الحقيقة شيئا؛ لأن الأثر يعود على الناظر والعامل فحسب، لا على الحقيقة. وهذا المعنى هو ما أشار إليه قول الله في الحديث القدسي: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.»
    [1].

    إن من يزعمون أنهم حريصون على الشريعة، من أجل إيجاد مسوغات لآرائهم وأفعالهم، التي قد تؤذيهم عواقبها في دنياهم أو في آخرتهم، لا يتنبهون إلى أن إدراك الشريعة، يختلف بحسب مرتبة العقل؛ ولا يعلمون أن الشريعة لو كانت شيئا جامدا لما وقع هذا الاختلاف بين أهلها منذ القرن الأول. والشريعة ليست قانونا منقطعا عن أصله، ليعمل بها العاملون، ويضمنون موافقة الصواب مع ذلك دائما؛ بل هي منوطة في كل لحظة بواضعها سبحانه، الذي ينبغي الرجوع إليه في كل تفاصيلها لاستمداد السداد والتوفيق. ولو كانت الشريعة جامدة آلية، لانعدم معها معنى التوفيق الإلهي من أفعال العباد، كما لا يخفى.

    ولقد سبق أن كتبنا في غير هذا الموضع، أن الشريعة المحمدية مطلقة، بخلاف كل الشرائع التي قبلها. ومعنى إطلاقها، لا يختلف عن معنى إطلاق القرآن نفسه الذي ذكرناه سابقا، والذي هو الإطلاق المعنوي في صورة التقييد اللفظي. إن الدين ليس مذهبا فكريا كما يتوهم جل القاصرين؛ وإنما هو منظومة معرفية متكاملة، مطابقة للحقيقة التي لا يتمكن العقل من إدراكها، إلا باتباع سبيل مخصوص في التدين. ولسنا نعني إلا التدين كما هو في أصله، وعن طريق الاستمداد من النبوة من غير ظن ولا شبهة.

    إن الأمة اليوم في معظمها، مقطوعة عن نور النبوة؛ لأن الفقهاء من أصحاب العقول المعاشية، أوهموها أن الدين هو ما يعلمون. والعوام من المسلمين استطابوا ذلك، لرغبتهم في اتباع هواهم والانغماس في الدنيا كما يشتهون. ولكن النتيجة العامة التي لا يختلف عليها اثنان، كانت ضعفا عاما، نزل بالأمة في مجالات كثيرة، إلى أسفل من الكافرين. والإصرار من البعض على أن الغلبة منوطة بتحقيق السبق التقاني وحده، هو فرار من مواجهة الحقيقة وإطالة في عمر الأزمة فحسب.

    نحن لا نريد أن ندفع بالناس في اتجاه مخصوص، عن طريق التقديم له نظريا، كما قد يبدو؛ ولكننا نطمع في أن يتحمل أفراد الأمة تبعات اختياراتهم عن وعي ومسؤولية. إن المرء الحر، هو من يعلم وجهته من البداية؛ وهو من يتمكن من تغيير توجهه متى بدا له أن الأمر يتطلب ذلك. وإن الأمّة الحرة، هي التي لا تتقيد إلا بما قيدها الله، وبالقدر الذي شُرع؛ من دون أن يتحول ذلك كله إلى حبال تمنع حركتها أو تشدها إلى الخلف، كما هو الأمر الآن...



    [1] . أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه.

  26. #26

    رد: العقل العربي ومآلاته

    العقل العربي ومآلاته -25-

    العلم بالآخرة



    إن عقول أهل الدنيا من المعاشيين والمفكرين، لا تعلم إلا ظاهرا منها، كما سبق أن ذكرنا؛ ولكنها عند علمها بهذا الظاهر، فإنها تتوهم أنها تعلم الوجود بما هو وجود. والحقيقة هي أن الدنيا مرتبة "دنيا" من مراتب الوجود فحسب. وحتى الذين يتمسكون بالعلم (المتعلق بالمادة) من أهل الكفر، فإنهم لا يعلمون كل العلم؛ بل يكادون لا يعلمون شيئا. وهكذا، فإن الجهل مصاحب لهم من أول قدم. ومن أراد أن يتبين ما نقول، فليقس عالم الإنس بعالم الجن؛ ولينظر هل له من العلم بعالم الجن، مثل ما له بعالم الإنس؟ مع أن عالم الجن مادي، وهو مشارك لعالم الإنس في المكان (على العموم) والزمان. فإن كان يجهل عالما بهذا القرب منه، فما الظن بما هو غيب؟!...

    إن عالم الدنيا، له قواعد فيزيائية وكيميائية خاصة به. ومن حصل قسطا من علوم المادة في الدنيا، فهذا لا يعني أنه قد علم المادة كلها، وعلم فيزياءها وكيمياءها حيث كانت؛ لأن القوانين تتغير بتغير العوالم. وعالم الآخرة لا يخلو من مادة، ومع ذلك، فلا يشك أحد في أنه مخالف للدنيا. والمخالفة تقتضي مغايرة القوانين هناك؛ الفيزيائية وغيرها... وإذا كان الأمر هكذا، فإن العلوم المادية في الدنيا، لن تنفع في الآخرة؛ وإنما نفعها يكون مقصورا على الدنيا وحدها. والمكوث في الدنيا، يقارب الصفر، بالمقارنة إلى الأبد. فما قيمة الدنيا بعد هذا!... يقول الله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38].

    وأما عالم البرزخ، حيث يكون الموتى في انتظار قيام القيامة، فإنه أقرب إلى أهل الدنيا من الآخرة؛ ومع ذلك، فإنهم لا يكادون يعلمون عنه شيئا. وجل أهل الدنيا، ينظرون إلى أهل البرزخ وكأنهم في العدم. والحقيقة هي أنهم في عالم مختلف فحسب؛ حيث يوجد الأناسي والجن، من بدء الخليقة وإلى الآن؛ الذين مروا بالدنيا، وانقضى أجلهم فيها. وهذه الخلائق تعلم عالمها، وتشهد من أنفسها ومن غيرها تغيّر الأحوال، كما يشهد أهل الدنيا ذلك فيما بينهم. فإن كان حال الناس مع البرزخ الجهل، فما الحال مع الآخرة؟!...

    وأما النفس، فالناس يجهلونها بدءا من عالم الدنيا. ولا أجهل من أولئك الماديين، الذين لا يلتفتون إلى أنفسهم؛ حتى يعلموا أنها من عالم غير عالم المادة (الطبيعة). وإن صفة العقل التي يزعمون أنهم أحق بها من سواهم، لا يعلمون أنها عائدة إلى النفس لا إلى المادة؛ وإن كانت المادة (الدماغ) واسطة بينها وبين إدراكات مخصوصة. إن حال الماديين في علمهم، لا يشهد إلا بعمى قلوبهم (عقولهم). فهم كالأكمه الذي يسمع عن الإبصار، لكنه لا يتمكن أبدا من تصوره...

    إن ما يغيب عن العقول الدنيوية الظاهرية، هو أن المادة التي يتوهمون أنها الموثوقة وحدها، ليست إلا معاني ظهرت مكثفة في عالم الطبيعة، الذي هو أسفل السافلين. وإن الحقائق التي تعود إليها المظاهر المادية، ليست غير الحقائق التي تعود إليها المظاهر الروحانية. والحقائق، ليست إلا معاني ذاتية، ظهرت في كل عالم بما يناسبه فحسب. وكل من لا يعلم هذا، فإنه جاهل بما هو الأمر عليه. وكل توهم له بعلم يقيني (مادي)، فإنما هو علم جزئي ونسبي؛ بل إنه يقارب الصفر، بالنظر إلى العلم كله، كما ذكرنا. فأي علم يُزعم بعد هذا؟!...

    إن العقول المؤمنة، بخلاف العقول الكافرة، يؤتيها الله نورا من عنده، به ترى الآخرة من وراء حجاب. وهذه الرؤية هي التي تمكنها من الإيمان بها. وأما تفاصيل الآخرة (بعضها)، فإن العقل لا يتوصل إليها إلا من الوحي الذي يُنزله الله من عنده على رسله. وبما أن الآخرة غير معلومة للعقول المؤمنة علم ذوق، فإن الله قد ذكر من أحوالها، ما له نظير في الدنيا، حتى تقيس العقول غائبها على المشهود. وإن العقول إذا سمعت من وصف الآخرة، ما يشبه في مفرداته أشياء معلومة من الدنيا؛ فإنها تتصور الآخرة في خيالها، لتستخلص منها العبرة المرادة؛ وإن كانت الآخرة في حقيقتها على غير المتصوَّر حتما. ذلك لأن الآخرة مستقلة عن الدنيا، ولأن الله يُنشئ الآخرة إنشاء آخر مغايرا. ولو أن الدنيا كانت تشبه الآخرة ما دل الله على إعادة الإنشاء، كما في قوله سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]. فبدء الخلق، وإعادة الإنشاء، ليسا على هيئة واحدة؛ والسبب هو أن الله لا تكرار في أفعاله، لأن السعة (من اسمه تعالى: الواسع) الإلهية تأبى ذلك.

    ورغم أن الآخرة مجهولة الآن من جهة الذوق الحسي، إلا أن من ينظر إلى الدنيا نظر اعتبار، فإنه يكاد يراها من خلفها؛ مكملة لنقصانها، ومتممة لأنساقها. وهذا لأن الدنيا مقدمة للآخرة التي هي الخاتمة والنهاية. وأحوال الدنيا التي هي من صنف البلاء (الامتحان)، لا تختلف عن أحوال الجزاء في الآخرة، إلا من جهة الإنشاء الجديد؛ أما من جهة المناسبة والمنافرة للنفس، فإنها على حقيقة واحدة. نعني أن ما تستعذبه النفس من ملاذ في الدنيا، تستعذبه أيضا في الآخرة؛ وإن كانت الصورة غير الصورة. وهذا يشبه من أحد الوجوه، ما يقع للنائم في الرؤيا، مقارنة مع ما يقع له في اليقظة. فإنه في الغالب إن رأى ما يفر منه في اليقظة، يفر منه في الرؤيا أيضا؛ والعكس بالعكس.

    ولقد دل الله على مشابهة عالم الرؤيا للآخرة في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42]. فتَوَفي الله للأنفس حين النوم، له شبه بالتوفي الموتي؛ بل هو عينه. وما يراه النائم في رؤياه، لا يختلف عما تكون عليه الأنفس في البرزخ، إلا بما يكون النوم نوما والبرزخ برزخا. وهذا باب من الأمثال التي يخلق الله الخلق عليها، كما يشاء سبحانه؛ إما في العالم نفسه كالدنيا، أو بين العوالم، كما هو الأمر هنا.



    ------------------------

 

 


تعليقات الفيسبوك





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •