هناك بعض الأفراد يجدون من السهل التدخل في شوؤن الآخرين، وفي حياتهم الخاصة .هذه العادة المزعجة في الكثير من الناس هو التدخل في حياة الآخرين وفي أمورهم الخاصة ويحشرون انوفهم في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس سوى كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا يضعون حدود معينة يجب التوقف عندها ولا يتجاوزوها ولا يختلف بان لكل شخص منا حياته الخاصة وهناك امور كثيرة خاصة بنا لا نحب أحد التدخل فيها، ومن يتدخل فيها نعتبر ان قد تجاوز الخط الأحمر في تعامله معنا. قد تفصح لشخص ما بعض الخصوصيات وخاصة هؤلاءك المقربين منا والذين نثق بهم والذين يحترمون خصوصياتنا ولا يبوحون بها هنا او هناك.

اللبيب يفكر فيما يعنيه بل فوق ذلك قد علم أن كلامه من عمله فقل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه .


وان لسان المرء ما لم تكن له ...... حصاة على عوراته لدليل
لا خير في حشو الكلام ............ إذا اهتديت إلى عيونه
والصمت أجمل بالفتى ............ من منطق في غير حينه


ونجد ان هذه العادة الذميمة منتشرة خاصة في مجتمعاتنا العربية، لا احترام للخصوصيات ولا لمشاعر الناس واحاسيسهم لدرجة ان تحولت الحياة الخاصة إلى عامة، للأسف عادة الفضول والتدخل في شؤون الآخرين الخاصة اصبحت لدى الكثير عادة لا يستطيع التخلي عنها بل اصبحت جزء لا يتجزأ من حياة وهناك مثل يقول ( عش ودع الآخرين يعيشون).


تكلم الإنسان فيما لا يعنيه يؤدي إلى عواقب وخيمة منها :

1- أنه يتنافي مع حسن إسلام المرء: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ.أخرجه ابن ماجة

2- أنه يؤدي بالإنسان إلى التجسس والغيبة :
فاهتمام المرء بما لا يعنيه يجعل من الفضول عنده حب التجسس على الناس وتتبع عوراتهم , بل إلى اغتيابهم ,عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ في جَوْفِ رَحْلِهِ.
قَالَ وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ.أَخْرَجَهُ الترمذي (2032).

3- أنه يؤدي بالإنسان إلى قساوة القلب ووهن البدن وتعسير الرزق :
سئل لقمان الحكيم أي عملك أوثق في نفسك ؟قال: ترك مالا يعنيني .
وقد قال مالك ابن دينار :إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك فاعلم بأنك تكلمت بما لا يعنيك فكلام الشخص فيما لا يعنيه يقسى القلب ويوهن البدن ويعسر أسباب الرزق.
وقال الإِمامُ الشافعيُّ رحمه اللّه لصاحبه الرَّبِيع : يا ربيعُ ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها .

4- أنه يُسمع الإنسان ما لا يرضيه :
فقد قال الناس قديما " من تتدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه " .
عن الحسن بن عيسى في : ( تهذيب الكمال للمزي 16/18 ) قال : اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك ، مثل الفضل بن موسى ، ومخلد بن حسين ، ومحمد بن النضر ، فقالوا : تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير ، فقالوا : جمع العلم ، والفقه ، والأدب ، والنحو ، واللغة ، والشعر ، والفصاحة ، والزهد والورع ، والإنصاف ، وقيام الليل ، والعبادة ، والحج ، والغزو ، والشجاعة ، والفروسية ، والشدة في بدنه ، وترك الكلام في ما لا يعنيه ، وقلة الخلاف على أصحابه

5- يجعل المرء مبغضا من الناس ثقيلا عليهم:
فالناس لا تحب من يدس أنفه في خصوصياتهم , فيكون ثقيلا عليهم , لا يتحملون مجالسته , ولا ينصتون إلى حديثه

6- فيه مضيعة للوقت فيما لا يفيد :
فمن حسن إسلام المرء إعراضه عما لا منفعة له فيه دينا ولا دنيا، إعراضه عن ذلك تركه ما لا يعنيه وهذا يجري في كل التصرفات في الكلام، لا تتكلم ولا تفعل إلا ما فيه خير ومنفعة، فالاشتغال بما لا يعني الإنسان وما لا خير له فيه، وما لا مصلحة فيه، هو من الاشتغال بما لا يعنيه، فيه ضياع وقت.
قال مورق العجلي: لقد سألت الله حاجة كذا وكذا منذ عشرين سنة فما أعطيتها ولا أيست منها، فسأله بعض أهله ما هي؟ قال: أن لا أقول ما لا يعنيني.
دخلوا على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض فكان وجهه يتهلل فقيل له: ما بال وجهك يتهلل يرحمك الله؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنين كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني وكان قلبي للمسلمين سليما (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35).

وقانا الله وإياكم مصارع السوء , وجنبنا الكلام فيما لا يعنينا , وجنبنا الزلل في القول والعمل .

منقوله