قال تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام:‏{‏وَأَنصَحُ لَكُمْ}‏(‏‏الأعراف :‏ 62‏‏‏)‏
وعن هود عليه السلام ‏:‏ ‏{‏وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ‏}‏ ‏(‏‏الأعراف‏:‏68‏)‏‏.‏


وأما الأحاديث‏:‏
181- فالأول‏:‏ عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ الدين النصيحة‏"‏ قلنا‏:‏ لمن‏؟‏ قال‏:‏ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏
182- الثاني‏:‏ عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏


لقد دعانا الله تعالى إلى الطيب والحسن من القول فقال : {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ }. وقال : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً } سورة البقرة : 83.
فالكلم الحسن الطيب هو الذي يصعد إلى الله تعالى قال عز من قائل : {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ }. سورة فاطر : 10.
وحسن الجواب وطيب الرد من صفات المسلم الحق , فالمؤمن لا يعرف الطعن ولا اللعن في الكلام . وعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً : " ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء " حسنه الترمذي .


آداب الناصح:

(أ*) آداب ما قبل النصيحة:

1- التحري والتثبت فيما تنوي مُناصحته بشأنه: فقد يبني الناصح أفكارًا على أوهامٍ، وقد يتلقى الأخبار بلسانه في غَيبةٍ من عَقله، ويرى الأحداث ببصره في مَعزِلٍ عن بصيرته، وقد يُهمِلُ التحرِّي فيما ينقله الرُّواة، وما آفة الأخبار إلا رواتها، وهو لا يدري.

2- الاجتهاد في الإلمام بحال المنصوح وملابسات أمره، وتحرِّي الزمان والمكان والأسلوب الأمثل لدعوته. وما أجمل قول ابن مسعود -رضى الله عنه-: «إنَّ للقلوب شهوةً وإقبالًا، وفترةً وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها».

(ب*) آداب أثناء النصيحة:

1- الأصل في النصيحة الإسرار: من بليغ الحكمة قولهم: النصيحةُ أمنُ الفضيحة، وصدقوا.
وكان السلف - رضى الله عنهم - إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا؛ حتى قال بعضهم: مَن وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه.
وقال الفضيل بن عياض -: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير.
وقد يضطر الناصح أن ينصح علانيةً – كما وقع من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه - وذلك في الأمور المحتملة التي لا يجوز تأخيرها، كالتعليم ومنه ما حدث مع الصحابيّ الذي جاء يوم الجمعة والنبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر فجلس من غير أن يُصلِّي تحية المسجد فأمره النبي بالصلاة، ومثلما حدث في صلاة العيد حينما بدأ مروان بالخطبة قبل الصلاة – على خلاف السنة – فقام رجلٌ فأنكر عليه على الملأ.

2- الرفق عند النصح: أرسل الله عز وجلَّ رسوليه الكريمين موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، وما أدراكَ ما هو! فقال لهما: ï´؟ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ï´¾ [طه: 43، 44]، وقال مُذكِّرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم- بمفتاح القلوب: ï´؟ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ï´¾ [آل عمران: 159]

3- الحكمة والموعظة الحسنة، فإن احتاج النُّصح إلى جدالٍ فليكن بالتي هي أحسن: وقد قيل في معنى الحكمة كلامٌ كثيرٌ متقاربٌ، يكفينا منه الآن أنَّ الحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، فالكلمةُ لها موضعٌ قد لا يصلح فيه غيرها، وقد لا تصلح كلمة اليوم فيما صلحت به بالأمس، فلكلِّ مقامٍ مقالٌ، ولكل قلبٍ مفتاحٌ

(ج*) بعد النصيحة:

ممَّا يجب على الناصح بعد النصيحة:
1- الحذرُ من الـمَنِّ والتعامل مع المنصوحِ كأنَّك صاحبُ فضل عليه ولكَ في رقبته جميلٌ.
2- الكتمانُ وعدم إفشاء سرِّ ما بينه وبين منصوحه، حتَّى وإن عرَض ما يُعكِّر صَفْو الأخوِّة بعد ذلك، فمن اللؤم وخساسة الطبع أن يُفشي المرء سرًّا لأخيه، وإن خاصمه.
3- تجنُّب الشماتة أو التعيير.
4- الصبر على ما قد يلحقه بسبب المناصحة من أذًى، فالناصحُ مُعرَّضٌ لذلك.
5- الشكر على منَّ الله عليكَ به أن أقامَكَ مقام الناصحين وذلك مقام الأنبياء والمصلحين، واشكر ربَّك أن استجاب لكَ منصوحُكَ، واشكر ربَّك أن وفَّقك للتخلُّق بالآداب التي يجب على الناصح أن يتخلَّق بها واجعل إمامَك قول ربَّك: ï´؟ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ï´¾ [إبراهيم: 7].
وما أنصحَ قول الإمام الشافعي:
واشكر جميل صنيعِ الله إذ جُعِلَتْ
إليكَ لا لكَ عند الناس حاجاتٌ
6- ولا يدخلْكَ العُجبُ من فضلك على منصوحكَ فيفسد عليك ثمرة ما فَضُلْتَ به.

منقوله