سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 60 من 103
  1. #31

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾:
    ضعَّف البعض إسناد حديث: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، لكن معناه صحيح، وتشهد له هذه الآية.

    . ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله﴾:
    ليس المراد بقصر الخشية هنا على الله أنهم لا يخافون شيئا غير الله، فإنهم قد يخافون الأسد ويخافون العدو،
    ولكن المعنى: إذا تردد الحال بين خشية الله وخشية غيره قدَّموا خشية الله، فالقصر هنا عند تعارض خشيتين.

    . ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ﴾:
    مهما بلغ عملك الخيري والتطوعي، فلن يجاري أبدا الإيمان بالله والجهاد في سبيله.

    . ﴿ويوم حنين إذ (أعجبتكم) كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شيئا﴾:
    أغلِق شبابيك قلبك كي لا يتسلل إليه العُجب بمال أو علم أو سلطان، فكل ذلك لن يغني عنك بين يدي الله شيئا!
    . نصرة الله للعبد موقوفة على عدم رؤية العبد لنفسه، فالمنصور من عصمه الله عن توهّم قدرته، ولم يكله إلى تدبيره وسطوته،
    وأقامه مقام الافتقار إليه متبرئا من حوله وقوته، فيأخذ الله بيده، ويخرجه عن تدبيره، ويوقفه على حسن تدبيره.

    . ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾:
    شيئا !!
    إن أصغر شيء في هذا الكون لا ينجح في إنجاز شيء دون إرادة الحق سبحانه.


    . ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾:
    هذا قانون التولي والتخلي! إذا قلت يا رب تولاك، وإذا قلت: أنا أنا.. تخلى عنك!

    . ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾:
    قال الحسن البصري: «هكذا يقع ذنب المؤمن من قلبه»، فقيِّم إيمانك!

    . عون الله للمؤمنين يكفي مع القلة، والعُجب يلغي أثر الكثرة:
    ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.

    . ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
    السكينة من أعظم القوت الذي يُنعِم به (المقيت) على قلوب المؤمنين، وهو كفيل بترجيح كفَّتك في كل معارك الحياة.

    . ﴿وَأَنْزَل جُنودًا لمْ تَرَوْها﴾:
    هناك رحمات خفية ومعونات غير مرئية تتدفق عليك من الله دون أن تشعر، فقط إن تخليتَ عن حولك وقوتك إلى حوله وقوته.

    . ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
    من علامات المؤمن: السَّكينة عند البلاء.

    . ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾:
    كيف نخاف فقرا، وقد وعدنا أكرم الأكرمين بالغنى!

    . ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾:
    غِناك وفقرك بيد الله وحده، فكيف تُذِلُّ نفسك لغيره؟!

    . ﴿ إنَّما المشْرِكونَ نَجَسٌ﴾:
    ارتبط وصفهم بالنجاسة بصفة الإشراك، فعلمنا أنها نجاسة معنوية نفسانية، وليست نجاسة ذاتية مادية.

    . ﴿إنَّما المشْرِكونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾:
    النهى وإن كان موجها للمشركين، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن تمكينهم من ذلك.

    . ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾:
    العام الذي حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين وعدم طوافهم بالمسجد الحرام، وهو العام التاسع من الهجرة.

    . ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾:
    ليس معنى الآية أن يصير الناس جميعا مسلمين، لكن يظل كُلٌّ على دينه أو كفره، ولا يجدون حلاً لمشاكلهم إلا في الإسلام.

    . ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾:
    تصور سخيف أن يظنوا أن أفواههم التي تنفخ كافية لإطفاء أعظم نور، ذهبت أنفاسهم، وما زاد النور إلا توهجا.

    ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾:
    قال الخطيب الإدريسي:
    «إن الإسلام إذا حاربوه اشتدّ، وإذا تركوه امتدّ، والله بالمرصاد لمن يصُدّ، وهو غني عمن ارتدّ، وبأسه عن المجرمين لا يُردّ، وإن كان العدو قد أعدّ، فإن الله لا يعجزه أحد، فجدِّد الإيمان جدِّد، ووحِّد الله وحِّد، وسدِّد الصفوف سدِّد».

    ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾:
    قال الله (كثيرا)، فالتعميم خطأ، والدقة مطلوبة، فكن دقيقا في اختيار كلماتك وعباراتك.

    . ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة﴾:
    قال العلماء: كل مال -مهما كثر- تؤدى زكاته ليس بكنز، وأي مال -مهما صغر- لا تؤدّى زكاته فهو كنز.

    . ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾:
    ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، وقد سُمِّيَت بذلك لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها.

    ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
    أعظم الظلم ظلم النفس، ويقع بمعصية الله وترك طاعته.


    . ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
    قال قتادة: «إن الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواه، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، وكأن الله يُعظِّم من أمره ما شاء».

    . ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
    ظلمكم لأنفسكم هو إضرار منكم بأنفسكم، ولن تضروا الله شيئا، فكل ما أمر الله به تحريماً وتحليلا هو لصالحكم، وكل عصيان له يضركم.

    . ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾:
    قال القشيري: «ولا سلاح أمضى على العدوّ من تبرّيك (تبرؤك) عن حولك وقوّتك».

    . استعمال الحيلة لفعل شيء محرم أو الفرار من واجب هو تلاعب بالدين، مثل تلاعب المشركين بتأخير اﻷشهر الحرم ليقترفوا الحرام:
    ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

    . ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾:
    لا يُضعِف القلب ويكبِّله عن بلوغ معالي الأمور إلا الانجذاب لسفولة الأرض.

    ‏النفير في القرآن نوعان:
    للجهاد ﴿انْفِروا في سَبيلِ الله﴾، وللعلم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾، فلا عزة بغير جهاد، ولا جهاد إلا بعلم.

    . ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾:
    أتظنون أن جهادكم هو الذي ينصر محمدا ودينه؟
    كلا؛ فالله ناصره بأيسر وسيلة وأهون سبب، كما نصره يوم الهجرة برجل واحد! هو أبو بكر على قريش كلها.

    . الصاحب بحق هو الذي يخفف عنك الأحزان، ويشعرك عند خوفك بالأمان:
    ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾

    ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
    لم يقل : ﻻ تحزن ، فأنا رسول الله وإني معك، بل تبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته.

    . ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾:
    بعض الرحمات الإلهية مرهونة بكلمة واحدة ترددها بيقين، لتنهمر السكينة بغزارة!

    . ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    ولو فقدت كل شي، يكفيك أن الله معك، وسيعوِّضك.

    . ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    ليست المعية العامة بالعلم والإحاطة، فهذه تشمل كل الخلق، بل معية التأييد والنصرة، وهذه لا تشمل إلا المؤمنين الذين استجلبوها بطاعة الله وموافقة أمره.

    . ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    منهج رباني في التخفيف عن المكروبين، لا يتضمن الاستغراق في تفاصيل المشكلات، بل يقوّي النفس على المشكلات بالاستعانة برب الأرض والسماوات.









  2. #32

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    هل الحزن شعار الإيمان؟!
    كلا ..
    قال ابن القيم:
    «اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، وليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين، ولهذا لم يأْمر الله به فى موضع قط، ولا أثنى عليه، ولا رتَّب عليه جزاء ولا ثوابا، بل نهى عنه فى غير موضع».

    . ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ (لا تَحْزَنْ) إِنَّ (اللَه مَعَنَا)﴾
    أعظم صحبة هي التي تخفف عنك أعباء الحياة بتذكيرك دوما بالله.

    . ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾:
    المنافق قصير النفَس، والصدق لا يُختَبر إلا في الأعمال طويلة المدى.

    . ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾:
    حديث يشبه هذه الآية! قال رسول الله ﷺ في المتخلفين عن صلاة الجماعة: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء».
    وهو توبيخ لمن زهد في صلاة الجماعة، ولو وجد في صلاة الجماعة شيئا من الدنيا –ولو كان حقيرا- لحضرها.


    . ﴿عَفا الله عَنْكَ﴾:
    المراد بالعفو ليس عن الذنب، فهو المعصوم، ولكن عدم مؤاخذته ﷺ في تركه الأوْلى والأفضل، والأفضل كان ألا يأذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد.

    . ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾:
    ما أجمل أن تستفتح العتاب بأجمل الكلمات!
    لتستميل قلب من تُعاتِب!

    . ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾:
    من علامات التوفيق وأمارات السابقين الاستعداد للطاعة قبل دخول وقتها.

    . ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾:
    عُدَّة هنا نَكِرة،لتفيد الإطلاق أيْ أيَّ عُدَّة، فالذي لا يبذل أي نوع من الاستعداد دنيء الهمة، وليس في قلبه خير.

    . ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
    إذا أعاقتك الصوارف عن زيارة بيت الله، فخف أن يكون الله قد كره لقاءك فثبَّطك!

    . ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
    كثرة التكاسل عن الطاعات علامة مخيفة، توحي بأن العبد مطرود من رحاب الله، وعليه أن يعود فورا.

    . ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
    أسقِط هذه الآية على صلاة الفجر، وعالج بها كسلك وتسويفك!

    . ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾:
    تشكو عدم القيام لصلاة الفجر، وأنت كل يوم تنام متأخرا، ولا تضبط منبِّهك ليوقظك!. ويحك! من عزَم على شيء من الخير، فعلامة صدقه أن يبذل له أسبابه.

    . ﴿يهلِكونَ أَنْفُسَهُم﴾:
    هلاكنا ليس بالجهاد، بل في ترك الجهاد، وليس بأن نموت في سبيل الله، بل بأن نحيا في خدمة الدنيا.

    ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾:
    هم مؤمنون يصغون لأقوال المنافقين، أو مجموعة من المنافقين بين المؤمنين يسمعون لأصحابهم المنافقين ويؤيدون أقوالهم، إن مجرد سماعك للإشاعة هو جزء من خطة المنافق.

    . قلب الحقائق عن طريق بلاغة اللسان من أبرز صفات النفاق:
    ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾.

    . ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾:
    لا تنس الماضي الأسود لأعداء دينك، ولا تحرق سجلاتهم الملطخة بالخيانة، ستفيدك يوم القصاص.

    ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾:
    لا فرار مهما حاولوا، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها.

    . من علامات المنافق أن يفرح بسلامة دنياه ولو خسر دينه:
    ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.

    ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾:
    كلما نقص يقينك بهذه الآية، زاد منسوب الخوف في قلبك.

    . ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾:
    لنا لا علينا، فالمصيبة خيرٌ لك لا عليك!

    . ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾:
    قل لي بربِّك: كيف تنكسر أمة يرى أبناؤها أنهم رابحون في كل الأحوال؟!

    . ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:16]:
    تحكيم غير شرع الله جريمة! قال ابن القيم: «ولا وليجةَ أعظَم ممَّن جعل رجُلًا بِعَينِه مُختارا على كلامِ الله وكلام رسوله وكلامِ سائر الأمَّة، يُقَدِّمُه على ذلك كُلِّه، ويَعْرِضُ كتابَ اللهِ وسُنَّة رسوله وإجماع الأمة على قوله، فما وافَقَه منها قَبِلَه؛ لِمُوافَقتِه لقوله، وما خالفه منها تلطَّفَ في ردِّه، وتطَلَّبَ له وُجوهَ الحِيَلِ، فإن لم تكُنْ هذه وليجة، فلا ندري ما الوليجة؟!».

    . ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾[التوبة:21]:
    ثلاثة في مقابل ثلاثة!قال الآلوسي: «ذكر أبو حيان أنه- تعالى- لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث: الرحمة، والرضوان، والجنة».

    ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[التوبة:22]:
    قال ﷺ: «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا». صحيح الجامع رقم: 8164

    . ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾:
    خَصَّ الأموال المُقتَرَفة أي المكتسبة بالذِّكر؛ لأنَّها أحب إلى أهلها، وصاحبها أشَدُّ حِرصًا عليها ممَّن تأتيه الأموال بغَير تعبٍ ولا كدًّ من ميراث وغيره.

    . ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾[التوبة:24]:
    تهديد نبوي!
    في الحديث: «مَن لم يَغْزُ أو يُجهِّزْ غازِيًا، أو يَخْلُفْ غازيًا في أهلِه بخَيرٍ؛ أصابه الله سبحانه بقارعةٍ قبل يوم القيامة». صحيح أبي داود رقم: 2503

    . ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]:
    ما حكم محبة الله؟
    والجواب: واجبة. قال ابن رجب: «دلَّت هذه الآية على أنَّ محبَّة الله تعالى فَرْضٌ على العباد؛ لأنَّه سبحانه توعَّد من قدَّم محبَّة غيره على مَحبَّتِه ومحبة رسوله، والوعيد لا يقع إلَّا على فَرْضٍ لازم، وحَتمٍ واجِب».

    . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]:
    تهديدٌ بأن كل من آثر غير الله على الله قد تحقق فسقه.

    . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]:
    قال النسفي:«والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين؛ إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأموال والحظوظ».

    . ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾[التوبة:30]:
    قال أهل المعاني: «إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا».

    . ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾[التوبة:30]:
    تشابه القلوب يؤدي إلى تشابه الأقوال، فاليهود والنصارى بادعائهم لله الولد يشابهون قول المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله.

    . ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾[التوبة:35]:
    اشتركت الجوارح الثلاثة في منع حق الله عن الفقير، فكان لابد لها من عقاب. ق
    ال الزركشي: «قدَّمَ الجِباهَ ثمَّ الجنوب؛ لأنَّ مانع الصَّدَقة في الدُّنيا كان يَصرِف وجهه أوَّلًا عن السَّائِل، ثم يَنُوء بِجانبه، ثمَّ يتولَّى بِظَهْرِه».

    ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾[التوبة:35]:
    ما كنزتموه ليكون سبب لذاتكم، كان سبب تعذيبكم.
    قال الآلوسي: «خُصَّت بالذكر؛ لأن غرض الكانزين من الكنز والجمع أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة ورياسة بسبب الغنى، وأن يتنعموا بالمطاعم الشهية والملابس البهية، فلوجاهتهم كان الكي بجباههم، ولامتلاء جنوبهم بالطعام كووا عليها، ولما لبسوه على ظهورهم كُوِيت».

    ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾[التوبة : 41]:
    لما كانت البعوث إلى الشام، قرأ أبو طلحة  سورة براءة حتى أتى على هذه الآية، فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا، جهزوني يا بَنيّ!
    فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فقال: ما سمع الله عذر أحد، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قُتِل.

    . ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾[التوبة : 41]:
    كان أبو أيوب الأنصارى  يقرأ هذه الآية، ويقول: فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا، ولم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عاما واحدا.

    . ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾[التوبة : 42]:
    هذا الدِّين مَتينٌ، لا يحمِلُه إلَّا عالي الهَمِّة، وصادِقُ العزم، ولا مكان فيه لأصحاب العجز والكسل، وعشاق النوم وسافلي الهمم.

    . ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾[التوبة : 44]:
    كثرة الاعتذارات عن أعمال الخير مؤشِّر على ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر.


    . ﴿والله عليم بالمتقين﴾[التوبة : 44]:
    لا تظن أنك بقبول اعتذارك قد أخذت صكا بالبراءة! فإن الله مطلع على أسرار المعتذرين، ويعلم الصادق من الكاذب.

    . ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[التوبة : 45]:
    المنافقون دائما يعتذرون عن مواطن الخير ويستأذنون، فلا تتشبه بالمنافقين فتهون.

    . ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾[التوبة : 53 ]:
    هل الفسق يحبط الطاعات ويمنع قبول الحسنات؟
    والجواب: لا، لأن الآية التي تليها أشارت إلى أن سبب عدم قبول الأعمال الكفر لا الفسق، وهذا من أوضح الأدلة على أن الفسق لا يحبط الطاعات.

    . ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة : 54 ]:
    قال القرطبي: «أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة الملهوف لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يُطعَم بها في الدنيا».

    . ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة : 54 ]:
    المنافقون يتصدقون .. المنافقون يصلون ..فليست العبادة بظاهرها فحسب، لكن الباطن ومحتوى القلب أساس.


    . ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: 55]:
    الخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته: هذه أموال وأولاد جعلها الله استدراجا لهؤلاء ليذوقوا العذاب، فكيف تُعجَبون بها وتغترون؟!

    . ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة : 55]:
    إذا زاغ بصرك لما رأى نعيم أصحاب الثروات والمليارات؛ فخاطب نفسك: هذا ما أعد البشر للبشر؛ فكيف بما أعد رب البشر للبشر!

    . ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة : 55]:
    قال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمَه عليك، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج!.

    . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة : 58 ]: ما اللمز؟!
    اللمز: العيب والوقوع في الناس، وقيل: اللمز هو العيب في الوجه، والهمز: العيب بالغيب.


  3. #33

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾:
    ضعَّف البعض إسناد حديث: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، لكن معناه صحيح، وتشهد له هذه الآية.

    . ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله﴾:
    ليس المراد بقصر الخشية هنا على الله أنهم لا يخافون شيئا غير الله، فإنهم قد يخافون الأسد ويخافون العدو،
    ولكن المعنى: إذا تردد الحال بين خشية الله وخشية غيره قدَّموا خشية الله، فالقصر هنا عند تعارض خشيتين.

    . ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ﴾:
    مهما بلغ عملك الخيري والتطوعي، فلن يجاري أبدا الإيمان بالله والجهاد في سبيله.

    . ﴿ويوم حنين إذ (أعجبتكم) كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شيئا﴾:
    أغلِق شبابيك قلبك كي لا يتسلل إليه العُجب بمال أو علم أو سلطان، فكل ذلك لن يغني عنك بين يدي الله شيئا!
    . نصرة الله للعبد موقوفة على عدم رؤية العبد لنفسه، فالمنصور من عصمه الله عن توهّم قدرته، ولم يكله إلى تدبيره وسطوته،
    وأقامه مقام الافتقار إليه متبرئا من حوله وقوته، فيأخذ الله بيده، ويخرجه عن تدبيره، ويوقفه على حسن تدبيره.

    . ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾:
    شيئا !!
    إن أصغر شيء في هذا الكون لا ينجح في إنجاز شيء دون إرادة الحق سبحانه.


    . ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾:
    هذا قانون التولي والتخلي! إذا قلت يا رب تولاك، وإذا قلت: أنا أنا.. تخلى عنك!

    . ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾:
    قال الحسن البصري: «هكذا يقع ذنب المؤمن من قلبه»، فقيِّم إيمانك!

    . عون الله للمؤمنين يكفي مع القلة، والعُجب يلغي أثر الكثرة:
    ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.

    . ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
    السكينة من أعظم القوت الذي يُنعِم به (المقيت) على قلوب المؤمنين، وهو كفيل بترجيح كفَّتك في كل معارك الحياة.

    . ﴿وَأَنْزَل جُنودًا لمْ تَرَوْها﴾:
    هناك رحمات خفية ومعونات غير مرئية تتدفق عليك من الله دون أن تشعر، فقط إن تخليتَ عن حولك وقوتك إلى حوله وقوته.

    . ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
    من علامات المؤمن: السَّكينة عند البلاء.

    . ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾:
    كيف نخاف فقرا، وقد وعدنا أكرم الأكرمين بالغنى!

    . ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾:
    غِناك وفقرك بيد الله وحده، فكيف تُذِلُّ نفسك لغيره؟!

    . ﴿ إنَّما المشْرِكونَ نَجَسٌ﴾:
    ارتبط وصفهم بالنجاسة بصفة الإشراك، فعلمنا أنها نجاسة معنوية نفسانية، وليست نجاسة ذاتية مادية.

    . ﴿إنَّما المشْرِكونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾:
    النهى وإن كان موجها للمشركين، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن تمكينهم من ذلك.

    . ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾:
    العام الذي حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين وعدم طوافهم بالمسجد الحرام، وهو العام التاسع من الهجرة.

    . ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾:
    ليس معنى الآية أن يصير الناس جميعا مسلمين، لكن يظل كُلٌّ على دينه أو كفره، ولا يجدون حلاً لمشاكلهم إلا في الإسلام.

    . ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾:
    تصور سخيف أن يظنوا أن أفواههم التي تنفخ كافية لإطفاء أعظم نور، ذهبت أنفاسهم، وما زاد النور إلا توهجا.

    ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾:
    قال الخطيب الإدريسي:
    «إن الإسلام إذا حاربوه اشتدّ، وإذا تركوه امتدّ، والله بالمرصاد لمن يصُدّ، وهو غني عمن ارتدّ، وبأسه عن المجرمين لا يُردّ، وإن كان العدو قد أعدّ، فإن الله لا يعجزه أحد، فجدِّد الإيمان جدِّد، ووحِّد الله وحِّد، وسدِّد الصفوف سدِّد».

    ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾:
    قال الله (كثيرا)، فالتعميم خطأ، والدقة مطلوبة، فكن دقيقا في اختيار كلماتك وعباراتك.

    . ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة﴾:
    قال العلماء: كل مال -مهما كثر- تؤدى زكاته ليس بكنز، وأي مال -مهما صغر- لا تؤدّى زكاته فهو كنز.

    . ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾:
    ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، وقد سُمِّيَت بذلك لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها.

    ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
    أعظم الظلم ظلم النفس، ويقع بمعصية الله وترك طاعته.


    . ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
    قال قتادة: «إن الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواه، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، وكأن الله يُعظِّم من أمره ما شاء».

    . ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
    ظلمكم لأنفسكم هو إضرار منكم بأنفسكم، ولن تضروا الله شيئا، فكل ما أمر الله به تحريماً وتحليلا هو لصالحكم، وكل عصيان له يضركم.

    . ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾:
    قال القشيري: «ولا سلاح أمضى على العدوّ من تبرّيك (تبرؤك) عن حولك وقوّتك».

    . استعمال الحيلة لفعل شيء محرم أو الفرار من واجب هو تلاعب بالدين، مثل تلاعب المشركين بتأخير اﻷشهر الحرم ليقترفوا الحرام:
    ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

    . ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾:
    لا يُضعِف القلب ويكبِّله عن بلوغ معالي الأمور إلا الانجذاب لسفولة الأرض.

    ‏النفير في القرآن نوعان:
    للجهاد ﴿انْفِروا في سَبيلِ الله﴾، وللعلم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾، فلا عزة بغير جهاد، ولا جهاد إلا بعلم.

    . ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾:
    أتظنون أن جهادكم هو الذي ينصر محمدا ودينه؟
    كلا؛ فالله ناصره بأيسر وسيلة وأهون سبب، كما نصره يوم الهجرة برجل واحد! هو أبو بكر على قريش كلها.

    . الصاحب بحق هو الذي يخفف عنك الأحزان، ويشعرك عند خوفك بالأمان:
    ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾

    ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
    لم يقل : ﻻ تحزن ، فأنا رسول الله وإني معك، بل تبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته.

    . ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾:
    بعض الرحمات الإلهية مرهونة بكلمة واحدة ترددها بيقين، لتنهمر السكينة بغزارة!

    . ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    ولو فقدت كل شي، يكفيك أن الله معك، وسيعوِّضك.

    . ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    ليست المعية العامة بالعلم والإحاطة، فهذه تشمل كل الخلق، بل معية التأييد والنصرة، وهذه لا تشمل إلا المؤمنين الذين استجلبوها بطاعة الله وموافقة أمره.

    . ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    منهج رباني في التخفيف عن المكروبين، لا يتضمن الاستغراق في تفاصيل المشكلات، بل يقوّي النفس على المشكلات بالاستعانة برب الأرض والسماوات.

    ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
    هل الحزن شعار الإيمان؟!
    كلا ..
    قال ابن القيم:
    «اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، وليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين، ولهذا لم يأْمر الله به فى موضع قط، ولا أثنى عليه، ولا رتَّب عليه جزاء ولا ثوابا، بل نهى عنه فى غير موضع».

    . ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ (لا تَحْزَنْ) إِنَّ (اللَه مَعَنَا)﴾
    أعظم صحبة هي التي تخفف عنك أعباء الحياة بتذكيرك دوما بالله.

    . ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾:
    المنافق قصير النفَس، والصدق لا يُختَبر إلا في الأعمال طويلة المدى.

    . ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾:
    حديث يشبه هذه الآية! قال رسول الله ﷺ في المتخلفين عن صلاة الجماعة: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء».
    وهو توبيخ لمن زهد في صلاة الجماعة، ولو وجد في صلاة الجماعة شيئا من الدنيا –ولو كان حقيرا- لحضرها.


    . ﴿عَفا الله عَنْكَ﴾:
    المراد بالعفو ليس عن الذنب، فهو المعصوم، ولكن عدم مؤاخذته ﷺ في تركه الأوْلى والأفضل، والأفضل كان ألا يأذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد.

    . ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾:
    ما أجمل أن تستفتح العتاب بأجمل الكلمات!
    لتستميل قلب من تُعاتِب!

    . ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾:
    من علامات التوفيق وأمارات السابقين الاستعداد للطاعة قبل دخول وقتها.

    . ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾:
    عُدَّة هنا نَكِرة،لتفيد الإطلاق أيْ أيَّ عُدَّة، فالذي لا يبذل أي نوع من الاستعداد دنيء الهمة، وليس في قلبه خير.

    . ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
    إذا أعاقتك الصوارف عن زيارة بيت الله، فخف أن يكون الله قد كره لقاءك فثبَّطك!

    . ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
    كثرة التكاسل عن الطاعات علامة مخيفة، توحي بأن العبد مطرود من رحاب الله، وعليه أن يعود فورا.

    . ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
    أسقِط هذه الآية على صلاة الفجر، وعالج بها كسلك وتسويفك!

    . ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾:
    تشكو عدم القيام لصلاة الفجر، وأنت كل يوم تنام متأخرا، ولا تضبط منبِّهك ليوقظك!. ويحك! من عزَم على شيء من الخير، فعلامة صدقه أن يبذل له أسبابه.

    . ﴿يهلِكونَ أَنْفُسَهُم﴾:
    هلاكنا ليس بالجهاد، بل في ترك الجهاد، وليس بأن نموت في سبيل الله، بل بأن نحيا في خدمة الدنيا.

    ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾:
    هم مؤمنون يصغون لأقوال المنافقين، أو مجموعة من المنافقين بين المؤمنين يسمعون لأصحابهم المنافقين ويؤيدون أقوالهم، إن مجرد سماعك للإشاعة هو جزء من خطة المنافق.

    . قلب الحقائق عن طريق بلاغة اللسان من أبرز صفات النفاق:
    ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾.

    . ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾:
    لا تنس الماضي الأسود لأعداء دينك، ولا تحرق سجلاتهم الملطخة بالخيانة، ستفيدك يوم القصاص.



  4. #34

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾:
    لا فرار مهما حاولوا، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها.

    . من علامات المنافق أن يفرح بسلامة دنياه ولو خسر دينه:
    ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.

    ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾:
    كلما نقص يقينك بهذه الآية، زاد منسوب الخوف في قلبك.

    . ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾:
    لنا لا علينا، فالمصيبة خيرٌ لك لا عليك!

    . ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾:
    قل لي بربِّك: كيف تنكسر أمة يرى أبناؤها أنهم رابحون في كل الأحوال؟!

    . ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:16]:
    تحكيم غير شرع الله جريمة! قال ابن القيم: «ولا وليجةَ أعظَم ممَّن جعل رجُلًا بِعَينِه مُختارا على كلامِ الله وكلام رسوله وكلامِ سائر الأمَّة، يُقَدِّمُه على ذلك كُلِّه، ويَعْرِضُ كتابَ اللهِ وسُنَّة رسوله وإجماع الأمة على قوله، فما وافَقَه منها قَبِلَه؛ لِمُوافَقتِه لقوله، وما خالفه منها تلطَّفَ في ردِّه، وتطَلَّبَ له وُجوهَ الحِيَلِ، فإن لم تكُنْ هذه وليجة، فلا ندري ما الوليجة؟!».

    . ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾[التوبة:21]:
    ثلاثة في مقابل ثلاثة!قال الآلوسي: «ذكر أبو حيان أنه- تعالى- لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث: الرحمة، والرضوان، والجنة».

    ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[التوبة:22]:
    قال ﷺ: «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا». صحيح الجامع رقم: 8164

    . ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾:
    خَصَّ الأموال المُقتَرَفة أي المكتسبة بالذِّكر؛ لأنَّها أحب إلى أهلها، وصاحبها أشَدُّ حِرصًا عليها ممَّن تأتيه الأموال بغَير تعبٍ ولا كدًّ من ميراث وغيره.

    . ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾[التوبة:24]:
    تهديد نبوي!
    في الحديث: «مَن لم يَغْزُ أو يُجهِّزْ غازِيًا، أو يَخْلُفْ غازيًا في أهلِه بخَيرٍ؛ أصابه الله سبحانه بقارعةٍ قبل يوم القيامة». صحيح أبي داود رقم: 2503

    . ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]:
    ما حكم محبة الله؟
    والجواب: واجبة. قال ابن رجب: «دلَّت هذه الآية على أنَّ محبَّة الله تعالى فَرْضٌ على العباد؛ لأنَّه سبحانه توعَّد من قدَّم محبَّة غيره على مَحبَّتِه ومحبة رسوله، والوعيد لا يقع إلَّا على فَرْضٍ لازم، وحَتمٍ واجِب».

    . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]:
    تهديدٌ بأن كل من آثر غير الله على الله قد تحقق فسقه.

    . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[التوبة:24]:
    قال النسفي:«والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين؛ إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأموال والحظوظ».

    . ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾[التوبة:30]:
    قال أهل المعاني: «إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا».

    . ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾[التوبة:30]:
    تشابه القلوب يؤدي إلى تشابه الأقوال، فاليهود والنصارى بادعائهم لله الولد يشابهون قول المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله.

    . ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾[التوبة:35]:
    اشتركت الجوارح الثلاثة في منع حق الله عن الفقير، فكان لابد لها من عقاب. ق
    ال الزركشي: «قدَّمَ الجِباهَ ثمَّ الجنوب؛ لأنَّ مانع الصَّدَقة في الدُّنيا كان يَصرِف وجهه أوَّلًا عن السَّائِل، ثم يَنُوء بِجانبه، ثمَّ يتولَّى بِظَهْرِه».

    ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾[التوبة:35]:
    ما كنزتموه ليكون سبب لذاتكم، كان سبب تعذيبكم.
    قال الآلوسي: «خُصَّت بالذكر؛ لأن غرض الكانزين من الكنز والجمع أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة ورياسة بسبب الغنى، وأن يتنعموا بالمطاعم الشهية والملابس البهية، فلوجاهتهم كان الكي بجباههم، ولامتلاء جنوبهم بالطعام كووا عليها، ولما لبسوه على ظهورهم كُوِيت».

    ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾[التوبة : 41]:
    لما كانت البعوث إلى الشام، قرأ أبو طلحة  سورة براءة حتى أتى على هذه الآية، فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا، جهزوني يا بَنيّ!
    فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فقال: ما سمع الله عذر أحد، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قُتِل.

    . ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾[التوبة : 41]:
    كان أبو أيوب الأنصارى  يقرأ هذه الآية، ويقول: فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا، ولم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عاما واحدا.

    . ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾[التوبة : 42]:
    هذا الدِّين مَتينٌ، لا يحمِلُه إلَّا عالي الهَمِّة، وصادِقُ العزم، ولا مكان فيه لأصحاب العجز والكسل، وعشاق النوم وسافلي الهمم.

    . ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾[التوبة : 44]:
    كثرة الاعتذارات عن أعمال الخير مؤشِّر على ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر.

    . ﴿والله عليم بالمتقين﴾[التوبة : 44]:
    لا تظن أنك بقبول اعتذارك قد أخذت صكا بالبراءة! فإن الله مطلع على أسرار المعتذرين، ويعلم الصادق من الكاذب.

    . ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[التوبة : 45]:
    المنافقون دائما يعتذرون عن مواطن الخير ويستأذنون، فلا تتشبه بالمنافقين فتهون.

    . ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾[التوبة : 53 ]:
    هل الفسق يحبط الطاعات ويمنع قبول الحسنات؟
    والجواب: لا، لأن الآية التي تليها أشارت إلى أن سبب عدم قبول الأعمال الكفر لا الفسق، وهذا من أوضح الأدلة على أن الفسق لا يحبط الطاعات.

    . ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة : 54 ]:
    قال القرطبي: «أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة الملهوف لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يُطعَم بها في الدنيا».

    . ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة : 54 ]:
    المنافقون يتصدقون .. المنافقون يصلون ..فليست العبادة بظاهرها فحسب، لكن الباطن ومحتوى القلب أساس.


    . ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: 55]:
    الخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته: هذه أموال وأولاد جعلها الله استدراجا لهؤلاء ليذوقوا العذاب، فكيف تُعجَبون بها وتغترون؟!

    . ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة : 55]:
    إذا زاغ بصرك لما رأى نعيم أصحاب الثروات والمليارات؛ فخاطب نفسك: هذا ما أعد البشر للبشر؛ فكيف بما أعد رب البشر للبشر!

    . ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة : 55]:
    قال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمَه عليك، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج!.

    . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة : 58 ]: ما اللمز؟!
    اللمز: العيب والوقوع في الناس، وقيل: اللمز هو العيب في الوجه، والهمز: العيب بالغيب.

    ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة:58]:
    المنافقون أعداء النجاح، ورواد السخرية من المؤمنين، ولن يجدوا أنسب من غزوة تبوك لإطلاق حملتهم هذه،
    فكيف سيواجه هؤلاء الفقراء الضعفاء جحافل أقوى دولة في الدنيا، ويقابلونها بجيش قائم في تجهيزه على التبرعات، ويحتاج لنصف صاع وحبة تمر!

    ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة:58]:
    لن يسلم من ذمِّ المنافقين أحدٌ، فلا المتصدِّقون سلِموا، ولا الممسكون، لا المكثِرون ولا المُقِلّون.

    . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة:58]:
    منظار الشك واتهام النوايا فضلا عن أنه غير موضوعي، فهو ضد ما أمر الله به من الحكم على الظاهر، والله يتولى السرائر.

    . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة:58]:
    اللمز داء يعبِّر عن نفوس المنافقين المريضة، فالمرء يطلب عيب غيره بمقدار تشرُّب قلبه بهذا العيب.
    قال عون بن عبد الله: «ما أحسب أحدا تفرَّغ لعيب الناس إلا من غفلة غفَلها عن نفسه«.

    السخرية بالآيات واستعمالها في المزاح دائرة محظورة، وقد تزل بصاحبها –دون أن يشعر- نحو النفاق.

    . ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾[التوبة :84]:
    صلاتك عليهم ووقوفك على قبورهم نوع من الشفاعة فيهم، والكافر لا تنفعه شفاعة، وفيه دليل على تحريم الصَّلاةِ على الكافِرِ، والوقوف على قبره، والدُّعاء له، والاستغفار.

    . ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾[التوبة :88]:
    رسول الله ﷺ يتقدم موكب التضحية، ومن ورائه كل داعية صادق، عليه أن يدعو الناس بحاله قبل مقاله، وعمله قبل لسانه.


    . ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[التوبة :89]:
    من الذي أعدَّ؟!
    لو أن ملكا من ملوك الأرض دعاك إلى ضيافته، لو أن أغنى أغنياء العالم استضافك في قصر من قصوره، فكيف تكون لذتك؟!
    فكيف والله جل جلاله هو الذي أعد وهيَّأ؟!
    وفيه إشعارٌ بغاية العناية الإلهية.

    ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ﴾[التوبة :90]:
    أصحاب الأعذار قسمان: قسم صاحب عذر حقيقي وهم المعذِّرون، وقسم كاذب في أعذاره، وهم المنافقون.

    . ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأنفال: 41]:
    ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: قُصِد به الاعتناء بشأن تقسيم الغنيمة، واستشعار مراقبة الله كي لا يشذ عنها شيء، أي كل ما غنمتموه -كائنا ما كان- يقع عليه اسم الغنيمة، حتى الخيط والمخيط.

    ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾[الأنفال: 41]:
    ما أكرم الله!
    قسَّم الله الغنائم خمسة أقسام، فعيَّن أربعة أخماس الغنيمة للجيش المقاتل، وجعل خُمسَها لهؤلاء الخمسة..
    روى البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: «أتيت النبي ﷺ، وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة،
    فقال: لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش، قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم»..
    من لطائف الحسن أنه أوصى بالخمس من ماله قائلا: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟!

    ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾[الأنفال: 41]:
    تحتاج لأن تراجع إيمانك إذا اعترضت على حكم ثابت من أحكام الله، فإن الاعتراض على أمر الله يقدح في إيمانك.

    . ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال : 46] :
    وأيُّ بيان لِفائدةِ الصَّبرِ أبلَغ وأعظم مِنْ إثباتِ معية الله للصابرين؟!

  5. #35

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾[الأنفال : 47 ]:
    في الآية تكريه شديد للمسلمين في البطر والرياء، لأن الأحوال المذمومة تزداد قبحا، ويزداد الناس منها نفورا إذا كانت من أحوال قوم مذمومين، وهم هنا الكافرون الذين خرجوا لبدر بطرا ورئاء الناس.
    . ما البطر؟!
    إذا كثرت نعم الله على العبد فصرفها إلى مرضاته، فهذا هو الشكر، وإن استعملها في المفاخرة على الأقران، والمكاثرة على أهل الزمان، فهذا هو البطر.

    . ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾[الأنفال: 50]:
    قال ابن عباس: «كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم، فلا جرم أن قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح».

    . ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[الأنفال: 51]:
    نفي الظلم كناية عن عدل الله المطلق، وأن العذاب الأليم مكافئ للذنب المجازى عنه بلا إفراط ولا تفريط، فلا يظلم الله مقدار ذرة.

    . ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[الأنفال: 51]:
    إشارة بالمعنى إلى اسم الله المؤمن. قال ابن عباس: «المؤمن أي أمَّن خلقه من أن يظلمهم».

    . ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾[الأنفال: 54 ]:
    كرَّر التذكير بقوم فرعون مرتين تأكيدا وتهديدا:
    كم من فرعون علا في الآخِرين، فأخذه الله كما أخذ فرعون في الأولين.

    . ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأنفال: 55]:
    عدم الإيمان يهوي بصاحبة إلى مرتبة شر من الدواب!

    . ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾[الأنفال: 56]:
    جمعوا ثلاث خصال: الكفر، وعدم الإيمان، والخيانة، فلا يثبتون على عهد عاهدوه، وهؤلاء عند الله شر من الحمير والكلاب، لأن الخير فيهم معدوم، والشر منهم متوقع.


    . ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾[الأنفال: 57]:
    محق هؤلاء واجب، لئلا يسري داؤهم إلى غيرهم.

    . ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾[الأنفال: 59]:
    لا يحسب الذين كفروا أنهم أفلتوا من عقاب الله، فإنهم لا يعجزونه، والله لهم بالمرصاد، لكن لله حكمة بالغة في عدم معاجلتهم بالعقوبة، ومن جملتها:
    ابتلاء المؤمنين وامتحانهم، وتزود المؤمنين من طاعة يبلغون به المنازل العالية.

    . ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال : 67]:
    الذين أرادوا عرَض الدنيا هم من أشاروا بالفداء، وليس رسول الله ﷺ، وقد جاءه جبريل يبلِّغه أن يخيِّر أصحابه.

    . ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال : 67]:
    حقيقة الدنيا!
    سمَّى نعيم الدُّنيا ومتاعها عَرَضا؛ لأنَّه لا ثبات له ولا دوام، فكأنَّه يَعرِضُ لصاحبه ثمَّ يزول عنه.

    . ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:68]:
    الكتاب هو ما سبق من حكم الله بإحلال الغنائم، وهذا مما ميِّزت به هذه الأمة على غيرها من الأمم: «وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي».

    . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾[الأنفال : 72 ]:
    ﴿آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: المهاجرون.﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾: الأنصار.والآية تشير إلى التآخي بين المهاجرين والأنصار.

    ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[الأنفال : 72 ]: المراد بالولاية على قولين:
    الأول: الميراث، فقد كان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى، إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري وبالعكس، واستمر الأمر على ذلك حتى نزل قول الله تعالى:
    ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ﴾.الثاني: المراد بالولاية هنا النصرة.

    . ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[الأنفال:73]:
    في الآية نهي شديد عن موالاة الكافرين، فلا يتولاهم إلا من كان منهم.

    . ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾[الأنفال:73]:
    اصطفاف الكافرين ينبغي أن يقابَله اصطفاف المؤمنين، ووحدة أعداء الدين تفرض اليوم وحدة المسلمين.

    ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾[الأنفال:73]:
    ضعف شأنكم، وذهاب ريحكم، وسفك دمائكم، وتطاول أعدائكم، وهو ثمرة المرة لتفرق إخوان العقيدة اليوم، واتحاد أعدائهم.

    . ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾[الأنفال:74]:
    المؤمن الحق أفعاله تتحدث عنه قبل أقواله.. المؤمن الحق مختبر دوما، ولو لم يكن مؤمنا حق الإيمان لما تحمل فراق الأهل والأوطان، ولا بذل النفس والأموال.

    . ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾[الأنفال:75]:
    المراد بهم من هاجروا بعد الهجرة الأولى، فأولئك منكم أيها المهاجرون والانصار، وتأخر ذكرهم لتأخر قدرهم، إشارةً لفضل السابقين إلى الهجرة على اللاحقين.

    . ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾[التوبة:4]:
    حرَّم الإسلام الخيانة، وأمر بالوفاء ولو مع الأعداء.

    . ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾[التوبة:4]:
    ليست التقوى بأداء حق الله فحسب، بل وبأداء حقوق العباد.

    . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾[التوبة : 7]:
    كيف يكون للناقضين للعهود مرارا، عهدٌ يُحَترم؟
    أي لا تعاملوا إلا من عاهدتم عند المسجد الحرام (مثل بني كِنانة وبني ضمَرة)؛ لأنهم لم ينقضوا ما عاهدوا عليه رسول الله ﷺ يوم الحديبية.

    . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾[التوبة : 7]:
    مع أن هؤلاء الكفار لا عهد لهم، لكن الله لم يطالب المؤمنين أن يعاملوا المشركين بالمثل ما داموا يحافظون على عهودهم، وجعل ذلك من لوزام التقوى.

    . ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾[التوبة : 8 ]:
    وصدق القائل:ملكْنا فكان العفو منا سجيـــة *** فلما ملكتم سال بالدَّمِ أبطُــــــح

    . ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[التوبة: 11]:
    كلمة واحدة تقلب أشد العداوات إلى محبات، وتحوِّل ضرارة القتال إلى مودات: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله.

    . ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة:16]:
    الجنة أغلى مما تظن! تريدين إدراك المعالي رخيصة .. ولا بد دون الشَّهد مِنْ إِبَر النحل

    . ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:16]:
    قال أبو عبيدة: كل شي أدخلته في شي ليس منه فهو وليجة، والوليجة هي بطانة من المشركين يتخذها المسلمون ويفشون إليهم أسرارهم، وانظروا حولكم.. مَنْ مِنَ المسلمين يرتكب اليوم هذه الجريمة؟!




  6. #36

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...





    الجزء الحادى عشر

    ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 94]:
    الله مُطَّلِعٌ على الضمائِر كاطلاعه على الظواهر، فأي عقل في الاستخفاء منه؟!

    . ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾[التوبة: 95]:
    إخبار بالمستقبل: بما سيلقى به المنافقون المسلمين قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو.

    . ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾[التوبة: 95]:
    قال الرازي:
    «خبث باطنهم رجس روحاني، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى، خوفا من سريانها إلى الإنسان، وحذرا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال».

    . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109]:
    قلَّما تاب ظالم، وقلَّما ردَّ المظالم، والسبب أن الله عاقبه على ظلمه بحرمانه من الهداية.

    ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 110]:
    لا نجاة للمنافق مما انحدر إليه إلا أن يتوب توبة صادقة، يتقطع منها قلبه ندما وأسفا.

    . ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾[التوبة: 111]:
    قال الزمخشري: «لأن إخلاف الميعاد قبيح، لا يُقْدِم عليه الكرام من الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم، فكيف بِالغَنيِّ الذي لا يجوز عليه قبيح قط؟».

    . ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[التوبة: 112]:
    تسابقوا إلى التَّحلِّي بهذه الخصال ، واحرصوا على بلوغ أوفى رجات الكمال.

    . ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾(التوبة:121):
    حتى قطع الطريق إلى العمل كل يوم مكتوب في ميزان حسناتك، إذا أصلحتَ نيَّتك.

    . ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾(التوبة:122):
    قال القرطبي: «هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم».

    . ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾(التوبة:122):
    من أهم نيات طلب العلم نشره، وليس كما يفعل البعض من التباهي به والتكبر على الخلق.



    . ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾(التوبة:123):
    قال السيوطي: «فيها أنه يجب الابتداء في القتال بالأقرب إلى بلد المقاتلين».

    . ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾(التوبة:123):
    من سُنن الجهاد البدء بالعدو الأقرب فالأقرب، وليس أقرب إليك من نفسك التي بين جنبيك! ففي الحديث: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل». صحيح الجامع رقم: 1129

    . ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾(التوبة:123):
    وفي الحديث: «أفضل الجهاد: أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله عز وجلَّ». السلسلة الصحيحة رقم: 1496

    . ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(التوبة:123):
    معية الله للمتقين معية نصرة وتوفيق وتأييد وإعانة وتثبيت، وكل ما يحتاجونه.

    . ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا﴾(التوبة:124):
    لاحظ تواصي المنافقين بالنفاق، وتثبيتهم لبعضهم البعض حتى لا يؤمنوا!

    . ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾(التوبة:124):
    تعرضك لآيات القرآن يزيد من إيمانك، وغيابك عنها قراءة وتدبرا سبب نقص إيمانك.

    . ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾(التوبة:128):
    ترغيب للعرب في الإيمان بالنبي ﷺ وطاعته، فهو منكم، وكل ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا عائد إليكم.

    ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(التوبة:129):

    خصَّ العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، فإذا أحاط الله به فقد أحاط بمن دونه،
    فكيف لا تتوكل عليه؟!


    . ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(التوبة:129):
    قال ابن عباس:
    «العرش لا يقدر أحدٌ قدرَه»، فهذه عظمة العرش، فكيف بعظمة رب العرش؟!


    ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾﴾(يونس:1):
    ثلاثة معان لحكمة!
    الحكيم هو ذو الحكمة، أو الحكيم بمعنى الحاكِم، أو الحكيم بمعنى المُحكَم ضد تسلل الباطل، فلا كذب فيه ولا تناقض ولا اختلاف.


    . ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (يونس:4):
    يا من طالت غيبته: ارجع إليه طوعا قبل أن ترجع إليه بالموت قهرا.

    ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ (يونس:4):
    قال الضحاك:
    «يُسقى من حميم يغلي من يوم خلق الله السموات والأرض إلى يوم يُسقونه ويُصبُّ على رؤوسهم».


    . ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (يونس:4):
    لماكانت الشمس أعظم حجما خُصَّت بالضياء، لأن له سطوع ولمعان، وهو أعظم من النور، ومن ضخامة حجم الشمس أنها يمكن أن تحوي 1.3 مليون كرة أرضية!


    ﴿ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (يونس:4):
    لاحظ دقة التعبير القرآني! فالضوء أقوى من النور، والضوء يأتي من إشعاع ذاتي، فالشمس ذاتية الإضاءة، فإذا استقبل القمر ضوءها عكس النور.

    ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾(يونس:31):
    من رحمة الله بنا أن لم يقصر رزقنا على جهةٍ واحدةٍ؛
    بل رزقنا من فوق رؤوسنا ومن تحت أرجلنا.

    . ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾(يونس:32):
    قال القرطبي:
    «حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد».

    . ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس:40):
    يعلم الله أهل الإفساد في الأرض، وليس بعد العلم إلا الحساب والعقاب.

    ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ (يونس:41):
    عار أن يعمل أهل الباطل، ويتخلف عن العمل أهل الحق، وعار أكبر أن يجتهد أقوام في السعي إلى النار، ويكسل عاشق الجنة.


    . ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (يونس:41):
    في البراءة استعمل الفعل المضارع: (أعمل) و (تعملون) للدلالة على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والمستقبل.

    ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ (يونس:42):
    الهداية بيد الله وحده، وإذا غاب القلب لم تنفع الأذنان.


    . ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾(يونس:49):
    سيد الأنبياء لا يقدر على دفع ضر عنه ولا جلب نفع له إلا بإذن الله، فمتى يتعلم التواضع منه أهل الكِبْر والخيلاء؟!


    . ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(يونس:49):
    لا أحد يموتُ إلَّا بعد انقضاءِ أجَلِه، ولا يُقتَل المقتول إلا على هذا الوجه.

    ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾(يونس:59):

    احذر الفتوى بغير علم!
    قال ابن كثير: «وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم، بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها، ولا دليل عليها، ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة«.

    ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾(يونس:60):
    استفهام قُصِد منه الوعيد والتهديد الشديد لبيان هول ما سيلقونه من عذاب



  7. #37

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    • ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(يونس:65):
      لا يحزنك تهديد واستهزاء وسخرية وتآمر أهل الباطل، فحربهم ليست معك، بل مع الله العزيز.

      . ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾(يونس:65):
      انظر إلى أعدائك بنظر الفناء، لترى أعمالهم وأقوالهم وتهديدهم كالهباء، فمن شاهد قوة الله وعزته رأى كل العزة والقوة له، ولا قوة لأحد ولا حول له، وهو تعليل للنهي السابق. كأنه قيل: لم لا أحزن؟
      فقيل: إن العزة لله.

      . ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾(يونس:66):
      حين يسيطر الشيطان على القلب، يقوده إلى الوهم، فلا يتبع المشركون شركاء لله على الحقيقة، وإنما سموهم شركاء لجهلهم.

      . ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾(يونس:66):
      الخرَص هو الكذب أو القول بتخمين، ومن أبشع الضلالة: أن يقضي أقوام أعمارهم في خدمة باطل يظنونه حقا.

      ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾(يونس:71):
      صدق التوكل هو باعث القوة في القلب لإعلان هذا التحدي، والتقدم بمثل هذا الطلب التعجيزي.

      . ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾(يونس:71):ي
      ستطيع العبد - بتوكله على ربه- أن يلقي بأعدائه خلف قضبان العجز.

      . ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: 73]:
      (المنذَرين) أي المكذِّبين، حيث لم يُفِد الإنذار فيهم، وقد جرت سنة الله أن لا يُهلِك قوما بالاستئصال إلا بعد الإنذار، فمن أنذر فقد أعذر.

      ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾(يونس:74):
      الطبع على القلب وحرمانه من الهداية ليس إلا عقوبة للمعتدين على الذنوب.

      . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: 75]:
      الحق سحر، وحامل الحق ساحر! لن تنفد حجج البعض للتفلت من تبعات الإيمان.

      . ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾(يونس:79):
      يصدِّق الطاغية بمرور الوقت كذبه، فما زال فرعون يظن موسى ساحرا، ويريد أن يقابله بسحر مثله.

      . ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾(يونس:80):
      قال الآلوسي: «لا يخفى ما في الإبهام من التحقير والإشعار بعدم المبالاة، والمراد أمرهم بتقديم ما صمموا على فعله ليظهر إبطاله، وليس المراد الأمر بالسحر والرضا به».


      . ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾(يونس:81):
      قال الطاهر بن عاشور مبيِّنا طبيعة الباطل المضمحلة وزواله الحتمي:«فإذا نفى الله إصلاحها فذلك بتركها وشأنها، ومن شأن الفساد أن يتضاءل مع الزمان حتى يضمحل»

      . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾(يونس:81):
      كتب الخليفة الخامس عُمر بن عبد العزيز إلى عامله عبد الرحمن بن نُعَيْم ينصحه في سطر واحد: «أما بعد، فاعمل عمل من يعلم أنَّ الله لا يُصْلِح عمل الْمُفْسدين».

      . ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾(يونس:82):
      الإحقاق هو التثبيت، ومنه سُمِّي الحق حقا لأنه الثابت، وقول الله تعالى ﴿بِكَلِماتِهِ﴾: «فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد بذلك»

      . ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾(يونس:86):
      قال الإمام الشوكانى: «وفي هذا الدعاء الذي تضرعوا به إلى الله- دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم».

      . ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾:
      لا عذر لأحد في ترك الصلاة!
      منعهم فرعون الصلاة، فأمرهم الله أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم.

      ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾(يونس:87):
      اجعل بيتك قبلة للمؤمنين ومنارة للحائرين وواحة للمهتدين.

      . ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾(يونس:88):
      قال القرطبي: «اختُلِف في هذه اللام، وأصح ما قبل فيها- وهو قول الخليل وسيبويه- أنها لام العاقبة والصيرورة».

      . ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾(يونس:91):
      إذا طرق ملك الموت بابك، فقد أُغلِق باب القبول، فات وقت الاعتذار، بعد الركض طويلا في ميدان الاغترار!

      . ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾(يونس:92):
      كم أهلك الله فراعين أمام أعين الناس أجمعين، ليكونوا عبرة للغافلين.

      . ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾(يونس:92):
      آية لكل ظالم وكل مظلوم، وقلما يعتبر ظالم، فليعتبر بها كل مظلوم.

      . ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾(يونس:100):
      ليست هداية البشر بإرادة نبي ولا سعي ولي، وإنما بإرادة الله وتوفيقه، فلا تحمِّل نفسك فوق طاقتها في سبيل هداية أحد، وَوكِّل أمره إلى الله.


      . ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(يونس:101):
      قال السيوطي: «في الآية دليل على وجوب النظر والاجتهاد، وترك التقليد في الاعتقاد».

      . كَيف تخَاف فَوات شيء من الْخَيْر أراده الله بك، وإن لم يردهُ بك، فَمن الذي يقدر على أن يعطيك إياه؟

      . ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: 108]
      اختيار وصف الرب: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ للتنبيه على أنه إرشاد من الذي يحب صلاح عباده، ويدعوهم إلى ما فيه نفعهم، وهذا شأن من يربي، أي يسوس الأمر ويدبِّره.

      . ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 108]:
      كلُّ من تُعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يُعاملك، والرب سبحانه إنّما يعاملك لتربحَ أنت عليه أعظمَ الربح وأعلاه.

      . ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ [يونس: 109]
      اتباع الحق سيجر عليك المتاعب، لذا تحتاج دوما إلى الصبر.. تحتاج إلى صبر لاتباع الحق وتحصيله والعمل به ثم الدعوة إليه.


      ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾[هود:3]:
      الاستغفار مقال، والتوبة أعمال، والتوبة أعلى. .
      قال البقاعي: «أشار بأداة التَّراخي إلى علوِّ رُتبةِ التَّوبةِ، وأنْ لا سبيلَ إلى طلَبِ الغُفرانِ إلَّا بها».

      . ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾[هود:3]:
      التوبة وعد!
      سمع مطرف رجلا يقول : أستغفر الله وأتوب إليه ، فأخذ مطرف بذراعه وقال : «لعلك لا تفعل! من وعد فقد أوجب»..
      قال القشيري: «توبوا إليه بعد الاستغفار، من توهمكم أن نجاتكم باستغفاركم، بل تحقَّقوا بأنكم لا تجدون نجاتكم إلا بفضل ربِّكم، فبفضله وبتوفيقه توصَّلتم إلى استغفاركم، لا باستغفاركم وصلتم إلى نجاتكم».

      . ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[هود:3]:
      سمَّى منافع الدُّنيا متاعا؛ للتَّنبيه على حقارتها، ونبَّه مع هذه الحقارة على أنها مُنقَضية،
      فقال: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فدلَّت الآية في شدة إيجاز على كَونِ الدنيا حقيرة زائلة.

      . ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾[هود:3]:
      المراد بالفضل الأول: العمل الصالح، والفضل الثاني: ثواب الله،
      فالجملة وعدٌ من الكريم بحسن مجازاة الصالحين.

      . ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾[هود:3]:
      تتفاوت الدرجات في الآخرة بحسب تفاوت أعمال العباد.
      قال يحيى بن معاذ: «إنما ينبسطون (ينشطون ويجتهدون) إليه على قدر منازلهم لديه».

      . المنافق مستعد للحلف كاذبا ليُرضي الخلق، أما راى الله فآخر اهتماماته:
      ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾.

      . ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾:
      إذا لم تستطع أن تتخلص من السيئات، فزاحمها بكثرة الحسنات، وستغلب الكثرة القِلة
      ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.

      ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾:
      اجعل من نياتك عند الشروع في الطاعة أن تمحو بها أثر سيئة.

      . ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾:
      شرع الله الصدقة من أجلك أنت أولا قبل الفقير.

      . ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾:
      كان بعض المتصدقين يضع الصدقة في يده، ثم يدعو الفقير لأخذها، لتكون يد الفقير هي العليا، ويده المنفقة هي السفلى!


      . توبة مالية!!
      إذا ابتليت بذنب وتريد أن تتطهر منه، فاستعن بالصدقة:
      ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾

      . ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾:
      قال ابن كثير: «هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها».

      . ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾:
      كل طاعاتك يراها الله، فكيف تشرك فيها غيرك؟!

      . ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا﴾:
      اتخذ النفاق في العهد النبوي أشكالا لا يُتصَوَّر أن يتسلل إليها النفاق، فكيف بعهدنا اليوم؟! الحذر أوْلى.

      . ﴿فيه رِجالٌ يُحبونَ أَنْ يَتَطَهّروا﴾:
      إذا أردت أن تطهِّر قلبك وتزكِّي روحك، فاجلس في مسجد، واذكـر الله تعالى فيه.

      . ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾:
      ماذا تساوي نفوسنا المعيبة -وإن طهرت- حتى يشتريها الله منا بكل هذا الثمن،
      لذا قال الحسن البصري: « بايعهم والله فأغلى ثمنهم»..
      قال محمد بن الحنفية يحثك على تزكية نفسك بالعمل الصالح:«إن الله عز وجل جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها»..
      أنت لا تملك نفسك، ولا يحق لك التصرف فيها دون إذن المالك، فإنما يتصرف في ما اشتراه منك وبعته له، وأعطاك في المقابل الجنة، أرجعت في بيعتك؟! أم أنك لم تبع وزهدت في الجنة من الأساس؟!
      وإذا بعت.. أيحسن لمن باع شيئا أن يغضب على المشتري إذا تصرَّف فيه أو يتغيرقلبه تجاهه إذا أنفقه؟
      وماذا لنا فينا حتى نتكلم!!. كيف بعت هذه النفس الثمينة بشهوة تنقضي في لحظة؟! وبلذة لا تبقى سوى ساعة؟!
      وهبها بقيت أياما أو أعواما فماذا تساوي بجوار لذة الخلد؟! وبعتها لمن؟!
      لأعدى أعدائك: شيطانك!.
      حُكِي عن مالك بن دينار أنه مرَّ بقصر يُبنَى، فسأل الأجراء عن أجرتهم، فأجابه كل واحد منهم بأجرته، ولم يجبه واحد، فقال: ما أجرتك؟
      فقال: لا أجر لي؛ لأني عبد صاحب القصر، فقال مالك: إلهي .. ما أسخاك، الخلق كلهم عبيدك، كلَّفتهم العمل ووعدتهم الأجر..
      البائع لا يستحقّ الثمن إذا امتنع عن تسليم ما باع، فكذلك لا يستحق العبد الجنة إلا بعد تسليم النّفس والمال على موجب أوامر الشرع،
      فمن قعد أو فرّط فغير مستحق للجزاء.



      . تأمل هذا الوصف البليغ في الولاء والبراء:
      ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾،
      فاقتفِ أثر خليل الرحمن، وتبرأ من كل عدو لك ولدينك ولرسولك وللمؤمنين.

      . تأمل كيف اجتمعت صفة الحلم والغلظة في شخص واحد:
      ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيم﴾،
      فالحلم ليس معناه التهاون في أمر الدين.

      . ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾
      صحابة..مجاهدون..في معية النبي ﷺ، وتكاد قلوبهم أن تزيغ، وبعضنا واثق من قلبه، ومطمئن على إيمانه!
      على أي اساس؟!

      . ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ الْعُسْرَة ﴾:
      وصف الله العسر بأنه ساعة من نهار؛ كي لا تضجر من الأقدار!



  8. #38

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾:
    قال ابن القيم: «وتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها، فإنه تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما، فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانيا، قبولا وإثابة».. قال ابن القيم: التوبة نهاية كل عارف، وغاية كل سالك، وكما أنها بداية فهي نهاية، والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية، بل هي في النهاية في محل الضرورة، لذا كان ﷺ في آخر حياته أشد ما كان استغفارا وأكثره، وأنزل الله بعد غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات التي غزاها ﷺ بنفسه:
    ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾

    . ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾:
    تحتاج لأن يتوب عليك أولا لتتوب، فالتوبة ليست مجرد قرار شجاع، هي قبل ذلك هداية ورحمة وتوفيق من الله.

    ﴿ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾:
    أضيق ما يكون الأمر قُبيل الفرَج!

    . ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾:
    قال مجاهد: «ما كان من ظن في القرآن فهو يقين»، فلما أيقنوا ألا ملجأ إلا الله، صدق منهم اللجوء إليه، فتداركهم بالشِّفاء، وأسقط عنهم البلاء.

    . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾:
    كونوا معهم، ولا تتفردوا في السير من دونهم، كي لا يستفرد بكم شيطان في الطريق، فالجماعة بركة، والفرقة عذاب وضياع.

    . ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾:
    لن تستطيع أن تكون تقيا إلا إن كنت في بيئة صالحة!

    . ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾:
    الصدق من أهم معايير اختيار الصحبة، فلا يصلح أن تصاحب كاذبا.


    ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾:
    والوطء في سبيل الله هو أن تدوس في أرض العدو بما يغيظه، فإن العدو يأنف من وطء أرضه، وممكن أن يكون الوطء استعارة لإذلال العدو وإغاظته،
    فكل عمل تغيظ به أعداء الله، فلك به أجر، ولو كان خطوة واحدة.

    . ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ﴾:
    لا تحقرن صغيرة من خير، فأصحاب الأعراف يوم القيامة يوقفون عن دخول الجنة، بسبب نقصان حسنة واحدة!

    . تنزل الآية على القلوب، فتكون سبب في زياد إيمان قوم، وزيادة رجس -أي كفر وشك- قوم آخرين
    ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾.

    . ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾:
    قصة حديث تشرح آية!.
    بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما الأول فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا،
    فقال ﷺ: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه».


    . ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾:
    إعراض مديره عنه يقلقه، فكيف بإعراض الله؟!

    . ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾:
    سين: لماذا صرف الله قلوبهم؟!
    جيم: لأنهم انصرفوا، فصرف الله قلوبهم عن الهدى؛ عقوبة على انصرافهم أولا.

    . ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾:
    المنافق تُقلِقه سورة! فكيف بالقرآن بأكمله؟!

    . ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ الله﴾:
    قل لكل شيء فقدته، ولكل غالٍ هجرك، ولكل قريب تخلى عنك: حسبي الله .. يكفيني ويؤويني.

    آية :
    ﴿وبشِّرِ الذينَ آمَنوا..﴾:
    تبشير المؤمنين سُنَّة يغفل عنها الكثيرون، وما أكثر ما قال رسول الله ﷺ كلمة (أبشِر) لأصحابه، وبها أمرنا: «بشِّروا ولا تنفِّروا».

    . آية : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾:
    قال السعدي: «مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنه رفيق في أفعاله».

    ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾:
    فرِّغ قلبك من همومك وتدبيرك، وفوِّض أمرك لوأسلِم قيادك لمن وعدك بتدير الأمر لك ولغيرك.

    . ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾:
    قال سهل التستري: «يقضي القضاء وحده، فيختار للعبد ما هو خير له، فخيرة الله خير له من خيرته لنفسه».

    . ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾:
    حقيقة القدم ما قدَّموه، ويقدمون عليه يوم القيامة، والمؤمنون قدَّموا الأعمال الصالحة، والإيمان بمحمد ﷺ ، فيقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك، فهذه ثلاث تفسيرات لقدم صدق.

    . ﴿ يُدَبّرُ الأَمْرَ ﴾
    تكررت في كتاب الله 4 مرات؛ لتنزع من قلبك أوهام أن أمرك بيد أحد غير الله.

    ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾:
    لا يأمرك الله بترك الدنيا، ولكن بعدم الاطمئنان بها وألا تركن إليها، فتقدِّمها على آخرتك، وتحصِّل لذاتها وشهواتها بأي طريق فتهلك!!


    . ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾:
    ليست الهداية درجة واحدة ولا الإيمان، بل درجات، وتتناسب هدايتك طرديا مع إيمانك، فكلما زاد إيمانك زادت هدايتك.

    . ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾:
    الإيمان باقة نور يهتدي به المؤمنون في ظلمات الفتن ومتاهات الغربة، حتى يصلوا إلى الهدف المنشود: الجنة.

    . ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾:
    قال ابن جريج: يُمثَّل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره، يعارِض صاحبه ويبشِّره بكل خير، فيقول له: من أنت؟
    فيقول: أنا عملك، فيُجعَل له نوره من بين يديه حتى يُدخِله الجنة، فذلك قوله تعالى:
    ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ .

    . ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
    الدعوى هنا الدعاء، ومعنى قولهم سبحانك: اللهم إنا نسبِّحك وننزهك عما لا يليق بك، فعبادة أهل الجنة التسبيح والحمد ، وذلك ليس على سبيل التكليف،
    بل على سبيل التلذذ والابتهاج بذكر الله، وهو لهم بمنزلة النَّفَس، من دون كلفة ومشقة.

    . ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾:
    قال الآلوسى: «وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء، ويهرع إليه في الشدة، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه في السراء والضراء، فإن ذلك أرجى للإجابة،
    ففي الحديث الشريف: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».

    . ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾:
    قال أبو الدرداء: «ادعُ الله يوم سرائك، يستجِب لك يوم ضرائك».

    . ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾:
    ما أشبه الليلة بالبارحة! بعض من ينادون بخفيف لهجة الخطاب الديني أو تجديده!

    . ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾:
    قال الطبري: «والتبديل الذي سألوه أن يحوّل آية الوعيد آية وعد، وآية الوعد وعيدًا، والحرامَ حلالا، والحلال حرامًا، فأمر الله نبيَّه ﷺ أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يُرَدُّ حكمه، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلِّغ ومأمور مُتَّبِع».

    ﴿ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾:
    هذا سبب تعنت المنافقين والكافرين تجاه القضايا الإسلامية والأحكام الشرعية، وأما من آمن بلقاء الله فلابد له أن ينقاد لأحكامه.

    . ﴿ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾:
    ﻻ تحزن إن جحد الناس إحسانك، فمَنْ جحد فضل الخالق من قبل،
    كيف لا يجحد فضل المخلوق؟!

    . ﴿قل الله أسرع مكرا﴾:
    مهما أسرع الماكرون وتفننوا وتستروا، فقد سبق مكر الله مكرهم، لأن أحاط علما بمكرهم قبل أن يفعلوه، وقدرة على إبطاله بعد أن يفعلوه.

    ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾:
    مشركون دعوا الله حين أحاطت بهم الأمواج، فنجاهم الله،
    فكيف تيأس وتنقطع عن الدعاء مع إيمانك؟!

    . قال مكحول: ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر، والبغي، والنكث.
    قال تعالى: {ومن نكث فإنما ينكث على نفسه} وقال: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43]، وقال: {إنما بغيكم} على أنفسكم "[يونس: 23]

    . (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم):
    أنفع موعظة ما كانت من أجل منفعتك أو صرف السوء عنك، ولذا فهذه صيحة تحذير وصرخة نذير: أنت لا تضر إلا نفسك!


    ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾:
    البغي سهم سيرتد إليك عاجلا أو آجلا!

    ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: الاغترار بالقوة أول علامات الانهيار.
    .
    ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
    قال القرطبي: «المضطر يجاب دعاؤه، وإن كان كافرا، لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب».

    . ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾:
    الدنيا أقصر ما تكون، وكأنها موسم زراعة واحد!!

    . ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾:
    جملة كفيلة بأن تزهِّدك في الدنيا بأسرها لأنها زائلة ومنسية، وترغِّبك في الآخرة الخالدة.

    . ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ ﴾:
    قال ابن كثير: «لما ذكر الله الدنيا وسرعة زوالها، رغَّب في الجنة ودعا إليها، وسمّاها: دار السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات».

    . ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ ﴾:
    من أجاب النداء من الدنيا دخلها، ومن أجاب النداء من القبر حُرِمها.

    . ‏﴿ وَاللهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾:
    تجيب أمك وأباك إذا ناداك، ولا تجيب ربك إذا دعاك، ودعوته لك إلى سعادة الأبد في جنة الخلد لتكون مثواك!

    . بقدر إحسانك في الدنيا تكون زيادة نعيمك في الجنة:
    ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾


    . ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾:
    قال السعدي: «لا ينالهم في الجنة أي مكروه بوجه من الوجوه، لأن المكروه إذا وقع بالإنسان تبين ذلك في وجهه، وتغير وتكدَّر».
    .
    ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾:
    تغير وجه صاحبك علامة على نزول مكروهٍ به، فتفقَّد أحواك صاحبك عند تغير وجهه.

    . ﴿بل كذبُوا بما لم يُحيطوا بعلمه﴾:
    الإنسان عدو ما جهل!

    . ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾:
    النظرة واحدة لكن الأثر مختلف بحسب نوع القلب.
    قال ابن كثير: «المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، والكافرون ينظرون إليك بعين الاحتقار:
    (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا) ».

    . ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾:
    عشرات السنين تصبح بعد معاينة الآخرة أقصر ما تكون، وكأنها لحظات تعارف.

    . وعد الله بالنصر قائم وقادم لا محالة، لكن لا يلزم أن يراه المستضعفون اليوم، فالله قال لرسوله:
    ﴿فإمّا نرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون﴾.

    . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قال ابن عاشور: «وقد عبَّر عنه بأربع صفات هي أصول كماله وخصائصه، وهي: أنه موعظة، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه هدى، وأنه رحمة للمؤمنين».
    .
    ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾:
    وهذا الشفاء لن يتحصل عليه إلا من التزم بشرطه، وشرطه: التدبر.

    . ﴿وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾:
    جاءت كلمة «الشفاء» قبل كلمة الهداية، لتبيِّن أن إخراج ما في القلب من أهواء وأمراض مطلوب لحصول هداية القلب.

    . ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾
    هذه من أشد آيات المراقبة، فهذا علمه بحركات الذرات، فكيف علمه بحركات لعباد؟!

    . ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾:
    أي لا خوف يخافه خائفٌ عليهم، فهم بمأمن من أن يصيبهم مكروه، وليس المعنى أنهم لا يخافون، لكن إذا اعتراهم خوفٌ ينقشع عنهم باعتصامهم بالله وتوكلهم عليه.

    ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
    وإن كانوا يحزنون لما يصيبهم من أمور في الدنيا، فذلك حزن عابر لا يستقر، بل يزول بالصبر وذكر الأجر، ولا يلحقهم الحزن الدائم المؤدي لكسر النفس والاكتئاب.

    . ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
    قال ابن عاشور: «فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه، وأن لا يحل بهم ما يحزنهم، ولما كان ما يُخاف منه من شأنه أن يُحزن من يصيبه، كان نفي الحزن عنهم مؤكدا لمعنى نفي خوف الخائف عليهم».

    . ﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾:
    قال السعدي: أما البشارة في الدنيا، فهي: الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق.. وأما في الآخرة، فأولها البشارة عند قبض أرواحهم، وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم.. وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم.

    . اطمئن واستبشِر!
    ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾:
    كل ما وعد به الله فهو حق، ولا يمكن تغييره أو تبديله أو الرجوع عنه، لأنه الصادق في قوله، ولا يقدر أحد على مخالفه ما قدره وقضاه، ومن ذلك وعودُه للمؤمنين، ولذا قال بعدها مبشِّرا:
    (ذلك الفوز العظيم).

    . ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾:
    الداعية لا يرجو بدعوته مالا ولا جاها، وكلما زهد داعية في دنيا الناس أقبل الناس عليه، ليفيدهم في أمر آخرتهم.

    . ‏﴿ إن أجري إلا على الله ﴾:
    فلا تأبه إن شكرك الناس على صنع المعروف أو نسوك، ولا تحزن لجحود الناس، لأنك تستلم أجرك من وجهة واحدة: الله رب العالمين.

    . ‏﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾:
    يظن الظالم أن الناس كلهم مثله، فيرميهم بالداء الذي فيه، ولا يتصور ان أحدا يعمل لمهمة سامية وغاية نبيلة، أو رجاء ثواب الله والدار الآخرة.

    . ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
    أي يا رب لا تمكِّنهم من عذابنا، لئلا يقول الظالمون وأتباعهم: لو كان هؤلاء على الحق لنصرهم الله!

    . ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ﴾:
    الذرية هم الشباب، وهم أمل المستقبل ومفتاح التغيير.

    . ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾:
    شكر نعمة الإجابة!
    قال ابن عاشور: وفرَّع على إجابة دعوتهما أمرهما بالاستقامة، فعلم أن الاستقامة شكر على الكرامة فإن إجابة الله دعوة عبده إحسان للعبد وإكرام وتلك نعمة عظيمة تستحق الشكر عليها وأعظم الشكر طاعة المنعم.

    ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: ما فائدة أمر المستقيم بالاستقامة؟ فموسى وهارون حازا أعلى استقامة، وهي استقامة النبوة. جيم: الأمر بالدوام عليها.

    . ﴿ وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾:
    أول الانحراف عن طريق الاستقامة سببه اتباع طريق المنحرفين، فحذر المؤمن وخوفه الدائم من الانحراف من أهم أسباب الاستقامة.

    . ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾:
    الاستقامة على فعل الطاعات، من أعظم أسباب إجابـة الدعوات.

    . ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
    قال البقاعي: في كل زمن وإن لم يكن بين ظهرانيهم رسول، لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت.

    ﴿وإن يُردكَ بخيرٍ فلَا رادَّ لفضّله ﴾:
    لا راد لفضله ولو كانت الدنيا بأسرها، فمن يحرم من أراد الله عطاءه، ومن يُشقي من أراد الله إسعاده؟!

    . ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾:
    الاستغفار جسر يوصلك إلى التوبة.

    ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا ﴾:
    أعظم متعة تجدها في قلوب التائبين المستغفرين.

    . خرج عمر بن الخطاب يستسقي فما زاد على الاستغفار حتى رجع
    قالوا: ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر،
    ثم قرأ:
    ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52]

    . ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾:
    قال سعيد بن جبير: من عمل حسنة كُتِبَت له عشر حسنات، ومن عمل سيئة كتبت عليه سيئة واحدة، فإن لم يعاقب بها في الدنيا، أُخذ من العشرة واحدة، وبقيت له تسع حسنات، لذا قال ابن مسعود: «هلك من غلب آحاده أعشاره».



  9. #39

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...



    الجزء الثانى عشر
    

    ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾[هود: 7]: قال أبو جعفر الطبري: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أفيعجز من خلق ذلك من غير شيء أن يعيدكم أحياءً بعد أن يميتكم؟!».

    . ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[هود: 7]: قال البقاعي: «ففي ذلك الحثُّ على محاسنِ الأعمال، والترقِّي دائما في مراتبِ الكمالِ».

    . ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[هود: 11]: المراد بالذين صبروا المؤمنون، لأن الصبر من لوازم الإيمان، ولا إيمان لمن لا صبر له.

    . ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[هود: 11]: استعمل وصف (صبروا) بدلا من (آمنوا)، لأن المراد مقارنة حالهم بحال الكفار في قول أحدهم: ﴿إنه ليؤس كفور﴾ [هود: 9].


    . ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾[هود: 13]: الإعجاز بالتحدي!
    تحدى الله عز وجل الخلق أن يأتوا بمثل القرآن، فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من سور القرآن، فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة، فعجزوا.

    . ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾[هود: 39]:المؤمن الواثق بأنه على الحَقِّ لا يُزَعزِع ثقتَه مقابلة السُّفهاء لدعوته بالسُّخرية، بل يجهر بكلم ةالحق بكل قوة.

    . ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾[هود: 37]: قد علم الله من يصر على الكفر منهم ويموت عليه، فلماذا يطلب الله من رسوله ﷺ تبليغ الرسالة؟
    والجواب: لتقوم عليهم الحجة، ويكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة

    . ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾[هود: 45]:قال مالك بن أنس: «الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات».

    . ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾[هود: 57]: الاستعمال في طاعته وإلا فالاستبدال.

    . ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾[هود: 57]: يا حفيظ احفظنا!
    اقتضت سنة الله أن يحفظ أولياءه ويخذل أعداءه.


    ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾[هود: 58]:لم يقل باستحقاقه النجاة، أو بنبوته، أو لكثرة طاعته وحسن عبادته، بل قال: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾،
    ليعلم الجميع أن رحمة الله هي طوق النجاة، وأن أحدا لا يستوجب النجاة بسابق عمله بل بسابغ رحمة الله.

    . ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾[هود: 59]: عصوا رسولا واحدا، لكن رسالة الرسل واحدة، فمعصية واحد كمعصية الكل.

    . ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾[هود: 59]: اتباع أمر الجبابرة يحشرك معهم يوم القيامة. قال ابن عرفة: دخلت ﴿كل﴾ على ﴿جبار﴾، ولم يقل: اتبعوا كل أمر جبار عنيد، وهذا هو الصواب؛ لأن المراد أنهم اتبعوه في ما فيه مخالفة للشرع، فلم يتبعوا كل أمره.

    . ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾[هود: 60]: استعمل مع الدنيا اسم الإشارة ﴿هذه﴾، لقصد تحقيرها وتهوين أمرها عند مقارنتها بلعنة الآخرة.

    . ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾[هود: 60]:ما فائدة (قَوْمِ هُودٍ) مع أنه أمر معلوم؟! ل
    لإشارة إلى أنَّ استِحْقاقَهم للبُعْد بسبَبِ ما جرَى بينَهم وبين هودٍ عليه السلام وهم قومُه؛ فيكون هذا تعريضًا خفيا بمشركي قريش الذين آذوا رسول الله ﷺ،
    وأنهم سيلاقون بتكذيبهم لرسولهم ما لقيه قوم هود لمخالفة نبيهم.

    . ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾[هود: 62]: يتغير رأي الناس فيك إن واجهتهم بما يكرهون ولو كان حقا، ويحبونك لو وافقتهم ولو كانوا على باطل.

    . ﴿قال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾[هود: 65]: استُدِلَّ به في إمهالِ الخَصمِ ثلاثة أيام.
    قال الأوزاعي: «كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه».



    ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[هود: 66]: الخزي هو الذل العظيم الذي يبلغ بصاحبه حد الفضيحة، وسمى الله هذا العذاب خزيا؛ لأنه فضيحة باقية يعتبر بها من بعدهم من الأمم.

    . ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾: قال الإمام السيوطي: »فيه مشروعيَّةُ الضِّيافة والمبادرة إليها، واستحباب مبادرة الضَّيف بالأكل منها».

    . ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾[هود: 69]: فيه إشارة إلى أن السَّلامِ مِن ملَّةِ أبينا إبراهيم عليه السَّلام

    . ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾[هود: 75]: والحليم: هو الصبور على الأذى، المقابل له بالإحسان، والأواه: كناية عن شِدَّةِ اهتمامه بالنَّاس، وتأوُّهه لآلامهم، وهذا شأن كل داعية.

    . ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾[هود: 80]: هذا حالُ المؤمنِ إذا رأى مُنكَرا لا يقدِر على إزالته؛ أن يتحَسَّر على فقد القوة أو المعين على دفعه.

    . ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾[هود: 81]: جواز رؤية البشر للملائكة، كما رأتْهم سارة امرأة الخليل عليه السَّلام، وكما رأى الصَّحابة جبريلَ على هيئة أعرابي، وكما نزل جبريل في صورة دِحيةَ الكَلبيِّ.

    . ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾[هود: 81]: عاجَلوه بالبشرى ليطمئن.

    ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾[هود: 81]: قال قتادة: «كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت العذاب التفتت وقالت: وا قوماه، فأصابها حجر، فأهلكها».

    . (هُوَ كَاذِبٌ﴾[هود: 93]: تعريض بكذبهم في ادعائهم القدرة على رجمه، وفي نسبته إلى الضعف والهوان، وأنهم لولا رهطه لرجموه.

    . ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾[هود: 93]: هكذا يجب ن تكون ثقة كل مؤمن بوعد ربه.


    . ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾[هود: 94]: لا نجاة لأحد من العذاب ولو كان نبيا، إلا برحمة الله.

    . ﴿ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾[هود: 95]: قال ابن عاشور: «ووجه الشبه: التماثل في سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب الصيحة».

    . ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾[هود: 96]: الآيات هي الآيات التسع، والسلطان المبين أي: حجَّة بيِّنة، وكل سُلْطَان ذكر فِي الْقُرْآن هو بِمَعْنى الْحجَّة.

    . ﴿ وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾[هود: 96]:سلطان قوة يقهر قوة فرعون، وسلطان حجة يقنع القلوب، فيشمل القوالب والقلوب، وهما علامة الكمال لكل داعٍ إلى الخير.

    ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾[هود: 99]:الرفد هو العطاء، وكأن مكافأة فرعون لقومه على اتباعهم له هي اللعنة التي تصيبهم في الدنيا والآخرة، وهو لون من ألوان التهكم لا يخفى.




  10. #40

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[هود: 66]: الخزي هو الذل العظيم الذي يبلغ بصاحبه حد الفضيحة، وسمى الله هذا العذاب خزيا؛ لأنه فضيحة باقية يعتبر بها من بعدهم من الأمم.

    . ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾: قال الإمام السيوطي: »فيه مشروعيَّةُ الضِّيافة والمبادرة إليها، واستحباب مبادرة الضَّيف بالأكل منها».

    . ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾[هود: 69]: فيه إشارة إلى أن السَّلامِ مِن ملَّةِ أبينا إبراهيم عليه السَّلام

    . ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾[هود: 75]: والحليم: هو الصبور على الأذى، المقابل له بالإحسان، والأواه: كناية عن شِدَّةِ اهتمامه بالنَّاس، وتأوُّهه لآلامهم، وهذا شأن كل داعية.

    . ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾[هود: 80]: هذا حالُ المؤمنِ إذا رأى مُنكَرا لا يقدِر على إزالته؛ أن يتحَسَّر على فقد القوة أو المعين على دفعه.

    . ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾[هود: 81]: جواز رؤية البشر للملائكة، كما رأتْهم سارة امرأة الخليل عليه السَّلام، وكما رأى الصَّحابة جبريلَ على هيئة أعرابي، وكما نزل جبريل في صورة دِحيةَ الكَلبيِّ.

    . ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾[هود: 81]: عاجَلوه بالبشرى ليطمئن.

    ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾[هود: 81]: قال قتادة: «كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت العذاب التفتت وقالت: وا قوماه، فأصابها حجر، فأهلكها».

    . (هُوَ كَاذِبٌ﴾[هود: 93]: تعريض بكذبهم في ادعائهم القدرة على رجمه، وفي نسبته إلى الضعف والهوان، وأنهم لولا رهطه لرجموه.

    . ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾[هود: 93]: هكذا يجب ن تكون ثقة كل مؤمن بوعد ربه.


    . ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾[هود: 94]: لا نجاة لأحد من العذاب ولو كان نبيا، إلا برحمة الله.

    . ﴿ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾[هود: 95]: قال ابن عاشور: «ووجه الشبه: التماثل في سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب الصيحة».

    . ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾[هود: 96]: الآيات هي الآيات التسع، والسلطان المبين أي: حجَّة بيِّنة، وكل سُلْطَان ذكر فِي الْقُرْآن هو بِمَعْنى الْحجَّة.

    . ﴿ وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾[هود: 96]:سلطان قوة يقهر قوة فرعون، وسلطان حجة يقنع القلوب، فيشمل القوالب والقلوب، وهما علامة الكمال لكل داعٍ إلى الخير.

    ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾[هود: 99]:الرفد هو العطاء، وكأن مكافأة فرعون لقومه على اتباعهم له هي اللعنة التي تصيبهم في الدنيا والآخرة، وهو لون من ألوان التهكم لا يخفى.










  11. #41

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    • ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾[هود: 100]: من هذه القرى المهلكة ما آثارها قائمة يراها الناظرون، كآثار فرعون وثمود، ومنها ما زالت أثارها وصارت كالزرع المحصود، فلم يبق منه شيء كديار قوم نوح ولوط.

      . ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾[هود: 101]:قال أبو الفتح البستي:من استعان بغير الله في طلب .. فإن ناصره عجز وخذلان

      . ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾[هود: 104]:تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود، وكل ما له عدد فهو منتهٍ، وكل منته لا بد أن يفنى، فإذا فني أقام الله القيامة، وكل آت قريب.

      . ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾[هود: 105]:في حديثِ الشَّفاعة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ولا يتكَلَّمُ يومَئذٍ إلَّا الرُّسُل، ودعوى الرُّسُلِ يومَئذٍ: اللهُمَّ سلِّمْ سلِّم».

      . ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾[هود: 106]:تخيل التنفس داخل النار، وسط جوها المتصاعد باللهب والدخان، فيتنفس المسكين نارا تحرق جوفه وأحشاءه، فما أشده عذابه.


      . ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾[هود: 107]: هذا أرحم استِثناء في القرآن! لأن فيه أعظم فائدة، وهو إخراج أهل التَّوحيدِ من النَّار.

      . ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾[هود: 108]: وصف الله هنا نعيم الجنة بأنه غير مقطوع؛ لئلَّا يتوهَّمَ واهم بعد ذِكر المشيئة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أنَّ ثَمَّ انقطاع في النعيم، بل هو الخلود والدوام الأبدي.

      . ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾[هود: 110]:اختلاف شأن الناس حول الحق سنة ربانية في كل زمان ومكان، والمصيبة إذا عمَّت خفَّت، فالجملة تسلية لرسول ﷺ وورثته من بعده.

      . ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾[هود: 111]: تَضمَّنَت الآية أربع توكيداتٍ لبث اليقين! التَّوكيدَ بـ (إنَّ)، وبـ (كلٍّ)، وباللَّامِ في الخبَر وبالقسَم، وبنونِ التَّوكيد؛ وذلك مبالغة في وعْد الطَّائعين وتوعد العاصين.

      . ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[هود: 111]: سيوفيك الله أجرك كاملا؛ لأنه الخبير الذي أحاط علما بكل ما بذلتَ، ولو كان مثقال ذرة.


      . ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾[هود: 116]: قال قتادة: «لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض (إلا قليلاً ممن أنجينا منهم)».

      . ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[يوسف: 8]: ليست الكثرة دائما علامة خيرية أو اجتماع على الحق، أحيانا تكون عكس ذلك.

      . ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[يوسف: 8]: قارن بين قولهم وقول يوسف لأبيه: ﴿يا أبَتِ﴾، لتعرف سر حب يعقوب ليوسف، فلم يكن تفضيله له عن هوى أو جمال شكل، فإن مقام النبوة منزَّه عن كل هذا، لكن لحسن أدبه ورجاحة عقله، وظهور أمارات الاصطفاء عليه.

      . ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: 20]: رسالة لكل من تعجَّب من جريمة إخوة يوسف! قال ابن الجوزي: «كان بعض الصالحين يقول: والله! ما يوسف -وإن باعه أعداؤه- بأعجب منك في بيعك نفسك، بشهوة ساعة من معاصيك».

      . ﴿ إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[يوسف: 25]: يدل على حرص المرأة على حياة يوسف، لكي لا يفكِّر العزيز في قتله، وهذا غاية الدهاء منها، أن تخيِّره بين خيارين ليس منهما المساس بحياة يوسف.

      . ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾[يوسف: 26]: دافَع عن أبشع تهمة بأربع كلمات فحسب، فالصادق واثقٌ في نفسه، متوكِّلٌ على ربه.

      . ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾[يوسف: 26]: لم يسبقها يوسف بالكلام سترا لها وصونا لعِرضها، فلما اتهمته زورا اضطر للدفاع عن نفسه.

      ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾[يوسف: 26]: قال الإمام الرازي: «إنَّما قال: مِنْ أَهْلِهَا ليكون أَوْلى بالقَبول في حقِّ المرأة؛ لأنَّ الظَّاهِر مِن حال مَنْ يكون مِن أقرباء المرأة ومن أهلِها ألا يقصِدَها بالسوء والإضرار».


      . ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[يوسف: 26]: كان من فطنة الشاهد، ومن لطف الله بيوسف أن بدأ بالاحتمال الذي يبرِّئ المرأة، مع علمه المسبق أنها مذنبة، وذلك حتى لا يتهمه أحد بأنه متحيِّز ضدها، أو أنه يُصدِر قراره عن انطباع سابق.

      . ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾[يوسف: 28]: بين كيد النساء وكيد الشيطان! وصف العزيز كيد النساء بأنه عظيم، بينما وصف الله كيد الشيطان بأنه ضعيف، ولا يلزم من ذلك أن كيد النساء أقوى من كيد الشيطان، بل الحق أن كيد الشيطان أقوى، وما كيد النساء إلا جزء من كيد الشيطان، وناشئ عن وساوسه.

      . ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾[يوسف: 29]: ما معنى الاستغفار إن لم يقترن بتوبة؟ والتوبة تقتضي ترك مقدمات الذنوب، والخلوة من هذه المقدمات وكذلك التبرج، وبقاء هذه المقدمات مع طلب الاستغفار حرث في بحار وعلامة استهتار.

      ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾[يوسف: 29]: والخاطئ غير المخطئ، فالخاطئ هو الذي تعمَّد الخطأ لا الذي وقع فيه رغما عنه، وقد خطَّطت المرأة ودبَّرت وغلَّقت وتهيَّأت في سبيل أن تظفر بهذا الذنب، فلذا خاطبها بهذا الوصف.

      . ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾[يوسف: 32]: جلد الفجار في نيل الأوزار وشراء النار! قسَمان اثنان في آية واحدة: ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿وَلَئِنْ﴾ مما يدل على تصميم المرأة على المضي قدُما في فسادها وإفسادها..

      . ﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾[يوسف: 37]: استعمل يوسف مواهبه التي وهبها الله إياه في تعريف الناس بربهم ودعوتهم إليه، فهلا تعلَّمناها من يوسف!

      . ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[يوسف: 37]: لم يقل لهم: اتركوا ملة القوم، بل عبَّر بقوله: ﴿تَرَكْتُ﴾، وفيه لطف في النصح وتورية، وكأنه كان على دينهما، فلما تركه آتاه الله هذا العلم، ترغيبا لهما في ترك ملة الكفر.


      . ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[يوسف: 37]: لم يقل لهم: أنتم كافرون، فيزيدهم ذلك إعراضا وعنادا، بل جعل الحديث عن قوم آخرين، وهو من لطفه وحسن عرضه لدعوته على طريقة: إياكِ أعني فاسمعي يا جارة.

      . ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾[يوسف: 38]: انظر كيف قدَّم الدعوة على تأويل الرؤيا، واستغل الفرصة لينشر دعوته ويبلِّغ رسالته.

      . ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾[يوسف: 38]: أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده هي نعمة التوحيد والإيمان به، وهي حقيقة يغفل عنها كثير من الناس، لذا لا يؤدون شكرها؟!

      . ﴿يا صاحِبَي السِّجْن﴾[يوسف: 39]: النصيحة دواء مرٌّ، فلابد أن يسبقه كلام حلو.

      . ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾[يوسف: 42]: من لطف الله وتدبيره الخفي أن أنسى الشيطانُ الساقي ذكرَ يوسف عليه السلام، فقد أراد الله أن يرتبط خروج يوسف بظهور براءته، فلو كان خرج عن طريق الساقي لظلت التهمة الأولى ملتصقة به.

      ﴿إلا على الله رزقها﴾: لم يقل: رزقها على الله، وتقديم على الله قبل كلمة رزقها لإفادة القصر، أي على الله لا على غيره، و (على) تدل على اللزوم، ومعلوم أن الله لا يلزمه أحد بشيء، فأفاد معنى اللزوم ضمان الرزق لكل الخلق، لأن الله إذا وعد وجب وقوع الموعود.

      ﴿ويعلم مستقرها ومستودعها﴾: قال ابن مسعود: مُسْتَقَرُّها: الأرحام، ومُستوْدعها: الأرْض الَّتي يموت فيها.

      . (وضائق به صدرك) : قال ابن جزي: وإنما قال ضائق، ولم يقل ضيق؛ ليدل على اتساع صدره عليه السلام وقلة ضيقه.


      . {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ} [هود: 12] : وهو استفهام في معرض النهي، فإياك أن يضيق صدرك فلا تُبلغهم شيئاً مما أنزِلَ إليك.

      . ﴿ويتلوه شاهدٌ منه﴾: ليس معنى يتلوه هنا من التلاوة؛ بل المعنى هنا: يتبعه.

      ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾: عندما تغدو الدنيا معيار التميز؛ يتحول الأفضل إلى الأرذل، والأتقى إلى الأغبى، والأقرب إلى الله إلى الأبعد عن الناس.

      . ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا﴾: عندما تغيب الموضوعية، ينصرفون عن الكلام إلى المتكلم، وعن القول إلى القائل، وعن الفكرة إلى صاحبها.

      . ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾:قال القرطبي: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء، كما قال هرقل لأبي سفيان: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد.

      . ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: اتهموا المؤمنين الذين اتبعوا نوحا بالسطحية. قال ابن جزي: «أول الرأي من غير نظر ولا تدبير، والمعنى: اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تثبت».

      ﴿وآتاني رحمة من عنده فعُمِّيت عليكم﴾: العمى الحقيقي هو ألا يبصر قلبك رحمات الله المنزلة.


      ﴿ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم﴾: مجرد طرد المؤمنين يستوجب عقوبة الله، فكيف بسجنهم وإيذائهم؟!

      . ﴿الله أعلم بما في أنفسهم﴾: صدَق نوح عليه السلام: لا يستطيع أحد أن يحكم على (نية) غيره، فلا يعلم نوايا القلوب إلا علام الغيوب.

      . (فلا تبتئس) بما كانوا يفعلون" يا لعظمة تسلية المحزون .. الله يتولاها بنفسه. جزى الله خيرا كل من اقتسم معنا كسرة حزن.

      . (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون): قال الرازي: «أي لا تحزن من ذلك، ولا تغتم، ولا تظن أن في ذلك مذلة، فإن الدين عزيز، وإن قلَّ عدد من يتمسك به، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به».

      . لا تستطل طريق الدعوة، فنوح مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ولا تضجر من قلة من استجاب لك، فما آمن مع نوح إلا قليل.

      . ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾: طوفان يخرج من تنور (فرن)!!
      درس إلهي: أستطيع أن أنصرك بالسبب، وبلا سبب، وبعكس السبب.

      ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾: قال القرطبي: «وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل».

      ﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾: صحَّح الله مفهوم الأهل لدى نوح عليه السلام، فالمؤمنون هم أهله.

      . ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ ولم يقل: مع الغارقين لأن مصيبة الدين هي أعظم المصائب.

      . (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء): إذا جاء أمر الله فلا ينجي إلا الله، وإن لجأت إلى أعظم جبل، وإن كان أبوك خير البشر.

      تعزية!
      ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح )
      قال القرطبي: في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين.

      (قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ):
      قال القرطبي: وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب

      .﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ : لماذا الصبر؟!
      قال ابن عاشور: »لأن داعي الصبر قائم، وهو أن العاقبة الحسنة ستكون من نصيب المتقين، فستكون لك وللمؤمنين معك.
      واللام في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ للاختصاص والملك، فيقتضي امتلاك المتقين لجنس العاقبة الحسنة، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم، ومنتفية عن أضدادهم من غير المتقين».

      . ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ :
      ما أجمل هذا الحديث: «من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة». صحيح الجامع: 6026

      . ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه﴾:
      هذه معجزة هود، فقد تحدى أمته بأسرها أن يصبوا عليه كيدهم بلا تريث أو انتظار، وكان سر قوته ومصدر منعته: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه﴾.

      . ﴿ إن ربّي قريبٌ (مُجيب) ﴾.
      يجيبُ دعوة عباده مهما كانوا، فيجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا، ودعوة المظلوم ولو كان فاجرا، فكيف بالأبرار والأتقياء!


      . ﴿فعقروها﴾:
      قال القرطبي: إنما عقرها بعضهم، وأضيف إلى الكل، لأنه كان برضا الباقين.

      . ﴿مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾:
      هذا قانون التماثل، وهو تهديد للظالمين الحاليين، بأنهم ليسوا بعيدين عن عقوبة الظالمين السابقين، لاشتراكهم في نفس الجريمة.

      . ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾:
      هذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم حقيقي، فالصلاة تأمر صاحبها وتنهاه، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وإلا كانت مظهرا بلا جوهر.

      . ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
      مال قليل مبارك خير من كثرة مال غير مباركة!
      قال القرطبي: «أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم».

      ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾:
      قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما نزل على النبي ﷺ آية كانت أشق ولا أشد من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾: ،
      ولذلك قال ﷺ لأصحابه حين قالوا: أسرع إليك الشيب. قال: «شيبتني هود وأخواتها».
      . ما معنى الاستقامة؟!
      قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب».

      . ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾:
      قال القشيري:«لا تعملوا أعمالهم، ولا ترضوا بأعمالهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمر بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئا من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم ... كل هذا يحتمله الأمر، ويدخل تحت الخطاب».

      . ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾:
      قال السعدي: وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟! نسأل الله العافية.

      . ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾:
      التوكل من عبادة الله، لكن خصه الله بالذكر اهتماما به، فهو نعم العون على سائر أنواع العبادة، فهو سبحانه لا يُعبَد إلا بمعونته.

      . ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾:
      الحق الأعزل بلا قوة لا تأثير له ولو كان صاحبه نبيا، فلابد للحق من قوة تحميه.

      . ﴿ِإنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾:
      قالها شعيب لأمة وثنية، لكنه أقرَّ برخائهم ورغد عيشهم، فالإنصاف سمة المصلحين، وهم أبعد ما يكونون عن تشويه الحقائق أو الكذب لينصروا قضيتهم.

      . فصل الدين عن الحياة وواقع الناس ليس أمرا جديدا، بل له جذور قديمة، وهي سُنّة جاهلية:
      (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء).

      . ﴿وما توفيقي إلا بالله﴾:
      قال ابن القيم: «وقد أجمع العارفون على أَن كل خير، فأصله بِتوفيق الله للْعَبد، وكل شَرّ فأصله خذلانه لعَبْدِه، وأَجْمعُوا أَن التَّوْفِيق أَن لَا يكلك الله إلى نفسك».



  12. #42

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    الظلم إعلان حرب مع الله، وتنتهي بانتقام الله:
    (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).

    (وكذلك أخذ ربك):
    قانون التماثل مرة أخرى، فمن سلك نفس طريق الظالمين نال نفس عقوبتهم.

    أمر الله رسوله بالاستقامة وفق أمره، فقال:
    ﴿ فاستقم كما أمرت﴾،

    فنحن أحق بالنظر في استقامتنا،
    وهل هي وفق ما أراد الله أم لا.

    إكثار المرء من الحسنات هو سبيل محاصرة السيئات والتغلب على تغلغلها في القلوب
    (إن الحسنات يذهبن السيئات).

    (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ):
    المصلحون صمام أمان للمجتمع لا الصالحون،
    فإن قل عددهم أو حوصروا فقلَّ تأثيرهم، فهي نذُر الهلاك.



    ﴿وما كان ربُّك ليُهْلِكَ القُرى بظلمٍ وأَهلُها مُصْلحُون﴾:
    لا يكفي أن تكون صالحا سلبيا لتنقذ أمتك بل لابد أن تكون مصلحا إيجابيا.

    ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك):
    من أهم أسباب الثبات مطالعة سير الصالحين والأنبياء،
    وليس أفضل من مطالعة ذلك في خير الكتب: كتاب الله.

    (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)
    من إحياء وإماتة، وهداية وضلال، وصحة ومرض، ونصر وهزيمةـ ف
    كل هذا يرجع إلى الله، إلى علمه وقدرته.


    ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾:
    قال الألوسي: وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله تعالى فليحمد الله تعالى، وليحدِّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ومن شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره» .وصح عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه».رؤيا المؤمن تسرُّه ولا تغُرُّه، أي يستبشر بها لكن لا تقعِده عن العمل والأخذ بالأسباب

    من الحكمة كتمان الأخبار التي هي مظنة الغيرة أو الحسد:
    ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.




    ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين
    انظر كيف خدعهم الشيطان!
    السعدي: «فقدَّموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض».

    ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾:
    لا تنخدع بحيل المحتالين!
    قال الشعبي: كنت جالسا عند شريح إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها وهو غائب، وتبكي بكاء شديدا، فقلت: أصلحك الله، ما أراها إلا مظلومة. قال: وما علمك؟
    قلت: لبكائها. قال: لا تفعل؛ فإن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون، وهم له ظالمون.

    (والله غالب على أمره):
    جاءت الجملة بالسياق الاسمي، ولم ترد بالسياق الفعلي، فلم يقل الله: (ويغلب الله)، وذلك لأن هذا الحكم كالقانون الذي لا يتبدل مع يوسف عليه السلام أو مع غيره.
    عجيب أن تأتي هذه الآية عقب ذكر بيع يوسف كعبد يخدم في قصور الملوك، ففي أشد اللحظات قسوة يأتى ذكر أعظم البشارات، وكأن الله يختصر القصة المطوَّلة للابتلاء والتمكين في آية واحدة، لتغرس اليقين بموعود الله وسط الأعاصير وأوقات الزلزلة.

    (والله غالب على أمره):
    الناس لا يرفعون ولا يضعون، ولا يقدِّمون ولا يؤخِّرون، ولا يقرِّبون ولا يُبعِدون لأن الأمر كله بيد الله.

    (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ):
    قال أبو السعود:« لا يعلمون أنَّ الأمر كذلك، فيأتون ويذرون زعما منهم أنَّ لهم من الأمر شيئا، وأنَّى لهم ذلك! وإن الأمر كله لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا لطفه»


    ﴿فَصًبْرٌ جَميلٌ﴾
    قال سفيان الثوري عن بعض أصحابه:
    «ثلاث من الصبر: ألا تحدِّث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكِّي نفسك».

    ﴿ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾:
    كانت محنة يوسف مع امرأة العزيز أشد من محنته مع إخوته، وصبره عليها أعظم أجرا، لأنه صبر اختيار مع وجود دواعي السقوط الكثيرة، وأما محنته مع إخوته، فصبره فيها صبر اضطرار، وليس له إلا الصبر عليها، طائعا أو كارها.

    ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾:
    قال ابن تيمية: «وهو برهان الإيمان الَّذي حصل في قلبه، فصرف الله به ما كان همَّ به، وكتب له حَسَنَة كامِلَة».متى ينقلب الهمُّ بالسيئة إلى حسنة؟!
    الإجابة في الحديث: «قالت الملائكة: يا رب ذاك عبدك يريد أن يعمل بسيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرّاي». صحيح الجامع رقم: 4356

    (واستبقا الباب):
    إذا كنت خاليا، وحاصرتك الشهوة، فاهرب على الفور، وابحث عن الباب.

    (واستبقا الباب):
    مهـما بلغت درجة صلاحك وعلمك، فاهرب من الفتن ومن كل ما أدّى إليها، فهذا فرار الشجعان، وهو الفرار الوحيد المحمود.

    تكرر في سورة يوسف قولُ ربي:
    (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) في ثلاث آيات رقم: 21،40،68.ولم يتكرر هذا التكرار في أي سورة أخرى تذكيرا لنا بخفي لطف الله وعجيب أقداره.

    (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)
    إذا جاهدت نفسك بالانصراف عن السوء والفحشاء فترة من الزمن، كافأك الله وأمر السوء والفحشاء أن ينصرفا عنك.

    (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء):
    أمام أعاصير الفتن إياك أن تركن لسابق صلاحك وشهرة عبادتك، فلا عاصم إلا الله، فاستغث به، وسله النجاة.



    رأى النسوة جمال يوسف، فلم يشعرن بألم تقطيع أيديهن..
    فعندما ترى جمال خالق يوسف، ستنسى كل ألم،
    ولذا كان من الدعاء النبوي: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك".

    (ليسجننّ) بالنون المثقلة، (وليكونٓنْ) بالنون المخففة؛ لأن سجنه بيدها،
    أما جعله صاغرا فليس إليها، فقد رفع الله شأنه فى العالمين،
    وجعل له سورة باسمه في كتابه إلى يوم الدين.

    (ربِّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه):
    يفضّل الصالحون بذل حريتهم على أن يمسَّ أحدٌ دينهم.

    (السجن أحب إلي !) ..
    هكذا تنقلب الموازين إذا نزل الإيمان قلوب المؤمنين.السجن أحب إلي مما (يدعونني إليه):ولم يقل: الزنا، فالمؤمن كامل العفاف حتى في لسانه.

    (رب السجن أحب إلي):
    عندما تكون المساومة على الدين قد يكون السجن خيارَ المؤمنين.

    (رب السجن أحب إلي): هذا مقام الصبر(وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن):
    هذا مقام الاستغاثة الأعمال القلبية هي زاد الأعمال البدنية، ولولاها ما ثبت يوسف.

    (قال رب السجن أحبُ إليّ مما يدعونني إليه):
    قد يكون السجن ثمن إجرام ، لكن أحيانا يكون ثمن ثبات على مبدأ وضريبة الإيمان.

    ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾
    قد يخونك قلبك في مواجهة الفتن والمغريات، فسَل الذي يملك قلبك أن يلهمك الثبات.

    (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن)
    لم يقل : فأدخله السجن!
    لا تنظر إلى ظلمة المحنة وما أصاب دنياك، بل انظر إلى الخير الذي وراءها وما أفاد دينك.



    (إنا نراك من المحسنين):
    رياح المحسنين تفضحهم مهما استتروا،
    وصدق القائل: (ما أسرَّ عبدٌ سريرة إلا أظهرها الله على قسمات وجهه وفلتات لسانه).
    من داخل السجن قدَّم يوسف نصائحه المشفقة إلى مجتمعه الذي سكت عن إلقائه في السجن ظلما. . حين تعبر أرواح العظماء أ نهار الضغينة.

    (ذلك من فضل الله علينا):
    قالها يوسف بعد أن سُجِن ظلما في ديار الغربة، فمهما تكن آلامك؛ فهناك دوما من نعم الله ما يمكنك التسلي به والتحدث عنه.

    ( ياصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار )
    نفوس المصلحين لا تتوقف عن حمل هَمِّ الدعوة حتى في ظلمات السجن ومن وراء القضبان!

    (ياصاحبي السجن):
    يا كل داعية:حافظ على قواسمَ مشتركةٍ مع الجميع، فهو أدعى لأن يُستَمَع إليك.

    من سنن الله في خلقه:
    لمَّا طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها، ولمَّا طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا، لبث في السجن بضع سنين.. لا تعلِّق قلبك بغير الله.

    (اذكرني عند ربك):
    هب أن الساقي ذكر يوسف عند الملك، كان يوسف سيرجع خادما في القصر، لكن تأخره بضع سنين أخرجه عزيزا لمصر.. بعض التأخير فيه ألطاف خفية.

    (يوسف أيها الصدِّيق أفتنا):
    الكريم لا يعلِّق لوحةً فيها ذكر شهاداته وإنجازاته، بل أفعاله تتكلم عنه.نسيه في السجن بضع سنين، ثم عاد يستفتيه في رؤيا الملك، فأفتاه دون كلمة عتاب! أي نفوس هذه!

    [ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ]
    الفرج يأتي بعد بلوغ الشدة منتهاها، فمهما اشتد انغلاق الأبواب ستتسلل إليك رحمات الوهاب.

    ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾
    حُسن سيرتك أفضل من يدافع عنك في غيابك.

    (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه) :
    لابد لبراءة المظلوم أن تظهر يوما، فقط الصبر الصبر!

    (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين):
    دليل على أن الصدق فيه النجاة وإن رأيت فيه الهلاك.



  13. #43

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...



    الجزء الثالث عشر
    ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: 53]: هذا من قول امرأة العزيز.
    قال ابن تيمية: «إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف، فإضافة الذنوب إلى يوسف في هذه القضية فرية على الكتاب والرسول، وفيه تحريف للكلم عن مواضعه، وفيه الاغتياب لنبي كريم، وقول الباطل فيه بلا دليل، ونسبته إلى ما نزَّهَه الله منه».

    ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: 56]:
    وما أحسن قول البحتري يواسي المسجونين ظلما:أما في رسول الله يوسف أسوة .. لمثلك محبوسا على الجَوْر والإِفك أقام جميل الصبر في السِّجن برهة .. فآل به الصبر الجميل إلى المُلْكِ

    ﴿ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 59]: إتقان التخفي!
    نكَّر يوسف الإشارة إلى أخيهم، فقال:﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ﴾، فلم يقل: (ائتوني بأخيكم)؛ لأن التعريف يفيد سابق المعرفة، بخلاف التنكير، ولو فعل، لأثار الشكوك في نفوسهم، ولن يستبعدوا حينها أنه يوسف أخوهم.

    ﴿ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 59]: لماذا لم يطلب يوسف الإتيان بأبيه يعقوب؟!
    قال أبو حيان: «وظاهر كل ما فعله يوسف عليه السلام معهم أنه بوحي، وإلا فإنه كان مقتضى البر أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه، لكن الله تعالى أراد تكميل أجر يعقوب ومحنته، ولتتفسر الرؤيا الأولى».

    . ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾[يوسف: 61]:
    ولم يقولوا أبانا، إشارة إلى الحاجز النفسي الذي بينهم وبين أخيهم لأبيهم، فاستعمال ضمير المفرد الغائب بدلا من ضمير جماعة المتكلمين معبِّر عن نار حقدهم التي لم تنطفئ.

    ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 66]: ما هذا الموثق؟!
    هو يمين الله وعهده، فطلب منهم أبوهم أن يجعلوا الله شاهدا عليهم، بأن يقولوا مثلا: لك منا ميثاق الله أو عهد الله، وقد جعله موثقا، لأنه تُوثَّق به العهود وتؤكَّد.



    ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70]: كيف جاز ليوسف أن يروِّع أخاه بنيامين بغير وجه حق؟!
    والجواب: كان هذا بالاتفاق معه.
    قال ابن كثير: «وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معزَّزا مكرَّما معظَّما».

    . ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[يوسف: 76]:
    معناه أن كل عالم هناك مَنْ هو أعلم منه، فيوسف عليه السلام أعلم من إخوته، وفوق يوسف الأعلم منه، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى الله عز وجل.

    . ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]: قولهم: ﴿أَخٌ لَهُ﴾ إصرار منهم على اعتبار يوسف وأخيه جبهة مستقلة عنهم، فزعَموا أن السرقة ليست غريبة على بنيامين، فإن أخاه الذي هلك كان أيضا سارقا! وهما ضالعان في السرقة لأنهما من أم أخرى غير أمِّنا، وقد اقتدى الأخ بأخيه، ولاشك أن الاشتراك في الأنساب يؤدي إلى الاشتراك في الأخلاق!

    . ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]:
    من الكلام ما هو أشد وقعا على المرء من الحسام!

    . ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]:
    رمتني بدائها وانسلَّت! كذبة جديدة يفترونها على يوسف، فينعتونه بالكذب وهم الكاذبون، وكأنهم لم يكذبوا من قبل على أبيهم في شأن يوسف مع الذئب. نفوس عجيبة!


    . ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾[يوسف: 77]: غالبا ما تأتي كلمة: ﴿تَصِفُونَ﴾ في القرآن للتعبير عن الكذِب، كقوله تعالى: ﴿سبحانه وتعالى عما يصِفون﴾، فيوسف أسرَّ في نفسه هذا القول:
    الله يعلم كذب اتهامكم لي بالسرقة، وأني وأخي برءاء مما تدَّعون.

    . ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79]:
    ما يفعله بعض الظلمة من إلقاء القبض على بعض أقارب المتهم حتى يسلِّم نفسه هو عدوان لا يقره شرع ولا عرف.

    . ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ [يوسف: 81]: اتفق العلماء على أن القاضي يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، لذا يستند الحكم على البيِّنة وشهادة الشهود وغيرها من أحكام الظاهر، ولو كان الباطن والحقيقة على خلاف ذلك.

    . ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: 81]:
    آفة الأخبار رواتها، فلا تنقل إلا ما رأيتَ وتأكدت من صحته، وأكثر الناس يحدِّث بما فهم لا بما سمع أو رأى، وفارق شاسع بين الأمرين.

    . ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 83]: كيف اجتمعت مرارة الصبر مع الجمال؟!
    والجواب: ليس هذا حاصلا إلا في نفوس الموقنين، فإن حلاوة الأجر لديهم طغَت على مرارة الصبر.

    ﴿قال إنما أشكو بثِّي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: 86]:
    قال ابن تيمية: «أعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم».






    ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88]:
    ما أبأس الحال التي وصل إليها إخوة يوسف!
    وصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة، ومعنى المزجاة على خمسة أقوال: قليلة أو رديئة أو كاسدة أو رثَّة أو ناقصة، والبضاعة المزجاة من مظاهر الضُّر الذي نزل بهم، وقدَّموا هذا الوصف لترقيق القلوب بين يدي طلبهم للطعام.


    . ﴿قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ﴾[يوسف: 91]:
    هنا كانت بداية الإفاقة لهم جميعا!
    وقد جمعوا بهذا القسَم بين فضيلتين:
    الإقرار ليوسف بالفضل، والاعتراف بالخطأ.


    . ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾[يوسف: 111]:
    لن تعيش مئات الأعوام، لكنك تستطيع الحصول على خبرة مئات الأعوام، وذلك بالنظر في قصص السابقين وتجارب الماضين،
    وصدق الشاعر:. ليس بإنسانٍ ولا عاقل .. من لا يعي التاريخ في صدره


    . ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الرعد: 1]:
    أخبر عن االقرآن بأنه الحق بصيغة القصر، أي هو الحق لا غيره، فلا اعتداد بغيره من الكلام إذا تعارض معه.


    . ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الرعد: 3]:
    آيات الله مبثوثة حولك في كل مكان، لكن دون التفكر لن تصل إلى كنزها المخبوء وثمرتها الجنية. قال أبو الدرداء: تَفَكُّر ساعة خير من قيام ليلة.


    . ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾[الرعد: 4]:
    الصنو: النخلة المجتمعة مع نخلة أخرى، نابتتين في أصل واحد أو نخلات، الواحد صنو، والمثنى صنوان.

    . ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾[الرعد: 4]:
    ماء واحد وتربة واحدة، وطعوم مختلفة، ومذاقات متنوعة، ليس واحد منها يشبه الآخر.

    . ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾[الرعد: 10]:
    قال ابن عباس: «هو صاحب ريبة (إثم) مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم».

    . ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾[الرعد: 12]:
    البرق صديق المؤمن، أهداه لكل مؤمن هديتين،
    الأولى: بذر الخوف من الله في قلبه، والثانية: تبشيره بالمطر.




    . ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾[الرعد: 12]:
    هي المثقلة بالماء. لا تستبطئ الفرَج؛ فإن العرب تقول: أبطأُ الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحاب مشيا أَحفلُها (أي بالمطر).

    . ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾[الرعد: 14]:
    كل من دعا غير الله في دفع ضر أو جلب منفعة، فهو كالقابض على الماء، لا يبقى في كفه منه شيء.

    ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾[الرعد: 16]:
    قال مجاهد: «أما الأعمى والبصير فالكافر والمؤمن، وأما الظلمات والنور فالهدى والضلال».


    . ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾[الرعد: 16]:
    الاستفهام هنا للتهكم والتغليط. فالمعنى: لو جعلوا لله شركاء يخلقون كما يخلق الله لكانت لهم شبهة في الاغترار بهم واتخاذهم آلهة، أما اليوم فلا عذر لهم في عبادتهم.

    الحسنى هي المنفعة العظيمة في الحُسْن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة، والدائمة الخالية عن الانقطاع، المقرونة بالتعظيم والإجلال،
    وهذه لا تكون إلا في الجنة. قال ابن عباس في هذه الآية: الحُسْنى: الجنة.
    . ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾[الرعد: 18]: على قدر استجابتك لأمر الله، يكون حسن جزائك ومثوبتك، فاستشرف مُلكَك المستقبلي.

    . ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾[الرعد: 18]:
    قال إبراهيم النخعي: «سوء الحساب أن يُحاسَبَ الرجل بذنبه كله لا يغفر له من شيء».

    . ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الرعد: 19]:
    كل من لا يرى الحق في الوحي، فهو مسلوب العقل.

    . ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الرعد: 19]:
    إِذا لم يَكُنْ للمرء عَيْنٌ بَصِيرَةٌ ... فلا غَرْوَ أن يرتاب والصُّبح مُسْفِر


    . ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾[الرعد: 20]:
    ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ تعميم بعد تخصيص، لتشمل عهودهم مع الله ومع غيره من عباده.


    . ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾[الرعد: 25]:
    قال قتادة: فقطَع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة.


  14. #44

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾[الرعد: 25]:
    اللعنة من الله هي الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة، وسوء الدار هي جهنم، وليس فيها إلا ما يسوء داخلها.

    . ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الرعد: 26]:
    ليس بالضرورة أن ما أفرحك في الدنيا يسعدك في الآخرة

    . ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾[الرعد: 27]:
    إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة البأس في الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائهم، وإن أنزل الله عليهم كل آية، ويهدي الله إليه مَنْ كان على خلاف صفتكم، ممن أقبل على الحق.

    . ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾[الرعد: 28]:
    هجرك الذكر هو ما جعل قلبك مرتعا للقلق والهموم؛ وإقبالك على الذكر هو دواؤك، وفيه شفاؤك.

    . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾[الرعد: 29]:
    طابت في الدنيا أوقاتهم، فطاب في الجنة مقامهم، فطوبى لهم في الحال، وحسن مآب في المآل.

    . ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾[الرعد: 29]:
    طوبى لمن قال له الله: طوبى.

    . ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ﴾[الرعد: 30]:
    يكفرون بالذي وسعت رحمته كل شيء، ومن رحمته إنزال الوحي الذي هو سبب المنافع الدينية والدنيوية.


    . ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ﴾[الرعد: 30]:
    كانوا يتجافون هذا الاسم الكريم، لذا خصَّه الله بالذكر هنا، ولذا لم يرضوا يوم الحديبية أن يكتبوا: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم؟!

    . ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾[الرعد: 30]:
    المتاب: أي التوبة، والمتاب يتضمن معنى الرجوع إلى ما أمر الله به، لذا استعمل معه حرف: ﴿إِلَيه﴾.

    . ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾[الرعد: 31]:
    ما أبرد وقع هذه التسلية على القلب! تسلية بما جرى في الماضي للأنبياء من استهزاء، فلست الأوحد في هذا الميدان، وأبشِر بسوء عاقبة المستهزئين في كل العصور والأزمان.

    . ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾[الرعد: 34]:
    أشد الناس بؤسا من فقد الراحة في الدارين.

    . ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾[الرعد: 35]:
    إذا نزع الرجل ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى.

    . ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾[الرعد: 35]:
    دوام الظل كناية عن التفاف الأشجار بحيث لا يوجد بينها فراغ تنفذ منه الشمس، كما قال في سورة النبأ: ﴿وجنات ألفافا﴾ [سورة النبأ: 16].

    . ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾[الرعد: 39]:
    من آثار المحو محو الوعيد بأن يلهم المذنبين بالتوبة، ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن التوبة.

    ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾[الرعد: 40]:
    هلاك أعداء الدين قد يراه النبي ﷺ، وقد يؤخرهم الله إلى الآخرة حيث العذاب الأشد.

    ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾[الرعد: 42]:
    هذا سبب من أسباب أن مكر الله أشد من مكر كل نفس: أنه يعلم ما تكسب كل نفس، ما ظهر منه وما بطن، فلا يفوته شيء مما تضمره نفوس الماكرين، لذا يبطل كيدهم، بعكس البشر، فقد تجد منهم القوي الشديد، لكنه لا يعلم الغيب، لذا قد يغلبه الضعيف بحيلته.

    ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾[الرعد: 42]:
    ما الذي يترتب على علم الله؟
    يعلم ما تكسب كل نفس، ويجازي كل نفس بما كسبت.

    ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾[الرعد: 42]:
    علم لا ينفع، لأنه في الوقت الضائع.
    .
    ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾[الرعد: 43]:
    قال ابن كثير: «﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة، من بشارات الأنبياء به».

    . ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾[إبراهيم: 14]:
    خير ما يمنع العبد من الظلم اليوم: خوفه من مقامه غدا بين يدي الله.

    ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾[إبراهيم: 15]:

    استفتح الكفار أي طلبوا واستعجلوا فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه، فليس عجيبا ما نراه اليوم من ظن أهل الباطل أنهم على الحق!

    . ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾[إبراهيم: 15]:
    لم يقل: وخاب الذين كفروا، كما هو مقتضى السياق، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة معاندين للحق، وأن كل من كان كذلك، فلا بد أن تكون له نفس العاقبة: الخيبة والخسران.

    . ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾[إبراهيم: 23]:
    هذه تحية الملائكة لهم، وهي كذلك تحية بعضهم لبعض: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾

    . ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾[إبراهيم: 23]:
    سلِم أهل الجنة من آفات الدنيا الحسية، فلا مرض ولا أوجاع.ومن آفاتها المعنوية، فلا هموم ولا غموم، ولا شك أن السلامة من هذه الآفات من أعظم نعيم الجنات،
    لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالملذات المادية والروحية في دار والسعادة الأبدية.

    (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ)
    أعظم ما يحض الناس على إقام الصلاة والإنفاق في سبيل الله تذكير هم باليوم الذي تستحيل فيه الطاعات، ولا يمكن استدراك ما فات.

    . ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾[إبراهيم: 32]:
    كيف تطفو السفن ولا تغرق رغم أنها مصنوعة من معادن كثافتها أعلى من كثافة ماء البحر، ورغم حجمها الضخم؟ بينما تغرق إبرة من الحديد؟
    والجواب: سخر الله البحار وفق قانون ثابت عرفه الإنسان وفق تسخير الله له.

    ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾[إبراهيم: 34]:
    ﴿ مِّن كُلِّ ﴾ كل ما يفصلك عن فضل الله: دعوة صادقة من قلبٍ يُحسِن الظن بالله.



    . ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم: 34]:
    قال الحسن البصري: «إن فيها لمعتبرا، ما نرفع طرفا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر».

    . ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم: 34]:
    ما يدفع الله عن العبد من البلايا والمنايا لا حصر له، وهذا من نعم الله المنسية، فإن الدفع من نعم الله الخفية كما أن النَّفع من نعمه الظاهرة.

    . ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾[إبراهيم: 35]:
    خاف خليل الرحمن من الكفر بعد الإسلام،
    فكيف لا يخاف غيره؟!

    . ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[إبراهيم: 36]:
    رحمة الأنبياء!
    ولم يقل: فإنك عزيز حكيم، لأن المقام مقام استعطاف، أي إن تغفر له وترحمه، توفِّقْه للرجوع من الشرك إلى التوحيد،
    كما قال النبي ﷺ: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

    . ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾[إبراهيم: 37]:ق
    ال القرطبي: «خصَّها من جملة الدين لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد».


    . ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾[إبراهيم: 37]:
    رحلة الحج والعمرة رحلة قلوب لا أبدان.

    . ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾[إبراهيم: 37]:
    البيت الحرام مغناطيس يجذب قلوب المشتاقين

    . ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾[إبراهيم: 45]:
    رؤية مصارع الظالمين ومعاينة مساكنهم بمثابة جرعة مناعية ضد السقوط في هاوية الظلم.

    . ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[إبراهيم: 51]:
    احذروه!
    قال البقاعي:«ولما كان أسرع الناس حسابًا أعلمهم بفنونه خطأ وصوابًا، فكان التقدير: فالله عالم بخفي أعمالهم وجَلِيِّها، وتمييز جيدها من رديئها، فهو يجازيهم على حسب ذلك».

    . ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[إبراهيم: 51]:
    قال ابن عطية: «قيل لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم؟
    فقال: كما يرزقهم في يوم».

    [ وما أبرئ نفسي ]
    أعلى درجات الصدق، أن تبدأ بإلقاء اللائمة على نفسك قبل أن تتهم غيرك.

    . (فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين)..
    الدعاة المصلِحون شخصيات مخلصة ومبهرة ومقنعة، لذا يحرص المفسدون في كل عصر على الحيلولة بينهم وبين الوصول لصُنّاع القرار.

    . الابتلاء أول درجة في سُلَّم التمكين ،
    لذا قال الله بعد ذكر إلقاء يوسف في الجب وبيعه بثمن بخس:
    (وكذلك مكَّنا ليوسف).

    . (فأرسل معنا أخانا) ( إن ابنك سرق )
    عندما كانت لهم مصلحة قالوا: ( أخانا )، وعندما انتهت قالوا: ( ابنك )، فتغيرت لغة الخطاب بتغير المصلحة!

    . قال يعقوب: (وأخاف أن يأكله الذئب) فغاب عنه ابنه، ولما قال: (فالله خير حافظا) عاد إليه..
    احذر كلماتك وراقب ألفاظك!

    . (وما أغني عنكم من الله من شيء):
    أعلن عجزك أمام أولادك حتى يتعلقوا بالله وحده، ولا يعتمدوا في كل شيء عليك.


    . (إني أنا أخوك فلا تبتئس):
    وجود الأخ يذهب البؤس ويعين على نوائب الدهر ويبرد حرارة القلب .. من فوائد الأخوة.

    . [ كذلك كدنا ليوسف ]
    عندما يكيد لك الخلق بغير الحق ، فانتظر كيد الله بهم،
    فالجزاء من جنس العمل.

    . (كذلك كدنا ليوسف):
    صبر على كيد إخوته، فكاد الله له.

    . ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ﴾
    أحيانا يكون الصمت أبلغ من كثير من الكلام.

    . (فأسرها يوسف في نفسه)،
    فكما قيل: صدرو الأحرار قبور الأسرار.

    . ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم):
    رحم الله امرءًا كتم سرًا، وتنازل عن حق؛ ليؤلِّف القلوب وينزع الأضغان.

    . (فأسرها يوسف في نفسه):
    احمل الكلمات الموجعة، وضعها تحت ثرى الذاكرة، وادفنها في قبر النسيان.

    . (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم!)
    ليست الصراحة ممدوحة على الدوام، فالمداراة مطلوبة أحيانا تأليفا للقلوب أو اتقاء للشرور.

    . التغافل من أخلاق العظماء، وتدبَّر: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُم)

    . (وابيضت عيناه من الحزن):
    ابيضت عينا يعقوب ولم تبيض عينا يوسف،
    فهل عرفت الفارق بيني وبينك يا بني!

    . [ قال إنما اشكو بثي وحزني الى الله ]
    بعض أوجاعك لايفهمها البشر، وليس بمقدور أحد منها تخفيفها.

    . ( قال إنما أشكو بثِّي وحزني إلى الله )
    لاتبث شكواك ، إلا للقادر على كشف بلواك!!

    . الأولياء يلتمسون الفرج عند اشتداد الابتلاء،
    فشيخ كبير يوصي أبناءه بعد أن كفّ بصره من الحزن على أبنائه الثلاثة:
    (ولاتيأسوا من روح الله}

    . ﴿ فأوفِ لنا الكيل وتصدق علينا ﴾
    قال ابن الجوزي: مـن تـأمّل ذلَّ إخوة يـوسف ؛ عـرف شؤم الزلل!


  15. #45

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    (وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس)
    الأيدي التي ألقت يوسف في الجب هي نفس الأيدي التي امتدت إليه تسأله: ﴿وتصدَّقْ علينا﴾

    . الكريم لا يُكثر عتاب من يحب بل يعذره:
    ﴿ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم (جاهلون) ﴾؛
    فنسب محاولة قتلهم له إلى الجهل!

    . خلاصة (أحسن القصص: سورة يوسف)
    وأهم دروسها في عشر كلمات:
    (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

    . (إنه من يتق ويصبر)
    تعليل لجملة (منَّ الله علينا)، فبسبب التقوى والصبر منَّ الله عليهم.

    . على الواعظ أن يغتنم الفرصة لإلقاء الموعظة، وهي عند تأثر السامع وانفعاله كما فعل ذلك يوسف حين قال:
    (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)

    . [ قال لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ]
    من أتاك نادما معتذرا ، فلا تكثر عليه اللوم، يكفيه ما به من ندم.

    . ﴿ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾
    النفوس الكبيرة تتسامى على الجراح، وتتناسى الآلام، وتغفر زلات الكرام.

    . ﴿ إني لأجدُ ريح يوسف ﴾
    لم يقل: أشم أو أحس دلالة على يقينه وثقته، فللفرج رائحة لا يجدها إلا المتفائلون.


    . (إن ربي لطيف لما يشاء):
    لا يلمح لطفه إلا من نظر في حكمته، وأيقن أن قضاءه كله خير.

    . (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)
    وصف محاولات قتلههم له بأنها نزغات شيطان! نفوس كبيرة.

    . (تَوفَني مُسلِماً و أَلْحقني بالصّالحين )
    هـذه أسمى أمنيات الأنبياء، ومع هذا لا تخطر ببال كثير من الخلق!

    . (توفني مسلما وألحقني بالصالحين)
    دعوة يوسف عليه السلام بعد أن تربع عرش مصر وملك خزائنها، دلالة على الزهد في الملك، والشوق إلى لقاء الرب، وإيثار الآخرة.

    . ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا﴾
    لا يوجد أداة عطف بين (كُذِّبوا) و (جاءهم) إشارة إلىنزول النصر فورا ، وبلا تريث أو تأخير.

    . ﴿يدبر اﻷمر﴾:
    أي أمر، مهما كان عظيما أو حقيرا، سيدبره الله، ويسخِّر لك مِنْ مخلوقاته من يقضي حاجتك، ويفتح لك اﻷبواب المغلقة.

    . ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾:
    قال ابن عباس: أرجى آية في القرآن، قول الله (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم).

    . (وكل شيء عنده بمقدار):
    خطوات حياتك مرسومة بأدق مما تتصور، ولحكمة بالغة لا يبصرها إلا أصحاب البصائر لا الأبصار.


    . (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ):
    علت المغفرة على الظُّلم، فالظلم يتطلب العقاب، ولكن رحمة الله لم تُعامِل الظالم بما يستحق، لأن رحمتة سبقتْ غضبه.

    . {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ }:
    قال ابن كثير: قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء والخوف.
    . (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه): أنت في موكب حفظ إلهي وحراسة ملائكية خاصة، فلا تقلق!

    . (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه):
    قال الألوسي: فوائد الحفظة للأعمال أن العبد إذا علم أن الملائكة عليهم السلام يحضرونه ويحصون عليه أعماله، كان أقرب إلى الحذر عن ارتكاب المعاصي،
    كمن يكون بين يدي أناس أجِلّاء من خُدّام الملك، مُوَكَّلين عليه، فإنه لا يكاد يحاول معصيةً بينهم.

    ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾:
    كلنا يشكو أحوال الأمة، وينسى أنه إنما من أسباب الغُمَّة، فلو تغير لتغيرنا.

    . قال ابن الجوزي: ومتى رأيت تكديرًا في حال، فاذكر نعمة ما شكرت، أو زلة قد فُعِلت،
    قد قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

    . (ويسبح الرعدبحمده):
    نظام كوني بأكمله يسبِّح الله،فكن جزءا من هذا النظام. كان عبد الله بن الزبير إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث:
    وقال: (سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته).

    . (وظلالهم بالغدو والآصال):
    ظلال ساجدة، وأجساد جاحدة قال مجاهد: «ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كارِه»..

    . العمل الصالح هو الذي يبقى أثره في الأرض ما دام نفعه للناس باقيا:
    (وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)

    . اصنع في حياتك ما ينفع الناس بعد موتك:
    (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

    . (فأما الزبد فيذهب جفاء):
    ولو انخدعت به الجماهير، وانجرفت معه زمنا طويلا، سيبقى الزبد عند الله زبدا.

    . (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً):
    قال القرطبي: ضرب مثلا للحق والباطل، فشبَّه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية، وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل.



    . {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}:
    أبشِروا: قال ابن كثير: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم،
    حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانا من الله وإحسانا.

    . ‏﴿جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾:
    هو اللقاء الذي لا فراق بعده، ونهر الحب الذي لا ارتواء منه، وإلقاء أوجاع الفراق إلى غير رجعة.

    ‏﴿ ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾:
    تأمل هذه الإيماءة اللطيفة إلى شرط الصلاح عند اختيار الزوج، وكيف أن بركة هذا الاختيار تمتد إلى جنات الخلود.

    . (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب):
    كناية عن كثرة دخول الملائكة عليهم بحيث لا يخلو باب من أبواب قصورهم لا تدخل منه ملائكة، فهو دخولٌ من أماكن كثيرة، ومتكرر كذلك في أزمان كثيرة، وكثرة الأبواب دليل على كثرة الملائكة، فما دخلوا من كل باب إلا لأن كل باب مشغول بطائفة من الملائكة، مما يضاعف سرور المؤمنين.

    . ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم):
    الأعمال كلها لابد أن تكون خالصة لوجه الله حتى الصبر، فبعض الصبر يكون لمجرد ألا يُشمِت الأعداء، ، وبعض التجلد حتى يُقال شجاع.

    ﴿سَلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فنعم عُقبَى الدّارِ﴾ :

    اذكروا أن هذا التكريم لم تكونوا لتنالوه لولا صبركم، فاعرفوا قيمة البلاء إن صاحبه الصبر.

    . ﴿ أَلاَ بذكر الله تَطْمَئنُّ القلوب﴾:
    قلب بلا ذكر هو قلب خائف مضطرب حزين تائه.

    . ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )
    وَالذِّكرُ فيه حياةٌ للْقُلُوب كما ... تَحْيا البلاد إذا ما جاءها المطَرُ

    . ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )
    قال ابن عون: ذِكْرُ الناسِ داءٌ، وذكْرُ الله دواءٌ. قال الذهبي معلِّقا: إي والله، فالعجبُ منا ومن جهلنا كيف ندعُ الدواء ونقتحمُ الداء؟!

    . عندما يعترضك أمر فيضطرب قلبك حتى ينخلع؛ فانتبه إلى سلاح الذي أمدك به من خلقك، واستعمله في الحال:
    (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)

    . (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت):
    قال ابن جزي: أي حفيظ رقيب على عمل كل أحد، والخبر محذوف تقديره: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحق أن يعبد أم غيره؟
    ويدل على ذلك قوله: (وجعلوا لله شركاء قُلْ سَمُّوهُمْ)


    . (أو تحُل قريبا من دارهم)
    حلول الكوارث قريبا من بلادنا إنذار رباني لإصلاح قلوبنا وأحوالنا.

    ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾:
    والخطاب لمشركي مكة، ومن كان على شاكلتهم في الكفر والضلال في كل زمان، والمراد بالأرض هنا: أرض الكفار والظالمين، سينقصها الله بانتشار الإسلام، فالآية بشارة للمؤمنين، وإنذارٌ للكافرين.

    . ﴿الله الذي له مافي السماوات وما في الارض﴾:
    فكيف تقف على باب غيره؟!
    وتلتمس النجدة من فقير مثلك؟!

    . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾:
    تعرفوا على لغة الشباب اليوم أيها الدعاة، فجيل اليوم غير أجيالكم، وإلا لم يقع البيان فوقعوا في حبائل الشيطان.

    . ﴿وذكرهم بأيام الله ﴾:
    ليس المقصود أيام الأسبوع بل المقصود تذكيرهم بالنعم والنقم التي حلت بالأمم السابقة كي تكون لهم عبرة.

    . ﴿وذكرهم بأيام الله﴾:
    التاريح دورات مكرورة، فمن عرف الماضي فهم الحاضر والمستقبل.

    ﴿ويستحيون نساءكم ﴾:
    ليس من الحياء؛ بل من الحياة؛ أي يتركونهن على قيد الحياة ولا يقتلونهن كقتلهم الصبيان.

    . ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾
    يشمل شكر النعم الدنيوية والأخروية، فيدخل فيه شكر الطاعات، فمن شكر الله على الطاعات زاده الله أعمالاً صالحات.

    . أي نعمة تخشى عليها أن تفقدها أحدث لها شكرا، وأبشر بوعد الله: (لئن شكرتم لأزيدنّكم)..
    أنفق من المال وسيزداد، ومن الصحة وستقوى.



    . : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم﴾:
    ألا تعرف نعمة الله عليك إلا عند فقدها، وقد قيل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.

    . ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾:
    إما أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم غيظا من الرسل كعض الأنامل من الغيظ، أو استهزاء وضحكا، كمن غلبه الضحك فوضع يده على فمه،
    وإما أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتا لهم، وردا لقولهم، فاصبر أخي الداعية!

    . ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم﴾:
    الشكر يسمَّى الجالب والحافظ، لأنه جالب للنعم المفقودة، وحافظ للنعم الموجودة.

    . ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ :
    قال ابن عباس: لم أكن أعرف معنى فاطر حتى تخاصم أعرابيان في بئر لأي منهما تعود، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي بدأتها!

    . ﴿يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ :
    إذا أخطأت في حق بشر، فيحرص على ألا يراك أو يقابلك، وأما الله فمع أنك كثير الخطأ في حقه إلا أنه يناديك ليغفر عنك.

    . ﴿ وعلى الله فـليتوكل المؤمنون ﴾
    كلما زاد الإيمان كان التوكل أكمل.

    . ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾:
    هل تعرف ما هو أكمل أنواع أنواع التوكل؟!
    قال السعدي: واعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب، وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره وهداية عبيده وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل.

    . ﴿لنخرجنكم من أرضنا﴾:
    طرد الدعاة من بلادهم عادة قديمة جرت سابقا على الأنبياء والمرسلين، وتسري على أتباعهم من المؤمنين إلى يوم الدين.


    ﴿لنخرجنكم من (أرضنا)﴾:
    يرى الطغاة أن الأرض ملكٌ لهم، وأنهم إنما يتفضلون على غيرهم بأن سمحوا لهم بالإقامة فيها.

    . ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾:
    قال الضحاك: «يأتيه الموت من كل مكان وناحية، حتى من إبهام رجليه»، وهذا عذاب نفسي رهيب بالرعب يفوق العذاب الحسي.

    . ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾:
    كانوا يخفون فواحشهم ويظنون أنها تخفى على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا، وإنما ذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه.
    . ﴿إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا﴾:
    أسوأ حماقة يرتكبها إنسان أن يتبع شخصا لا فكرة، وأفرادا لا منهجا.
    ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾:
    لم خطب إبليس في أهل النار؟!
    ليزيدهم حزنا إلى حزنهم، وحسرة إلى حسرتهم،
    فهذه الخطبة جزء من عذاب أهل النار.

    . ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾:
    قال الألوسي: وحكى الله تعالى عنه ما سيقولهفي ذلك الوقت ليكون تنبيها للسامعين، وحثا لهم على النظر في عاقبتهم، والاستعداد لما لا بد منه،
    وأن يتصوروا ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما ينفعهم هناك.

    . الهداية كنز متوفر بين يديك اليوم، فاحرص عليه قبل أن يحال غدا بينك وبينه:
    ﴿قالوا لو هدانا الله لهديناكم﴾.

    . الصبر اليوم على الطاعات أو عن المعاصي هو خيار من خياراتك، أما غدا فلن ينفعك صبر ولا جزع:
    ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾.

    . ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾:
    كلماتك الطيبة ثمرتها مؤكدة ولو بعد حين، فلا تستعجل ثمرة دعوتك وأثر كلامك.
    . الثبات على الحق في الدنيا علامة مبكِّرة على ثبات صاحبه في الآخرة، وتأمل:
    ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾

    . ﴿سخر لكم﴾ ﴿سخر لكم﴾ ﴿سخر لكم﴾
    كل شيء مسخر لك يا ابن آدم، فأي كرامة هذه الكرامة، وهل يُقابل إكرام الرحمن بالعصيان والسير في ركاب الشيطان؟!

    . ﴿وإن تعُدوا نعمة اللهِ لا تُحصُوها﴾:
    إن عجزت عن إحصاء نعم الله،
    فكيف تزعم أنك شكرتها؟!
    . ﴿ وَآتَاكُم مِّن (كل) ما سألتموه﴾:
    الإجابة أكيدة! قال ابن حجر: «كل داع يستجاب له لكن تتنوع، الإجابة فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بِعوَضه».
    . ﴿وإن تَعدوا ( نعمة ) الله لا تُحصوها ﴾: سين: كيف نعُدُّ نعمة واحدة؟!
    جيم: النعمة الواحدة مشتملة على آلاف النعم. قال ابن القيم: «ويكفي أن النَّفَس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها، وهو أربعة وعشرون ألف نفَس في كل يوم وليلة، فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة، دع ما عدا ذلك من أصناف نِعَمِه على العبد».

    . ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾:
    خاف خليل الرحمن من الكفر بعد الإسلام، وغيره لا يخاف؟!

    . ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي)
    كم يداوي هذا الدعاء فينا من أدواء! تهاوننا وتثاقلنا وتكاسلنا وتأخيرنا للصلاة، وخاصة صلاة الفجر.

    . ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء﴾:
    ظل طيلة عمره يدعو ربه بالولد، ولم ييأس إلى أن زاره الفرج.
    ﴿ ربنا اغفر لي و لوالدي﴾
    قال رسول:ﷺ: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟
    فيقال: باستغفار ولدك لك». صحيح الجامع رقم: 1617

    . ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾:
    من باب التشبيه البليغ الذي حذفت فيه الأداة، والتقدير: وقلوبهم كالهواء في الخلو من الإدراك من شدة الهول.
    . ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾:
    قارن بين تجبر الظلمة اليوم وقسوتهم على المؤمنين وبين شخوص أبصارهم فلا تطرف من الرعب يوم القيامة،
    وخروج قلوبهم عن صدورهم حتى تبلغ الحناجر من شدة الهول والفزع.

    . ﴿مقرنين في الأصفاد﴾:
    جُمِعوا مع غيرهم في قيد وواحد، قد ضُمَّ كل قرين إلى من يشبهه في الكفر والفسوق والعصيان، فعابد الصنم مع عابد الصنم، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والظالم مع الظالم، كما قال:
    ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾.

    . ﴿(وترى) المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد﴾
    هؤلاء المجرمين مقصود غدا لشفاء صدور المؤمنين.

    . ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ ﴾:
    وجعلت من قطران لأنه شديد الحرارة، فيؤلم الجلد الواقع عليه، فيعذَّبون بهذا اللباس قبل دخول النار، فيبدأ عذابهم مبكِّرا قبل دخولها.

    . ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾:
    وقد ذكروا أن تخصيص الوجوه بالإحراق مع عمومه لسائر الأعضاء:
    - لكونها أعزَّ الأعضاء الظاهرةِ وأشرفَها.
    - ولأنها مجمعَ المشاعرِ والحواسّ التي خُلقت لإدراك الحق، وقد أعرضوا عن الحق، ولم يستعملوها في استقباله وتدبره، فعوقبوا فيها.
    - أو لخلوُّها عن القطِران الذي يعذِّب الجسد، فذكر تعذيبها بالنار بدلا منه، ولعل تخلية الوجوه من القطِران ليتعارفوا عند انكشافِ ألسنة اللهب، ويتضاعف عذابُهم بالخزي على رءوس الأشهاد.





  16. #46

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...



    .

    الجزء الرابع عشر

    ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾[الحجر: 1]:
    قال قتادة: «تبين والله هداه ورشده وخيره».

    ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾[الحجر: 2]:
    متى يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين؟
    أقوال العلماء في هذه الآية راجعة إلى ثلاثة أقوال: عند الاحتضار، وعند معاينة النار، وحين يرى خروج عصاة المؤمنين من النار.

    . ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر: 3]:
    قيمة كل امرئ بحسب هِمَّته، فَهِمَمٌ حول العرش، وهمم حول الحُش.

    . ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾[الحجر: 3]:
    قال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل. .
    قال الإمام القرطبي: «فالأمل يكسل عن العمل، ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى، وهذا أمر قد شوهد بالعيان، فلا يحتاج إلى بيان، ولا يُطالَب صاحبه ببرهان، كما أن قصر الأمل يبعث على العمل، ويحيل على المبادرة، ويحث على المسابقة».

    ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر: 3]:
    قال الآلوسى: «وفي هذه الآية إشارة إلى أن التلذذ والتنعم، وعدم الاستعداد للآخرة، والتأهب لها، ليس من أخلاق من يطلب النجاة».
    . ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[الحجر: 7]:
    ولو نزل الملائكة ما آمنوا!

    . ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾[الحجر: 8]:
    في الكلام حذف، وتقديره: ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة، وما كانوا إذا منظرين.




    . ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾[الحجر: 8]:
    المراد بالحق هنا الموت، والمعنى: أن الملائك لا ينزلون إلا بالموت، أو بعذاب الاستئصال، وليس بعد نزولهم إنظار ولا إمهال، والله لم يأخذ المشركين بالاستئصال، بل مدَّ لهم في الإمهال، لعلمه بإيمان بعضهم، ومن إيمان بعض أولادهم، فلهذا السبب ما أنزل الملائكة.


    ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[الحجر: 9]:
    فلا يزال نور القرآن يسري، وبحر هدايته يجري، رغم كيد الكائدين، وإفساد المفسدين، واسمعوا حلقات (بالقرآن اهتديت) لتروا كيف أسلم هؤلاء واهتدوا بسماع من كتاب الله.

    . ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[الحجر: 9]:
    في إيراد العبارة بالجملة الاسمية، دلالة على الثبات على دوام الحفظ.

    ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾[الحجر: 10]:
    قال الجمل: «لما أساءوا في الأدب، وخاطبوه ﷺ خطاب السفاهة، حيث قالوا له: «إنك لمجنون» ، سلّاه الله فقال له: إن عادة الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا، وكانوا يصبرون على أذى الجهال، ويستمرون على الدعوة والإنذار، فاقتد أنت بهم في ذلك».

    . ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾[الحجر: 11]:
    مواساة ربانية كريمة لكل داعية استهزئ به أو لقي مشقة ومكروها ممن دعاهم إلى الخير.

    . ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾[الحجر: 12]:
    تشابهت قلوبهم فتشابهت معاملتهم! تشابهت قلوبهم في الكفر والطغيان، فتشابهت معاملتهم لرسلهم بالاستهزاء وعدم الإيمان.

    . ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾[الحجر: 12]:
    كما يدخل السلك في الحائط، وكما يدخل الخيط في الثوب، كذلك يدخل القرآن قلوب البعض فيفهمونه ويدركون إعجازه، ومع هذا لا يزدادون إلا إعراضا وعنادا، فاللهم لا تجعلنا منهم.




    . ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾[الحجر: 12]:
    سلك الله القرآن في قلوب الجميع، أي أدخله في سويدائها ففهموه، فسلكه في قلوب المؤمنين فازدادوا إيمانا، وسلكه في قلوب المجرمين فازدادوا تكذيبا، كلٌّ على علم وفهم:
    ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.

    . ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾[الحجر: 13]:
    أن يرى سوء عاقبة من سبقهم من المجرمين، ثم يسيروا في نفس الطريق، لقد فقدوا عقولهم.

    ﴿وإن من شئ إلا عندنا خزائنه﴾[الحجر: 21]:
    الخزائن مادية أو إيمانية، والإيمان أغلى وأهم، فعند الله خزائن الصبر والثبات واليقين والتوكل والاستقامة، ولا يملك مفاتيح هذه الخزائن إلا الله.

    . ﴿وإن من شئ إلا عندنا خزائنه﴾[الحجر: 21]:
    من روائع وجوامع الدعاء النبوي: «اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك». صحيح الجامع رقم: 1260

    . ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾[الحجر: 21]:
    أي نُخرِجُه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة بقدر معلوم، والقدَر المعلوم هو الأجل المعين له هو حسب ما تقتضي حكمة الله ومشيئته.

    . ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾[الحجر: 23]:
    اسم الله الوارث معناه: الباقي، أي بعد هلاك الخلق أجمعين، لأن الكل يموت إلا صاحب الملكوت.


    ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[الحجر: 25]:
    الموت ليس هو نهاية الحياة، بل ابتداء حياة جديدة، يحاسب الناس فيها على أعمالهم، ويقتسمون منازلهم بحسب ما عملوا فى دنياهم.

    ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾[الحجر: 26]:
    ما أعجب صنع الله، وما أعظم قدرته، أخرج من التراب والطين بشرا سويا في أحسن تقويم، وأكد هذه الحقيقة بلام القسم و (قد)، لزيادة الإرشاد إلى أهمية التأمل في هذا الخلق.

    ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾[الحجر: 27]:
    دليل على أن الله خلق الجن قبل خلق الإنسان.

    . ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾[الحجر: 30]:
    لُعِن إبليس، وطُرِد من الجنة بترك سجدة واحدة،
    فلا تأمن أن يحبسك الله في النار بسبب معصية واحدة!

    ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾[الحجر: 32-33]:
    غلط إبليس لأنه رأى الفضل باعتبار عنصر الطين الذي خلق الله آدم منه، بينما غفل عن أن الله نفخ فيه من روحه.


    . ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾[الحجر: 33]:
    إبليس أول من أسس بنيان التكبر،

    وأول من دعا إلى التمرد على الله،
    فعليه وزر من سار خلفه.


    . ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾[الحجر: 34]:
    الرجيم هو المرجوم.. وما يُرجَم به هنا هو لعنة الله،
    واللعنة عقوبته وعقوبة من عاند أمر الله.

    . ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾[الحجر: 34]:
    لعنة دائمة، وليس المعنى أن اللعنة تنتهي يوم القيامة، لكن المراد أنها باقية في الدنيا إلى أن يلاقي عقوبته يوم القيامة، فعقوبته يومئذ أشد عليه من اللعنة.

    . ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾[الحجر: 38]:
    هو وقت النفخة الأولى في الصور، والتي يموت فيها الأحياء، فيموت معهم إبليس.

    . ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾[الحجر: 38]:
    الصراع مستمر!
    قال ابن عاشور: «وهذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا، وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر والأخيار والأشرار».

    . ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾[الحجر: 40]:
    الهداية توفيق إلهي!
    ﴿الْمُخْلَصِينَ ﴾: الذين استخلصتَهم لطاعتك، وصنتهم عن اقتراف ما نهيتهم عنه.



    . ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾[الحجر: 40]:
    قرأها ابن كثير بكسر اللام، فيكون المعنى: لأضلنهم جميعا، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل، وابتعدوا عن الرياء في أقوالهم وأفعالهم. قال الرازي: «وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى».

    ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾[الحجر: 41]:
    قال ابن جرير:
    «بمعنى هذا طريق إلى مستقيم، فمعنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليَّ، فأجازي كلا بأعمالهم». الحجر:47]:
    أي أخوة هذه التي لا تطهِّر قلوبا من الغل والحسد؟!


    . ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[الحجر: 49]:
    ذكر المغفرة دليل على أن الله لم يُرِد بالمتقين:
    من يتقي الذنوب بأسرها، كبيرها وصغيرها، فهذا محال.

    . ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾[الحجر: 50]:
    آية في غاية اللطف، إذ لم يقل على وجه المقابلة:
    وأني المعذِّب المؤلم، وذلك ترجيحا لجانب العفو والرحمة.

    . ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾[الحجر: 50]:
    لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله الذي لا يقدر قدره أحد، ولا يبلغ كُنْهَه عقل أحد.

    . ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾[الحجر: 52]:
    وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير موعد سابق، ولأنهم امتنعوا من الأكل، وكل هذه من أسباب الوجل واضطراب النفس.

    . ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾[الحجر: 53]:
    هو إسحاق عليه السلام.

    (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ *قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ *إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ )
    . سؤال:
    إذا كان هؤلاء الرسل من الملائكة، جاءوا لإهلاك قوم لوط، فلم ذهبوا إلى إبراهيم، ولم يذهبوا رأسا إلى لوط؟
    والجواب: أن لوطا عليه السلام كان من قوم إبراهيم، ومن الذين تابعوه، فكان إعلام إبراهيم بما سينزل على لوط من بلاء، مما لا يغفل عنه أدب السماء.


  17. #47

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الحجر: 58-59]:
    في الآية دليل على أنه يجوز أن يُستَثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع الصالح.

    . ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الحجر: 59]:
    آل الرجل هم أتباعه؛ حيث استثنى آل لوط من العذاب، وقد قال: آل فوعون، وهم أتباعه، وآل موسى، وآل هارون، وآل عمران، ومن ذلك دعاؤنا: «اللهم صلِّ على مُحَمَّد وعلى آل مُحَمَّد»، فيدخل فيه كلَّ من تبعه.

    . ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾[الحجر: 60]:
    فيه دليل واضح على ما قرَّره علماء الأصول أنه يجوز أن يُستَثنى من الاستثناء؛ لأنه استثنى امرأته من آله.

    . ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾[الحجر: 61]:
    تشريف المؤمنين!
    مع أن المجيء كان للوط عليه السلام، لكن الله أخبر أن المجي لآل لوط، وذلك تشريفا للمؤمنين من قوم لوط، فكأنهم حضروا وشاهدوا الملائكة، وما دار بينهم وبين لوط عليه السلام.

    . ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾[الحجر: 62 ]:
    تنكركم نفسي، فأخاف أن تقصدوني بِشَرٍّ، فالأنبياء يخافون، لكنهم –مع خوفهم- عن مهامهم لا يتأخرون.



    . ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾[الحجر: 63 ]:
    بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوِّك، وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيشكّون فيه.

    . ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾[الحجر: 68-69]:
    من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه.

    . ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[الحجر: 70]:
    نهيناك أن تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون لأي أحد بالفاحشة، وكان لوط عليه السلام ينهاهم عن هذا المنكر، ويحول بينهم وبين من يتعرَّضون له بالفاحشة، حتى توعدوه وهدَّدوه.

    . ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾[الحجر: 71]:
    قال لوط لقومه: تزوجوا النساء، ولا تقعوا في ما حرم الله عليكم من إتيان الرجال إن كنتم فاعلين ما آمركم به، وقد سمى نساء قومه بناته،
    لأن رسول الأمة كالأب لهم كما قال تعالى: ﴿
    النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾.

    . ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾[الحجر: 73]:
    كان ابتداء عذابهم عند الصباح، وانتهاؤه باستئصال شأفتهم مع وقت الشروق.

    . ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾[الحجر: 74]:
    قلبوا ناموس الفطرة، فكان عذابهم بأن قلب الله ديارهم.

    . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾[الحجر: 75]:
    قال مجاهد: المتوسمين: المتفرسين. وقال ابن عباس: للناظرين. وقال مقاتل: للمتفكرين، ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين، وما آل إليه أمرهم، أورثه فراسة وعبرة وفكرة.



    . وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾[الحجر: 78-79]:
    انتقام الله من الظالمين سنة كونية.

    . ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ﴾[الحجر: 79]:
    يعني مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة يعتبر بهما كل من يمر عليهما.

    . ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ﴾[الحجر: 79]:
    الإمام هو الطريق الواضح لأنه يأتمُّ به السائر، أي أن كلتا القريتين بطريق القوافل بأهل مكة.

    . ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾[الحجر: 80]:
    من كذب واحدا من الأنبياء عليهم السلام، فقد كذب الجميع، وذلك لاتفاقهم على أصول الدين التي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور.

    . من هم أصحاب الحِجر؟!
    هم ثمود قوم صالح عليه السلام، والحجر هو واد بين المدينة والشام كانوا يسكنونه.

    . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾[الحجر: 83]:
    أخذهم الله بالصيحة، وهي مجرد سبب، ولو شاء أن يهلكهم بلا سبب لفعل.

    . ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[الحجر: 84]:
    كل وقاية ضائعة، وكل أمان ذاهب، وكل حصن زائل أمام عذاب الله المسلط على المجرمين.

    . ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: 86]:
    خلقك وخلقهم، وهو الْعَلِيمُ بحالك وحالهم، فلا يخفى عليه ما جرى بينكم، وسيحكم بينكم.

    . ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: 86]:
    ربك هو الذي خلقهم، وعلم ما هو الأصلح لهم، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح لهم لا السيف.

    . ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]:
    المراد بالسبع المثاني: صورة الفاتحة، وسُمِّيت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أي تُكرَّر في كل ركعة من ركعات الصلاة.

    . ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]:
    روى البخاري عن أبى هريرة قال: قال النبي ﷺ: «أم القرآن هي: السبع المثاني والقرآن العظيم».

    ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾[الحجر: 89]:

    في الحديث: «إني نذير إنما مثلي ومثلكم، كمثل رجل رأى العدو،فانطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه يا صباحاه! أُتيتم أُتيتم». صحيح الجامع رقم: 7901

    . ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]:
    آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعض.

    . ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93]:
    قال ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92]:
    «لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم: لمَ عملتم كذا وكذا؟».

    . ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93]:
    قال ابن عباس: «لا يُسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يُسألون سؤالَ تقريع وتوبيخ».

    . ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر: 96]:
    أشد تهديد ما أخفى الله فيه نوع الوعيد! فهنا تهديد شديد لمن جعل مع الله معبودا آخر.

    . (وزيناها للناظرين):
    زيَّنها لك لتنظر إليها، وتتأمل جمالها وعظمة الله فيها، فتزداد إيمانا.. أعانك على عبادة التفكر.

    . ﴿وأنبتنا فيها من كل شيء موزون﴾ :
    آية قرآنية وكونية معجزة، فالتوازن البيئي من أهم أسباب استمرار الحياة على سطح الأرض! ويشمل كل شيء في الأرض، فوجوده بنسب محددة مقدرة، بحسب حاجة الأرض وسكانها للحياة.

    . ﴿وإن من شئ إلا عندنا خزائنه﴾
    خزائن لا تنفد مهما أُنفِق منها، فلا تحرم نفسك ما فيها بإمساك لسانك وكسلك عن الطلب.




    . ‏﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾:
    العطاء معلَّق بالدعاء، فلا يغفل عنه إلا الأغبياء!

    . ﴿وأرسلنا الرياح لَوَاقِح﴾:
    كان ﷺ إذا اشتدَّت الريح قال كما في حديث سلمة بن الأكوع: «اللهم لقْحًا لا عقيمًا».. أي ريحا تلقِّح السحاب فيمتلئ بالماء.

    . ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾:
    قال السعدي: وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه، وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد، ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك.

    . ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض﴾:
    بابان للشيطان!
    قال القرطبي: وتزيينه هنا يكون بوجهين: إما بفعل المعاصي، وإما بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة.

    . ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾:
    قال ابن تيمية: فأهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم، ولهذا يهربون (الشياطين) من البيت الذي تُقْرأ فيه سورة البقرة، ويهربون من قراءة آية الكرسي، وآخر سورة البقرة، وغير ذلك من قوارع القرآن.

    . ﴿واتَّبِع أدبارهم﴾:
    القائد دوما خلف الجند!
    قال ابن كثير: «وأن يكون لوط عليه السلام يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم،
    وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزو إنما يكون ساقة يزجي الضعيف، ويحمل المنقطع».

    . ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾:
    الاحتماء بحصن العبودية هو أفضل وقاية من إبليس وجنوده، لأنه يضعف سلطانهم عليك، ويقوّي سلطانك، فتنتصر.




    . ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾:
    قال رسول اللهﷺ : «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة : اللهم أدخله الجنة». صحيح الجامع رقم: 6275

    . ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾:
    اختفاء الخوف إلى الأبد ودوام الأمن هو نعيم لا يستشعر قدره إلا من فقَده؛ ولذا كان من عظيم نعيم أهل الجنة، فلا عذاب ولا موت ولا خروج ولا زوال.

    . (لا يمسهم فيها نصب):
    حتى في قمة أحداثنا السعيدة يدركنا التعب، وأما الجنة فسعادة الأبد بلا أدنى تعب.

    . ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾:
    قال ابن جزي: «أي لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها».

    . ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾:
    سمَّى الوحي روحا، فكل من لم يتصل بالوحي من كتاب وسنة فهو ميت.

    . لا تيأس ولو كنت في سِنِّ اليأس:
    ﴿قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون . قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين﴾

    . ﴿بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين﴾:
    أحِطْ نفسك بالمتفائلين المستبشرين، فإنهم مفاتيح السعادة وأسباب السرور، ومغاليق التعاسة وأقفال الشرور.


  18. #48

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ( ولا يلتفتْ منكُم أحدٌ وامضُّوا حيث تؤمرون )
    الانشغال بالمعارك الجانبية يستهلك طاقتك، ويمنعك من بلوغ هدفك.

    . (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون):
    لم يقسم الله بحياة بشر إلا بحياة نبيه تكريما له وتشريفا.

    . (إنهم لفي سكرتهم يعمهون):
    للهوى سُكر أشد من سُكر الخمر، وما أكثر مخموري العقول بالأهواء والشهوات.

    . ﴿وإن الساعة لَآتِية فاصفح الصَّفح الجميل﴾:
    عشاق الآخرة لا وقت لديهم للعداوات والضغائن وتوافه الأمور.

    . استحضار قرب الرحيل خير ما يُعين العبد على الصفح والتسامح
    (وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل)

    . (وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل):
    قيل لأبي الفضل يوسف بن مسرور: فلان يتكلم فيك. فقال: إنما مثلي ومثله كمثل رجل حُمِلَ لضرب عنقه فقذفه رجل في الطريق، فقال لنفسه: أنت تُحْمَل للقتل تسأل عمن يقع فيَّ؟!
    وأنا سائر إلى الموت لا أدري متى يأتيني!! أسأل عمن يتكلم فِيَّ؟!
    في الموت ما يشغلني عن ذلك.

    (فاصفح الصفح الجميل):
    قال علي بن أبي طالب: الصفح الجميل صفح لا توبيخ فيه، ولا حقد بعده.


    . (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ):
    قال القرطبي: المعنى: قد أغنيتُك بالقرآن عما في أيدي الناس.

    . (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ):
    قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: مَنْ أوتيَ القرآنَ فرآى أن أحداً أوتيَ أفضل مما أوتي، فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيرا.

    . (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ):
    الخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد أمته؛ لأنه ﷺكان أبعد ما يكون عن إطالة النظر إلى زينة الدنيا وزخارفها،
    وهو القائل: « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه».

    . (ولا تحزن "عليهم" ﴾
    كان حزنه عليهم لا منهم، رغم أنهم آذوه وأخرجوه من أرضه وحاولوا قتله!

    . قال عمر بن عبد العزيز:
    يا معشر المستترين: اعلموا أن عند الله مسألةً فاضحةً؛
    قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

    . (إنا كفيناك المستهزئين)
    لم يقل سنكفيك، بل جاء بصيغة الماضي للتحقيق والتوكيد، فنبينا مكفي بالله حتما.

    . ﴿ إنّا كفيناكَ المُستهزئين﴾:
    مزّق كِسرى رسالة النبي ﷺ فمزّق الله مُلكه!

    . (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)
    من الكلام ما هو أشد وقعا من الحسام.

    . دواء ضيق الصدر بالوصفة القرآنية هو في أمرين:
    التسبيح والسجود
    (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون • فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين).


    . ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك*فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾:
    أن تبوح لله في سجودك وتدخل عليه في أي وقت، فيضمن لك الراحة، خير لك من أن تبوح لمن يتهرب منك أو تحتاج إلى ترتيب موعد سابقا للقائه، ولا تضمن أن يريح لقاؤه صدرك.

    . ( خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ):
    لو كنت نطفة سقطت في غير محلها لغُسِلت!
    فلما مدَّ الله في عمرك، خاصمت ربك واعترضت عليه.

    . (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون):
    آية جمعت بين الماضي والحاضر في وسائل المواصلات.

    . مرَّ الحسن بن علي على مساكين يأكلون،


    فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا:
    (إنه لا يحب المستكبرين) .

    . (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾:
    قال حبيب الفارسي: إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبه.

    . (فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف):
    عاقبة المكر وخيمة وأكيدة، فيجتثه الله من قواعده وجذوره.

    . (وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ} [النحل: 30]
    خير من ماذا؟!
    خير من كل حسنات الدنيا ولذاتها، فالقادم أجمل!

    . {الّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ }:
    قال ابن القيم: «فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شىء من الخبث، فمن تطهر فى الدنيا ولقي الله طاهراً من نجاساته دخلها بغير معوِّق، ومن لم يتطهر فى الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال، وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر فى النار من تلك النجاسة، ثم يخرج منها».

    . الاحتجاج بالأقدار وغيرها من الأعذار الواهية لتبرير الانحراف هي سُنَّة قديمة متكررة:
    (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ )

    . (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة):
    اتخذها البعض حجة لعدم اهتدائه، وأن الهداية بيد الله لا بيده،
    والحقيقة أن الهداية هدايتان:
    هداية دلالة وإرشاد وهذه للجميع من مؤمن وكافر، وهداية اختيار وهذه باختيار العبد ...أنت مخيَّر لا مسيَّر

    . (
    إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )
    هو تقريب للأذهان؛ والحقيقة أن الله تعالى لو أراد شيئا لكان؛ بغير حاجةٍ إلى لفظ «كن».

    . ﴿ فاسألوا (أهل) الذكر ﴾
    لم يقل: من عنده ذكر ، بل لا بد أن يكون من أهل التخصص والاحتراف.

    . (وما بِكُم مِّن نعمة فمن الله):
    النعم بنوعيها من الله وَحده؛ نِعَم الطَّاعَات، ونِعَم اللَّذَات، فالجأ إليهِ كي يعينك على شكرها.




    . قال ابن القيم:
    «وإذا كانت القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وكل إحسان وصل إلى العبد فمن الله عز وجل، فلا ألأم ممن شغل قلبه بحب غيره دونه».

    . لا خروج للعبد عن نعمة الله وفضله وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومع هذا فبعضهم يجادل ويقول:
    ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)!

    . ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾:
    ومن العجائب قول القرطبي وغيره: لم يغصَّ أحدٌ باللبن قط..

    ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾
    قال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر.

    . (والله جعل لكم مما خلق ظلالا):
    ظل الأشجار والأبنية من النعم المنسية، ولا يشعر بها إلا العامل المحترق تحت حر الشمس!

    . (يتم نعمته لعلكم تسلمون):
    خلق الله النعم لتستدل بها عليه لا لتنشغل بها عنه (لعلكم تسلمون) أي تنقادون لأمره.

    . ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾:
    قال ابن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه.والمعنى: كونوا أوفياء بعهودكم، ولا تنقضوها بعد إبرامها، فإن فعلتم كنتم مثل تلك المرأة الحمقاء.

    ﴿ فتزل قدمٌ بعد ثبوتها ﴾:
    قدم ثابتة ومع هذا زلت؟!
    فكيف بقدم مضطربة مهتزة؟!

    . (مَا عنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عنْدَ اللَّهِ بَاق):
    بأي شيء بعنا ما عند الله من نعيم باق بمتاع ينفد..
    قال الفضيل: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان ينبغي لنا أن نختار خزفاً يبقى على ذهب يفنى،
    فكيف وقد اخترنا خزفاً يفنى على ذهب يبقى!




    . ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾:
    قال الثوري: ليس للشيطان عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه.

    . عند الخلق : ﴿ سمِعنا فتًى يَذكُرُهُم يُقال له إبراهيم ﴾،
    وعند الخالق :﴿إن إبراهيم كان أُمَّـة ﴾،
    فلا يضرك رأي الناس فيك ما دمت عند الله مرضيا.

    . {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً}:
    حاز من الفضائل البشريةِ ما لا يكاد يوجد إلا متفرِّقا في أمة.

    . {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً}:
    قال مجاهد: سُمِّي- عليه السلام- أمة لانفراده بالإيمان في وقته،
    ففي صحيح البخاري أنه قال لزوجته سارة: «ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك».

    . كيف تكون أمة؟!
    قال ابن مسعود:
    إن معاذ بن جبل كان أمّة قانتاً لله حنيفاً. فقيل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} [النحل: 120] .
    فقال: ما نسيتُ، هل تدري ما الأمّة، وما القانت؟
    فقلت. الله أعلم
    فقال: الأمّة، الذي يعلم الخير والقانت: المطيع لله عز وجل وللرسول. وكان معاذ بن جبل يعلّم الناس الخير، وكان مطيعاً لله عز وجل ورسوله.

    . ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾:
    هذا صنيع مشركي العرب أخبركم الله تعالى بخبثه، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله تعالى له، وقضاء الله تعالى خير من قضاء المرء لنفسه، ولا ندري..
    لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله عز وجل بصنيعهم لتجتنبوه ولتنتهوا عنه.

    . قال ابن جزي: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً) الآية:
    مثل لله تعالى وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له الملك، وبيده الرزق ويتصرف فيه كيف يشاء، فكيف يسوي بينه وبين الأصنام،

    . (
    كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ )سورة النحل
    قال قتادة:هذه السورة تسمى سورة النعم.




    . (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون)
    أي ألقت إليهم الآلهة القول، أي نطقت الأصنام بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، وفي إنطاق الله للأصنام ظهور فضيحة الكفار.

    . (لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ):
    والمراد بالجهالة: الجهل والسفه اللذان يحملان صاحبهما على ارتكاب ما لا يليق بالعقلاء، وليس المراد بها عدم العلم.
    قال ابن عطية: الجهالة هنا بمعنى تعدى الطور، وركوب الرأس: لا ضد العلم.

    ( ادع إلى سبيل ربك):
    إلى سبيل ربك لا إلى تشييد مجدك وإبراز شخصك.

    . (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )
    قال ابن القيم:جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه: يدعى بطريق الحكمة.والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.والمعاند الجاحد: يجادَل بالتي هي أحسن.هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية.




  19. #49

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...




    الجزء الخامس عشر
    . كان رسول الله ﷺ يقرأ سورة الإسراء كل ليلة!
    جاء في حديث عائشة: «كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر» . صحيح الجامع رقم: 4874

    ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده (ليلا)﴾:
    الليل..موسم المنح الربانية والعطايا الإلهية.

    . ﴿ المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾:
    من طيبه بارك الله حوله، فهل بلغ من طيبك أن تنشر الخير حولك؟

    . ﴿نوح إنه كان عبدًا شكورًا﴾:
    قال محمد القرظي: كان نوح إذا أكل وإذا شرب وإذا لبس وإذا ركب قال : الحمد لله ، فسماه الله عبدًا شكورًا.

    . لا زال العرض جاريا على بني إسرائيل:
    ﴿وإن عدتم عدنا﴾:
    أي إن عدتم للإفساد في الأرض بعثنا عليكم عبادا يؤدِّبونكم.

    . ﴿وإن عدتم (عدنا)﴾:
    قال (عدنا) ولم يقل سيعود عبادنا، وهذا من عظيم تأييد الله للمؤمنين.

    . عن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ: أيهما أفضل: مسجد رسول الله ﷺ أو مسجد بيت المقدس؟
    فقال رسول الله ﷺ:. «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلَّى، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطَن (هو الحبل) فرسه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا أو قال: خير من الدنيا وما فيها».


    . (‏فإذا جاء وعدالآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلواالمسجد):
    ليس المقصود به وعد يوم القيامة؛ بل وعد الإفساد الثاني لبني اسرائيل.

    ﴿وإن عدتم عدنا﴾: كلما ازداد اليهود علوا وإفسادا، اقتربوا من نهايتهم.

    . ﴿إن هذا القرآن يهدي﴾:
    القرآن مصدر الهداية، ومفتاح تقويم الفِكر والأخلاق، وهو وحده مقياس الخطأ والصواب، ومن دونه تغرق البشرية في الضلال.

    . ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾:
    قد تدعو ولا تعلم أنك تدعو على نفسك وبما يضرك، فلا يستجيب الله لك، رحمة بك وشفقة عليك.

    . ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه):
    عبَّر عن عمل الإنسان بطائره، وجعل عمله في عنقه إشارة لشدة الارتباط بين الإنسان وعمله، وكأن عملك هو الذي يقودك، ويقودك إلى الجنة أو النار كما تُقاد الدابة بالحبل من عنقها.

    . ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾:
    أنت اليوم كاتب، وغداً قارئ ، فراجع ما تكتب.

    . ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾:
    تملي اليوم على الملائكة ما يسطرونه في صحيفتك، وغدا ينشرون ما أمليت من أعمال وأقوال (وإذا الصحف نشرت).

    . (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها):
    فسقُ أهل الترف في بلد ما إيذان بقرب الهلاك.


    . (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها):
    المأمور به هنا هو الإيمان والعمل الصالح، أي أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا، لأنه الله لا يأمر بالفسق، وهو مثل أن تقول: أمرتُه فعصاني، أي أمرته بطاعتي فعصاني، وليس معناه: أمرته بالعصيان فعصاني.

    . ﴿وسبّح بحمده﴾:
    تطبيقها العملي: «أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد: سبحان الله وبحمده». صحيح الجامع رقم: 174، وقوله ﷺ: «من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». صحيح الجامع رقم: 6431

    . ﴿ومن أراد اﻵخرة﴾:
    من أراد يعني من الإرادة، فليس شراء الآخرة بالأماني والأحلام.

    . ﴿وسعى لَهَا سَعْيَهَا﴾:
    أي السعْيَ اللائقَ بالآخرة، وهو الإتيان بما أمر الله، والانتهاء عما نهى عنه، وفائدةُ (لها): اعتبار النية والإخلاص، وفائدة﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: أن غير المؤمن إذا قدَّم عملا صالحا في الدنيا، فلا ينفعه في الآخرة لفقد شرط الإيمان.

    . شرط الإيمان!
    روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يُعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعَم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها».

    . (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك):
    هذه الآية تنبيه أن الله لم يترك خلقه من أثر رحمته حتى الكفرة منهم، فقد أعطاهم من نعمة الدنيا على حسب ما قدر لهم، وأعطى المؤمنين خيري الدنيا والآخرة.. معلوم أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، لكنه لا يعطي الدين إلا من يحب.

    . (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك):
    فلو كانت الدنيا جزاءً لمحسن ... إذا لم يكن فيها معاشٌ لظالم. لقد جاع فيها الأنبياء كرامةً ... وقد شبعت فيها بطون البهائم

    . (وماكان عطاء ربك محظورا):
    عطاء الله على قدره، وطلب العبد على قدر فقره، وعطايا الله ليس كعطاء ملوك الأرض، فهي غير ممنوعة عن أحد، ومعروضة للكل.

    . (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض):
    الخطاب للنبي ﷺ، والمقصود إسماع قومه.

    . (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا):
    قال الإمام ابن كثير:ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلا ونعيمها وسرورها.
    . ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء».

    . (وللآخرة أكبر درجات):
    قال الضحاك: الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه والأسفل لا يرى أن فوقه أحدا.

    . (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض):
    حضر جماعة من الناس باب عمر (وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب، فأذن عمر لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط!
    إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يُلتَفت إلينا،
    فقال سهيل -وكان أعقلهم-: أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه!

    .(وبالوالدينِ إحساناً }:
    ما هو آخر إحسان أحسنت به إلى والديك؟!

    . (إما يبلغن عندك الكبر):
    (عندك) :
    وكأنه حثٌّ على أن (يسكن) والداك معك عند كبرهما.


    . (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة):
    قال عروة: «إن أغضباك فلا تنظر إليهما شزرا، فإنه أول ما يُعرَف غضب المرء بِشدَّة نظره إلى من غضب عليه». ليست المعاملة معهما بالمثل!

    . (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة):
    قال زُهَيْر بن محمد: «إن سبّاك أو لعناك ف
    : رحمكما الله .. غفر الله لكما».
    . عن عبد الله بن عون أنه نادته أمه، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين.

    . ليس من البر!
    سأل رجلٌ الإمام أحمد: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي؟!
    قال له الإمام: لا تطلِّقها،
    فقال: أليس النبي ﷺ قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته حين أمره عمر بذلك؟
    قال الإمام أحمد: وهل أبوك مثل عمر؟!

    . ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾:
    قال سعيد بن المسيب : «الأواب الذي يذنب ثم يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر».

    . (وآت ذا القربى حقه والمسكين):
    قدَّم الله القرابة على المساكين؛ لأن عدم إحسان الغني إلى أقاربه يثير ضغائن القلوب وحزازات النفوس.

    . (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل):
    وصى الله في كتابه بابن السبيل ثمان مرات، فآنِس وحشة الغريب، وأحسن إليه، ولا تجمع عليه مع مرارة الغربة مرارةَ الحرمان.

    . ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ :
    قال ابن عاشور: «التبذير يدعو إليه الشيطان؛ لأنه إما إنفاق في الفساد، وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات، فيعطِّل الإنفاق في الخير، وكل ذلك يرضي الشيطان، فلا جرم أن كان المتصفون بالتبذير من جند الشيطان وإخوانه».

    . (فقل لهم قولا ميسورا):
    وهذا متعلق بقوله: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)،
    فلا ترد المسكين إلا بعطاء أو وعد بعطاء أو دعاء!

    . (فقل لهم قولا ميسورا):
    في هذا الأمر تأديب للمؤمن إن فقد المال أن يرجو من الله تيسير أسبابه، وأن لا يحمله الشح على السرور بفقد المال كي يتخلص من الإنفاق على المحتاج، بل الأوْلى أن يحرص -إن عدم المال- على أن يرزقه الله به في المستقبل حرصا على الثواب.

    . (ولا تقربوا الزنا):
    لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولأن مشوار الألف ميل في الحرام يبدأ بخطوة، ولأن الاستدراج أخفى حيل إبليس.

    . (ولا تقربوا الزنا):
    قال يونس بن عبيد:
    احفظوا عني ثلاثاً مت أو عشت: ومنها: ولا يخل رجلٌ بامرأة شابة وإن أقرأها القرآن.

    . ﴿فلا يسرف في القتل﴾:
    غضَب أهل القاتل لا يسوِّغ لهم انتهاك العدالة، وتحقيق القصاص لا يجب أن يجرَّ إلى الظلم.

    . ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم﴾:
    النهي عن القرب منه هو مبالغة في النَّهيِ عن التعرض له، لأن العرب في الجاهلية كانوا يستحلون أموال اليتامى لضعفهم وقلة نصيرهم، فحذَّر الله المسلمين من ذلك لإزالة ما عسى أن يكون بقي في نفوسهم من رواسب الجاهلية.

    . ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾:
    قال قتادة:
    لا تقل : رأيت ولم ترَ، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله !!

    . ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾:
    في الحديث: (بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَموا): أي يقولون، لأنها بداية الإشاعة وبوابة الكذب، وكان عبد الله بن عمر يقول: «(زعموا) مطِيَّة الكذِب».

    . (وإن من شَيء إلا يسبحُ بحمده):
    قال ابن عون المصري:
    أما يستحي أحدكم أن تكون دابته التي يركب، وثوبه الذي يلبس، أكثر ذكرا لله منه؟


  20. #50

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    (وإن من شَيء إلا يسبحُ بحمده):
    تصريح بأن كل جماد وحيوان وطير وحشرة بل وكل جماد في الوجود يسبِّح الله، وهو حرِيٌّ بأن يحمل كل عاقل على طاعة الله وكثرة ذكره كي لا يكون- بعدما كرَّمه ربه وفضَّله على سائر خلقه- أقلَّ منهم طاعةً لله، فينحط قدره.

    . ( قل عسى أن يكون قريباً .. )
    عسى مع الله تحقيق وليست ظنا، فحطِّم بهذه الآية أسوار يأسك،
    ودع نور الأمل ينتشر في ربوع قلبك!

    . (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِه):
    قال سعيد بن جبير:
    ينفضون (أي الموتى) التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك.

    . ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ):
    إذا احتار عقلك بين قولين حسنين فآثر أحسنهما.

    . (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن):
    من تمام العبودية لله: (حسن الكلام)، و(سوء اللسان) يقدح في العبودية..
    في سنن البيهقي أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه:
    «انطلقوا بنا إلى البصير الذي في بني واقف نعوده»، وكان رجلا أعمى!
    فانظر رِقَّته وحسن كلامه وعدم جرحه للرجل بكلمة ولو فيها كان صادقا!



    . (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم):
    انتقاء كلماتك فيه إفشال مؤامرة للشيطان..
    كان الإمام البخاري مع أن صنعته الكلام في الرجال بالجرح والتعديل، يتورع عن الألفاظ القاسية، مثل كذَّاب، أو وضَّاع، أو متروك، ويختار كلاما أحسن مثل: فيه نظر، وإذا قال البخاري عن رجل: فيه نظر، فهو متروك لا يُقبَل حديثه.

    . (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ):
    أى:
    أولئك الذيت تدعون من دون الله كعيسى والعُزيْر والملائكة الذين زعمتم إنهم بنات الله،
    هؤلاء جميعا يتوسلون إلى الله ويتقربون إليه.

    . (وما نُرسل بالآيات إلاّ تَخْويفا):
    ومن الآيات كسوف الشمس وخسوف القمر، فلابد أن نكون بعد مشاهدة هاتين الظاهرتين أكثر خوفا من الله وأحسن عملا.

    . (ونخوِّفهم فما يزيدهم إلا طغيانا):
    آيات الله الزاجرة إن لم تزد في إيمانك كانت وبالا عليك، وأدَّت لقسوة قلبك،
    واجترائك على محارم الله.


    . (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ):
    مِنَ الفَزُّ ، والفز هو «ولد البقرة الوحشيَّة لما فيه من عدم السُّكون والفرار»، وتستنهض ولدك الذي تكاسل، وتقول له: فز يعني انهض، والمعنى: استنهض أيها الشيطان من استطعت (بصوتك) أي بوسوستك، سواء أكان هذا الصوت من جندك من الأبالسة أمثالك، أو جندك من شياطين الإنس الذين يعاونوك.

    . (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ):
    هي معركة حقيقية، فأجْمِع يا إبليس لبني آدم كل ما استطعت من وسائل الفتنة والإغواء لإضلالهم، وهو تمثيل لحال الشيطان الذي يحاربنا بمختلف قواته وكافة فصائل جيشه من فرسان ومشاة!

    . (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ):
    مشاركة الشيطان للإنسان في المال بثلاثة أشياء:.
    الطلب المحرم:
    بأن يطلب زيادة المال عن طريق ربا، أو قمار، أو سرقة، أو غصب، أو غش، أو رشوة، أو بيع حرام كالخمر ونحوه..
    الإنفاق المحرم:
    مثل ما يُعطى الكاهن أو العراف أو الساحر، أو مهر البغيِّ، أو شراء خمر، أو يسافر لمواطن ينفق فيها ما يلبي شهواته ونزواته المحرمة، أو يقع في الإسراف والتبذير الذي يلحقه بزمرة الشياطين. .
    المنع المحرم:
    مثل منع الزكاة المفروضة، وعدم أداء حج الفريضة، وعدم الوفاء بالنذر، والتقصير في النفقة على النفس والأهل.

    . (واستفزز من استطعت منهم):
    يتحدى بها الله إبليس ،
    بأن بعض عباد الله لا يستطيع الشيطان غلبته والانتصار عليه مهما فعل!
    اللهم اجعلنا منهم.
    وكأن الله يقول لعدوه إبليس:افعل ما بدا لك .. كِد وامكر .. دبِّر وخطِّط .. فكل مكرك عليك .. وكل خططك ضدك .. وسيفك قاتلك .. وسهمك راميك.. ولن توقف دعوة الله مهما فعلت وحاولت، وهي طمأنة لكل مؤمن أنه لن يضره كيد إبليس ما دام بالله معتصما.

    . (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ):
    قال ابن جزي: معناه لأستولين عليهم ولأقودنهم، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشدّ على حنكها بحبل فتنقاد.

    . (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً )
    طريق التخلص من أغلال الشيطان سهل يسير: العبودية لله والاستعانة به!

    . {فَهُوَ فِي الآخرة أعمى. .} [الإسراء: 72]

    ليست وَصْفاً، وإنما تفضيل لعمى الآخرة على عمى الدنيا، أي أنه في الآخرة أشدّ عمىً، وعماه في الدنيا عمى بصيرة، لكن عَماه في الآخرة عمى بصر.



    {وَأَضَلُّ سَبِيلاً}:سين: معلوم أنه كان ضالاً في الدنيا، فكيف يكون أضلَّ في الآخرة؟
    . جيم: لأن ضلاله في الدنيا كان يمكن تداركه بالرجوع إلى الحق، وأما ضلاله في الآخرة فلا يمكن تداركه.

    . ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ أكمل الخلق مفتقر إلى تثبيت الله له، وهو القائل ﷺ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، فكيف بغيره؟!

    . (إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً): فيها أن العقاب يُضاعف على من زاغ بقدر علمه، وأن هبوط الأكابر على حسب صعودهم، وأن أخطاء الأحبة وإن قلَّت جلَّت.

    ﴿ومن الليل فتهجد به﴾: قال البغوي: «قم بعد نومك، والتهجد لا يكون إلا بعد النوم، يقال: تهجد إذا قام بعد ما نام»، وكان التهجد فريضة على النبي ﷺ وعلى أمته، ونسِخ هذا في حق الأمة، وبقي وجوب القيام على النبي ﷺ.

    . ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾: مهما أمدوه بأسباب الحياة، فإنه روح الباطل سوف تُزهق، الباطل سيموت! ويشمل هذا كُلَّ باطل في كُلِّ زمان.

    ﴿ ﻭَﻗُﻞْ ﺟَﺎﺀَ ﺍﻟْﺤَﻖُّ ﻭَﺯَﻫَﻖَ ﺍﻟْﺒَﺎﻃِﻞُ ﴾: ﻻ ﻳﺰﻫﻖ (باﻃﻞ) إﻻ إذا خنقته وأزهقت روحه يد أهل الحق.. ولّى زمن المعجزات.

    . (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ): يشمل ذلك كونه شفاء القلب من أمراضه، كالشك والنفاق وغير ذلك، وكونه شفاء للأجسام إذا رُقِي عليها به، كقصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، فشفاه الله، وهي صحيحة مشهورة. قال الحسن: والله من جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله: (وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا) [سورة الإسراء:82]

    ﴿وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾: القرآن شفاء، فمرضك على قدر بعدك عن مصحفك، وصحتك على قدر أخذك من القرآن.

    . ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ :قال أبو بكر الصديق : «قرأت القرآن من أوله إلى آخره، فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، فإنه لا يشاكِل بالعبد إلا العصيان، ولا يشاكِل بالرب إلا الغفران». الشاكلة بمعنى الأخلاق. قال ابن القيم في تفسير هذه الآية:. «أي على ما يشاكله ويناسبه، فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته، وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعادته التي ألفها وجبل عليها، فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة النعم بالمعاصي والإعراض عن النعم، والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر النعم ومحبته والثناء عليه والتودد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه وإجلاله».
    . قال ذو الأصبع العدواني:كُلُّ امرئٍ صائرٌ يوما لِشيمته ... وإن تخلَّق أخلاقا إلى حين

    . أعظم تحدي على وجه الكون ! ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ﴾.

    (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ) في حديث أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم، أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ: أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة": قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا. أخرجه البخاري ومسلم.

    . (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً)فإن قيل: كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم وقد قال: "ورأى المجرمون النار" (الكهف-53) وقال: "دعوا هنالك ثبورا" (الفرقان-13) وقال: "سمعوا لها تغيظا وزفيرا" (الفرقان-12) أثبت الرؤية والكلام والسمع؟. جيم: يحشرون عميانا، ثم تعاد إليهم هذه الحواس. قال الحسن: هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار.

    . ﴿فأغرقناه ومن معه﴾: السادة والأتباع مصير واحد، في البداية بالعمل، وفي النهاية بالهلاك.

    ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ لا يكن همك آخر السورة! واقرأ قراءة مسترسلة هادئة بتدبر وتمهل، وإلا لم تجن ثمار الوحي، ولم تخرج بدرر المعاني.
    .
    (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا) العالِم ليس بكثرة العلم بل بوجود البكاء. سئل الإمامُ أحمدُ عن معروف الكرخي: هل كان معه علمٌ؟! فقال: كان معه أصلُ العلم، خشيةُ الله عزَّ وجل.
    . في سنن الدارمي عن عبد الأعلى التيمي قال: «من أوتي من العلم ما لا يبكيه، لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: 107] إلى قوله ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: 109]».. وقرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوما هذه الآية، فسجد وقال: هذا السجود فأين البكاء؟!

    ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾: إنزال القرآن من أعظم النعم التي تستوجب حمد الله، لذا حمد الله سبحانه ذاته العلية على هذه النعمة تذكيرا لعباده بالحمد وتعليما لهم.

    . ﴿لينذر بأسا شديدا﴾: من أهم حكم إنزال القرآن الإنذار، فلا تُلغِ هذا الفصل من قاموس وعظك بحجة : سماحة الإسلام وعدم التشدد









  21. #51

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    • . ﴿ أسرى بعبده ﴾:
      أشرف المقامات التي يمكن أن يبلغها عبد هو مقام العبودية لله. قال الإمام القرطبي: «قال العلماء: لو كان للنبي ﷺ اسمٌ أشرف منه لسمَّاه به في تلك الحالة العليَّة».

      . ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]:
      العلاقة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى علاقة أخوة لا تنفك، يظهر هذا في هذه الآية، وظهرت حتى في مواعيد البناء!
      فعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وُضِع أول؟
      فقال: «المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى». قال: قلت: كم كان بينهما؟
      قال: «كان بينهما أربعون سنة، وحيث ما أدركتك الصلاة فصَلِّ، فثَمَّ مسجد». التعليقات الحسان رقم: 1596

      . ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء: 5]:
      هذا شرط الانتصار: أن نكون عباداً لله حقا، فنخوض المعركة على أسس إيمانية ربانية، لا أسس قومية أو وطنية أو عصبية أو عِرقية، لنسترد بذلك وصف العبودية لله، فنكون أهلا لنصره، وعندها فحسب يوكِل الله إلينا تنفيذ وعيده الذي توعَّد به بني إسرائيل: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} [الإسراء: 7]

      . ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5]:
      وعد الله لا يتخلف بأننا سننتصر؛ لكن هذا الانتصار مرهون بشرطين: ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ و ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾،
      فالشرط الأول متعلِّق بالقوة الإيمانية، والشرط الثاني متعلِّق بالقوة المادية والأخذ بالأسباب.

      ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار﴾ [الإسراء: 5]
      جاسُوا من جاسَ أي: بحث واستقصى المكان، وطلب مَنْ فيه، وهو م يُسمّيه رجال الأمن: «تمشيط المكان» للبحث عن المجرمين، أي تتبعوا اليهود تتبعاً بحيث لا يخفي عليهم منهم أحد، وهو ما حدث مع يهود المدينة: بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير ويهود خيبر.

      . ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾[الإسراء: 7]
      أي: نُلحق بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم؛ وأشرف ما في الإنسان وجهه.
      قال الإمام الرازي: «وإنما عزا- سبحانه- الإساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهر الإشراق في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب، ظهر الكلوح في الوجه».


      . {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ. .} [الإسراء: 7]:
      كأن الله سبحانه يلفت أنظارنا ويقول لنا: إن أردتُمْ أنْ تدخلوا المسجد الأقصى مرة أخرى بعد خروجكم منه، فادخلوا في السِّلم (الإسلام) كافة، وارجعوا إلى منهجي وتمسكوا به.

      . {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} [الإسراء: 7]:
      والعلو يحتاج فترة زمنية معتبرة حتى يعلوا فيه اليهود في البنيان والطغيان.

      . ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾[الإسراء: 11]:
      ربما كان تأخير الإجابة حمايةً للداعي من حُمقِ الدعاء!
      لأنه دعا بما يضره وهو يظن أنه ينفعه.

      ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾[الإسراء: 11]:
      قال ابن عباس وغيره: «هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم أهلكه، ونحوه».

      . ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾[الإسراء: 11]:
      في الحديث: «من هذا اللاعن بعيره؟!
      انزِل عنه فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافِقوا من الله ساعة يُسأَل فيها عطاءً، فيستجيب لكم». صحيح الجامع رقم: 6582

      . ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾[الإسراء: 11]:
      هذا هو السبب الذي يحمل الإنسان على الدعاء بالشر كما يدعو بالخير، فالعبد متسرع في طلب كل ما يخطر بباله دون النظر في عاقبته، ليتأكد هل هو خيرٌ فيدعو به، أم شرٌّ فيستعيذ منه، وفي غمرة استعجاله يغفل عن أن المقسوم لا يفوته، وأن اختيار الله للعبد خير له من اختياره لنفسه.



      . ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]:
      في الآية حَضٌّ على التوسط، فخير الأمور الوسط.
      وقد رُوِي عن رسول الله ﷺ قوله: «ما عال من اقتصد». ضعيف الجامع رقم: 5101 وقد قيل: «الاقتصاد نصف المعيشة»،
      وكان يُقال: حسن التدبير مع الكفاف، خير من الغنى مع الإسراف.

      . ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا ﴾[الإسراء: 37]:
      عجيب!
      حتى طريقة المشي يحدِّدها لك القرآن، وتنزل فيها الآيات! لقد علَّمنا ديننا كل شيء.

      . ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾[الإسراء: 42]:
      قال سعيد بن جبير: «المعنى إذا لطلبوا طريقا إلى الوصول إليه ليُزيلوا ملكه، لأنهم شركاؤه». مخاطبة العقل والإقناع منهج قرآني.

      . ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾[الإسراء: 50]:
      لما قالوا: أئذا كنا عظاما إئنا لمبعوثون، قيل لهم: كونوا حجارة أو حديدا، فإنه الله قادر على إحيائكم على أي حال، فإن كنتم تستبعدون رد العظام اليابسة إلى رطوبة الحياة، مع أنها جزء من جسدكم الحي،
      فكيف إذا كنتم حجارة أو حديدا، وهما أبعد عن الحياة؟!.
      قال مجاهد: «المعنى كونوا ما شئتم فستعادون».

      . {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [الإسراء: 54]:
      وبمقتضى هذا العلم يُقسِّم الأرزاق ويُوزِّع المواهب بين العباد، كُلٌّ بحسب حاله، وعلى قَدْر ما يُصلِحه، والجميع عبيدٌ لله، وليس بينه وبين أحد منهم عداوة فيحرمه، ولا مصلحة أو نسب فيعطيه ويُكرِمه.

      . {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [الإسراء: 54]:
      قال القشيري: «سدَّ على كل أحد طريق معرفته بنفسه ليتعلّق كلّ قلبه بربه، ويوصف العبد بالعلم ويوصف الربّ بالعلم، ولكن العبد يعلم ظاهر حاله، وعلم الرب يكون بحاله وبمآله».

      . ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: 55]:
      كأن الله سبحانه يشير إلى أن سبب تفضيله لأحد خلقه هو الرسالة لا المُلك، فسبب شرف داوود أنه أوتي الزبور لا أنه أوتِي المُلْك.

      ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾[الإسراء: 63]:
      ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ وهي صيغة خطاب لمن حضر مع أنه قدَّم ذكر الغائب حين قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾، تغليبا لجانب المخاطَب- وهو إبليس- على جانب الغائب وهم أتباعه، لأنه سبب إغواء هؤلاء الأتباع.

      . ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾[الإسراء: 66]:
      تعرَّف الله إلى عباده بنعمه كي يحبوه، فإذا أحبوه أطاعوه، فإذا أطاعوه أدخلهم الجنة، وهذا من تمام رحمته وعظيم فضله.

      . ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾[الإسراء: 70]:
      امتنَّ الله على عباده في هذه الآية بخمس مِنَن: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، والتفضيل على كثير من المخلوقات.

      . ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾[الإسراء: 71]:
      رجَّح ابن كثير القول بأن الإمام هو كتاب الأعمال، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾، وما رجَّحه رحمه الله هو الصواب؛ لأن القرآن يُفسِّر بعضه بعضا.

      . ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾[الإسراء: 73]
      هنا إثبات لعصمة النبي ﷺ، فقولك: كاد زيد يفعل معناه أنه لم يفعل.
      قال ابن عباس: «كل شيء في القرآن كاد، وأكاد، ويكاد، فإنه لا يكون أبدا».





      . ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ﴾[الإسراء: 74]:
      قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ:«اللهم لا تكِلني إلى نفسي طرفة عين».
      والركون هو أدنى الميل، فنفى الله عن نبيه الشيء اليسير من الركون، فلم يقترب ﷺ أدنى الأدنى من الميل إلى المشركين، وهذا صريح في أن النبي ﷺ لم يُهِمَّ بإجابتهم.
      إخراج الأنبياء والمصلحين من ديارهم سُنَّة الطغاة، كانت وستبقى.

      . ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الإسراء: 76]:
      قال مجاهد:«ذهبَتْ قريش إلى هذا، ولكنه لم يقعْ منها لأنه لما أراد الله سبحانه استبقاء قريش، وألا يستأصلها، أذن لرسوله في الهجْرة، فخرج من الأرض بإِذن الله، لا بِقَهْر قريش، واسْتُبْقِيَتْ قريشٌ لِيُسِلمَ منها ومِنْ أعقابها مَنْ أسْلَم».

      . ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾[الإسراء: 78]:
      هي صلاة الفجر، وسُمِّيت قرآنا، لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث يشهدها الله وملائكة الليل وملائكة النهار.

      ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: 85]:
      في الآية توجيه تربوي، فهي تردع من يسأل المسائل التي لا يُقصَد بها إلا التعنت والجدال، وفيها كذلك إرشاد المسؤول إذا سئل عن أمر لا يفيد السائل، لكي يُعرِض عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه وينفعه.

      . ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: 85]:
      خاطب النبي ﷺ بهذه الآية المعاصرين له منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، ولا تزال الآية تخاطبنا، وستخاطب مَنْ بعدنا إلى قيام الساعة مع ما توصلتْ إليه البشرية من تطور تكنولوجي وعلوم، وكأنه الله سبحانه يقول: يا ابن آدم، تواضع، واعرف قدرك، والزم غرزك.

      . ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾[الإسراء: 86-87]:
      امتنان عظيم من الله على نبيه وأمته من بعده ببقاء القرآن محفوظا، بعد المنة العظيمة بتنزيله، وهاتان النعمتان متلازمتان، يلزم على كل عبد القيام بشكرهما .



      . ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾[الإسراء: 89]:
      والتصريف وجهان: أحدهما: كرَّرْنا في هذا القرآن من المواعظ والأمثال، والثاني: نوَّعنا بين المواعظ باختلاف أنواعها.
      وقدَّم ذكر الناس هنا تنبيها للناس، وليهتموا بتفهُّم القرآن وتدبُّره، وسبب آخر للتقديم: أن الآية وردت بعد قول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾، فناسب تقديم ذكر الناس وقيام الحجة عليهم بعجزهم عن الإتيان بمثله.

      . ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 94]:
      كيف تطلبون أيها الجاهلون أن يكون رسولكم مَلَكا، وتستبعدون أن يكون بشرا؟! فما منعَهم من الإيمانِ إلا استغرابُ أن يبعث الله لهم بشرا مثلهم، كما في قوله تعالى في أول سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾.

      . ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 94]:
      في الآية تسلية ومواساة للنبي ﷺ، وأنه ليس وحده مَن كُذِّب من المرسلين، فالرسل المتقدمون كلهم من البشر، فإذا لم يؤمنوا بك يا محمد، فيلزمهم ألا يؤمنوا بكل رسول قبلك، فتكذيبهم لك تكذيب لكل من سبقك من الرسل، فلا يسوؤك أمرهم.

      . ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾[الإسراء: 98]:
      لاشك أن ذكر العقاب الفظيع في الآية السابقة يثير في النفس استبشاع الجزاء والاستعلام عن السبب، فعرض الله هنا سببان وهما: الكفر وإنكار البعث، لنعلم أن ما حاق بالكافرين كان عدلا لا ظلما، ومناسبٌ تمام المناسبة لطبيعة ذنبهم.. كذَّبوا بالإعادة بعد الإفناء، فجعل الله عقابهم أن سلَّط النار على أجسادهم تأكلها ثم يعيدها، ولا يزالون على تلك الحال؛ ليزداد تحسرهم على إنكارهم البعث.

      . ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾[الإسراء: 101]:
      قال الآلوسي: «فاسأل يا محمد مؤمني أهل الكتاب عن ذلك، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى- في التثبيت-، وإما من باب التهييج والإلهاب، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم».


      . ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾[الإسراء: 101]:
      شأن الطغاة في كل زمان ومكان، حين يرون قوة الحق ونصاعة حجته، وضعف منطقهم وضلاتهم، أن يرموا أهله - زورا وبهتانا- بكل نقيصة.
      ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾[الإسراء: 102]:
      سرعة وقوة رد موسى على كذب فرعون مذهل، فالحق أبلج والباطل لجلج.

      . ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾[الإسراء: 102]:
      والمثبور أي هالك مُدمَّر، أو بمعنى مصروفا عن الخير، من قولهم: ما ثبرك عن هذا الأمر؟ أى: ما الذي صرفك ومنعك عنه.والمعنيان صحيحان، والمعنى: كل من صرفه الله عن الحق فهو هالك.

      . ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾[الإسراء: 103]:
      أراد فرعون أن يطرد موسى وقومه من أرض مصر، وأن يهلكهم، فجاءت النتيجة بالعكس، فأهلكه الله وجنده بالغرق، وأسكن من أراد طردهم الأرضَ التي أراد فرعون أن يستفزهم منها، فالآية تحكي سُنَّة من سنن الله في إهلاك الظالمين، وتوريث المستضعفين أرضهم وديارهم.

      . ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 108]:
      هؤلاء هم الصالحون من أهل الكتاب؛ لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، فهم في انتظار إنجاز هذا الوعد، ومن هؤلاء: ورقة بن نوفل، ومنهم كذلك من آمن بعد نزول هذه السورة مثل عبد الله بن سلام، ففي الآية إخبار ببعض الغيب.

      . ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109]:
      بمعنى يسقطون على الأرض بدون إِرادتهم، واستخدام هذه الكلمة بدلا مِن السجود ينطوي على إِشارة لطيفة، هي أنَّ ذوي القلوب الحية عندما يسمعون آيات القرآن يتأثرون به إلى درجة أنهم يسقطون على الأرض، ويسجدون خشية بدون وعي أو اختيار.

      . ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]:
      قال ابن عباس: «سمع أبو جهل النبي ﷺ يقول: يا الله يا رحمان، فقال أبو جهل: إنه ينهانا أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر». أي أن المدعو إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى.

      . ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110]:
      قال ابن عباس: «نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فأمره الله بالتوسط».

      . ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾[الكهف: 12]:
      أليس الله قد علم كل شيء قبل وقوعه؟! بلى، لكن العلم هنا علم مشاهدة لا مجرد علم غيب، ولابد من خروج الحدث لعالم الشهادة والواقع لتقوم الحجة على الخلق. العلم هنا متعلِّق بأي الحزبين المختلفين من الناس اختلافا في مدة لبث أصحاب الكهف، أيهما أدقُّ إحصاء وضبطا لمدة لبثهم.

      . ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾[الكهف: 13]:
      قال ابن عباس: «ما بعَث الله نبيا إلا وهو شاب، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وقرأ: ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾، ﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾، ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾» .

      . ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾[الكهف: 15]:
      كل قول ليس عليه دليل مردود، فهلا أقاموا بيِّنة على كون أصنامهم التي يعبدون آلهة؟! وهي دعوة لتحكيم العقل الذي وهبنا الله إياه، وعدم التسليم للخرافات والأوهام.

      . ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾[الكهف: 15]:
      قال الزمخشري: «وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من حجة حتى يصِحَّ ويثبت».


      ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾[الكهف: 18]:
      كان الناس يتنازعون في زمانهم: هل تُعاد الأرواح دون الأبدان أم تُعاد الأرواح والأبدان؟
      فجعل الله أمر هؤلاء الفتية آية لإعادة الأبدان، وأعثر عليهم أهل مدينتهم.
      . ما هدف العثور عليهم؟!
      لتكون آية تغرس اليقين في قلوبهم، فإن حالهم في نومهم وانتباههم بعدها، كحال من يموت ثم يُبعَث، ومن توفى نفوسا وأمسكها ثلاثمائة سنين،
      ثم أعاد إليها الحياة، قادر على أن يتوفى أرواح الناس إلى أن يردها على أبدانهم يوم القيامة.

      . ﴿فلينظر أيها أزكى طعاما﴾[الكهف: 19]:
      لم يقولوا: أيها أشهى طعاما، ولا أيها أرخص طعاما، لأن المؤمن يقوده إيمانه، لا ملذاته وشهواته، يعلِّمنا هؤلاء الفتية ترتيب الألويات عند وجود الشبهات وغزو الشهوات.

      . ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾[الكهف: 27]:
      تسلّ- حين تتقلب عليك الأحوال وتتوالى الأهوال- بأنوار الآيات وأضواء الوحي، فخير ما يبدِّد ظلمة الأحزان أنوار الإيمان، والقرآن هو نبع هذه الأنوار.

      . ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾[الكهف: 27]:
      يشمل التلاوة اللفظية والتلاوة العملية، أما التلاوة اللفظية فمعلومة، وأما التلاوة العملية فأن تعمل بالقرآن، فإذا عملتَ به فقد تلوتَه.



      . ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾[الكهف: 27]:
      اقرأ كتاب ربك لتكون معانيه وحقائقه ملازمة لك، مستقرة في قلبك، وإذا كان هذا أمر الله إلى المعصوم الذي لا سبيل إلى زيغ قلبه،
      فكيف بمن أحاطت به الشبهات وأسباب الزيغ من كل الجهات؟!
      ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾[الكهف: 29]:
      هذا الكلام وإن كان خارجا مخرج التخيير، إلا أنه غاية التهديد والوعيد، وهي تدل على أن الله لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يضره كفر الكافرين، بل نفع الإيمان وضرر الكفر يعود على العباد فحسب.

      . ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾[الكهف: 30]:
      هذه قاعدة عامة: الله لا يضيع أجر من أحسن، وهي تصلح أن تكون جارية على المؤمن والكافر؛ لذلك لم يَقُل: (إنَّا لا نضيع أجر المؤمنين)،
      لأن الكافر قد يُحسِن العمل، فلا يبخسه الله تعالى حَقّه، بل يوفّيه حظه من الجزاء والثناء والعطاء في الدنيا.

      . ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾[الكهف: 34]:
      هذا شأن من طمس الله بصائر قلوبهم، تزيدهم نِعم الله بطرا لا شكرا، وشرا لا خيرا.
      . ما أصدق قول قتادة يصف أماني هؤلاء الفجار: «تلك- والله- أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر».




      . ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾[الكهف: 35]:
      أكثر ما يدفع إلى الظلم استبعاد الموت مع ظن دوام النعمة وعدم زوالها.

      . ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾[الكهف: 38]:
      الفخر الحقيقي بالإسلام، والنعمة الباقية هي نعمة التوحيد، وكل ما عدا ذلك عرضة للزوال.

      . ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[الكهف: 39]:
      روى هشام بن عروة بن أبيه أنه كان إذا رأى شيئًا يُعجِبه أو دخل حائطًا (بستانًا) من حيطانه، قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فمن أعجبه شيء من حاله أو ولده أو ماله،
      فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهو مأخوذ من هذه الآية الكريمة.


      . ﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[الكهف: 39]:
      معناها: الحضُّ على الاعتراف بأن جنته وما فيها تحت مشيئة الله، إن شاء أبقاها، وإن شاء أبادها، وهذا حال المؤمن مع كل نعمة من نعم الله عليه.

      . ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾[الكهف: 40]:
      الله قادر في لحظة واحدة على أن يقلب حالك، فتصبح جنتك أرضا «زلقا» أي جرداء ملساء لا تُخِرج نبات، ولا تثبت عليها قدم، أي تصير عديمة النفع من كل شيء حتى من المشي عليها.

      . ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: 47]:
      أشد الزلازل تدميرا في الدنيا لا تستطع اقتلاع الجبال من جذورها، لكن كل شيء يوم القيامة مختلف، فيوم القيامة هو زلزال الزلازل الذي يفتت أقوى الجمادات، ويجعلها تطير مع السحاب.

      . ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47]:
      فلا بناءَ فيها ولا حجر ولا شجر، حتى لا يتوارى أحد، بل ينكشف الخلق جميعا بين يدي الله، للحساب والجزاء.

      . ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً﴾ [الكهف:48]:
      أنه لم يَغِبْ عن الله منهم أحد في الدنيا ولو استتروا، لكنهم يوم القيامة أشد انكشافا وافتضاحا في يوم العرض الأكبر!

      . ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ﴾[الكهف: 55]:
      العذاب قُبُلا هو الذي يرونه عيانا ومواجهة أو قِبَلا أي ألوانا متنوعة، وهذا تهديد وإنذار وتحذير وحث على المبادرة بالإيمان قبل فوات الأوان..
      لا تتعجب من إعراض الخلق!
      فبعض الناس لن يؤمنوا ولن يستغفروا إلا إذا نزل بهم عذاب دنيوي مهلك، أو مواجهة عذاب الآخرة وعلى عتبات النار.

      . ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ﴾[الكهف: 57]: كلما زاد ظلم العبد زاد نسيانه لذنبه وبعده عن ربه.
      . ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾[الكهف: 58]: تأخير العذاب من علامات رحمة لله، وهو إما إمهال للعبد كي يتوب، أو إقامة للحجة عليه إن أصرَّ على الذنوب.

      . ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقُبا﴾[الكهف: 60]: قوة تصميم وإرادة وتعهد على الاستمرار حتى يبلغ مجمع البحرين، طلبا للعلم، أو يمضي دهرا طويلا حتى يجد هذا العالِم.
      . قال الرازي: «وهذا إخبار من موسى بأنه وطَّن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب العلم، وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحقَّ له ذلك».

      . ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾[الكهف: 69]:
      تقديم المشيئة تأدب مع الخالق سبحانه، واستعانة به على الصبر، أدب يعلِّمنا إياه الأنبياء.

      . ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:70]:
      كلمة ﴿ شَيْءٍ﴾ نكرة تدل على أن الخضر اشترط على موسى اشتراط العالم على الطالب ألا يبدأه بالسؤال،
      مهما رأى شيئا غريبا غير مفهوم حتى يبدأه العبد الصالح بالحديث عنه، ووافق موسى على الشرط.






  22. #52

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...





    الجزء السادس عشر


    ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس﴾:
    قال رسول الله ﷺ: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبَر لرأى من صاحبه العَجَب» . صحيح الجامع رقم: 3501 ..
    الصبر مفتاح باب العلم، ومن أسباب مزيده.


    . (فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما﴾:
    قال قتادة: «قد فرِح به أبواه حين وُلِد، وحزنا عليه حين قُتِل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب»


    . ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾:
    حقِّق صفات الابن الصالح: ﴿زَكَاةً﴾: صلاحا وطهارة واستقامة، ﴿رُحْماً﴾: رحمة بوالديه.


    . ﴿ فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا منه ﴾:
    الفقد قد يفتح أبوابا أروع للعطاء!


    . ﴿فأردنا أن يبدلهما﴾ ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما﴾، ﴿فأراد ربك﴾:
    كل ما يجري حولك هو تنفيذ إرادة الله، والواجب عليك أن تتعرف على حكمته في أقداره، ورحمته في أفعاله.


    . ﴿وكان أبوهما صالحا﴾:
    قال عمرُ بن عبد العزيز: «ما من مؤمن يموتُ إلاَّ حفظه الله في عقبه وعقبِ عقبه (أولاده وأحفاده) ».


    . ﴿وَكانَ أبُوهُما صَالِحاً﴾:
    قال محمد بن المنكدر: «إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولدَ ولده، ويحفظه في دُويرته وفي دُويراتٍ حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم».


    . ﴿وَكانَ أبُوهُما صَالِحاً﴾:
    قال سعيد بن المسيب: «يا بني .. إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاءَ أن أُحفَظ فيك»،
    وتلا الآية: ﴿وَكانَ أبُوهُما صَالِحاً﴾..
    اجعل لصلاتك نيات عديدة!


    . ﴿وَكانَ أبُوهُما صَالِحاً﴾:
    تبلى عظامك، وتذروك الرياح، لكن لا يزال أثر صلاحك باقيا في دنيا الناس.. اللهم ارزقنا هذا الصلاح المبارك.



    .﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾:
    قال البقاعي: «كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم، وكانت قصة ذي القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد في سبيل الله، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذي القرنين»


    . ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾:
    ما بسطه الله لي من النعم والمال خير من مالكم الذي تعرضون عليَّ، فوفَّروا أموالكم.


    .﴿فأعينوني بقوة﴾:
    المصلح لا ينوب عن الأمة في الإصلاح، لكن يقودها ويتقدمها.


    .(تجعل بيننا وبينهم سدا) (أجعل بينكم وبينهم ردما):
    الردم أكبر من السد وأوثق، فلمروءته وكرمه وعدهم بأكثر مما طلبوه، ووفَّى بوعده.


    .(فأعينوني بقوة!):
    تلاحم القائد مع الجنود، ومشاركته لهم سبب بث الحماسة في صفوفهم وتقديم أفضل ما لديهم.


    . (فأعينوني بقوة):
    لم يكن موقفه أن يدافع عنهم بل أن يعلِّمهم كيف يدافعون عن أنفسهم، ويورثهم أسباب القوة التي يستعملونها إن غاب عنهم.




    .(قال هذا رحمة من ربي):
    نسب ذوالقرنين هذا العمل العظيم الضخم الذي قام به إلى رحمة الله، فلم يأخذه غرور وعُجْب، لكنه تبرأ من حوله وقوته، ونسب الفضل إلى الله.


    .﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾:
    ساكن شقة سكنية يتمنى التحول منها إلى (فيلا)، فإذا تملَّكها تمنى (قصرا)، فإذا تملَّك القصر تمنى وتمنى.. أما ساكنو الجنة فهم ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾.


    . ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾:
    طبيعة الإنسان أنه ملول، فكيف إذا لاقى الخلود، لكن الجنة محصَّنة ضد الملل والسأم والرغبة في التغيير والتطلع إليه.


    .﴿ لا يَبغُونَ عَنهَا حِوَلًا ﴾:
    رغم التفاوت العظيم في درجات الجنة فتصل إلى مائة درجة، لكن كل واحد لا يتمنى غير منزلته.
    في صحيح مسلم: «آخر من يدخل الجنة رجلٌ... »، إلى أن قال على لسان هذا الرجل: «لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين».


    . ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾:
    تُعرَض عليهم النار ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، فيكون في ذلك عذاب نفسي معجَّل بالهم والرعب، قبل العذاب الحسي في النار.
    قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك».


    .عن مجاهد يقول: قال رجل: يا رسول الله .. أرأيت الرجل يتصدق بالصدقة، يلتمس بها وجه الله، ويحب أن يُقال له خيرا، قال: فنزلت هذه الآية:
    {فمن كان يرجو لقاء ربه، فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110]


    . قال الفضيل بن عياض: إنّ العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُقبَل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، الخالص أن يكون لله، والصّواب أن يكون على السّنّة،
    ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾.


    . ﴿ذِكْرُ ( رحمت ) ربك ( عبده ) زكريا﴾:
    كلما زادت عبودية العبد تدفقت رحمات الرب.



    ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾:
    فيه فضل الدعاء الخفي، وأنه أفضل من الدعاء الذي يجهر به العبد، وهذا عام في جميع العبادات، كالقراءة والصدقة والقيام، فما كان سرا فهو أفضل، إلا إذا كان في الإعلان مصلحة.

    .﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾:
    قال ابن القيم:
    «وكم من صاحب قلب وحال مع الله تعالى قد تحدث بها، وأخبر بها، فسلبه إياها الأغيار، ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، وألا يطلع عليه أحد».

    . ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾:
    أي أنك عوَّدتني إجابتك. قال القرطبي: «وهذه وسيلة حسنة، أن يتشفع إليه بنعمه، ويستدر فضله بفضله، يروى أن حاتم لقيه رجل فسأله، فقال له حاتم: من أنت؟
    قال: أنا الذي أحسنت إليه عام أول (أي العام السابق)، فقال: مرحبا بمن تشفَّع إلينا بنا».

    . ﴿ﻭَﻟَﻢْ ﺃَﻛُﻦْ ﺑِﺪُﻋَﺎﺋِﻚَ ﺭَﺏِّ ﺷَﻘِﻴًّﺎ﴾:
    لا يشقى مع الدعاء أحد!
    فلا يجتمع دعاءٌ مع شقاء.

    .﴿ﻭَﻟَﻢْ ﺃَﻛُﻦْ ﺑِﺪُﻋَﺎﺋِﻚَ ﺭَﺏِّ ﺷَﻘِﻴًّﺎ﴾:
    قال سفيان بن عيينة: سعدتُ بدعائك وإن لَمْ تعطني!

    . ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾:
    لا يموت أمل في قلبٍ، وعى هذه الآية.




    ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾:
    عند الدعاء لا تطلب على قدر حاجتك، بل على قدر من تدعوه.

    .﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا):
    مُنِعَ من الكلام، فدعا إلى الله بالإشارة!
    يا لها من هِمَم!

    . ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾:
    قال وهب بن منبِّه:
    «إنّ البرَّ بالوالدين يزيد في العمر».

    . ﴿ياليتني مت قبل هذا﴾:
    تمنت الموت ثم أصبحت بعد ذلك أم (نبي)، فرُبَّ محبوب في مكروه، ومنحة في محنة.

    . ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾:
    قال الشنقيطي: «أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجرٍ للنصارى عن دعواهم أنه الله أو ابنُه أو إلهٌ معه».







    ﴿ وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ﴾:
    قال سفيان بن عيينة:
    «أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم».

    . ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾:
    قال ابن تيمية:
    «قيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟
    فقال: تأخيرها عن وقتها،
    فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها
    فقال: لو تركوها لكانوا كفارا».

    . لا تحقِر جهدك مهما قلَّ، فالمهم أن تبذل ما تستطيع، فالله يجبر قصور العبد لا تقصيره: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً﴾

    .﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾:
    قال ابن كثير:
    «أي يا شبيهة هارون في العبادة». انظر شبيه من أنت اليوم، فسوف تُحشَر معه غدا!

    . ﴿ وبراً بوالدتي ﴾:
    قال ابن عبّاس رضي الله عنهما:
    «إنّي لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من برِّ الوالدة».

    . ﴿إنه كان بي حفيا﴾:
    من الحفاوة وهي الرأفة والرحمة والكرامة، وإن من أسباب إجابة الدعاء حسنَ الظن بالله عن طريق استشعار قلبك لهذه الحفاوة.

    .﴿فَلَمَّا (اعْتَزَلَهُمْ) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (وَهَبْنَا) لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾:
    من تركَ شيئا لله عوّضه الله خيرا منه،
    ومن خيرٌ من نبييْنِ مُرسلَيْن؟

    . ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ ﴾:
    إذا أردت أن تفوز بنفس الثناء، فما عليك إلا بأن تكرر نفس الفعل مع أهلك!
    ونادهم مع كل أذان: قوموا إلى الصلاة!

    ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾:
    ليس في الجنة ليلٌ ولا نهار، لكن المقصود مقدار البُكْرة ومقدار العشي من أيام الدنيا، أو وقت الغَداء ووقت العَشاء.




  23. #53

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    . ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾:
    سبب نزولها أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟»،
    فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾

    .﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾:
    كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته،
    قال: ما يبكيك؟
    قالت: رأيتك تبكي فبكيت،
    قال: إني ذكرت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فلا أدري أنجو منها، أم لا؟

    . الجزاء من جنس العمل!
    من كان قائدا إلى الضلالة والإفساد اليوم، فهو قائد نفس الجمع إلى النار غدا ..
    ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾

    . ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾:
    قال السعدي: «يُساقون إلى جهنم وِردا، أي: عطاشا، وهذا أبشع ما يكون من الحالات، َسوْقُهم على وجه الذل والصغار إلى أعظم سجن وأفظع عقوبة، وهو جهنم، في حال ظمئهم ونصَبِهم».

    .﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾:
    الجمادات أعقل من بعض البشر!
    قال ابن عباس: «إن الشِّرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق، إلا الثقلين».



    ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾:
    قال أبو الحسن المزيِّن: «الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ عقوبة الذَّنْب، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة»..قال ابن القيم: «فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرًّا، فتضاعف الربح، وتزايدت الحسنات»

    ﴿فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا﴾:
    فقط .. راقب كيف ستكون نهاية الظالم!

    .﴿إنما نعد لهم عدا﴾:
    قرأ المأمون هذه السورة، فمرَّ بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: «إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد!»..
    وكان ابن عباس رضى الله عنهما إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: «آخر العدد خروج نفسك. آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك»

    ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾:
    في الحديث: «ما منكم من أحد إلا سيكلِّمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة».

    . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾:
    قال ابن المنكدر لأبي حازم: يا أبا حازم .. ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بالخير ما أعرفهم، وما صنعت إليهم خيرا قط! قال له أبو حازم: لا تظن أن ذلك من عملك، ولكن انظر الذي ذلك من قِبَلِه فاشكره،
    وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾

    ﴿واصطَبر لعبَادته ﴾:
    زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، يعني: يصبر ثم يزيد فوق الصبر بالاصطبار، فالاصطبار للأشياء التي تتطلب استمرارا ومداومة وقوة، لأن الهمم قد تتثاقل عن أداء النوافل مع مرور الأيام

    .﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾:
    التقوى سبب النجاة من كرب النار، ومن باب أَوْلى النجاة من كرب الدنيا.

    . (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى):
    الشقاء والقرآن لا يجتمعان.

    (.فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا):
    قال يحيى بن معاذ في هذه الآية: هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله؟!

    . ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾:
    قال ابن القيم: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال: إن رضا الرب في العجلة إلى أوامره».


    .﴿فاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾:
    قال سفيان بن عُيينة: أول العلم الصمت، والثاني الاستماع له وحفظه، والثالث العمل به، والرابع نشره وتعليمه.

    . (هارون أخي .. اُشدُدْ به أَزري):
    موسى وهو من أولي العزم من الرسل احتاج صاحبا يعينه، فكيف بك؟ هل لك صاحب يعينك؟!

    . (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً )
    هذه أسمى مقاصد الأخوة، وعلامات الحب في الله، أن تعين على طاعة الله وذكره.

    . (وألقيتُ عليك محبة مني):
    المحبة رزق رباني، وليس بحاجة لسبب، فموسى طفل رضيع لم يصدر منه ما يوجب المحبة، ومع ذلك أحبه كل من رآه.

    . (وقتلتَ نفساً فنجّيناك من الغم):
    القاتل مغموم لا يفارقه غمه حتى يموت!

    . ﴿ولا تنيا في ذكري﴾:
    لا تترك الذكر في أي حال، وأنت أحوج إلى الذكر في مواجهة الشدائد، وعند لقاء الطغاة.

    . ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾دخل رجلٌ من الزهاد على هارون الرشيد يومًا، فقال: يا هارون، اتق الله، فأخذه فخلا به، وقال: يا هذا أنصفني، أنا شرٌ أم فرعون؟
    قال: بل فرعون، قال: فأنت خير أم موسى؟
    قال: بل موسى، قال: أفما تعلم أن الله تعالى لما بعثه وأخاه إليه قال: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} [طه: 44


    . (قال لا تخافا إنني معكما):
    أعظم ما يطرد الخوف من قلبك استشعار معية الله ومعونته.

    . ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾:
    هذا إعلان خيبة المفتري على صفحات القرآن!

    . ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا):
    لم يمض على إيمانهم سوى بضع دقائق، ومع ذلك عرفوا حقيقة الدنيا، وقدر الجنة والآخرة.

    (لا يموت فيهــا ولا يحيا):
    حياة أهل النار، لا مع الأموات فيستريحون، ولا مع الأحياء فيسعدون !

    . ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ ﴾:
    عدل هارون عن ندائه بـ (يا أخي) إلى (يَا ابْنَ أُمَّ؛ لأن ذِكر الأم فيه تذكير بأقوى أواصر الأخوة ، وهذا من شأنه أن يهدئ من غضب موسى.

    . ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾،
    فكما أن السامري مسَّ ما لا يحل له من أثر الرسول جبريل عليه السلام عوقب بأنه لا يَمس أحدا و لا يمسه أحد.

  24. #54

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾:
    أي يقول أعلمهم بالأمور إن لبثتم في الدنيا إلا يوما..
    ما أحقر الدنيا وما أقصرها.

    (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم):
    والعاني هو الأسير، والعناء هو الذِلّ، وآظهر ما يكون على الوجه، وهذا تمثيلٌ لحال المجرمين يوم القيامة.

    . ﴿فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾:
    الفرق بين الظلم والهضم:
    أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله، أما الهضم فهو منع لبعض الحق. فكل هضم ظلم، وليس كل ظلم هضما،
    فالآية بشرت المؤمنين بأن الله سيوفيهم أجورهم يوم القيامة دون أدني نقص، والتنكير في قوله ﴿ظُلْماً وَلا هَضْماً )للتقليل.

    . ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾:
    تمهل في قراءتك، وعلى رسلك، فلربما تجد في طيات حروفه رسالة ربانية خاصة بك، تشفي صدرك، وتهدِّئ قلقك.
    .كان ﷺ إذا ألقى عليه جبريل عليه السلام القرآن يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة خوفا أن يصعد عليه السلام ولم يحفظه صلّى الله عليه وسلّم، فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك، إذ ربما يشغل التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ونزل عليه أيضا لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ

    . ﴿وقل ربِّ زدني علما﴾:
    من شرف العلم أن النبي ﷺ ما أُمِر بطلب الزيادة من شيء سوى العلم،
    وكان ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما».

    .﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾:
    كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني إيمانا ويقينا.

    . ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾:
    قال الإمام ابن كثير: «أي في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة» ...


    .﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾:
    أرشده- سبحانه- إلى ما يشرح صدره، ويجلو همه، ويفرج كربه.

    . ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ [الكهف: 53]:
    تعرَض عليهم النار ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، فيكون في ذلك عذاب نفسي معجَّل بالهم والرعب، قبل العذاب الحسي في النار.
    قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» . صحيح الجامع رقم: 8001

    . ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾[الكهف:76]:
    يرى القشيري وغيره أن الثلاثة آخر حدِّ القِلَّة، وأوَّل حدِّ الكثرة.

    . (فَلا تُصَاحِبْنِي﴾[الكهف:76]:
    إشارة إلى تواضع موسى عليه السلام، فقد رأى أن الرجل الصالح أعلى منه منْزِلة، وإلا لقال: (فلا أصاحبك) بدلا من قوله: (فلا تصاحبني).

    . ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾[الكهف:76]:
    وهي أصل المثل السائر: قد أعذر من أنذر.

    . ﴿فأردت أن أعيبها﴾[الكهف:79]:
    ولم يقل فخرقتها، ليكون ذلك معبِّرا عن إرادة ونية مبيَّتة وتصميم، وليس مجرد مصادفة أو فعل عابر.

    . ﴿ وَكانَ أبُوهُما صَالِحاً ﴾[الكهف:82]:
    حين أتكاسل عن الطاعة أتذكر أبنائي ومصائب الدنيا، وأتأمل: ﴿ وَكانَ أبُوهُما صَالِحاً ﴾، وكيف أن صلاحه كان سبب حفظ كنزهم وتأمين مستقبلهم، فأرحمهم وأجتهد.




    . ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾[الكهف:84]:
    التمكين منحة إلهية وعطية ربانية، وقد مكَّن الله لذي القرنين كما مكَّن لبعض أنبيائه ورسله مثل سليمان وداوود، ولم يمكِّن لبعض رسله كعيسي ويحيى وزكريا، وذلك لحكمة بالغة؛
    أن الأمر كله بيد الله، لا بيد أحد من الخلق.


    ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾[الكهف:87]:
    الربط بين العذاب الدنيوي البشري وعذاب الآخرة الأشد، يشكِّل عبرة لمن كان له قلب، وهو أسلوب يخاطب كل مؤمن بأن الدنيا ليست نهاية المطاف،وأن المحكمة ستنعقد للظالمين مرة أخرى في الآخرة.

    . ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾[الكهف:87-88]:
    وهنا يظهر أهمية مبدأ الثواب والعقاب، وما أجمَل أنْ نرصُدَ المكافآت التشجيعية والجوائز، ونقيم حفلات التكريم للمتميزين، فذلك مما يشعل روح التنافس بين المجتهدين.

    . ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف:89]:
    لابد من المداومة والمواصلة الرحلة لتحقيق الهدف، حيث لا راحة في الدنيا، والناس محتاجون لهداية هذا الدين وتعاليم رب العالمين.

    . ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾[الكهف:97]:
    هنا تبرز قيمة اإتقان العمل، والوصول إلى الجودة المطلوبة بنسبة 100%،فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه، وما استطاعوا كذلك أن يُحِدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته.

    . ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾[الكهف:97]:
    أراد يأجوج ومأجوج أن يصعدوا السدَّ صعودا فما ﴿اسْطاعُوا﴾، وأما حين أرادوا أن يُحدِثوا فيه نقبا فما ﴿اسْتَطاعُوا﴾،
    ومعالجة النقب أشدّ صعوبة من محاولة التسلق، ولذا جاءت زيادة المبنى إشارة لزيادة المعنى.

    . ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾ [الكهف: 98]
    كان ابتداء هذا الوعد يوم قال النبي ﷺ: «فُتِح اليوم من رَدْمِ يأجوج وماجوج مثل هذه، وحَلَّق بِأُصبعيه: الإِبهام والَّتي تليها».
    فهم ينحتون في الجدار، ويوم يأذن الله بالخروج سيكونون قد أتوا عليه.



    . وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)
    فيه قولان لأهل العلم:
    - القول الأول: أن هذا في الدنيا، وأنهم-أي: يأجوج ومأجوج- إذا خرب السد وجعله الله دكاً صار بعضهم يموج في بعض؛ لكثرتهم وإفسادهم في الأرض.
    - القول الثاني: أن هذا يوم القيامة، يعني: يموج الجن والإنس يوم القيامة.

    . وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)
    مما يردعك عن مواقعة معاصيك أن تذكر يوم العرض على النار، وأن تتصوَّرها تحت قدميك، يمر المؤمن على الصراط فيعبر، ويمر غيره عليه فيهوي في جهنم.

    . ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]
    في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
    «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة واقرأوا إن شئتم {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}».
    وذلك لأن أوزان القيامة إنما تثقل بالمعاني لا بالصور؛ فإذا كان صاحب جثة ضخمة وليس فيه من معاني الإيمان ما يثقِّل الميزان لم يكن له وزن.

    (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا )(106)
    ذكَر أبوهلال العسكري في الفارق بين السخرية والاستهزاء أن السُّخرية يسبقها عمل من أجله يُسخَر بصاحبه،
    أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك،
    وبذا يتضح حقارة الكافرين، فلم يكتفوا بكفرهم، بل أتبعوه باستهزائهم القائم على غير أساس.

    ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
    في الصحيحين: «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة». صحيح الجامع رقم: 2126

    . قال كعب: «ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر».
    . ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾[الكهف:109]:
    المداد: ما يُمِدُّ الدواة من الحبر، أي لو كتبت كلمات علم الله وكان البحر مدادا لها، لنفد البحر قبل نفاد علم الله، ولو جِئنا بمثله مدادا، وهذا مثل يشير إلى سعة علم الله، وقلة علوم العالمين في جنب علمه.
    . قال السعدي: «فلو جُمِع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته».

    .
    ﴿ﻭَﻟَﻢْ ﺃَﻛُﻦْ ﺑِﺪُﻋَﺎﺋِﻚَ ﺭَﺏِّ ﺷَﻘِﻴًّﺎ﴾[مريم: 4]:
    قال الإمام الرازي:
    «تعليم آداب الدعاء وهي من جهات.
    - أحدها: قوله: نداء خفيا وهو يدل على أن أفضل الدعاء أخفاه، ولأن رفع
    الصوت مشعر بالقوة والجلادة، وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار، وعمدة
    الدعاء الانكسار والتبري عن حول النفس وقوتها، والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه.
    - وثانيها: أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في قوله تعالى عنه: ﴿وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا﴾.
    - وثالثها: أن يكون الدعاء لأجل شيء متعلِّق بالدين لا لمحض الدنيا كما قال: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾ [مريم: 5].
    - ورابعها: أن يكون الدعاء بلفظ يا رب».

    . ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾[مريم: 5]:
    كان زكريا يخاف مما سيفعله أقاربه بعد موته من تضييع أمر الدين، وعدم القيام بحقه، فدعا الله بالولد، انظروا نيته في الإنجاب، وهمته العالية التي تناطح السحاب!

    . ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾[مريم: 6]:
    دعاء جامع!
    أي ترضاه أنت يا رب، ويرضاه عبادك دينا وخُلُقا وخَلْقا، أو يرضى هو بقضائك.

    . ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾[مريم: 7]:
    أي لم نُسَمِّ أحدا قبل يحيى بهذا الاسم، ومن تشريف الله له أنه لم يَكِل تسميته إلى أبويه، بل كانت تسميته من الله وحده.

    . ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾[مريم: 8]:
    قيل أن المراد باستفهام زكريا مع علمه بقدرة الله الاستعلام والاستخبار، لأنه لم يكن يعلم أن الله سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى.

    . ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾[مريم: 45]:
    تعريف قرآني للحب!
    الحُبُّ أن تخاف على من تُحِب من عذاب الله، أن يستوجبه بتفريط في واجب أو وقوع في ذنب.
    . ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف:84-85]:
    الأخذ بالأسباب واجب لمن أراد الوصول.
    جاء في تفسير الرازي:«السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة».

    . تكرَّر نفس القول ثلاث مرات:
    ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف:85]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف:89]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف:92]،
    ولاحِظ أن كل عبارة هي آية كاملة،
    لتأكيد أهمية الأخذ بالأسباب.

    . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)
    الظاهر أن هؤلاء كانوا من أهل الفترة،
    فألهم الله ذا القرنين أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فإما أن تعذب هؤلاء الكافرين بالقتل أو غيره، أو تتخذ فيهم أمرا حَسَنا، والأمر الحَسَن هو دعوتهم.

  25. #55

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾[الكهف:87]:
    الربط بين العذاب الدنيوي البشري وعذاب الآخرة الأشد، يشكِّل عبرة لمن كان له قلب، وهو أسلوب يخاطب كل مؤمن بأن الدنيا ليست نهاية المطاف،وأن المحكمة ستنعقد للظالمين مرة أخرى في الآخرة.

    . ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾[الكهف:87-88]:
    وهنا يظهر أهمية مبدأ الثواب والعقاب، وما أجمَل أنْ نرصُدَ المكافآت التشجيعية والجوائز، ونقيم حفلات التكريم للمتميزين، فذلك مما يشعل روح التنافس بين المجتهدين.

    . ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف:89]:
    لابد من المداومة والمواصلة الرحلة لتحقيق الهدف، حيث لا راحة في الدنيا، والناس محتاجون لهداية هذا الدين وتعاليم رب العالمين.

    . ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾[الكهف:97]:
    هنا تبرز قيمة اإتقان العمل، والوصول إلى الجودة المطلوبة بنسبة 100%،فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه، وما استطاعوا كذلك أن يُحِدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته.

    . ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾[الكهف:97]:
    أراد يأجوج ومأجوج أن يصعدوا السدَّ صعودا فما ﴿اسْطاعُوا﴾، وأما حين أرادوا أن يُحدِثوا فيه نقبا فما ﴿اسْتَطاعُوا﴾،
    ومعالجة النقب أشدّ صعوبة من محاولة التسلق، ولذا جاءت زيادة المبنى إشارة لزيادة المعنى.

    . ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾ [الكهف: 98]
    كان ابتداء هذا الوعد يوم قال النبي ﷺ: «فُتِح اليوم من رَدْمِ يأجوج وماجوج مثل هذه، وحَلَّق بِأُصبعيه: الإِبهام والَّتي تليها».
    فهم ينحتون في الجدار، ويوم يأذن الله بالخروج سيكونون قد أتوا عليه.



    . وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)
    فيه قولان لأهل العلم:
    - القول الأول: أن هذا في الدنيا، وأنهم-أي: يأجوج ومأجوج- إذا خرب السد وجعله الله دكاً صار بعضهم يموج في بعض؛ لكثرتهم وإفسادهم في الأرض.
    - القول الثاني: أن هذا يوم القيامة، يعني: يموج الجن والإنس يوم القيامة.

    . وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)
    مما يردعك عن مواقعة معاصيك أن تذكر يوم العرض على النار، وأن تتصوَّرها تحت قدميك، يمر المؤمن على الصراط فيعبر، ويمر غيره عليه فيهوي في جهنم.

    . ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]
    في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
    «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة واقرأوا إن شئتم {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}».
    وذلك لأن أوزان القيامة إنما تثقل بالمعاني لا بالصور؛ فإذا كان صاحب جثة ضخمة وليس فيه من معاني الإيمان ما يثقِّل الميزان لم يكن له وزن.

    (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا )(106)
    ذكَر أبوهلال العسكري في الفارق بين السخرية والاستهزاء أن السُّخرية يسبقها عمل من أجله يُسخَر بصاحبه،
    أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك،
    وبذا يتضح حقارة الكافرين، فلم يكتفوا بكفرهم، بل أتبعوه باستهزائهم القائم على غير أساس.

    ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
    في الصحيحين: «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة». صحيح الجامع رقم: 2126

    . قال كعب: «ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر».
    . ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾[الكهف:109]:
    المداد: ما يُمِدُّ الدواة من الحبر، أي لو كتبت كلمات علم الله وكان البحر مدادا لها، لنفد البحر قبل نفاد علم الله، ولو جِئنا بمثله مدادا، وهذا مثل يشير إلى سعة علم الله، وقلة علوم العالمين في جنب علمه.
    . قال السعدي: «فلو جُمِع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته».

    .
    ﴿ﻭَﻟَﻢْ ﺃَﻛُﻦْ ﺑِﺪُﻋَﺎﺋِﻚَ ﺭَﺏِّ ﺷَﻘِﻴًّﺎ﴾[مريم: 4]:
    قال الإمام الرازي:
    «تعليم آداب الدعاء وهي من جهات.
    - أحدها: قوله: نداء خفيا وهو يدل على أن أفضل الدعاء أخفاه، ولأن رفع
    الصوت مشعر بالقوة والجلادة، وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار، وعمدة
    الدعاء الانكسار والتبري عن حول النفس وقوتها، والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه.
    - وثانيها: أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في قوله تعالى عنه: ﴿وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا﴾.
    - وثالثها: أن يكون الدعاء لأجل شيء متعلِّق بالدين لا لمحض الدنيا كما قال: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾ [مريم: 5].
    - ورابعها: أن يكون الدعاء بلفظ يا رب».

    . ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾[مريم: 5]:
    كان زكريا يخاف مما سيفعله أقاربه بعد موته من تضييع أمر الدين، وعدم القيام بحقه، فدعا الله بالولد، انظروا نيته في الإنجاب، وهمته العالية التي تناطح السحاب!

    . ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾[مريم: 6]:
    دعاء جامع!
    أي ترضاه أنت يا رب، ويرضاه عبادك دينا وخُلُقا وخَلْقا، أو يرضى هو بقضائك.

    . ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾[مريم: 7]:
    أي لم نُسَمِّ أحدا قبل يحيى بهذا الاسم، ومن تشريف الله له أنه لم يَكِل تسميته إلى أبويه، بل كانت تسميته من الله وحده.

    . ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾[مريم: 8]:
    قيل أن المراد باستفهام زكريا مع علمه بقدرة الله الاستعلام والاستخبار، لأنه لم يكن يعلم أن الله سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى.

    . ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾[مريم: 45]:
    تعريف قرآني للحب!
    الحُبُّ أن تخاف على من تُحِب من عذاب الله، أن يستوجبه بتفريط في واجب أو وقوع في ذنب.

    . ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ [مريم: 47-48]:
    أقصى (عقوبة) -إن جاز التعبير- من الابن لأبيه –ولو كان كافرا محاربا- هو الدعاء له (وليس عليه) واعتزاله.

    . ﴿فَلَمَّا (اعْتَزَلَهُمْ) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (وَهَبْنَا) لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾[مريم: 49]:
    من تركَ شيئا لله عوَّضه الله خيرا منه، ومن خيرٌ من نبييْنِ مُرسلَيْن؟

    . ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾[مريم: 59]:
    قال ابن تيمية: «قيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها فقال: لو تركوها لكانوا كفارا».

    . ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾[مريم: 62]:
    ليس في الجنة ليلٌ ولا نهار، لكن المقصود مقدار البُكْرة ومقدار العشي من أيام الدنيا، أو وقت الغَداء ووقت العَشاء.

    . ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾[مريم: 64]:
    سبب نزولها أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟»، فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾.

    . ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾[مريم: 64]:
    كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟
    قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فلا أدري أنجو منها، أم لا؟



    ﴿واصطَبر لعبَادته ﴾ [مريم: 65]:
    زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، يعني: يصبر ثم يزيد فوق الصبر بالاصطبار، فالاصطبار للأشياء التي تتطلب استمرارا ومداومة وقوة، لأن الهمم قد تتثاقل عن أداء النوافل مع مرور الأيام.135

    . ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]:
    الجزاء من جنس العمل!
    من كان قائدا إلى الضلالة والإفساد اليوم، فهو قائد نفس الجمع إلى النار غدا ..

    . ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ [مريم: 72]:
    التقوى سبب النجاة من كرب النار، ومن باب أَوْلى النجاة من كُرَب الدنيا.

    . ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾[مريم: 76]:
    قال أبو الحسن المزيِّن: «الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ عقوبة الذَّنْب، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة».

    . ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾[مريم: 76]:
    قال ابن القيم: «فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرًّا، فتضاعف الربح، وتزايدت الحسنات».

    . ﴿فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا﴾ [مريم: 84]:
    فقط .. راقِب كيف ستكون نهاية الظالم!


    . ﴿إنما نعد لهم عدا﴾ [مريم: 84]:
    قرأ المأمون هذه السورة، فمرَّ بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: «إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد!».

    . ﴿إنما نعد لهم عدا﴾ [مريم: 84]:
    كان ابن عباس رضى الله عنهما إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: «آخر العدد خروج نفسك. آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك».

    . ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91]:
    الجمادات أعقل من بعض البشر! قال ابن عباس: «إن الشِّرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق، إلا الثقلين».

    ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]:
    في الحديث: «ما منكم من أحد إلا سيكلِّمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة».

    . ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾[طه:15]:
    لا إفلات من الحساب غدا، فمن أفلت اليوم من العقوبة، فقد تأخَّرت عقوبته إلى الآخرة، وهي لاشك عقوبة أشد وعذاب أعظم.

    . (هارون أخي .. اُشدُدْ به أَزري﴾ [طه: 30-31]:
    موسى وهو من أولي العزم من الرسل احتاج صاحبا يعينه، فكيف بك؟
    هل لك صاحب يعينك؟!

    . (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ﴾ [طه: 33-34]:
    هذه أسمى مقاصد الأخوة، وعلامات الحب في الله، أن تعين أخاك على طاعة الله وذكره.

    . (وألقيتُ عليك محبة مني) [طه: 39]:
    المحبة رزق رباني، وليس بحاجة لسبب، فموسى الطفل الرضيع لم يصدر منه ما يوجب المحبة، ومع ذلك أحبه كل من رآه. قال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه.

    . (وقتلتَ نفساً فنجّيناك من الغم) [طه: 40]:
    القاتل مغموم لا يفارقه غمُّه حتى يموت!

    . (قال لا تخافا إنني معكما) [طه: 46]:
    أعظم ما يطرد الخوف من قلبك استشعار معية الله ومعونته.

    . ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾[طه: 72]:
    لم يمض على إيمانهم سوى دقائق، ومع ذلك عرفوا حقيقة الدنيا، وحقارتها بجوار نعيم الآخرة.

    ﴿لا يموت فيها ولا يحيا﴾[طه: 74]:
    حياة أهل النار: لا مع الأموات فيستريحون، ولا مع الأحياء فيسعدون


    ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾[طه: 84]:
    قال ابن القيم: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال: إن رضا الرب في العجلة إلى أوامره».

    . ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم﴾[طه: 111]:
    والعاني هو الأسير، والعناء هو الذُلُّ، وتخصيص الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، وآثار الذل أول ما تظهر فيها، وهو تمثيلٌ لحال المجرمين يوم القيامة.

    ﴿فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾[طه: 112]:
    الفرق بين الظلم والهضم:
    أن الظلم يكون بمنع الحق كله، أما الهضم فهو منع بعض الحق،
    والآية بشَّرت المؤمنين أن الله سيوفّيهم أجورهم يوم القيامة دون أدنى نقص، فالتنكير في قوله ﴿ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ للتقليل..

    ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ﴾[طه: 113]:
    كرَّرنا ونوَّعنا ألوان الوعيد، وهذا من رحمة الله بعباده، ليزجرهم عن التمادي في العصيان، وفيه ردٌّ على من يجتنب من الدعاة خطاب الترهيب والوعيد.

    . ﴿وَصَرَّفْنَافِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ﴾[طه: 113]:
    قال السعدي: «أي: نوَّعْناها أنواعا كثيرة، تارة بذكر أسمائه الدالة على العدل والانتقام، وتارة بذكر المثلات التي أحلها بالأمم السابقة، وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة، وتارة بذكر آثار الذنوب، وما تكسبه من العيوب، وتارة بذكر أهوال القيامة، وما فيها من المزعجات والمقلقات، وتارة بذكر جهنم وما فيها من أنوع العقاب وأصناف العذاب».





    . ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾[طه: 114]:
    تمهل في قراءتك، وعلى رسلك، فلربما تجد في طيات حروفه رسالة ربانية خاصة بك، تشفي صدرك، وتمحو قلقك.

    . ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾[طه: 114]:
    كان ﷺ إذا ألقى عليه جبريل عليه السلام القرآن يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة خوفا أن يصعد عليه السلام ولم يحفظه صلّى الله عليه وسلّم، فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك،إذ ربما يشغل التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ونزل عليه أيضا ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.

    . ﴿وقل ربِّ زدني علما﴾[طه: 114]:
    من شرف العلم أن النبي ﷺ ما أُمِر بطلب الزيادة من شيء سوى العلم،
    وكان ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما».

    . ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: 114]:
    كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: «اللهم زدني إيمانا ويقينا».

    ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾[طه: 121]:
    تركُ المأمورِ أشدُّ خطرا مِن فعل المحظور؛ وفعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور، وذنبُ آدم عليه السلام كان بفعلِ المحظورِ، فكان عاقبته أن اجتباه ربُّه، فتابَ عليه وهدَى، وذنبُ إبليس كان بتركِ المأمور، فكان عاقبتُه ما ذكَر اللهُ سبحانه من معاقبته.

    ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾[طه: 123]:
    قال ابن عباس: «فضمِن الله لمن اتبع القرآن ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة».

    . ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾[طه: 124]:
    قال الإمام ابن كثير: «أي في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة».




    ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾[طه: 126]:
    النسيان في الآية هو الترك، أي تُترَك في العذاب وكأنك منسيٌّ.

    .﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾[طه: 130]:
    أرشد الله نبيه إلى ما يشرح صدره، ويجلو همَّه، ويفرِّج كربه.

    . ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[طه:
    131]: تشبيه الحياة الدنيا بالزهرة إشارة إلى قصر الدنيا ، فكم تعيش الزهرةقبل أن تذبل وتموت؟!

    . ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طه: 131]:
    مدُّ النظر هو تطويله فلا يكاد صاحبه يرده استحسانا للمنظور إليه، وإعجابا به، وتمنيا أن يكون له، فلا تمد نظرك لنعيم الدنيا، وانظر إلى ما زادك الله في الدين.

    . ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طه: 131]:
    كان عروة بن الزبير إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله،
    وهو يقرأ الآية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ..﴾،
    ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله، ويصلي.

    . ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾[طه: 131]:
    قال القشيري:«القليل من الحلال- وفيه رضاء الرحمن- خير من الكثير من الحرام والحطام، ومعه سخطه، ويُقال: قليلٌ يُشهِدك ربَّك خيرٌ من كثيرٍ يُنسيك ربَّك».

    . ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾[طه: 131]:
    سين: لم قال رزق ربك مع أن الرزق كله رزق الله؟!
    جيم: إضافة الرزق لله إضافة تشريف، وإلا فالرزق كله من الله، لكن رزق الكافرين والفاسقين لما صاحبه غضب الله ومخالفة أمره،جُعِل كالمنكور انتسابه إلى الله،
    وجُعِل رزق الله هو السالم من ملابسة الكفران والعصيان.

    . ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[طه: 132]:
    كان عمر بن الخطاب يصلى من الليل ما شاء الله أن يصليَّ حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: الصلاة، الصلاة،ويتلو هذه الآية:
    ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾.
    ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً﴾[طه: 132]:
    كان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصة (فقر) قال: قوموا فصلوا.. بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية».





  26. #56

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...











    الجزء السابع عشر






    . (اقترب للناس حسابهم):
    احذر .. الموت يقترب والغفلة كما هي.

    .(لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم):
    أي شرفكم وعزكم، يعلِّمنا الله أن العز الحقيقي بالقرآن والإيمان لا بالأموال والتطاول في البنيان والعمران.

    . ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم )
    بقدر عنايتك بالقرآن تزداد عزا وشرفا عند الله وعند الناس.

    ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾:
    الحق قذيفة تمزق الباطل وتُجهِز عليه، بشرط أن يكون الحق حقا كاملا، والباطل باطلا كاملا.

    (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ( ذكر ربهم ) معرضون):
    ذكر الله هو الذي يحفظك، ومن أعرض عن الذكر فقد نزع حماية الله عنه.

    . (مسني الضر):
    تعلم أدب الطلب وفن الخطاب، وكأنه قال لربه: علمه بحالي يغنيه عن سؤالي.

    ﴿ أني مسّني الضر ﴾ ؛ فنسب الضر والمرض للمجهول تأدباً مع الله،
    ولما أراد الخير نسبه إلى رحمة الله: ﴿ وأنت أرحم الرٰحمين﴾.

    ﴿أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ :
    قال ابن القيم: جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في المتملق له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنه أرحم الراحمين، والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته وهو فقره، ومتى وجد المبتلى هذا كشف عنه بلواه، وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما مع هذه المعرفة كشف الله ضره.
    قال النبي ﷺ : «ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا دعا به ففرِّج عنه؟دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» . صحيح الجامع رقم: 2605

    . (فنادى في الظلمات):
    في ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل،
    ومع هذا: (فاستجبنا له)..
    لا مستحيل مع الله!

    (وكذلك ننجي المؤمنين):
    ليست ليونس وحده، بل لكل مؤمن دعا بدعاء يونس، وافتقر افتقار يونس، ليس الدعاء كلاما باللسان بل حالا بالجَنان.

    ( لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين )
    صحّ عن حذيفة -رضي الله عنه- موقوفاً عليه: يأتي عليكم زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق .




    قال الله عن أهل الجنة: (ﻻ يسمعون حسيسها):
    فلا كدر للمؤمن في الجنة بأدنى صوت، فالجنة انتهاء الألم وانتهاء الحزن وانتهاء الهم ووانتهاء كل ما يمس راحتك.

    .(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)
    : قال ابن زيد: نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون.
    البلاء ليس بالضرورة أن يكون شرا، فالبلاء امتحان، فإن نجحت فيه كان خيرا، وإن لم تنجح كان شرا،
    ولما نجح إبراهيم في الامتحان كافأه الله بالإمامة:
    {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124]

    .﴿وَلَايَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾:
    قال قتادة: إن الكافر قد صُمَّ عن كتاب الله لا يسمعه، ولا ينتفع به، ولا يعقله، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان.

    .(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة):
    قال القرطبي: «أي زيادة، لأنه دعا في إسحاق، وزيد يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل»، فاصدق مع الله في الطلب، وسيعطيك فوق ما تمنيت.

    . (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ):
    كان بعض الصالحين يدعو: يا مُعلِّم إبراهيم علِّمني، ويا مفهِّم سليمان فهِّمني.

    .﴿وذِكْرى للْعابِدينَ﴾:
    لم خص العابدين بالذكر؟!
    قال ابن كثير: «وجعلناه في ذلك قدوة، لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا،
    وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك».

    . ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾:
    قال القرطبي: «ابتليناه ليعظم ثوابه غدا، ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي وتذكيرا للعباد، لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له -وهو أفضل أهل زمانه- وطَّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر».

    ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾:

    قال السعدي: «والجكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم».

    . ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾:
    المؤمنون غدا في أمان وبلا أحزان! قال ابن عباس: الفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث،
    وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار، وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو إذا أطبقت النار على أهلها، وذُبِحَ الموت بين الجنة والنار.

    . عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺخطيبا بموعظة، فقال: «يا أيها الناس .. إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا،
    {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104]».

    .﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر﴾:
    أتاك الذكر دون أن تتعب في الوصول إليه، وصلك وأنت متكئ على سريرك، أو مستريح على أريكتك، مع أنه الذي ينبغي أن يؤتى، وتُقطَع إليه المسافات،
    فأي تدليل وأي عناية؟!.

    . ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾:
    طلبوا منك آية كونية كالتي جاء بها الأنبياء الذين سبقوك، ولما لم يؤمن بها أقوامهم أهلكناهم، ولو أعطيناك نفس الآيات ولم يؤمن بها قومك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين،
    لذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نمنع عنهم ما طلبوه، وإلا هلكوا.

    . (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾:
    للإنكار أي أن الكافرين من أمتك- يا محمد- لن يؤمنوا بالخوارق التي طلبوها متى جاءتهم؛ لأنهم لا يقلون عتوا وعنادا عن الذين سبقوهم، فأهلكهم الله.

    .﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾:
    الباطل يحمل بذور فنائه! قال الآلوسي: «وفي (إذا) الفجائية، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ زَاهِقٌ﴾ من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى، فكأنه زاهق من الأصل».

    . ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ﴾:
    قال القرطبي: «نزلت حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بنى فلان،
    فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء قبلك يا محمد، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك».



    . ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾:
    للإنكار والنفي، ورحم الله الإمام الشافعى حيث قال:
    تمنى أناس أن أموت، وإن أمُتْ ... فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ
    فقل للذي يبغى خلاف الذي مضى ... تهيَّأ لأخرى مثلها، وكأن قد

    .﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾:
    قال سيد قطب: «إن الابتلاء بالخير أشد وطأة، فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير.
    كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة.
    كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل. وقليلون هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع.
    كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة، ولا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال».

    . ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾:
    لما ذكر الله المستهزئين برسوله ﷺ وقَع في نفوس الصحابة سرعة انتقام الله من المستهزئين، فأخبرهم بسنته في الإمهال، وأنه سيريهم آيات انتقامه وعلامات اقتداره على من خالف أمره وعصاه.

    . ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾:
    قال القرطبي: «يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة.
    وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله».

    . ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾:
    ذكر المفسِّرون رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع لداود: إن غنم هذا قد نفشت في حرثي، فلم تُبقِ منه شيئا، فحكم داود لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه في مقابل إتلافها لزرعه، ثم التقيا بسليمان- عليه السلام- فأخبراه بحكم أبيه، فدخل سليمان على أبيه فقال له: يا نبي الله، إن القضاء غير ما قضيت، ادفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها، وادفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليها حتى يعود كما كان، ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده، فيأخذ صاحب الزرع زرعه، وصاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت يا سليمان.

    .﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾:
    هو صاحب الحكم الأنسب في هذه القضية؛ لأن داود اتجه في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث، وهذا عدل فحسب.
    أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل البناء والتعمير، وهذا هو العدل الإيجابى في صورته الهادفة البانية.

    . ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾:
    مرَّ النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، فوقف واستمع إليه وقال: « لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود»، وفي رواية:
    «أما إِنِّي لو عَلِمْتُ بِمَكانِك لَحَبَّرْتُهُ لك تحبيرًا».
    والتحبير: التحسين والتزيين، وفي هذا جواز تحسين الصوت وتجويد التلاوة لأجل انتفاع السامعين.

    ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾:
    قال صاحب الكشاف: «فإن قلتَ: لم قدَّم الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق، رُوِيَ أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهي تجاوبه، وقيل: كانت تسير معه حيث سار».
    .قال صاحب الكشاف: «ألطف- أيوب- في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان- أى فئران- بيتي على العصى!! فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا» .


  27. #57

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...

    (وذكر للعابدين):
    وخص- سبحانه- العابدين بالذكرى، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحانا.
    ففي الحديث الشريف: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» .
    وفي حديث آخر: «يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه».

    . ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾:
    الكل سيرجع إلى الله تعالى ليجازيه بما يستحق يوم القيامة،
    وقد نفت الآية عن الأذهان ما قد يتبادر من أن هلاك الكافرين بالعذاب في الدنيا، قد ينجيهم من عقاب يوم القيامة.

    ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾:
    وفي إلقاء أصنامهم معهم في النار مع أنها لا تعقل، زيادة في حسرتهم وتبكيتهم، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ورائه المنفعة،
    فهو عذاب نفسي مع العذاب البدني الحسي.

    .﴿وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾:
    أي وهم في جهنم لا يسمعون ما يريحهم، وإنما يسمعون ما فيه توبيخهم وعذابهم..

    ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾:
    أخرج مسلم وأبو داودوالترمذي عن ثوبان قال:
    قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زويَ لي منها».

    . (وتتلقاهم الملائكة):
    حفل استقبال ملائكي يليق بأهل الجنة، جاري الإعداد له من الآن!

    .﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَر﴾:
    تنمحي كلمة الحزن من قاموس أهل الجنةابتداء من يوم القيامة ووصولا إلى حياة الأبد في الجنة.


    . ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾:
    قال ابن القيم:«عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته.أما أتباعه: فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة.وأما أعداؤه المحاربون له: فالذين عُجِّل قتلهم وموتهم خير لهم لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة.وأما المعاهدون له: فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته.وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الايمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم.وأما الأمم النائية عنه: فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع برسالته».

    .﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌعَظِيمٌ﴾:
    بدأت سورة الحج بذكر يوم القيامة؛ لأن الحج هو أشبه مشاهد الدنيا بيوم الحشر.

    ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾:
    قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم قيل مُرْضِعَةٍ دون مرضع؟
    قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى، والمرضع: التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة عن إرضاعها»

    .﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾:
    هناك ارتباط عكسي بين العلم والجدال، كلما قل (العلم) زاد (الجدال).

    .﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف...خسر الدنيا والآخرة﴾:
    حرف: أي على حال واحدة، فإذا تغيَّرت ترك ما كان عليه من عبادة ربه.

    .﴿يَدْعُوالَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾:
    قال ابن القيم: «إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمَّله ممن تعلق به وصل».

    . ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾:
    قرأها الفضيل بن عياض فبكى،
    وقال: «والله ما طمعوا في الخروج، وإن الأيدي لموثوقة، والأرجل لمقيدة، وكلما رفعهم لهيبها يصيرون في أعلاها، فردَّدهم الزبانية بمقامع من حديد إلى أسفلها».

    .﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً﴾:
    رجالا أي على أقدامهم، بمعنى مشاة، وليس المراد الذكور.
    قال ابن عباس: «ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، فإني سمعت الله يقول: ﴿يأتوك رجالا﴾».

    .﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾:
    ومن شعائر الله: المصحف، فلا تضعه على الأرض، ولا خلف ظهرك، ولا تضع فوقه كتابا، ولا تضع فيه ورقة هامة، فليس أهم منه.


    . ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾:
    ليس الوجوب الذي بمعنى الإلزام؛ بل المعنى: سقطت جنوبها بعد نحرها أي الإبل.

    .﴿وأطعموا القانع﴾:
    وهو الفقير المتعفف الذي لا يُعلَم حاله، فمن أعمال الاتقياء البحث عن الفقراء.

    . ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾:
    الله معك بقدر إيمانك، فالإيمان صمام أمان.

    .﴿ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮﺍ﴾:
    ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳدافع ﺍﻟﻠﻪ عنك، فما مصير من يعاديك؟!

    .﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾:
    قال ابن جزي: «نزلت في قوم من الأعراب، كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له ما يعجبه في ماله وولده قال:
    هذا دين حسن، وإن اتفق له خلاف ذلك تشاءم به، وارتدّ عن الإسلام».

    ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾:
    قال ابن جزي: «فيها إشكالان: الأول كونه وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضرّها أقرب من نفعها، فنفى الضرّ ثم أثبته،
    فالجواب: أن الضر المنفي أولا يراد به ما يكون من فعلها وهي لا تفعل شيئا، والضر الثاني: يراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره».

    ﴿والشمس والقمر والنجوم﴾:
    لم ذكر هذه الثلاثةا؟! ق
    ال ابن كثير: «إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فبيَّن أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة».

    . (اقترب للناس حسابهم﴾[الأنبياء 1]:
    احذر .. الموت يقترب والغفلة كما هي.

    . ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر﴾[الأنبياء: 2]:
    أتاك الذِّكر دون أن تتعب في الوصول إليه، وصلك وأنت متكئ على سريرك، أو مستريح على أريكتك، مع أنه الذي ينبغي أن يؤتى، وتُقطَع إليه المسافات،
    فأي تدليل هذا وأي عناية؟!.

    . ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾[الأنبياء: 3]:
    السير سير القلب، لو صفا لصفا العمل، ولو كان لاهيا لفسد العمل.

    . ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[الأنبياء: 3]:
    حين يعجز الجبان عن المواجهة، ويفشل عند التحدي، لابد وأن يلجأ إلى النجوى.

    سين: النجوى لا تكون إلا خفية، فما فائدة قوله: ﴿وأسروا﴾ النجوى.
    جيم: معناه: بالغوا في إخفائها، بحيث لا يفطن أي أحد لمناجاتهم.

    ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾[الأنبياء: 3]:
    كيف عرف النبي ﷺ ما أسرّوه في أنفسهم، وهو قولهم: ﴿هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾؟!
    والجواب: إن الله -الذي لا تخفى عليه خافية- أخبره،
    فكيف لم يؤمنوا بعدما شهدوا معجزة هذا الإخبار؟!


    ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[الأنبياء: 4]:
    اطلع الله على نجواهم، فأطلع عليها رسوله، فلم يتم لهم ما أرادوه من الإسرار من الكيد للإضرار،
    ولا عجب، فهو السميع لكل ما يتكلمون به، والعليم بما تنطوي عليه ضمائرهم.

    ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء:12]:
    الهروب من الموت، هل نجح فيه أحد؟!

    ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:14]:
    لا يندم ظالم إلا في الوقت الضائع، ولا يعرف الحق إلا عند نزول الموت.
    هل تتأخر توبتك حتى تعاين الموت؟!
    أتطول غيبتك حتى تكتمل خسارتك؟!
    ألا إن أشد بلاء أهل العصيان هو في حصول الإيمان بعد فوات الأوان.

    ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:15]:
    هول المفاجأة وشدة العذاب جعلتهم يستمرون في صيحة: ﴿يا ويلنا﴾، فلم تختص فقط بوقت الدهشة،
    بل رددها بهستيرية تنِمُّ على فزع شديد، ما أمكنهم النطق بها حتى تمام هلاكهم.

    . ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:16]:
    لم يخلق الله شيئا إلا لحكمة بالغة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.

    ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27]:
    كن ملائكيا! لا يعملون قط ما لم يأمر به الله، ولا يعشتغلون إلا بطاعته وتنفيذ أوامره، وتقديم ﴿بأمره﴾ على ﴿يعملون﴾ لإفادة القصر.

    . ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]:
    دليل على شفاعة الملائكة لأقوام، وأن الله يقبل شفاعتهم..
    اللهم اجعلنا منهم.

    ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 28]:
    ليس للملائكة ذنب ويخشونه، فكيف بأصحاب الذنوب؟!
    أصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذا خصَّ الله بها العلماء، ومن لم يعرف الله حقا فكيف يعظِّمه؟
    ومن لم يعظِّمه فكيف يخشاه؟!


    . ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32]:
    محفوظ عن السقوط على الأرض، أو أن تقع بعض أجرامها على الأرض، أو حفظناها من الانشقاق حتى ميعاد يوم القيامة، أو حفظناها من استراق الشياطين للسمع بالشُّهب الحارقة.

    . ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32]:
    كل سقف لابد له من أعمدة، لكن بناء السماء ليس له أي أعمدة! فكيف أعرضوا عن الإيمان بعد هذه الآية العظيمة؟!

    . ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32]:
    لو تأمل الناس في ما تكشفه وكالة الفضاء NASA كل يوم عن النجوم والمجرات، لآمنوا بخالق هذا الكون العظيم.

    . ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]:
    ما أجمل الْقَائِل:
    تَأمل سطور الكائنات فَإِنَّها .. إِلَى الْملك الْأَعْلَى إِلَيْك رسائلُ
    وَقد خطّ فِيهَا لَو تَأَمَّلت خطها: أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل

    ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]:
    قال ابن زيد: «نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون».

    ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]:
    البلاء ليس بالضرورة أن يكون شرا، فالبلاء امتحان، فإن نجحت فيه كان خيرا، وإن لم تنجح كان شرا، ولما نجح إبراهيم في الامتحان كافأه الله بالإمامة
    فقال: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: 124].

    ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: 36]:
    كل من استُهزِئ به لاستمساكه بالحق، فله نصيب من ميراث رسول الله ﷺ.
    . أن يهزأ أهل الباطل بأهل الحق، وأن يسخر السفيه من العاقل، فتلك والله أذية كبيرة، وقعها على صدور المؤمنين كوقع الصخر، لكن لنا تسلية بما جرى لرسول الله ﷺ.

    ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾[الأنبياء :37]:
    لما ذكر الله المستهزئين برسوله ﷺ وقَع في نفوس الصحابة سرعة انتقام الله من المستهزئين، فأخبرهم بسنته في الإمهال، وأنه سيريهم آيات انتقامه وعلامات اقتداره على من خالف أمره وعصاه.

    . ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء: 38]:
    استعجال العذاب واستبطاء وعد الله خصلة من خصال الكفار.


  28. #58

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...


    (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ[الأنبياء: 39-40]:
    رفَع الله الحزن عن قلب رسوله والتابعين له بأن كشف ما أعدَّه لصاحب الاستهزاء من العذاب الشديد.

    (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [الأنبياء: 40]:
    من صفات عذاب نار الآخرة: المباغتة! وفي الآية خوف وترقب وألم نفسي يفوق العذاب الحسي.
    . العقوبة إذا أتت فجأة كانت أشد، وسنّة الله في انتقامه من أعدائه أن يباغتهم وقتَ انغماسهم فى النِّعم.

    . (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ[الأنبياء: 41]:
    سبب ثان لرفع الحزن عن قلب رسول الله ؛ بعد استهزائهم به، وذلك بتسليته بما جرى للرسل من قبله، والإخبار عن عاقبة المستهزئين بهم،
    والمعنى: فكذلك سيحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.

    . (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ( ذكر ربهم ) معرضون[الأنبياء 42]:
    ذكر الله هو الذي يحفظك، ومن أعرض عن الذكر فقد نزع حماية الله عنه.

    (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ[الأنبياء: 50]:
    وَصْف الله للقرآن بأنه «مُبارَكٌ» هو إخبار عن دوامه وحفظه.

    . (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ[الأنبياء: 55]:
    هذه حياة أكثر البشر؛ يظنون الحياة لعبا ولهوا، ويتناولون أمر الدين بلا جدية، ووصل الأمر بالبعض أن تناول ثوابت الدين بالاستخفاف والمزاح،
    فحذارِ أن تكون منهم.


    . (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ[الأنبياء: 56]:
    أعرَضَ إبراهيم عن اتهامهم له بكونه من اللاعبين، ليعيد الحوار إلى جوهر القضية بإقامة البرهان على توحيد الله الذي خلق السماوات والأرض،
    بل وخلق حتى الأصنام التي يعبدونها بالباطل.

    (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ[الأنبياء: 57]:
    هذا فعل الواثق بربه، وعزم من وطَّن نفسه على مقاساة المكروه في سبيل نصرة دينه.

    . (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ[الأنبياء: 58]:
    الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الأقوال!
    كانت حيلة إبراهيم أن حطَّم الأصنام بفأسه إلا الصنم الأكبر، فلم يحطِّمْه، لعلهم إليه يرجعون، فيسألون الصنم: كيف لم تدفع عن إخوانك الصغار؟!

    . (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ[الأنبياء: 59]:
    أصنام كثيرة في أعراف الناس تحتاج اليوم إلى تحطيم، لكنها تحتاج لصاحب حجة قوية، وجدال عقلي، وإقناع منطقي.

    . قال ابن عباس: «ما أرسل الله نبيا إلا شابا. ثم قرأ:
    (سمعنا فتى يذكرهم).


    . (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)[الأنبياء :69]:
    أتى جبريل- عليه السلام- إلى إبراهيم، فقال له: ألك حاجة؟
    فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم!!
    . (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[الأنبياء :69]:
    قال ابنُ عطاء:
    «وكنْ أَيُّها الأَخْ إبراهيميّاً إذْ زُجَّ به في المنجنيق، فتعرَّض له جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي، فبلى.
    فانظرْ كيف رفع هِمَّتَهُ عن الخلق، ووجَّهَهَا إلى الملك الحقِّ، فلم يستغث بجبريل، ولا احتال على السؤال،
    بل رأى رَبَّهُ تعالى أقربَ إليه من جبريل ومن سؤاله، فلذلك سَلَّمَهُ من نمرودَ ونكاله، وأنعم عليه بنواله وأفضاله».

    (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ[الأنبياء: 70]:
    من حفر لأولياء الله حفرة وقع فيها، ومن كان مشغولا بالله لم يتولَّ الانتقام عنه إلا الله.

    . (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء: 71]:
    هي أرض الشام.
    قال القرطبي: «بورِك فيها بكثرة الأنبياء، وإنزال الشرائع التي هي طريق السعادتين، وبكثرة النعم والخصب والثمار وطيب عيش الغنيِّ والفقير».

    (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة[الأنبياء: 72]:
    قال القرطبي: «أي زيادة، لأنه دعا في إسحاق، وزيد يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل»،
    فاصدق مع الله في الطلب، وسيعطيك فوق ما تمنيت.

    وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا[الأنبياء: 74]:
    حكمةٌ تهديه إلى ما يجب فعله أو تركه، وعلما كثيرا لما ينبغي علمه وفهمه، ومن أوتي حكمة وعلما، فقد حاز بعض ميراث النبوة.

    . (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ[الأنبياء: 74]:
    قرية سدوم هي القرية التي كانت تعمل الأعمال الخبيثة، وعلى رأسها الشرك بالله، وقطع الطريق، لكن الذنب الأشهر: فاحشة قوم لوط.

    (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ[الأنبياء: 75]:
    الصلاح سبب النجاة!
    والرحمة هنا هي إنجاؤه من قومه بفضل صلاحه.

    . (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ[الأنبياء: 76]:
    دعوة صادقة من قلب خاشع كانت سبب النجاة من هذا الكرب العظيم.

    (فاستجبنا)
    الاستجابة أمر محسوم لكل داع الصادق، لكن متى وكيف؟
    الله وحده أعلم وأحكم في تدبيره؛ وتدبيره كله خير.

    . (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء 90]:
    جاءت هذه الآية بعد ذكر دعاء الأنبياء واستجابة الله لهم، إرشادا لنا إلى طريق إجابة الدعاء الذي سلكوه: المسارعة إلى الخيرات، مع الدعاء وخشوع القلب.

    . (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا[الأنبياء: 91]:
    كانت مريم صوامة قوامة، لكن الله أخبرنا هنا أن أعظم كراماتها: عفتها، فلتفاخِر بوسام العفة كل فتاة مؤمنة.

    . (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 91]:
    أما مريم فآياتها ظهور الحمل من غير زوج، وأن رزقها كان يأتيها من الجنة عن طريق الملائكة.
    وأما آيات عيسى، فكلامه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغيرها.

    . (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[الأنبياء: 92]:
    الرابطة الأولى التي تربطنا جميعا: رابطة الدين. قال ابن عباس: «دينكم دين واحد».

    . (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ[الأنبياء: 93]:
    كان مقتضى السياق أن يُقال: (وتقطعتم)، إلا أن الكلام صُرِف إلى الغيبة عن طريق الالتفات، كأن الله يقص ما أفسدوه على الآخرين، ويقبِّح عندهم أفعالهم،
    ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكبوه! جعلوا أمر دينهم بينهم قِطَعا وتفرَّقوا فيه، كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسِّمونه.

    . (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ[الأنبياء: 94]:
    عمل الصالحات الذي ينفع في الآخرة هو ما صاحَبه الإيمان، وأما العمل الصالح للكافر من صدقات وأعمال بِرٍّ، فينال أجره عليه في الدنيا، ولا يجد منه في الآخرة شيئا.

    . (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء: 94]:
    تسجيل الملائكة لعملك الصالح عملية في غاية الدقة، فلن يبخسك الله من حقك مثقال ذرة، ليُثيبك عليه أحوج ما تكون إليه.

    . (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء: 96]:
    لا أحد يعلم أين هم الآن؟! فقد حجبهم الله منذ عهد ذي القرنين، لكنهم موجودون يقينا لأن الله أخبرنا بهذا.
    . في الكلام بلاغة بالحذف، أي حتى إذا فُتِح سد يأجوج ومأجوج. قال ابن عباس: «من كل شرَف يُقبِلون»، أي لكثرتهم يخرجون من كل ناحية، والحدَب هو ما ارتفع من الأرض.

    . (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [الأنبياء: 97]:
    أي يوم القيامة، أو وعد الله بدكِّ سدِّ يأجوج ومأجوج، وخروجهم على الناس، فلا يخلف الله وعده مهما تأخَّر، ولا يكون إلا ما وعد الله أن يكون.

    . (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا[الأنبياء: 97]:
    شخصت أبصارهم كما يقع للمبهوت، وسببه رؤية ما لم تتوقعه، ولم يحسبوا حسابه، حتى لم يستطِع أحدٌ منهم حتى أنْ يطرف بجفنه، فما أقساها من لحظة على أصحابها.
    . (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ[الأنبياء: 97]

    . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ[الحج: 1]:
    بدأت سورة الحج بذكر يوم القيامة؛ لأن الحج هو أشبه مشاهد الدنيا بيوم الحشر.

    . (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[الحج: 5]:
    استدلال بمشهد واقعي حيَّ نراه جميعا عيانا؛ لتدلِّل على إمكان إحياء الأموات، مثل إنبات النبات.




    . (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الحج: 6]:
    قال ابن تيمية:
    «الله خلق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، ومن جعل شيئا من الأعمال خارجا عن قدرته ومشيئته، فقد ألحد في أسمائه وآياته».

    (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ[الحج: 19]:
    قال الآلوسى: «وكأنه شبَّه إعداد النار المحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم، ففي الكلام استعارة تمثيلية تهكمية، وليس هناك تقطيع ثياب ولا ثياب حقيقة، وكأن جمْع الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوق بعض، وعبَّر بالماضي ï´؟قُطِّعَتْï´¾، لأن الإعداد قد وقع».

    . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ[الحج: 20]:
    من فرط حرارة الحميم يؤثِّر في باطنهم نفس تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم.

    . وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ[الحج: 21]:
    إحباط كل محاولات الهروب من النار! كلما أرادوا الهروب من جهنم، ضربت الخزنة رؤوسهم بها حتى تردَّهم إليها.
    هذه بتلك! طابت أقوالهم في الدنيا، فطاب أقوالهم يوم القيامة، حتى قالوا على أبواب الجنة:
    (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ)

    . وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ[الحج: 26]:
    شارِك في تطهير البيت الحرام إن قمتَ بزيارته! وتطهير البيت هو من كل خبث معنوي كالبدع والمعاصي وظلم الناس وبث الخصال الذميمة، ومن كل خبث حسي كالأقذار ونحوها، ليكون مجهَّزا للطائفين والقائمين فيه.

    . وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً[الحج: 27]:
    رجالا أي على أقدامهم، بمعنى مشاة، وليس المراد الذكور.

    . يا كل داعية صادق:
    ألا تشعر بالفخر أنك تسير في موكب العظماء من سادة الأنبياء، فيه نوح وإبراهيم وموسى وكثيرون ممن سار في نفس الطريق الذي تسير فيه اليوم،
    فيا لروعة هذا الشرف والمجد!

    . فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ[الحج:44]:
    في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: «إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلِتْه». صحيح الجامع رقم: 1822

    . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78]:
    قال الحسن البصري: «إن الرجل ليجاهد فِي الله حق جهاده وَمَا ضرب بِسيف». ويعني بها جهاد الحجة والبيان.

    . هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا[الحج:78]:
    فهم الكثيرون خطأ أن إبراهيم عليه السلام هو الذي سمانا المسلمين، والصحيح أن الله هو سمانا المسلمين من قبل نزول هذا القرآن في ملل الأنبياء المتقدمين والكتب السابقة: الزبور والتوراة والإنجيل، وسمانا كذلك مسلمين في هذا القرآن.

    . هو اجتباكم[الحج:78]:
    اصطفانا نحن أمة محمد، فكنا خير الأمم، ونبينا خير الأنبياء، وديننا أتم الأديان وآخرها، وفي مقابل هذا التشريف كان التكليف، والتكليف هو دعوة الناس وأن نكون شهداء عليهم.

    . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[الحج: 78]:
    هذه الآية أصل قاعدة فقهية هامة وهي: (المشقة تجلب التيسير).

    . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[الحج: 78]:
    رحم الله الإمام القرطبي حين قال: «رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السُّرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين».





  29. #59

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...






    الجزء الثامن عشر

    المؤمنون آية 1 إلى الفرقان آية 20
    1. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 2 - 4]:
    أدرج الله الإعراض عن اللغو بين ركنين من أركان الإسلام، وهما الصلاة والزكاة، وهذا دليل على أهمية الإعراض عن اللغو.
    2. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]:
    قال ابن الجوزي:
    «وفي المراد باللغو هنا خمسة أقوال: أحدها: الشِّرك، والثاني: الباطل، والثالث: المعاصي، والرابع: الكذب، والخامس: الشتم والأذى، واللغو: كل لعب ولهو، وكل معصية فهي مطَّرَحة مُلغاة، فالمعنى شغلهم الجِدُّ فيما أمرهم الله به عن اللغو».
    3. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]:
    ومن اللغو: تكلم الرجل في ما لا يعنيه، ومنه الخوض في ذكر أخبار الفجار والفجور، ومنه التوسع في الحديث لغير حاجة.
    4. ﴿َالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5]:
    غضَّ البصر مفتاح حفظ الفرج، وبدء الوقوع في الزنا من نظرة.
    5. قال السيوطي في (الإكليل) : «في الآية تحريم النظر إلى النساء، وعورات الرجال، وتحريم كشفها».
    6. ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5]:
    غير ملومين، بل ومن المأجورين! قال رسول الله ﷺ: «وفي بُضْع أحدكم صدقة». قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». صحيح مسلم 3/82
    7. ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾[المؤمنون:11]:
    في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجَّر أنهار الجنة».
    8. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾[المؤمنون:12]:
    عرَّفك بأصْلِك كي لا تُعجِب يوما بعملِك!



    9. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾[المؤمنون:12]:
    هذا الحفظ في قرار الرحم آية من آيات الله، وهي أعظم من آية الخلق من طين، لذا أشار إليه بحرف: ﴿ثم﴾ إشارة للبُعْد.
    10. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[المؤمنون:14]:
    ما أطهر هذه القلوب! سمع عمر هذه الآيات حتى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فقال: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فتبارك اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
    11. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾[المؤمنون:15]:
    أين العتاة المتجبِّرون، أين الفراعنة المتكبِّرون، ما نفعتهم الأموال والحصون، وأتاهم ما هم عنه غافلون.
    12. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون:16]:
    ولم يَقُل بصيغة التأكيد: ﴿لتبعثون﴾ كما قال: ﴿لميِّتون﴾؛ لأن قضية البعث أوضح من أن يقف العقل فيها أو ينكرها، بحيث لا تحتاج إلى تأكيد، فعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد.
    13. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون:15-16]:
    يرى الإمام الرازي استعمال التأكيد في نزول الموت، لتمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنهم نزلوا منزلة المنكِرين للموت.
    14. ﴿وما كنا عن الخلق غافلين﴾[المؤمنون: 17]:
    ما كنا غافلين عن القيام بمصالحكم وحفظكم ولو مقدار لحظة، وإلا سقطت السماء عليكم فأهلكتكم، أو انقطع الهواء عنكم فاختنقتم، فما أشمل هذه العناية الإلهية التي تحفظ الكون من الزَّوال أو الاختلال.
    15. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾[المؤمنون:18]:
    قال ابن كثير: «بقَدَر: أي بحسب الحاجة، لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به».



    16. ﴿وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾[المؤمنون: 18]:
    هل شكرتَ نعمة الماء! قال الزمخشري: «فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيّدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها، إذا لم تشكر».
    17. ﴿الحمد لله الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[المؤمنون:28]:
    حمد الله على نعمة الإنجاء! ولم يقل: فقل الحمد لله الذي أهلك القوم الظالمين؛ لأن نعمة الإنجاء أتم.
    18. قال الخفاجي: «إشارة إلى أنه لا ينبغي المسرة بمصيبة أحد ولو اعتدوا، من حيث كونها مصيبة له، بل لما تضمنته من السلامة من ضرره، أو تطهير الأرض من وسخ شركه وإضلاله».
    19. ﴿وقل رب أنزلني منزلا مباركاوأنت خير المنزلين﴾[المؤمنون: 29]:
    قال القرطبي: «فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوا. روي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين».
    20. ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾[المؤمنون:36]:
    أنكروا قدرة الله على إحياء الموتى، ونسوا أنه خلقهم أول مرة، وأنشأهم من العدم، فإعادته لهم بعد البلى أهون عليه، وكلاهما هين لديه، فلِمَ لا ينكرون أول خلقهم حتى يسلم لهم إنكار بعثهم؟.
    21. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[المؤمنون: 55-56]:
    كل نعمة تباعد عن ربك ليست خيرا، بل شر! الخير هو ما قرَّبك من الله.
    22. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾[المؤمنون:57]:
    قال الحسن البصري: «إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنا».
    23. {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60]:
    قال الحسن: «لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن تُردَّ عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذَّبوا عليها».






    الجزء الثامن عشر

    المؤمنون آية 1 إلى الفرقان آية 20
    1. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 2 - 4]:
    أدرج الله الإعراض عن اللغو بين ركنين من أركان الإسلام، وهما الصلاة والزكاة، وهذا دليل على أهمية الإعراض عن اللغو.
    2. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]:
    قال ابن الجوزي:
    «وفي المراد باللغو هنا خمسة أقوال: أحدها: الشِّرك، والثاني: الباطل، والثالث: المعاصي، والرابع: الكذب، والخامس: الشتم والأذى، واللغو: كل لعب ولهو، وكل معصية فهي مطَّرَحة مُلغاة، فالمعنى شغلهم الجِدُّ فيما أمرهم الله به عن اللغو».
    3. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]:
    ومن اللغو: تكلم الرجل في ما لا يعنيه، ومنه الخوض في ذكر أخبار الفجار والفجور، ومنه التوسع في الحديث لغير حاجة.
    4. ﴿َالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5]:
    غضَّ البصر مفتاح حفظ الفرج، وبدء الوقوع في الزنا من نظرة.
    5. قال السيوطي في (الإكليل) : «في الآية تحريم النظر إلى النساء، وعورات الرجال، وتحريم كشفها».
    6. ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5]:
    غير ملومين، بل ومن المأجورين! قال رسول الله ﷺ: «وفي بُضْع أحدكم صدقة». قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». صحيح مسلم 3/82
    7. ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾[المؤمنون:11]:
    في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجَّر أنهار الجنة».
    8. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾[المؤمنون:12]:
    عرَّفك بأصْلِك كي لا تُعجِب يوما بعملِك!



    9. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾[المؤمنون:12]:
    هذا الحفظ في قرار الرحم آية من آيات الله، وهي أعظم من آية الخلق من طين، لذا أشار إليه بحرف: ﴿ثم﴾ إشارة للبُعْد.
    10. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[المؤمنون:14]:
    ما أطهر هذه القلوب! سمع عمر هذه الآيات حتى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فقال: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فتبارك اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
    11. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾[المؤمنون:15]:
    أين العتاة المتجبِّرون، أين الفراعنة المتكبِّرون، ما نفعتهم الأموال والحصون، وأتاهم ما هم عنه غافلون.
    12. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون:16]:
    ولم يَقُل بصيغة التأكيد: ﴿لتبعثون﴾ كما قال: ﴿لميِّتون﴾؛ لأن قضية البعث أوضح من أن يقف العقل فيها أو ينكرها، بحيث لا تحتاج إلى تأكيد، فعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد.
    13. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون:15-16]:
    يرى الإمام الرازي استعمال التأكيد في نزول الموت، لتمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنهم نزلوا منزلة المنكِرين للموت.
    14. ﴿وما كنا عن الخلق غافلين﴾[المؤمنون: 17]:
    ما كنا غافلين عن القيام بمصالحكم وحفظكم ولو مقدار لحظة، وإلا سقطت السماء عليكم فأهلكتكم، أو انقطع الهواء عنكم فاختنقتم، فما أشمل هذه العناية الإلهية التي تحفظ الكون من الزَّوال أو الاختلال.
    15. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾[المؤمنون:18]:
    قال ابن كثير: «بقَدَر: أي بحسب الحاجة، لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به».



    16. ﴿وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾[المؤمنون: 18]:
    هل شكرتَ نعمة الماء! قال الزمخشري: «فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيّدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها، إذا لم تشكر».
    17. ﴿الحمد لله الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[المؤمنون:28]:
    حمد الله على نعمة الإنجاء! ولم يقل: فقل الحمد لله الذي أهلك القوم الظالمين؛ لأن نعمة الإنجاء أتم.
    18. قال الخفاجي: «إشارة إلى أنه لا ينبغي المسرة بمصيبة أحد ولو اعتدوا، من حيث كونها مصيبة له، بل لما تضمنته من السلامة من ضرره، أو تطهير الأرض من وسخ شركه وإضلاله».
    19. ﴿وقل رب أنزلني منزلا مباركاوأنت خير المنزلين﴾[المؤمنون: 29]:
    قال القرطبي: «فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوا. روي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين».
    20. ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾[المؤمنون:36]:
    أنكروا قدرة الله على إحياء الموتى، ونسوا أنه خلقهم أول مرة، وأنشأهم من العدم، فإعادته لهم بعد البلى أهون عليه، وكلاهما هين لديه، فلِمَ لا ينكرون أول خلقهم حتى يسلم لهم إنكار بعثهم؟.
    21. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[المؤمنون: 55-56]:
    كل نعمة تباعد عن ربك ليست خيرا، بل شر! الخير هو ما قرَّبك من الله.
    22. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾[المؤمنون:57]:
    قال الحسن البصري: «إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنا».
    23. {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60]:
    قال الحسن: «لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن تُردَّ عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذَّبوا عليها».



  30. #60

    رد: جعلناه نوراً (خالد أبوشادي) متجددة...



    24. ( وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: 60]:
    قال القشيري: «يُخلِصون فى الطاعات من غير إلمامٍ بتقصير، أو تعريجٍ فى أوطان الكسل، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص، ثم يخافون كأنهم ألمّوا بالفواحش، ويلاحظون أحوالهم بعين الاستصغار، والاستحقار، ويخافون بغتات التقدير، وقضايا السخط».
    25. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: 60-61]:
    هناك ارتباط وثيق بين الخوف والمسارعة إلى الخيرات، فالخوف سوط دافع إلى كثرة العمل.
    26. ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[المؤمنون:62]:
    ادعُ ربك أن يقوِّي ظهرك، لا أن يخفِّف حملك.
    27. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[المؤمنون:62]:
    يجب ألا تمر سيئاتك بذاكرتك مرورا عابرا، فغدا ترى لكتابك لسانا ناطقا يشهد عليك، ويتكلم بما عملت بكلتا يديك.
    28. لولا غفلة قلوبنا عن مراقبة الله لنا، لما خوّفنا بكتابة الملَائكة لأعمالنا، فاللهم انتشِلنا من بئر غفلاتنا.
    29. ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾[المؤمنون:87]:
    ما التقوى؟! قال الإمام أحمد: «التقوى هي ترك ما تهوى لما تخشى«.
    30. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾[المؤمنون: 88]:
    يُؤَمِّن الله مَنْ شاء من عباده، ولا يستطيع أحد أن يؤمِّن مَنْ أَخافَه الله.. أمانك بيد الله وحده!
    31. ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾[المؤمنون:89]:
    يَروْج الباطل على بعض الناس، فينجذبون إليه، وينشطون للترويج له والعمل له كأنهم مسحورون.
    32. ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[المؤمنون:94]:
    قال القرطبي: «وكان عليه السلام يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع هذا أمره الرب بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره، وليكون في كل الأوقات ذاكرا لربه تعالى».



    33. ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[المؤمنون:94]:
    هذا يشبه ما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي:
    «وإذا أردتَ بقومٍ فتنة فتوفَّني إليك غير مفتون» سنن الترمذي رقم: 3233
    34. ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾[المؤمنون:95]:
    ما أيسره على الله: تعجيل عذاب من عاداه، ونصر وعُلُوِّ من والاه، وما نؤخِّره إلا لأجل معلوم.
    35. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾[المؤمنون: 96]:
    قال ابن عقيل: «ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر، فليس بمنافق لكنه يستصلح ألا تسمع إلى قوله سبحانه وتعالى: {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34]
    فهذا اكتساب استمالة، ودفع عداوة، وإطفاء لنيران الحقائد، واستنماء الود، وإصلاح العقائد، فهذا طب المودات واكتساب الرجال».
    36. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾[المؤمنون: 96]:
    قال أنس بن مالك: «يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه، فيقول له: إن كنت كاذبًا، فإني أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقًا فإني أسأل الله أن يغفر لي».
    37. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾[المؤمنون:97]:
    استعاذة بالله من أصل الشرِّ كله، ويدخل فيها الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان ووساوسه، وإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر، سلم من كل الشرور، ووُفِّق لكل خير.
    38. في الحديث:
    «إذا فزِع أحدكم من النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره». صحيح الجامع رقم: 701

    39. ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾[المؤمنون:106]:
    نطقوا بالحق، لكن للأسف! يومَ لا ينفع الإقرار، ولا تُقبَل الأعذار!




    40. التعلل بالأقدار وسوء الحظ هو سمة الفاشلين من أهل الدنيا ومن أهل الآخرة.
    41. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾[المؤمنون:107]:
    معلوم أن ردَّهم إلى الدنيا لا يكون، لكن الله علم أنه لو كان، فكيف كان يكون.
    42. ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾[المؤمنون:108]:
    انقطع عند ذلك الدعاء، وتبدد الرجاء، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وأطبقت عليهم النار فهم فيها يتصارَخون.
    43. قال عبد الله بن عمرو : «إن أهل النار نادوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قال: فخلى عنهم أربعين عاما ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]. فقالوا: ﴿رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] قال: فخلى عنهم مثل الدنيا ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. قال: فلم ينبس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق».
    44. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾[المؤمنون:109]:
    احفظ هذا الدعاء القرآني، وحفِّظه أولادك، وحافِظ عليه
    45. في الآية إشارة إلى مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، كأن يقول العبد مثلا: اللهم بإيماني بك، واتباعي لرسولك اغفر لي وارحمني.




    46. ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[المؤمنون:114]:

    ما علموا حقارة الدنيا إلا بعد أن عاينوا أهوال الآخرة!
    47. الدنيا مهما طالت وطابت قليلة بالإضافة إلى خلود الآخرة، فكيف لو كان هذا الخلود في أصل العذاب؟!
    48. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾[المؤمنون:116]:
    التعالي هو المبالغة في العلو، وقد تعالى الله عن الولد والشريك، وتعالى عن أن يخلق شيئا عبثا، وتعالى أن يقضي أمرا لغير حكمة، وتعالى عن أي ظن باطل يظنه الخلق به ويقدح في حكمته.
    49. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾[المؤمنون:116]:
    وإذا سألت: ما الدليل على هذا العلو أو ما أسبابه؟!
    فالجواب: انفراده بالألوهية، وبأنه مالك أعظم المخلوقات وهو العرش، وذلك من أعظم أدلة العظمة.
    50. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾[المؤمنون:116]:
    لماذا وصف الله العرش بأنه كريم؟ قال الإمام الرازي:
    «وإنما وصفه بالكريم؛ لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كراما».
    51. ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[المؤمنون:117]:
    قال الرازيّ: «نبَّه تعالى بالآية، على أن كل ما لا برهان فيه، لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد».
    52. ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾[المؤمنون:118]:
    قال الآلوسي: «وفي تخصيص هذا الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية ما فيه، وقد علم النبي ﷺ أبا بكر أن يقول نحوه في صلاته، فقد أخرج الشيخان عن أبى بكر  قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال له قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)».
    53. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾[النور: 4]:
    الرمي بالأقوال لا يقل خطرا عن رمي السهام.
    جراحات السنان لها التئام .. ولا يلتام ما جَرَح اللسان


    54. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾[النور: 4]:
    يستوي أن يكون المقذوف رجلا أو امرأة، فإن الحكم واحد، وإنما خصَّ المحصنات بالذِّكر، لأن قذف المرأة أشد ضررا من قذف الرجل.
    55. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[النور:17]:
    قال هشام بن عمار: «سمعتُ مالكا يقول: من سبَّ أبا بكر وعمر أُدِّبَ، ومن سب عائشة قُتِل لأن الله يقول: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين﴾، فمن سبَّ عائشة، فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل»، ويرى الشافعية أن ذلك ليس بكفر.
    56. ﴿ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾[النور:32]:
    لا تعارض بين الآية وبين حديث النبي ﷺ: «لا يقُل أحكم عبدي وأمَتي، وليقل: فتاي وفتاتي»، لأن النهي في الحديث أن يضيف السيد العبودية والأموة إلى نفسه على سبيل التعظيم والتكبر على مملوكه، وما في ذلك من إشعاره بالإهانة.
    57. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾[النور:32]:
    الأمر للوجوب. عن موسى بن أنس أن سيرين (وكان عبدا) سأل أنسا، المكاتبة - وكان كثير المال - فأبى، فانطلق إلى عمر ، فقال: كاتبه فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو عمر: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: 33] فكاتبه.
    58. ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾[النور:32]:
    النكاح من أسباب الغنى وسعة الرزق. قال بعض السلف: «التمسوا الغنى في النكاح».
    59. قال أبو بكر الصديق : «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، يُنجِز لكم ما وعدكم من الغنى. قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾[النور:32]».
    60. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾[النور:33]:
    بشرى للمتعففين! قال السعدي: «وعدٌ للمستعفف أن الله سيغنيه، وييسر له أمره، وأمرٌ له بانتظار الفرج، لئلا يشُقَّ عليه ما هو فيه».
    61. ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾[النور:33]:
    المكاتبة هي عقد عِتْق على مال يدفعه المملوك أقساطا أو دُفْعة واحدة. قال السَّعْدي: «في الكتابة تحصيل المصلحتين، مصلحة العتق والحرية، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه، وربما جَدَّ واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في رِقِّه».


    62. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾[النور:33]:
    فيه استحباب التخفيف عن صاحب الدَّيْن كما في التخفيف هنا عن العبد المكاتِب.
    63. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾[النور:33]: مالُك ليس مالَك، لكن مالٌ الله أعاره لك، ويسترده منك طوعا بالإنفاق أو كرها بالموت.
    64. ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[النور:33]:
    قال ابن كثير:
    «كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمَة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن».
    65. ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[النور:33]:
    المُكره لا مؤاخذة عليه! قال ابن عباس: «ولا تكرِهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله سبحانه لهن غفور رحيم، وإثمهنُّ على من أكرههن».
    66. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾[النور:34]:
    قال ابن تيمية: «من تدبَّر القرآن طالبا لهدى منه، تبيَّن له طريق الحق».










 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •