"الفتنة" لفظًا من ألْفاظ الوجوه والنَّظائر،
ذلك الذي يطلقون عليْه في الدراسات اللغوية الحديثة "متعدّد الدلالة".

من المعلوم أنَّ الألفاظ المتناظرة ذات الوجوه أو المعاني المتعدّدة شغلت القُدماء من المفسرين واللغويين، والآخرون من علمائنا أسْمَوها: المشترك، ولديْنا ضمن علوم القُرآن علم خاص، هو علم الوجوه والنَّظائر، فيه سلسلة من المؤلَّفات المستقلَّة، بدأت بِهارون بن موسى (ت 292هـ)، ولعلَّها لم تنتهِ بالسيوطي (ت 911هـ)، وقد عدُّوا للفتنة اثني عشر وجهًا (معنى) يقترب بعضُها من بعض، وينأَى بعضُها عن بعض، ويتعاوَر معنيان (بل أكثر) أحيانًا على اللَّفظ في السياق نفسه.

الفِتْنة إحراق كما ذكر الخليل، والفِتْنة أيضًا عذاب، والمسافة بين الإحراق والعذاب ليست بعيدة؛ قالوا في تفسير ﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ﴾ [الذاريات: 14]: عذابكم، وفي: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ [الذاريات: 13]: يعذبون، وفي ﴿ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ﴾ [النحل: 110]: عُذِّبوا.

ويلفت في الآية الأولى استخدام الذَّوق، وهو لفظ كثُر استعماله في القرآن مع العذاب - كما قال الرَّاغب - قال تعالى: ﴿ لِيَذُوقُوا العَذَابَ ﴾ [النساء: 56]، ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [السجدة: 20]، ﴿ فَذُوقُوا العَذَابَ ﴾ [آل عمران: 106]، ﴿ إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا العَذَابِ الأَلِيمِ ﴾ [الصافات: 38].

ذوْق العذاب وذوْق الفِتْنة لا يختلفان، على أنَّ الذَّوق يجري أيضًا مع الرَّحمة: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ﴾ [هود: 9]، هل أراد القرآن أن يشير من طرف خفي إلى أنَّ ذوق القليل من الفتنة (أو العذاب) فيه كفاية لشدَّته؟ أم أنَّ الذَّوق الذي هو للقليل يصلح أيضًا للكثير؟

والفتنة تعذيب (العذاب اسم للحدَث لا يجاوزه، أمَّا التعذيب ففيه التعدِّي والتجاوز)، قالوا في تفسير ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ ﴾ [البروج: 10]؛ أي: عَذَّبوهم.

والفتنة حيرة وضلال، وهما (الحيرة والضلال) نتيجة طبيعيَّة للإخفاق والغشّ في الاختبار، إنَّ الفاشلين لا بدَّ أن يضلُّوا، ويقعوا في حيرة: حيرة النَّدم على ما فات، وحيرة مواجهة عواقب ما جنَتْه الأيدي، لقد فسروا: ﴿ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ بأنَّه تعالى يريد: ضلالتَه، وقد تتجاوز الفتنة معنى الضَّلال لتصبح إضلالاً؛ ولهذا فسَّروا ﴿ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴾ [الصافات: 162]: بُمضِلِّين.

والفتنة كفر وترك، وهما أيضًا نتيجة للإخْفاق والفشل في الاختيار، ألا يذكِّرنا ذلك بكفر إبليس الذي فتنته نفسُه، وأعجبته عبادتُه وصلاته، فرفَض الانصِياع لأمْر الله بالسُّجود لآدم؟! وكما فتن إبليس نفسه فكفر، حكى الله عن فريق من النَّاس مثل ذلك؛ فقال: ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحديد: 14]؛ أي: كفرتم، وعن فريقٍ آخر: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ ﴾ [التوبة: 48].

والفتنة إثم، والفَرْق بين هذا الوجه أو المعنى وسابقه محكوم بالسياق، فعندما يكون الأمر صغيرًا فالفتنة إثم، وعندما يكون كبيرًا، فهي كفر وشرك، لقدِ استشهدوا لكوْن الفتنة إثمًا بقولِه تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [النور: 63] وبقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي ﴾ [التوبة: 49].

والفتنة قتل وهلاك،شيء آخر بين الكفر والشرك والإثم؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101]، وقال أيضًا: ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ [يونس: 83].

والفتنة صدٌّ وحيلولة بين الإنسان والحق، لماذا هي صدُّ؟ وما العلاقة بين الصدِّ والإحراق والاختبار؟ قد تنكشف العلاقة إذا نظرْنا إلى الفتنة من زاوية عكسيَّة، الفاتن فيها يريد أن يوقع السَّاعي إلى الخير في الشدَّة ليبعده عن مقصده؛ قال تعالى: ﴿ وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ [الإسراء: 73]، وقال: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ ﴾ [المائدة: 49]، إنَّهم (المشركين) يريدون أن يصدوا الرَّسول الكريم عن الاستمرار في رسالته، ويصرفوه عن المهمَّة التي كلَّفه به الله سبحانه، ولو حدث ما أرادوا لوقع في بلاءٍ ما بعده بلاء.

والفتنة عذر وعِلَّة؛ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ﴾ [الأنعام: 23]؛ أي: عذْرهم والسبب الذي يقدِّمونه.

وعَبَّر العسكري عن هذا المعنى (العذر) بـ (الجواب)، وفسَّر الآية: "إنَّهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسُّؤال، فلم يكن الجواب عن ذلك الاختِبار إلاَّ هذا القول".

والفتنة في النهاية جنون وغفْلة، وهو وجه قريب من الحيرة والضلال؛ لأنَّ الإخفاق في الاختبار قد يصل بالمخفِق إلى الجنون، وهذا ما فسَّروا به قوله تعالى: ﴿ بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ ﴾ [القلم: 6]؛ أي: الجنون.

والفتنة عبرة قال تعالى: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 85]، وقال أيضًا: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الممتحنة: 5]، قال العسكري في تفسير الآية الأخيرة: "أي: يعتبرون أمرهم بأمرِنا، فإذا رأَوْنا في ضُرٍّ وبلاء ورأَوْا أنفُسَهم في غبطة ورخاء، ظنُّوا أنَّهم على الحقِّ وأنَّنا على الباطل"، والعلاقة بين المعنيين (العبرة والاختبار) قريبة، فالفِتْنة أو الاختبار الواقع على المؤمنين سيكون بدوْرِه فتنة أو اختبارًا للكافرين؛ لأنَّهم سيتوهَّمون الأمور على غير حقيقتِها، فيظلُّون سادرين في غيِّهم.

وإلى هذه المعاني ثمَّة معانٍ، أو لنَقُل: إطلاقات أُخْرى؛ ففي العربيَّة: الفتنة تُطْلَقُ على الحرْب، وعلى الشَّيطان، وعلى الدِّرْهَم والدينار، إطلاقات تصبُّ كذلك في الكشْف عن وجه الفتنة.

إذا كانت الفتنة هي الحرب، فإنَّ الحرب تعني القتْل والخراب والدَّمار، وتستدعي الدَّمار والأشلاء وأمورًا أخرى كثيرة، وإذا كان الفتَّان هو الشيطان، فإنَّ لنا أن نتخيَّل ماذا يفعل رمز الشَّرِّ الَّذي عصى الله، وأقْسَم بعزَّة الخالق أن يكرِّس وجودَه للغَواية والإضْلال، وسوْق بني آدم إلى النَّار، وإذا كان الفتَّانان هُما الدِّرهم والدينار، فإن الاقتصاد بمعناه السيِّئ - أعني: التَّكالُب على جمع المال - يعني الصِّراع والاقتِتال والسَّطو، وأكْل الحقوق ونَهب خيرات الآخرين.

وبِهذه المعاني تخرج الفتنة من إهاب الاختِبار والابتلاء مجرَّدة لتقْفِز إلى الغشِّ والضعف والعجز، وسقوط الهمَّة وعدم الأهْلية والقدرة على تحمل المسؤوليَّة، مما يستوجِب المحاسبة والعقاب.

وقد تبتعد الفِتْنة عن الإحراق، وعن الابتِلاء، وعن الكُفْر والضَّلال، والحرْب وما إلى ذلك، لتصبح مجرَّد إعجاب، لا يجاوز ذلك إلى ما هو أبعد، فالجميل الذي يحرِّكك: فاتن، فحسب، ولا نظر إلى بعد الإعْجاب ممَّا قد يقع من فتنة وما قد تعنيه من عذاب أو ابتلاء... إلخ.

تلك بعض وجوه "الفتنة" كما صوَّرها القرآن الكريم، وفي لغة العرب، وسوف نضع خطَّين جديدين في اللَّوحة السَّوداء بالتلبُّث قليلاً عند ثلاث آياتٍ من الآيات وردت فيها كلمة "الفتنة"، أُولاها: ﴿ وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ [البقرة: 191]، ومثلها: ﴿ وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ [البقرة: 217]، وثالثتُها: ﴿ أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ [التوبة: 49].

الآيتان تقرِّبان الفِتْنة بكلمتين: القتْل، والسقوط، ويُمكن من خلالِهما أن نفهم الفتنة، والجدل بين الكلِمات الثَّلاث يضع صورة الفتنة في إطار جديد يقرِّبُها إليْنا أكثر.

الآية الأولى الفِتنة في كفَّة واحدة مع القتل، وعلى الرَّغم من قُبْح القتل وفظاعتِه واستنكاره في الرؤية القُرآنيَّة، حتَّى إنَّ آية أخرى تجعل قتل فردٍ واحدٍ يُوازي قتل النَّاس جميعًا، وقد جاءت هذه الآية عَقِيب الآيات التي تَحكي قصَّة ابنَي آدم: قابيل الذي قتل أخاه قابيل، وترتبط بها، تقول الآية: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ [المائدة: 32]، والقتْل كما يُفْهَم من آياتِ قابيل وهابيل نتيجته النَّار، وصاحبه ظالمٌ، وهو من الخاسرين النَّادمين.

والآية الثَّانية ترِد في سياق الرَّدِّ على سؤال المؤمِنِين للرَّسول الكريم عن جواز القتال في الأشْهُر الحرُم، وقد كان الجواب بالإيجاب، ذلك أنَّ عدم القِتال قد يؤدِّي إلى تَحقيق غرض المُشْركين، من فِتْنة المسلِمين في دينِهم، وصدِّهم عنه، تقول الآية: ﴿ يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة: 217].

إنَّ الفتنة التي تعني العوْدة إلى الكفْر هي أكبر وأشدُّ من القتْل، على كره القرآن لهذا القتْل وتقبيحه له، هذا المعنى تعضده آيتان أُخْريان يقرَّان الأمر بالقِتال لدرْءِ الفتنة والحيلولة دونَها؛ ﴿ وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 193]، ﴿ وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39]؛ ولأنَّ القتال ليس مقصودًا لذاتِه، فإنَّ الآيتَين تُختتمان: ﴿ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 193]، ﴿ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال: 39].

والظَّالمون هنا هُم أولئك الذين يريدون إطْفاء نور الله والقضاء على دينه، فإنِ انتفى ذلك منْهم لم تعد هناك مشروعيَّة للقتال؛ لأنَّ القتل جريمة كبرى في الإسْلام، والمهمُّ أن ينتهوا ويبقى أمر ما في نفوسهم لله، المطَّلع على سرائرهم.

لا شيء يزيد على القتل وسفك الدماء في المفهوم القرآني سوى الفِتنة، التي تعني الكفر أو الشرك أو العودة إليهما.

الآية الثالثة:﴿ أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ [التوبة: 49]، وفيها (سقطوا) لفظ يصوِّر لنا الفتنة وكأنَّها حفرة عميقة سقط فيها المنافِقون الَّذين تحدَّث عنهم القرآن، فنفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر، وقال عنهم: ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 45].

هؤلاء "يبغونكم الفتنة" (47)، و"ابتغوا الفتنة" (48)، وعلى الرَّغم من أنَّهم يكتمون ما ابتَغَوا ويبتغون، ويقول فريق منهم بألسنتِهم: "ائذَنْ لي ولا تفتنِّي" (49)، فإنَّهم كما قالت الآية: ﴿ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 49]، لقد سقطوا في الفتنة، وما الفِتْنة إلا جهنَّم التي أحاطتْ بِهم وبالكافِرين من كل جانب.

الفِتنة إحراق وعذاب وتعْذيب، وكفر وشرك وإثم، وقتل وهلاك وضلال.. إلخ، هذا صحيح؛ لكنَّ الفتنة قد تكون أيضًا سلامة ونعيمًا وإيمانا (ظاهريًّا) وثوابًا وهداية.

الفتنة تحتمل ذلك كله، وجوه ونقائضها، لكنَّها في النَّوع الأوَّل من الوجوه ظاهرة، قريبة، لا يكاد يختلِفُ فيها أو عليْها الناس، أمَّا في النَّوع الثاني فهي خفيَّة، بعيدة، لا يكاد ينتبِه إليْها معظم النَّاس أو حتَّى يلتفِتوا إليْها، المصيبة فتنة، والنعمة فتنة، الأولى ظاهرة، والثانية خفيَّة، وقلَّ من يصبر على الأولى، أو يتنبَّه للثَّانية، وينفذ إلى حقيقتها.

والإنسان أيضًا مصدر فتنة لنفسِه؛ ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحديد: 14].

وللفتنة مصادر متعدِّدة:
الله مصدر؛ ﴿ وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [طـه: 131].

والنَّاس (الآخرون) مصدر، والدُّنيا بما فيها مصدر، والشَّيطان مصدَر، ثمَّة فرْق بين فِتْنة وأُخْرى باعتِبار: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ﴾ [الأنعام: 53].

الفتنة من الله لا بدَّ أن تكون لحكمة، فالعبث لا يكون من الخالق، ذي الأسماء الحسنى والصفات العليا، والأفعال التي تليق به سبحانه، قد تخفى الحكمة لكنَّها أبدًا موجودة.

أمَّا فتنة الإنسان لنفسه وفتنة الدُّنيا، فأمر مختلف؛ إذِ الحكمة فيها منتفية غالبًا، وضعف النفس وأهواء البشر وأغراضهم، وبهارج الدنيا وخداعها - داخلةٌ في نسيج الأفعال وما توحي به.

أمَّا فتنة الشيطان (إبليس وذريته)، فهي شرٌّ صرف؛ ذلك أنَّه عدو لآدم وبنيه، وعداوته قديمة، بدأت بعصيانه أمر الله بالسُّجود لآدم، وستستمرُّ حتى قيام الساعة؛ ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ [الأعراف: 27]، الشيطان هو أعظم الفتانين الأشرار؛ لهذا كان من أسمائه "الفتان".

والناس - غالبًا - مغترُّون بالظَّواهر والألوان والأشْكال، قصيرو النَّظر - بِحُكم بشريَّتِهم - لا يروْنَ في المصيبة إلاَّ أذاها الآني، وألَمَها القريب، ولا يجِدون في النِّعْمة إلاَّ حلاوَتَها الحاضرة، ومتعتها الظَّاهرة، يبتهِجون بالامتلاك، ويسوءهم الفقْد، يسرُّهم العطاء، ويحزنُهم الأخذ، وقد يكون الامتِلاك والعطاء فقدًا وأخذًا، والفقد والأخْذ امتِلاك وعطاء.

الإيمان وحْده يضَعُ الحدود الفاصِلة بين الأشْياء، ويُعين المؤمِن على تجاوُز الظَّاهر، والقبض على الباطن، ذلك أنَّه - الإيمان - يحمِل معه أمرين: التَّسليم، والصَّبر، وبهذيْن تنكشِف وجوه الفِتَن وتسقُط القِشْرة الخارجيَّة، وتقع اليدُ على الجواهر لا الأعْراض، التَّسليم والصَّبر هما سلاح الأنبِياء عبر التَّاريخ البشري.

(3)
عمر الفتنة عمر الإنسان على وجْه الأرض؛ بل هو أقْدم، قبل أن يهبِط الإنسان كانت فتنته، فَتَنَه إبليس عندما أغْراه بالشَّجرة المحرَّمة، وزيَّن له أكْلَها ليكون من الخالِدِين، يوْمَها وجد نفسَه وزوْجَه عارِيَين، العِصْيان في جوهره عُرْي؛ لأنَّه خروج من حظيرة طاعةِ المُنْعِم، وقبل فتنة آدَم كانت فتنة إبْليس نفسه، فتنة من نوْع آخَر، فتنة النَّفس والإعجاب بالطَّاعة، والابتزاز برداء الكبرِياء الَّذي يقصِم الله مَن يُنازِعُه فيه، الفِتْنة ذلَّة، وهي أيضًا ذلَّة، ومن الضَّروري أن تنتبِه إليها وتقوم منها، بالإنابة وعدم الإصرار، ذلك هو الفرق بين فِتْنة آدم وفتنة إبليس، أو معصية آدم ومعصية إبليس.

ومسلسل الفِتَن مستمرٌّ عبر التَّاريخ، بعد آدم جاءت فتنة ابنيه قابيل وهابيل، ومدخل الفتنة هذه المرَّة كان الحسَد، والنَّظر إلى ما في يد الأخ، وهكذا أراق قابيلُ دم هابيل ليؤسِّس شرعة القتل، ويبوء بإثم كل الذين قَتَلوا وكلِّ الذين قُتلوا من بعد.

أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - تعرَّض أيضًا للفتنة، بمعناها الحسِّي القريب - الإحراق - وما ترتَّب عليه من ابتلاء، لقد أوْقدوا له النَّار، ورمَوه فيها؛ ليَرُدُّوه عن التَّوحيد؛ لكن الله خرق له السُّنَن، وأبْطل قوَّة النَّار، فلم تُحْرِقه؛ ﴿ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ﴾ [الصافات: 97، 98]، ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 98، 69].

أمَّا محمَّد الرَّسول الخاتم، فقد تعرَّض لفتن كثيرة، حاولت قريْش فتنتَه بالمال والمُلْك ففشلت، وحاولت فتنتَه بالإيذاء والإخراج والقتْل فلَم تصِل إلى شيء، أجْمعت أمْرها، وبذلت كلَّ ما تستطيع، حتَّى إنَّ القرآن عبَّر عن ذلك بالقول: ﴿ وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ [الإسراء: 73]؛ ولكن أنَّى لها ذلك، ونور الله أقْوى من كيدها؟! وقد كان الله لها بالمِرْصاد، فحذَّر نبيَّه: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49].
(4)
ونحن اليوم نعيش فتنًا، لكنَّها فتنٌ ليْس لها من ملامح الفِتَن القديمة إلاَّ القليل.
(5)
الفتن اليوم شيء آخَر، صبغتْها العولمة بصبغتها، أصبحت أكثر قبحًا وشراسة، وتوحشًا وامتدادًا، واتِّساعًا وتعقدًا وتشابُكًا، العرب كانوا يقولون لـ "الحرب": فتنة، ويُطْلِقون على الدِّرْهم والدِّينار: الفتَّانين، وكان الشَّيطان عندهم فتَّانًا، هل نستطيع أن نُوازن بين حرب الأمس وحرب اليوم، حرب السَّيف والرُّمح والحصان والفيل، وحرْب الطَّائرات والصَّواريخ والقنابل الذَّكيَّة وما إلى ذلك؟ وأين يقع الدِّرْهم والدنيار في الماضي، من الاقتِصاد العالمي والشَّركات عابرة القارات والبنك الدولي؟ حتَّى الشَّيطان كانت أدواتُه بدائيَّة ساذجة إذا ما وضعتْ إلى جانب الأدوات التي أصبح يوظِّفُها اليوم.
عالَم اليوم يعيش فِتنًا كثيرة:
فِتنة الحروب التي لا تتوقَّف، تتزاحم تزاحمًا، ولا يحدُّها مكان، إنَّها لا تسكُتُ في مكانٍ إلا لتعوي في مكان آخر، ويرتفِع صوتها النشاز في غير مكان، في وقت آخر، وفتنة الظُّلم، والاضطهاد، والتفرِقة، والفساد، والإفساد، والظلم، والخداع، هي فتن قديمة؛ لكن العولمة جعلت منها ظواهر عامَّة وشاملة، وقبل ذلك منظَّمة ومقنَّنة، لها قوانين ولوائح ودساتير، وتضع أقنِعة دول ومؤسَّسات وبنوك ومراكز بحوث.

وثمَّة فتن جديدة: فتنة الاستِهْلاك، وفتنة المرأة، وهذه الأخيرة بمعنى استِغْلال المرأة واستنزافها واعتصارها لأغراض غير إنسانيَّة، وفتنة الإعلان، وفتنة الإعْلام الذي تحوَّل إلى ذراع لفئات أو شعوب تعيش على حساب فئات وشعوب أخرى، مستخدمًا سلاحَه في غسيل الأدمِغة وتسطيح العقول، وإلباس الخطأ لبوس الصَّواب والعكس، والكذب لبوس الصدق والعكس.

لكن ما ينبغي تأْكيدُه وسبَقَ الإلْماح إليْه هو أنَّ الفتنة ليستْ دائمًا شيئًا قبيحًا، حربًا أو شيطانًا، أو شيئًا ما محايدًا كالدِّرْهم والدِّينار؛ بل إنَّ لها وجوهًا عدَّة: المرأة وجه، والولد وجه، كما أنَّ فقده وجه، والعزُّ وجه، كما أنَّ الذُّلَّ وجه، والنَّعيم وجه، كما أنَّ الشَّقاء وجه؛ ولهذا قال الشَّاعر الجاهلي عمرو بن أحمر الباهلي:
إِمَّا عَلَى نَفْسِي وَإِمَّا لَهَا وَالعَيْشُ فِتْنَانِ فَحُلْوٌ وَمُرُّ
العيش فتنان: وجْهان، أو لونان، كل وجه، أو لون يمكن أن يدخل إلى الإنسان الامتحانُ عن طريقه، العبرة إذًا أبدًا بالمستهدف (المفتون)، أو الَّذي يمكن أن يتعرَّض للفتنة، كيف يتعامل مع هذه الوجوه؟ وكيف يزيح الأقْنِعة عن حقيقتها؟ فيدرك أنَّها زائلة، فلا يفْرَح فيطغى، ولا ييأَس فينكسر، تتساوى عنده الوجوه جميعًا، ولا ينخدع بها؛ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ [الحديد: 23].


شبكة الألوكة