﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

فالإيمان ليس كلمات تُقال، حتى تُتَرجَم إلى واقع عملي، واختار الله لاختبار الإيمان أعنف ساعات الحرج في النفس البشرية، وهي ساعة الخصومة التي تولد اللدد والميل عن الحق.
وإليك ملخص ما ساقه ابن القيم في هذه الآية من تأكيدات على وجوب تسليم العبد لحكم الله ورسوله:

1. تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي، والمتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه، وهو تأكيد مثل تصدير الجملة المثبتة بإن.
2. أقسم الله بأجلِّ مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان، حتى يحكِّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين.
3. أتى بكلمة التحكيم (يحكِّموك)، فكلام الله حكم ملزم، لا رأي نأخذ به أو لا نأخذ، ونعمل به أو لا.
4. لفظة «ما» دالة على العموم، وتقتضي وتوجب تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما تنازعوا فيه من الأمور الدقيقة والجليلة.
5. جاء بلفظ (حتى) المشعر بأنه لا وجود للإيمان إلا (بعد) حصول التحكيم.
ولم يُثبِت لهم الإيمان بمجرد التحكيم حتى يقابلوا حكم رسول الله بأمرين:
7. انشراح صدورهم بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجاً - وهو الضيق - من حكمه، بل يقبلوه بانشراح صدر، فكم من حزازات في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص الشرعية، وبودِّهم أن لو لم ترِد أصلا؟
وأتى به نكرة (حرجا) في سياق النفي، أي لا يجدون أي نوع من أنواع الحرج البتة.
8. التسليم والرضا وعدم معارضته بعقل ولا رأي ولا هوى، وهذه درجة فوق انتفاء الحرج، إذ قد ينتفى الحرج عنه في تحكيمه، لكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضا بحكم الله ورسوله.
9. وأكَّد فعل التسليم بالمصدر المؤكد (تسليما).
ولاحظ أن فرض تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسقط بموته، بل هو ثابت بعد موته كما كان ثابتا في حياته.

والآية تعرض لثلاث مراتب للعبودية:
الأولى التحكيم.
والثانية والأعلى منها: سعة الصدر بانتفاء الحرج.
والثالثة والأعلى من الجميع: التسليم.
فالتحكيم: في مقام الإسلام.
وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان.
والتسليم: في مقام الإحسان.

وعملك بهذه الآية معناه أنك إذا وجدت من نفسك خللا يتعلق بهذه المراتب الثلاثة فصحح إيمانك، وعالج قلبك.
ومن أراد أن يعلم مقامه عند الله، فلينظر في حاله، وليطالع حال قلبه عند ورود حكم من أحكام الله على خلاف هواه، ليعلم أي المقامات بلغ: الإسلام أم الإيمان أم الإحسان.



خالد ابو شادى