في ذكرى النكبة نتذكر دور أنظمة الحكم في بلاد العرب في التآمر على فلسطين
بقلم : عزام التميمي


كثيرا ما يزعم الصهاينة بأن "إسرائيل" هي الديمقراطية الوحيدة في محيط من الدكتاتورية، والحقيقة هي أن "إسرائيل" لم تزل حليفاً للدكتاتورية في العالم العربي لأن الأنظمة الدكتاتورية المستبدة هي التي توفر لها الحماية والأمن وراحة البال.


تعود جذور المشكلة الفلسطينية إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية، والذي كان بذاته واحداً من سلسلة من الأحداث الكارثية الكبرى التي ارتبطت بالحرب العالمية الأولى وما لبثت أن غيرت شكل الخارطة فيما بات يعرف بمنطقة الشرق الأوسط. وذلك أن القوى المنتصرة في الحرب تعاملت مع المناطق التي كانت ذات يوم جزءاً من الخلافة العثمانية كما لو كانت غنائم وأنفالاً تقاسمتها وحددت مصائرها، وهي المناطق التي أصبحت فيما بعد تعرف بالعالم العربي الذي انتهى به المطاف لأن يقسم إلى ما لا يقل عن عشرين كياناً سياسياً صممت على شكل ما عرفته أوروبا في تاريخها المعاصر من دول قطرية، يشار إلى كل واحدة منها بمصطلح “الدولة القومية”.


كل هذه الكيانات المصطنعة، فيما عدا فلسطين، أصبحت اسمياً دولاً مستقلة وذات سيادة، على الرغم من أن معظمها ظل منذ نشأته فاقداً للاستقلال وللسيادة. ومع أن هذه الكيانات سلمت بعد الاستقلال المزعوم إلى نخب محلية لتحكمها وتدير شؤونها، والتي ثبت مع الزمن أنها نخب ولاؤها لغير أمتها ولغير أوطانها، إلا أن ما يسمى بالمجتمع الدولي بعد الحرب الكبرى قرر وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيداً لتحويلها إلى كيان يهودي، أو وطن للشعب اليهودي زعماً بأن ذلك يمثل تعويضاً لليهود على ما تعرضوا له من قهر وتنكيل على مدى قرون على أيدي أوروبا المسيحية.


ويذكر أنه منذ الفتح الإسلامي لفلسطين في عام 637 ميلادية، لم تكن فلسطين في يوم من الأيام دولة قائمة بذاتها، بل كانت في أحسن أحوالها ولاية أو جزءاً من ولاية تابعة لكيان أكبر حكمته في أوقات مختلفة سلالات متعددة. وفيما عدا فترة وجيزة في تاريخ المنطقة، وتحديداً ما بين عام 1099 وعام 1291 ميلادية، وهي الفترة التي وقعت فيها فلسطين وأجزاء كبيرة من المنطقة فريسة للفرنجة (الصليبيين) الذين غزوها واحتلوها، كانت السلالات التي حكمت فلسطين مسلمة، وكانت باستمرار تحكم باسم الخلافة الإسلامية بشكل مباشر أو غير مباشر.


لم تكن رغبة القوى الغربية في تمكين الصهاينة من إقامة وطن لليهود في فلسطين ناجمة عن حالة من العطف أو التعاطف كما كانوا يزعمون. بل لقد كان حكام البلدان الأوروبية في حقيقة الأمر، وخاصة في بريطانيا، آنذاكصهاينة مسيحيين معادين للسامية. كان هؤلاء يكرهون اليهود ويرغبون في منعهم من اللجوء إلى بلدانهم في أوروبا الغربية هرباً من البطش والتنكيل الذي كان يمارس ضدهم في روسيا القيصرية. كان الصهاينة المسيحيون في ذلك الوقت، ومنهم زعماء بريطانيا لويد جورج وآرثر بلفور، يعتقدون بأن حمل اليهود على الهجرة إلى فلسطين خطوة ضرورية لتمهيد السبيل لعودة المسيح المخلص. ولكنهم كانوا أيضاً يعتقدون أن إقامة دولة يهودية في القلب من عالم عربي معظم سكانه من المسلمين سيمكنهم من استخدامها ككيان وظيفي يساهم في السيطرة على المنطقة وفي إعاقة نهضتها بعدما وصلت إلى الحضيض بعد انهيار الخلافة العثمانية.


من المفارقات العجيبة أن وعد بلفور الذي أعلن عنه في عام 1917 لم يعارضه داخل الحكومة البريطانية سوى الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة، وكان ذلك وزير الدولة لشؤون الهند إدوين مونتاغو، والذي كان يخشى – مثله في ذلك مثل السياسيين الآخرين الذين وقفوا في وجه الصهيونية – أن تؤدي الصهيونية التي ترعاها وتتبناها بريطانيا إلى تهديد الوجود اليهودي في مدن أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وإلى التحريض على اليهود وممارسة العنف ضدهم في البلدان التي كانت تقاتل بريطانيا أثناء الحرب الكبرى، وبشكل خاص داخل الإمبراطورية العثمانية.


ومن الحقائق التاريخية التي ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار في هذا الشأن أن اليهود الذين تبنوا مشروع إقامة وطن يهودي في فلسطين كانوا حينها شرذمة قليلة، وكانوا من اليهود العلمانيين، الذين كان كثير منهم على استعداد للتحول إلى المسيحية في سبيل تحسين أوضاعهم المهنية أو الاجتماعية في بيئة أوروبية شديدة التمييز ضد اليهود بل وشديدة العداء لهم. أما الغالبية العظمى من اليهود فكانوا يعارضون الفكرة الصهيونية إما لأنهم خشوا أن تكون مؤامرة على الوجود اليهودي في أوروبا بهدف التخلص منهم أو لأنهم – وانطلاقاً من عقيدة دينية متوارثة لديهم – كانوا يرون أن الهجرة الجماعية إلى “أرض الميعاد” قبل خروج “المخلص” (أو المسيح المنتظر) تعتبر تجديفاً وتحد لإرادة الرب الذي حكم بأن يبقى اليهود في شتاتهم إلى أن يظهر مخلصهم الذي سيقود عودتهم إلى أرض الميعاد في فلسطين.


لم يكن قيام دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948 ليتحقق لولا عاملين اثنين. أما الأول فهو صعود النازية. لم يكن كثير من اليهود في أوروبا ليقعوا في حبائل المشروع الصهيوني لولا ظهور هتلر وما نفذه من محرقة (هولوكوست) ضد اليهود. بل لا نبالغ حين نقول إن النازيين والفاشيين أثبتوا لليهود أن الصهاينة كانوا “محقين” في ادعائهم بأن أوروبا لم تعد وطناً آمناً لليهود. ما كانت إسرائيل لتقوم لولا هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين وعلى وجه السرعة، وهو الأمر الذي ما كان الصهاينة وحدهم قادرين على إنجازه، بل حاولوا منذ مطلع القرن العشرين وفشلوا فيه فشلاً ذريعاً، إلى أن جاء هتلر ومد لهم يد العون وحقق لهم في سنوات قليلة ما عجزوا عن تحقيقه عبر نصف قرن من الزمن.


وأما العامل الثاني فكان الدور الذي لعبته الدول العربية الحديثة. على الرغم من أن الجماهير العربية في المنطقة المحيطة مباشرة بفلسطين كانت لا تقل عن الفلسطينيين معارضة لإقامة دولة يهودية في فلسطين العربية والمسلمة، إلا أن الحكومات التي هيمنت على هذه الجماهير وحكمتها بالنار والحديد، ومارست ضد كل من عارضها البطش والتنكيل، قامت بدور الحارس الأمين للصهاينة بينما ذهبوا يمكنون لكيانهم ويوسعون استيطانهم، ووقفت متفرجة بينما كان الفلسطينيون يتعرضون للذبح والتهجير من ديارهم.


ومنذ ذلك الوقت وحتى زماننا هذا، ظلت هذه الأنظمة نفسها تقيد الشعوب التي تحكمها وتحاصر الفلسطينيين.


بشكل عام، لم تبذل الأنظمة السلطوية في أرجاء المنطقة جهداً يذكر في نصرة الفلسطينيين ومساعدتهم، بل لقد ساهم بعضها بشكل فعال في عملية تجريم وإحباط نضال الفلسطينيين في سبيل الانعتاق من الاحتلال الصهيوني.


لم توفر الأنظمة المستبدة جهداً في سبيل تقزيم قضية فلسطين وتهميشها، وهي القضية التي كانت في بداياتها قضية تهم العالم الإسلامي بأسره، فسرعان ما اختزلت لتصبح شأناً عربياً. ثم تداعت هذه الأنظمة البائسة في مؤتمر قمة جامعة الدول العربية المنعقد في الرباط في عام 1974 لتعلن أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فاختزلت القضية تارة أخرى إلى شأن فلسطيني تتحكم به حفنة من الفلسطينيين الذين لم ينتخبهم الشعب ولم يوكلهم، وما ذلك إلا تمهيداً لتسوية باسم الفلسطينيين تحققت في أوسلو عام 1993 حينما وقعت قيادة منظمة التحرير على اتفاق اعترفت بموجبه للكيان الإسرائيلي بشرعية الوجود على ما لا يقل عن ثلثي فلسطيني التاريخية بينما يبقى الثلث الأخير رهن الاحتلال والحصار على أمل أن يتصدق عليهم الاسرائيليون يوماً بدولة فلسطينية في ذلك الجزء.


وبذلك تنازلت المنظمة باسم الفلسطينيين – زوراً وبهتاناً وظلماً وعدواناً – ليس فقط عن حقوق الفلسطينيين بل وعن حقوق العرب والمسلمين في بقعة مباركة فيها قبلتهم الأولى وثالث مساجدهم التي تشد إليها الرحال، ومسرى رسولهم صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماء. إضافة إلى ذلك، ومن خلال توقيع معاهدات سلام مع الاسرائيليين، بدأت بمصر عام 1978 ثم منظمة التحرير في 1993 ثم الأردن في 1994، يكون العرب قد مهدوا الطريق لإضفاء مشروعية على وجود "اسرائيل" وظيفتها التي من أجلها أقيمت ابتداءً هي إحباط كل محاولة يبذلها العرب للنهوض والتقدم واستعادة الكرامة.


لم تعد تلك العلاقة الوطيدة بين الاستبداد في العالم العربي والاحتلال الاسرائيلي خافية على كثير من الناس، بل باتت تدركها بشكل جيد معظم الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. وغدا واضحاً أن الكيان الاسرائيلي هو أكبر المستفيدين من استمرار النخب المستبدة والفاسدة في الهيمنة على مقاليد الأمور والتسلط على الشعوب في العالم العربي. بمعنى آخر، كانت إسرائيل أكبر المستفيدين من حرمان العرب من أبسط حقوقهم الإنسانية، بما في ذلك حق اختيار حكامهم بحرية، وحق محاسبة هؤلاء الحكام واستبدالهم بشكل دوري، أي حق ممارسة الديمقراطية. ولقد تجلى الوعي بهذه الحالة بشكل غير مسبوق في شوارع المدن العربية عندما انطلقت الجماهير في ثورات الربيع العربي عام 2011 تهتف بصوت واحد موحد في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن والعراق: “الشعب يريد إسقاط النظام.. الشعب يريد تحرير فلسطين”.


ولذلك لم يكن عجبا أن شعرت "إسرائيل" بأن الثورات العربية جاءت لتهدد وجودها بنفس القدر الذي جاءت لتهدد وجود الطغاة الذين جثموا دهراً على صدور الشعوب الثائرة. كثيراً ما كان يزعم الصهاينة بأن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة التي توجد كجزيرة معزولة في محيط من الدكتاتورية، والحقيقة هي أن إسرائيل حليف قوي للدكتاتورية في العالم العربي لأن الأنظمة الدكتاتورية المستبدة هي التي ما فتئت توفر لها الحماية والأمن وراحة البال.


ولو أن الجماهير العربية كانت قادرة على انتخاب حكامها، لما حلمت إسرائيل بأن ترفع لها راية في أي مكان في العالم العربي، ولما تمكن لا سياسيوها ولا رياضيوها ولا رجال أعمالها وسماسرتها من الاستمتاع بحرية التجوال في عواصم العرب ثم التفاخر بأنه سواء قبل الفلسطينيون أم أبوا ها هم قد فتحت في وجوههم السبل ليلجوا إلى ديار المسلمين من أوسع الأبواب. ولهذا السبب، جمعت إسرائيل قواها وأبرمت تحالفاً استراتيجياً مع العائلات الحاكمة في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لقتل الربيع العربي ووأد ثوراته وإحباط حلم العرب في التحول نحو الديمقراطية، ثم إعادة السلطة إلى الذين طالما سهروا على راحتها.


يتساءل العرب اليوم تارة أخرى: من يا ترى سيتحرر أولا، فلسطين أم الأمة العربية؟ أما أنا فيصعب علي تصور تحقيق أي إنجاز أو تقدم في أي مجال وعلى أي مستوى من المستويات، بما في ذلك تحرير فلسطين، طالما أن العرب مقيدين في الأصفاد.