إذا كنت واحد من الآباء الذين فقدوا القدرة على التحكم بتطبيقات الهواتف الذكية لأطفالهم، فأعلم بأن العالم قدْ خرج عن السيطرة. إذا كنت واحد من المرضى الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو الداء السكري أو السرطان أو الإيدز أو فيروس الإيبولا أو فيروس الزيكا، فأعلم بأن العالم قدْ خرج عن السيطرة. إذا كنت واحد من المتضررين من العواصف أو الأعاصير أو الزلازل أو الهزات الأرضية أو الفيضانات أو السيول، فأعلم بأن العالم قدْ خرج عن السيطرة. إذا كنت واحد من الأشخاص الذين يستنشقون دخان المصانع أو يعانون من شح المياه وتلوثها، فأعلم بأن العالم قدْ خرج عن السيطرة. إذا كنت واحد من الأشخاص الذين يشاهدون الاستعراضات العسكرية وسباق التسلح النووي على شاشات التلفاز والكمبيوتر، فأعلم بأن العالم قدْ خرج عن السيطرة.

إذا خرجت الأمور كلها عن نطاق السيطرة، فلا يوجد إلا سبب واحد يُفسر المشكلة: (عدم قدرتنا على إدارة التغييرات التكنولوجية المتسارعة بحكمة).

تعود جذور المشكلة تحديدًا إلى التقدم العلمي الذي حدثَ في أوروبا في القرن الثامن عشر، حيث كانت الخطابات آنذاك تدعوا إلى تحرير البشر من القيود، بما في ذلك القيود الدينية والسياسية والعقلية، وفي الوقت نفسه لم تقدم هذه الخطابات هدفًا موحدًا يستند على الجانب الأخلاقي. ومنذ ذلك الحين، فرضت البدائل العلمانية نفسها على المجتمعات، وكان هدفها الرئيسي يركز في المقام الأول على زيادة الأرباح بأي شكل من الأشكال كهدف نهائي غير كافٍ.

وفي ظل غياب الهدف الموحد للحياة، أصبحت التكنولوجيا والرأسمالية التياران المهيمنان على العالم. وعند الحديث عن التكنولوجيا والراسمالية، تنتقل الإشارة تلقائيًا إلى الاقتصاد الذي يسيطر على السياسات الحكومية والأخلاقيات كلها في العالم، بل ويحضى الاقتصاد بالأسبقية على جميع الاعتبارات الإنسانية الأخرى. كما تكتب الدكتورة العراقية هيفاء التكريتي في كتابها آليات العولمة الاقتصادية وآثارها المستقبلية في الإقتصاد العربي، والصادر سنة 1431هـ/ 2010م: "تهيمن الشركات عابرة القومية على الاقتصاد العالمي لتكريس المنطلق الأساس الذي تستند عليه العولمة الاقتصادية من خلال تزايد دورها في الاقتصادي العالمي. فهي الاداة الرئيسية في تدويل الإنتاج وراس المال لما تتمتع به من قوة اقتصادية. وهذه القوة ناجمة عن قدرتها على تعبئة الموارد المالية والطبيعية والبشرية فضلًا على قدرتها على تطوير التكنولوجيا والكفاءات الانتاجية والادارية والتسويقية على مستوى العالم كله وتركيزها على إنتاج وتطوير أنماط معينة من المنتجات والخدمات من الصناعات ذات التكنولوجيا العالية كثيفة العلم، فالشركات هي كيان اقتصادي جديد تسيطر على العالم من خلال فروعها وشركاتها المنتشرة في كل أرجاء المعمورة".

وخلال العقود الأخيرة، توسعت التكنولوجيا بصورة كبيرة، وخاصة تكنولوجيا المعلومات بما في ذلك الإنترنت، مما أدى الى مزيد من التغيرات الاجتماعية السريعة، والتي أدت بدورها إلى تفاقم المشكلات وزيادة الشعور بالضيق والاعتلال العصبي في ظل غياب الحكمة والتنظيم. ولقد أعرب طبيب الأعصاب البريطاني الرائع أوليفر ساكس، في عام 2015م، عن انزعاجه من الناس الذين يسيرون في الشوارع، وهم يحدقون في الصناديق الصغيرة (الهواتف المحمولة)، واصفًا الظاهرة بالكارثة العصبية.

اليوم وبسبب التكنولوجيا، فقد الاباء السيطرة على أطفالهم وابنائهم. اليوم وبسبب التكنولوجيا، تفشت الأمراض، ووقف العلم شبه عاجز عن ضمان صحة جيدة للبشر. اليوم وبسبب التكنولوجيا، تزايدت الكوارث الطبيعية، ووقف العالم شبه عاجز عن ضمان بيئة خالية من الانبعاثات والتلوث والتغيرات المناخية. اليوم وبسبب التكنولوجيا، فشلت الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى في نزع الأسلحة النووية رغم كل الجهود التي بذلتها. ولذلك، يمكن القول أن العالم قدْ خرجَ عن السيطرة، ويبدو أن لا أمل في إدارة التغييرات التكنولوجية المتسارعة بحكمة.