حقيقة الصلاة في الجنة

من خلال عبادتنا الحالية لله العليم الخبير (كمسلمين) نستنتج بعض الأعمال التي قد تتوافق مع ما نتصورهُ لطريقة المعيشة والعبادة في جنَّة الخُلد، ومن بين هذهِ الأعمال وأهمَّها هي صلاة العبد المؤمِن بالله خِلال تواجدهُ على الأرض، فهذهِ العِبادة متميِّزة عن باقي العِبادات الخاصة بالأديان السماوية التي سبقت ديننا.
فصلاة المُسلم قد تميِّزه عن باقي الصلوات في الأديان السماوية السابقة بفرائضها وأوقاتها اليومية وبضرورة الدوام عليها وفي أغلب ألأوقات مما يوحي بانَّها قد فُرِضت لتكون مُلازِمة لنا في الآخرة والله أعلم.
وبناء عليهِ نستنتج بعض التصورات التي وإن لم تصح فهي تخدِمُنا في تعزيز التقارب الذي نسعى اليهِ ليكون بيننا وبين أهل الجنَّة، أطعمنا الله وإياكم من نعيمها، وهذهِ التصورات خاصة بطريقة صلاة المؤمنين من أهل الجنَّة والأجواء التي يُمكن أن يعيشونها، ولا يفوتنا التنويه بإنفراد هذا الكتاب بهذا التصور حتى لا يؤخذ علينا مأخذ عِند ضِعافِ النفوس.
أما التصور فهو كالآتي:
عندما يكون المؤمِن في جنَّة الخُلد وحينما يَرغَبُ في مُلاقاةِ ربِّهِ عليه أن يَقف خَاشِعاً ومُتضرعاً في الصلاة ليستلهم الوحي الرباني، فتتجلى روحهُ الطاهِرة لهُ لتأخُذَهٌ إلى عالم واسِع عظيم يختلِف كُلياً عن عالَمهِ الذي هو فيه، فيبدأ بالرعشة والخوف الشديد لهول الأجواء التي يشعُر بها، فإذا به يقف أمام مدخل عرش الرحمن طالباً السماح لهُ بالمثول أمام الخالق الواحد الديَّان.
دليلنا على هذا التصوُّر هو ما صحَّ تواردهُ عن الرسولِ الكريم والصحابة في خشوعهم لله في الصلاة واستحضارهم لِعظَمة الخالق الجبَّار في صلاتِهِم وعبادتهم لهُ لِتَصل بهِم الحالة إلى الرعشة والرهبة في وقفتهِم بين يدِّ خالقهِم.
فبعد أن يستعد (العبد المؤمن) لملاقات الله آخذاً مكانهُ بين الخلق يبدأ بقراءة سورة الفاتحة، وهي آية متميِّزة في معانيها، ورغم علمِنا بتفسيرها المُعزّز بأقوال الرسول الكريم فإننا نراهُ يخدم الإنسان على الأرض فقط والله واعلم.
فحبذنا أن يكون هناك تفسير خاص بأهل السماء، وهو إن أخطأ فلن يضُر والله من وراء القصد، والذي يتلخص كالتالي :
فبعد أن يبدأ العبد المؤمن في الجنَّة بقراءة سورة الفاتحة والتي نجد في تفسيرها خير رجاء للمثول بين يدي الرحمن، حيث يبدأ طلبهُ بمناجاتهِ لربهِ ومستعطفاً إياه عند قولهِ (بِسمِ الله الرحمن الرحيم).
ثُمَّ يشكُر الله على نعمهِ بقولهِ (الحمد لله ربِّ العالمين).
ليستعطفهُ عندما يقول (الرحمن الرحيم).
ثم يَصِف مُلك ربِّهِ العظيم بقوله ( مالك يوم الدين ).
بعدها يَصِفُ العبدُ ولائهُ لله بقولهِ (إياك نعبدُ وإياك نستعين).
ثم يُلخِّصُ طلباته بأمرٍ واحدٍ الا وهو (إهدنا الصراط المستقيم).
محدداً تلك الصِراط اي الطريق المستقيم الذي لا عِوج فيه بقولهِ (صِراط الذين أنعمت عليهم).
مُستثنياً صِراط أهل الكِتاب والتي لا فائدة مِنها بقولهِ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
ليختم طلبهُ هذا بكلمة آمين، اي برجاء الاستجابة لهذا الطلب والسماح لذلك العبد بنيل رحمة ربِّه عن طريق المثول بين يديهِ.
فإذا تاخر السماح له يُباشِر العبد بقراءة ما تيَّسر لهُ وما يَحفظهُ مِن آيات ربِّه، عسى أن يكون فيها الشفاعة عند الله.
وعندما يُؤذَن لهُ بالدخول والمثول أمام عَرشِ ربِّهِ يبقى مُنتظِراً قُدوم الرحمن، فإذا لمحهُ قادماً يُباشِر بالركوع أمامه تعظيماً لشأنه فلا يُراقِب قدومِهِ بل يَركع ويحني راسهُ ويُردد (سبحان ربي العظيم).
فإذا باشر ربُّ العالمين بالجلوس على عرشهِ العظيم مُعلناً استعدادهُ لسماع حديث عبيده، نادا منادي بقوله (سَمِع الله لمن حمده) فيرد العبد وهو ناصِيب قامتهِ رافِع يده للتضرُّع (ربنا ولك الحمد)، أي الحمدُ والشكر لتلك النعمة وذلك الشرف العظيم بالسماح لذلك العًبد بالمثول أمام الله سبحانه والسماع مِنهُ.
ومُجرد اعتلاء المولى العزيز لعرشهِ العظيم يُباشر عًبيده بالسجود أمامهُ وأمام عَرشِهِ مرددين وجباههم قد لامست الأرض (سبحان ربي الأعلى) إلى أن يأذَنَ لهم بالحديث.
عندها يرفع العبد رأسهُ ليواجِه ربَّه وليُكلمَهُ.
وبعد أن ينتهي يعود ويسجد لله العزيز القدير مُعلناً بذلك رضوخهُ لأمر الله بترديده (سبحان ربي الأعلى) وهكذا.
قد تكون هذه الصورة من صور أهل الأيمان في الجنَّة والله أعلم، وهي توضح مدى توافق أعمال أهل الإيمان في الدنيا مع أعمالهم في الآخرة ولا يُجزّم هُنا بذلك التصوَّر، ولكنه يُعتبر واحداً من بعض التصورات المبنية على تأملات العبد في أعمال أهل الإيمان والصلاح من عبيد الله المخلِصين لعبادته ، مما يدعم فرضياتنا للقول بأنَّ المؤمنين في الأرض هم أنفُسهُم المؤمنون في السماء و ذلك كروح فقط، أما الجسد فسيكون من تركيبة أُخرى تختلف كُلياً من حيث الشكل والتركيب، وذلك لكي تتوافق والعيشة الأبدية والطهارة الدائمة لتي سوف يعيشها عباد الله من بني البشر وذلك في جنَّة الخُلد.

مقتطفات من كتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوي) صفحة 161-162.
تأليف محمد "محمد سلبم" الكاظمي (المقدسي)