اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [255]
آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم، وفي قوله تعالى:


﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾

لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ عند علم الله تعالى، والإنسان إن صحَّت عقيدته، صح عمله ونجا من عذاب الدنيا ونار الآخرة، وإن فسدت عقيدته ساء عمله فهلك في الدنيا والآخرة، وإنَّ من أسباب سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة أن تصح عقيدته ليصح عمله.

الله عز وجل عليم حكيم، كلمة (عليم) لها اتجاهاتٌ كثيرة، أحد هذه الاتجاهات أن هذا الكون يدلُّ على علم الله عز وجل، كما لو رأيت طائرةً تحمل ستمئة راكب، وتحلِّق على ارتفاع خمسين ألف قدم، وتنطلق بسرعةٍ عالية تزيد عن ألف كيلو متر، وهؤلاء الرُّكاب يتمتعون بهواء نقي، وضغط مناسب، وحرارة معتدلة، ويأكلون ويشربون، ستمئة راكب ينطلقون عبر الأطلس بطائرةٍ، وهذه الطائرة لا يمكن أن يكون الذي اخترعها وصممها ونفَّذها وصنعها إنساناً جاهلاً.
حينما يصعد إنسان إلى القمر بمركبةٍ، فلا بد أن تعتقد أن علم البشرية كلها في هذه المركبة؛ كيف حقّقنا لإنسانين جواً وضغطاً وطعاماً وشراباً على كوكبٍ لا حياة فيه؟
فأول معنى من معاني العلم: أنك إذا دققت في خلق الإنسان وجدت شيئاً لا يصدق، ومن أجل أن تعرف رائحة هذا العطر لا بد من نهاياتٍ تزيد عن عشرين مليون نهاية عصبية شمِّية، وكل نهايةٍ فيها سبع أهداب، وكل هُدْبٍ مغطى بمادة لزجة، تتفاعل هذه المادة اللزجة مع الرائحة، فينشأ من التفاعل شكلٌ هندسي، هذا الشكل هو رمز هذه الرائحة، وينتقل هذا الشكل إلى الدماغ ليعرض على الذاكرة الشمِّية، وقد قدَّرها العلماء بعشرة آلاف بند، فأي شكل في هذه الذاكرة توافق مع شكل الرائحة عرفت أنت أنه الياسمين مثلاً، أو أنه الورد، أو أنه نعنع، وغير ذلك من الروائح، فهذا الجهاز جهاز الشم بالغ التعقيد.

لو نظرت إلى العين لرأيت في الشبكية عشر طبقات، وفي الشبكية مئةٌ وثلاثون مليون عُصية ومخروط من أجل تحقيق الرؤية الدقيقة، وإنّ هذه العين على صغر حجمها ترى الجبل بحجمه الطبيعي، وبألوانه الدقيقة، وتفرِّق بين لونين من ثمانمئة ألف لون، وتفرِّق بين درجتين من درجات لون واحد تزيد عن ثمانمئة ألف درجة، وأن العصب البصري يزيد عن تسعمئة ألف عصب، ولكل عصب غِمْدٌ لئلا تنتقل الإشارة من عصب إلى عصب.
إنّ دماغ الإنسان يزيد عن مئة وأربعين مليار خلية، وقشرة الدماغ تزيد عن أربعة عشر مليار خلية، وأن لكلِّ شعرة مِن شعر الإنسان وريداً، وشرياناً، وعصباً، وعضلةً، وغدة دهنية، وغدة صبغية.
إنّك قد تمسك قرصاً للكمبيوتر فيه ألف ومئتان كتاب، وكل كتاب قد يكون فيه عشرين جزءاً، هذا الكتاب بأدق الحروف، والحروف مضبوطة بالشكل، وهناك ألف طريقة للبحث، بحث بكلمة، بحث بموضوع، وكلما بحثت شيئاً جاءك الجواب خلال ثوان، هذا الجهاز يقرأ هذه الكتب كلها حرفاً حَرفاً في ثوانٍ، ويأتيك الجواب، أيعقل أن يكون الذي صنع هذا القرص جاهلاً؟ لا، هذا منحىً من مناحي العلم.


﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾

الله يعلم، هو عالم الغيب والشهادة، أي أن كل شيء في الكون يعلم الله حركاته وسكناته، لماذا؟ لأن الله يحركه، حينما يأتي إنسان ويمسك هذا الكأس، وينقله من هذا المكان إلى هذا المكان، وأنت تراه، أنت كيف تعلم أن هذا الكأس تحرك؟ لأنك رأيته قد تحرَّك، أما إذا أمسكته بيدك وحرَّكته، هذا علمٌ أبلغ، إنّ كل فعل لا يكون إلا من قبل الله تعالى، إذاً الله عز وجل هو الفعَّال، وهو العليم، يعلم ما يفعل، إذاً هو عالم الشهادة، وكل شيءٍ أمامك يعلمه الله علماً مطلقاً، وبأدق أدق التفاصيل.
أنت لك من الإنسان ظاهرُه، لكن الذي يعلم باطنه، وتاريخه، وصراعاته، ومنبته، ومشربه، ومطعمه، وأخلاقه، وعلاقاته، هو الله عز وجل، فهو يعلم ما تعلن ويعلم ما تُسر، ويعلم ما خفي عنك، يعلم ما تعلن، فإذا لم تعلن يعلم ما تسر.

هناك علمٌ لا تعلمه أنت واللهُ يعلمه، "وعلم ما لم يكن، لو كان كيف كان يكون " هذا منحىً ثالثٌ في علم الله عز وجل، لا تخفى عليه خافية، فإن تكلمتَ فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن سكت وجمدت في مكانك فهو عليم بما يجري في داخلك، سميع بصير عليم.
وهو معكم أينما كنتم بعلمه، أينما ذهبتم، يعلم كل حركاتك، وسكناتك، يعلم خواطرك، يعلم خائنة الأعين، فإنسان مثلاً جالس في بيته، أمامه شرفة، خرجت امرأة الجيران، إن نظر أو غض بصره ليس في الأرض كلها إنسان يضبطه، هو جالسٌ في غرفته، والنافذة مفتوحة، وهو في الظلام، والنافذة تحت أشعة الشمس، إن نظر أو لم ينظر، مَن الذي يعلم خائنة عينه؟ الله جل جلاله، هذا منحى ثالث في علم الله، أي هو مع كل الخلق بالعلم، يسمع دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.


المنحى الرابع هو: علم الغيب، الله جل جلاله يعلم ما سيكون علم كشفٍ لا علم جبر
أي لو أن مدرساً له باع طويلٌ في التدريس، وله خدمات تزيد عن خمسين عاماً، ومتمرس بهذه الحرفة، وعلَّم صفاً، وقال قبل الامتحان بشهر: هذا الطالب لا ينجح، وهذا الطالب ربما كان الأول على الصف، وهذا الطالب يأخذ علامةً تامةً في الرياضيات، وهذا الطالب يأخذ علامة تامة في التاريخ ـ مثلاً ـ وكان هذا امتحان شهادة، ليس للأستاذ علاقة بالامتحان، لا وضع أسئلة، ولا تصحيح، ولا شيء، فإذا جاءت النتائج وفق ما توقع هذا المدرس فهل كثير على هذا المدرس الخبير المتمرِّس أن يعرف النتائج مسبقاً لا عن طريق الإجبار بل عن طريق الكشف؟!
أصحاب الصنعات، إذا وضعت جسراً لا يحمل هذا البناء، وقال لك الخبير: هذا البناء سوف يقع. فإذا وقع البناء فهو شيء طبيعي، لأنه علم بالقوانين. لذلك، حينما يعلم الإنسانُ أن الله يعلم علم كشف لا علم جبر، فإنّه يبرِّئ الله من الظلم، أما إذا علم علماً إبليسياً أن الله خلق الكفر في الكافر، وأجبر الكافر على شرب الخمر والزنا، ثم جعله في النار إلى أبد الآبدين، فهذه عقيدة إبليس، عقيدة الجَبْر.
أناس كثيرون والله ـ وهذا مما يؤسف له ـ هكذا يعتقدون: ما هداني الله، الله يهدي مَن يشاء، ويضل من يشاء، وما دامت هذه الكلمة وردت الآن فإنّي أقول: إنّ الله عز وجل يهدي مَن يشاء الهداية، هذا هو المعنى، يهدي من يشاء الهداية، هو خلَقَ كل شيء يدعوك إليه، وأمرك أن تستجيب، فإما أن تستجيب أو لا تستجيب، لذلك قال العلماء: إذا عزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، قياساً على قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

فالله عز وجل عليم بما كان، وعليم بما يكون، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماًَ، وعلمه أزلي وأبدي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع خلقه، أحاط علمه بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، دقيقها وجليلها.
واسم الله "العليم" اشتمل على مراتب العلم الإلهي.

راتب النابلسى
تفسير النابلسى للعلوم الاسلامية