أماه يا ميسر
ميسر الخليلية


المراة الفلسطينية الأولى التي طعنت جنديا صهيونيا بسكين
ميسر..
الروح الفلسطينية الطيبة ، التي ليس لنا إلا الانحناء أمامها إجلالاً للروح الفذة التي عاشت في عصرنا متأخرة قروناً طويلة عن عصر الإباء والنجدة ، إلى روح الأم ميسر ، إلى الوطن ميسر .. وإلى أطفالها العشرة ..
ميسر .. هي المرأة الغاضبة على الاحتلال.. الى بيت لحم توجهت قادمة من الخليل .. وفي ساحة المهد رأت جنود الاحتلال يصولون ويجولون بكل حرية .. كقوة احتلال غاشمة غازية .. يضربون وينهرون ويعتقلون ..
غضبت لمرآهم .. غضبت لوجودهم .. غضبت جدا
وتحول غضبها الى ثورة عارمة تفور في صدرها
وقررت في نفسها أمرا
قررت أن تقاوم
قررت أن تفعلها بيديها
اقتربت من عربة بائع الكباب في ساحة المهد المزدحمة بالسياح .. يتجمع قربها عدد من الجنود ..
بسرعة اختطفت سكين تقطيع اللحم ..
وطعنت اقرب جندي منها واتبعتها بطعنة لاخر وهاجمت الجنود الذين استغاثوا ببعضهم .. ولم تأبه لهم .. أرادت أن تقتلهم كلهم .. جنود الاحتلال الذين اغتصبوا الأرض وسجنوا الشباب ومنعوا الصلاة في المسجد الابراهيمي في الخليل واقتسموه مع اصحاب المسجد واهله المسلمين ..
وسقطت ميسر مضرجة بدمائها في ساحة المهد .. سقطت وهي تقاوم..

ميسر قصة حقيقية حدثت بالفعل في اوائل الثمانينات من القرن الماضي أو أواخر السبعينات .. نشرت في الصحف المحلية في الأرض المحتلة وقرأتها واحتفظت بها واحتفظت بها في ذاكرتي .. وبعدها بسنوات كتبت هذا النص

..
أطفالي العشرة
أبوهم أسمر البشرة
قالوا أماه ..
قد رأينا العجبا
يهوداً عجما
شوارعنا تئن تحت ضرباتهم ..
وأمام بواباتنا
يدوسون جباهنا السمر .
يجوسون بأحذية الهوى
قدسنا المثلى .
وخليلنا ..
لم تبق منها سوى الذكرى .
ويا عجبا
اليوم خليلنا يذبح
وبالعشرة ...؟
*
أماه .. يا ميسر
يا ملامح أرضنا الأولى
يا خطواتنا الأولى حين نتعثر
يا حروفنا الأولى حين نتكلم
يا ابتسامة ثغرنا
والحزن في قلوبنا يكبر
أماه يا ميسر
قد رأينا العجبا
قد رأينا قومنا همجا
والعالم حولنا مقهى
ترتاده نزوة الصفوة
نخبهم دمنا
يشربونه مخلوطاً مع القهوة
ورجال أمتنا
يزمّون أناملهم
ويبصمون بالعشرة ..
*
أماه يا ميسر
بحرنا غاض يا أم
وجبالنا عييت .
وأرضنا الحبلى
تعاني الضيق والثقل
ونحن يا أم
يا ميسر ..
بدأنا نتحرك ..
عاهدنا أنفسنا ..
ألا نرجع للورا أبدا .
*
أربعون عاماً من النكبة ..
أربعون عاماً من القيل والقال
من النكتة
أربعون لا تنسى
تزيدني كل ساعة عمرا
تسلبني كل ساعة عمرا
أربعون لا تنسى
أربعون تكفيني من الصبر
من الخوف
من الوقت الذي يقتل .
أربعون تكفيني ..
آن أن أتحرك .
*
أطفالي العشرة


أبوهم أسمر البشرة
خذوا حذركم بعدي
أربعون أخرى قد تأتي
أربعون جيشاً لن تتحرك
أربعون قصراً لن تتحرك
لكم الله من بعدي
هاماتكم إلى الأعلى
وغنوا دائماً
أماه ..
أماه ..
يا ميسر .
*
الفجيرة في 29 / 9 / 1986

نشرت في صحيفة البيان الإماراتية 1986