ليس قرننا الذي يجيء

كتبتها قبل انتهاء القرن الماضي بعام ..
وترعبني جدا كلما أقرأها ..

ليس قرننا الذي يجيء
هكذا التاريخ عندما يحيد .
هكذا نحن لمّا نحيد .
هكذا كنا ..
هكذا فعلنا ما فعلنا بأيامنا التي
ولدت في متاهات السنين ،
قبل ميعاد المخاض الذي لا يجيئ .
كان التشوه مولودنا غير المرغوب فيه
لم نرحم أنفسنا ..
لم نقتل الوليد الذي واصل التسكع
بين الحريق والحضيض .
*
تاريخنا لم يبدأ بعد
لم نبدأ النشيد .
أعجازنا مختومة بالشمع الأحمر الموسوم
محكومين بالرقيق .

لم نزرع الأفكار أشتالاً
لم نطور القوافي والميزان والبديع .
لم نطلق أيادي الزارعين
تكفلوا بالأرض يحرثونها
يُلْبِسونها ثوبها النضيد .
يحرسونها
يمنعونها عن الغريب .
*
ليس قرننا الذي يجيء
هو قرنهم ..
وزمانهم السعيد .
قرن الخارجين على القانون
الذين لا دستور لهم
الضاربين عرض الحائط
لا يبالون بالممنوع ولا المسموح
ويسرقون الفنون .

هو قرنهم ..
الصليبيون الجدد ..
ذوي الملامح المألوفة
المكفهرة
بالطنين وبالحروب .

منذ صلاح الدين عندما
حرر القدس من أحقادهم ..
ومن فلول المارقين .
منذ أعاد الدفء إليها
أسكنها الحنين .
عادوا ..
الكوابيس فوق رؤوسهم تحوم
تنعق في البراري
وفي التخوم .
*
هو قرنهم ..
الصاعدين من ضعفنا
المنحدرين من تشوهاتنا التي
تصبغ الشوارع والوجوه .
تدفعنا نحو التسكع المشئوم
تصيبنا بالشكوك
فنلوذ وحدنا ..
إلى القعود ..

هو قرنهم ..
القادمين من اللا ..
وجود .
*
ليس قرننا الذي يجيء
حتى ميعاد قدومه حددوه لنا بلا تمييز .
سلمناهم تاريخنا ينبشونه
يغيرونه ..
حسبما يريدون أن يكون .
ونحن مدفونون ..
لا نكون .
*
ليس قرننا الذي يجيء
بل حظنا المنكود ..
الذي رسمناه قديماً
عندما أشركنا العصاة
في استلاب ما هو لنا مقسوم .
استدعيناه اليوم ..
ليس من جدوى أن نستنكر
مجيئه المحموم ..
قبل أن يحين ..
قبل أن يحظى بالقبول .
فليس من أخلاقنا
نحن الغلاة فيما بيننا إذا
صاحت القبيلة بالنفير
تستدعي القض والقضيض
نستنفر الخيل والبعير ..
فنهب غاضبين .
لكننا لا نثور..
على القيود والتنكيل
لا نساند الثغور
نقطع العلوم
وتطحننا الهموم .

هو قرنهم
ليس من جدوى
أن نعيد كتابة التاريخ
الآن ..
إذ نحن عراة يضربنا الزمهرير .
إذ نحن لا نعرف القراءة والكتابة
نزيف الإحساس والضمير
ونرضى بالتزوير .

أميّون ..
نجهل قواعد التعارف
لا نعي البديهيات والأصول .
مصيرنا تقرره الظنون

أميّون ..
فقدنا أدواتنا ..
من أسماء وعناوين
من أهداف ودروب .

ما جدوى أن نقول ..
القرن ليس قرننا
بداياته ليست ملكنا
وعنواننا الخطأ يدفعنا
إلى الأفول ..
*
ليس قرننا الذي يجيء
قرننا في الطريق
يواصل الزحف البطيء
ليس قرننا الذي يجيء
قرننا بعيد .
*
لا مزيد
*

27 /12 / 1999 - خان يونس

نشرت في صحيفة أخبار العرب الإماراتية 2000