الأحداث ذاتها تتكرر، قد تتغير المسميات، أو الأماكن، أما التفاصيل فهي ذات التفاصيل، بورما أو مينمار أو مسلمي الروهنغا، الصين أو تركستان الشرقية أو مسلمي الإيغور، يوغوسلافيا سابقاً أو البوسنة والهرسك أو سراييغو أو شعوب البوشناق، حلب، حمص، إدلب، الموصل، طرابلس، فلسطين…وغيرها

مجازر تطهير تُرتكب بحق عرق بعينه لا لسبب سوى أنهم يدينون بالإسلام، ويعتقدون بغير ما يعتقد به من بيدهم القوة في الدولة.. كثرة مستضعفة تدفع حياتها ثمناً لمعتقداتها المغايرة، التفاصيل ذاتها: قتل لا يستثني شخصاً أياً كان، رجلا أو طفلاً أو شيخاً أو امرأة، اغتصاب جماعي للنساء وانتهاك أعراض تشمئز منه النفوس، تعذيب وكأن الضحية مقدودة من حجر صلد، تدمير وسحق وتهجير جماعي بقصد إفراغ مناطق بعينها من أهلها.

تصادف هذه الأيام ذكرى مجزرة سربرينيتشا التي كانت حلقة من سلسلة طويلة من حرب البوسنة والهرسك التي ارتكبها الصربيون ضد الأغلبية المسلمة في هذه الدولة. فظائع يصعب الإحاطة بجميع تفاصيلها لكثرة القتل والتمثيل والاغتصاب الذي ميَّز تلك المجزرة. أحكم الصرب الحصار على سربرينيتشا.

سربرينيتشا.. مدينة الفضة، لجأت إليها أعداد ضخمة من الفارين من الحرب التي لم تبقي ولم تذر، تجمعاً استغله الصرب أسوأ استغلال ليفتكوا بأكبر عدد ممكن من شعوب البوشناق المسلمة في البوسنة والهرسك.بدأت الخديعة الكبرى حين أعلنت الأمم المتحدة أن سربرينيتشا ومدينتي جيبا وغوارجدا مناطق آمنة منزوعة السلاح، واقعة تحت حمايتها، بالإضافة لكم هائل من الوعود بضمان الأمن وحماية السكان. وقامت الأمم المتحدة في الوقت ذاته بنزع سلاح المسلمين في سربرينيتشا بالقوة لإخماد الصراع مع الصرب على حد زعمهم.

بعد عامين من ذلك، ضرب الصرب حصاراً خانقاً على المدينة، منعوا بموجبه إدخال المساعدات الغذائية والطبية، وأخذوا يقومون بعمليات قتالية جعلت حياة سكانها لا تطاق، ودفعتهم للهرب تمهيداً لاحتلال سربرينيتشا.

في 11 تموز عام 1995 بدأت القوات الصربية هجوماً على المدينة المحاصرة، أخذوا يفصلون الرجال عن النساء، يجمعون الرجال، يعدمونهم في حفلات إعدام جماعية بسناريوهات تختلف من مجموعة إلى أخرى، ويتركون جثثهم مرمية على الارض أو يلقونها في الأنهار المحيطة، وتقاد النساء إلى معسكرات القوات الصربية ليتم اغتصابهن بشكل جماعي لا يستثني طفلة أو فتاة أو امرأة كبيرة.

كان الجميع يبكون ويناشدون ويستغيثون، ولكن ما من مجيب، ومن يبلغ أنينه آذان القوات الصربية يطلقون عليه النار ليجهزوا عليه بالكامل.. لا يريدون جرحى أو مصابين.. يريدون تطهير الأرض من أهلها.
تدفق كثيرون وقد أضعف الجوع والعطش والمرض خطاهم وامتص قواهم وأوهن أجسادهم إلى الغابات يبحثون عن مهرب بين ألغام الصرب، في رحلة الموت التي تستغرق أياماً عدة من المسير على الأقدام، وفي أحيان لا تحصى وقع كثيرون في شراك نصبتها القوات الصربية، فكانوا “كالمستجير من الرمضاء بالنارِ”.

كانت قوات الأمم المتحدة ترى وتسمع عن قرب كل ما يجري لمن يفترض أنهم تحت حمايتها من المسلمين المدنيين في سربرينيتشا، ولكنها كانت تصم آذانها وتغمض عيونها وتدَّعي بأنها قدمت ما عليها، وهي لا تستطيع عمل شيء الآن كما هو دأبها حين يتعلق الأمر بالمسلمين.ناهيك عن رفضها استقبال اللاجئين الذي حاولوا الاحتماء بمقرها..

11 يوماً سقط خلالها ما يقارب 10آلاف من البشر لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله.. وانتهكت خلالها أعراض عدد لا يحصى من النساء.. منهن من بقيت تعاني آثار الصدمة النفسية حتى الآن تحمل بين جنباتها شعوراً بالدنس والعار، ومنهن من قتلت مع من قُتلوا وطوت صفحة يندى لها الجبين.

د. زهرة خدرج
كاتبة فلسطينية