من يَبتغِ غير علم الكتاب عِلماً فلن يُقبل منهُ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
لقد جاء في القرآن الكريم من سورة آل عمران الآية 18 قولهُ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وقال العزيز القدير كذلك في الآية 84: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وبناءاً على ذلك نستطيع أن نقول:
إنَّ آخر الأنبياء عند الله هو محمد عليه الصلاة والسلام ولن نكون بذلك كاذبين ، وعليه فمن يبتغِ غير محمد إبن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً وهادياً ونذيرا فلن يُقبل منهُ وهو في الآخرةِ لمن الخاسرين .
وكذلك نقول إنَّ آخر الكتب السماوية عند الله هو القرآن الكريم ، وعليهِ فمن يبتغِ غير القرآن كتاباً مقدساً فلن يُقبل منهُ وهو في الآخرة لمن الخاسرين.
وأيضاً نقول إن العِلمَ الحقيقي المعترف بهِ عند الله والموجود ذكرهُ حرفياً في كتاب الله هو عِلمُ الكِتاب ، ومن يَبتغِ غير علم الكتاب عِلماً فلن يُقبل منهُ وهو في الآخرة لمن الخاسرين .
إخوتي في الله ، عندما نتمعن في الآيات البينات التي جاء ذكرها هُنا وندقق في معانيها وأحكامها تظهر لنا حقيقة جلية ، قد يكون الكثير من الناس قد غفلوا عنها ، ألا وهي : أنَّ هذهِ الآيات وهذا الحصر والإصرار في تحديد مسمى واحد للدين وهو الإسلام وما يمكن قوله وتطبيقهُ في أمور أخرى كآخر الأنبياء وآخر الكتب والعِلم الحقيقي عند الله كما أسلفنا هُنا ، لا يعني بأي حال من الأحوال التعصُّب لهذا الدين وهو الإسلام أو عزلهِ عن بقية الأديان التي سبقته ، بل المقصود هُنا ( والعِلم يبقى عند الله وحده ) بأنَّ الدين الحقيقي عند الله هو الإسلام وأنَّ الأديان التي سبقتهُ كان كذلك إسمها عند الله هو الإسلام ولم يحدث أن غيَّر الله الدين الذي إرتضاه للناس أبداً ، دليلنا على ذلك لمن يطلب الدليل قولهُ تعالى في سورة آل عمران الآية 66 (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) إذاً فهذا إقرار بأنَّ أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام كان من المسلمين ، وحسب مفهوم الآية فإن َّ الإنسان إما أن يكون مسلماً أو مُشركاً ولا يوجد شيء آخر أو بين بين.
وبخصوص الأديان السماوية كاليهودية والمسيحية فهي من الأصل كانت جزء لا يتجزء من دين الإسلام ونعني هُنا إسماً ومعنى وهدف وغاية، ولكن بعد أن تمَّ العبث بها تغيرت من دين الإسلام إلى دين آخر مشبوه ومشكوك في تعاليمه وأحكامه وذلك بسبب العبث واللَّغط الذي حدث من قبل رجال الدين المنتمين لهذهِ الأديان، دليلنا هُنا هو التسمية المتخذة في كلاهما، فإسم الدين اليهودي إنما جاء للدلالة على إسم شخص وهو أحد أنبياء اليهود، وهذا دليل على أنَّ إسم الدين اليهودي جاء من أشخاص، فالناس عادة يعطون أسماءاً مألوفة لديهم إذا أرادوا إعطاء إسم ما، ونجد الحال نفسهُ يتكرر في الدين المسيحي، فسواء كان الإسم هو الدين المسيحي أو دين النصراني فكلاهما أسماء مألوفة، فالمسيحية تمت تسميتها تشبهاً بالمسيح عيسى إبن مريم، والنصارى جاءت تشبهاً بمدينة الناصرة وهكذا بالنسبة للأديان جميعاً.
أما الإسلام فهو دين الله الخالص من حيث التسمية والمرجع والإنتماء، وهو دين الأنبياء جميعاً من آدم عليه السلام إلى آخر مؤمن أو مسلم يبقى على وجه الأرض ومن بعدهم أهل الجنَّة فهم أيضاً مسلمين وكيف يكونوا غير ذلك والعياذ بالله، دليلنا هنا هو كون بعض الجن وكل الملائكة من المسلمين، وهذا ما جاء به القرآن الكريم ، إذاً فالدين عند الله الإسلام ولا شيء غير الإسلام .
مما سبق شرحه وتفنيده يتبين لنا بأنَّ ما قيل ويُقال عن مسمى دين الإسلام يمكن تطبيقه على آخر الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك على القرآن الكريم وأيضاً على علم الكتاب العظيم .
فبخصوص نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام نقول بأنَّ تصديقنا لرسول الله محمد إبن عبد الله لا يعني بأننا نُكذِّب الآخرين من الأنبياء والرسل، إنما يعني بأنَّ إيماننا بمحمد ۖ كرسول الله هو في الحقيقة إيمانٌ بجميع الرسل والأنبياء الذين سبقوه، ولكننا كمسلمين ومؤمنين بالله واليوم الآخر لا يجوز لنا أن نتبع ونصدق بأحد من البشر غير رسول الله ۖ وذلك بسبب ورود إسمهُ ۖ بصورة واضحة وجلية بالقرآن الكريم ، إضافةً إلى البراهين والأدلة المرتبطة بهذا الشأن وهي كثيرة جداً.
أما القرآن الكريم فهو أساس عقيدتنا ووحينا ومنبع فكرنا وديننا وإيماننا ، وبناءاً على ماجاء فيه بكونهُ كتاب مُنزَّل من السماء فلا يجوز لنا أن نتخذ كتاباً غيره وهذا لا يعني بأننا نكفر بالكتب السماوية التي سبقتهُ والعياذ بالله ولكننا نطيع الله ورسوله فيما آمر، فنحن نؤمن بوجود كتب سماوية ومقدَّسة غير القرآن الكريم ولكننا لا نؤمن بالدين الذي تمَّ تحريفه مما أدى إلى تحريفها كذلك، فهي في حقيقتها موجودة ولكنها ليست هي تلك التي يؤمنون بها اليهود والنصارى وغيرهم من الأديان السماوية التي سبقتهم، وبغض النظر عن الأسباب والدوافع فنحن لا نتبعها طاعةً لله ولرسوله لا أكثر ولا أقل .
وعِلمُ الكتاب شأنهُ كذلك كشأن محمد ۖ وكشأن القرآن الكريم، وبغض النظر عن الأسباب والدوافع فالذي قيل سابقاً ينطبق على علم الكتاب أيضاً .
فكما لله كتاباً مقدساً إسمهُ القرآن الكريم ونحن ملتزمين بهِ ولا يجوز لنا إتخاذ أي كتاب سماوي آخر سواء كان موجوداً أم لا ، كذلك لله عِلمُ إسمهُ عِلم الكتاب ولا يجوز لنا إتخاذ عِلمٌ غيره، مع علمنا بوجود علوم أخرى ولكن لا وجود لإسمها في القرآن الكريم .
وكما لله رسولاً ونبياً إسمهُ مُحَمَّد ۖ لا يجوز لنا إتخاذ نبياً أو رسولاً غيره مع يقيننا بوجود من سبقهُ في النبوة والرسالة ، ولكن إيماننا وإسلامنا لا يصح إلا بإتخاذ مُحَمَّد إبن عبد الله ۖ نبياً ورسولاً وإتباع تعاليمه وسنتهِ دون غيرهِ من الأنبياء والرُسل ، كذلك لله عِلمٌ إسمهُ علم الكتاب لا يجوز لنا إتباع علمٌ غيرُه من دون حجة أو دليل في الكتاب وهو القرآن الكريم والسُنَّة النبوية المُطهرَّة سُنَّة مُحمد رسول الله العظيم ۖ .
وبمراجعتنا لأحكام ومفاهيم عِلمُ الكِتاب التي نقرأها في كتاب ( حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية ) لكونهُ الكتاب الوحيد المتخصص بشأن عِلم الكتاب المسمى الحرفي الوحيد الخاص بالعِلم السماوي المذكور في القرآن الكريم والذي تمَّ فيهِ تزكيته والتنويه إلى مفاهيمه وأحكامه وطرق تطبيقه وممارسته ، نجد بأنَّ إتخاذنا لعِلم الكتاب ليكون أساساً لعلم الإنسان لا يشترط نبذ العلوم والمفاهيم القديمة والحالية والمعروفة بكونها بشرية أي تمَّ إتخاذها من البشر ، وإنما يعني تنقية تلك العلوم وتوجيهها التوجيه الصحيح ، شأنها شأن الدين الذي تمَّ توجيههُ التوجيه الصحيح بإتخاذ الناس لدين جديد ، فدين الإسلام لم يرفض الديانات السابقة بل سعى إلى توجيهها التوجيه الصحيح ، وكذلك الرسول الكريم ۖ لم يرفض أو يكفر بالأنبياء والرُسل الذين سبقوه ولكن صحح ما تمَّ تشويههُ من قبل الناس في ما يخص تعاليمهم وأحكامهم وسيرتهم الطاهرة الحسنة وهذا مُثبت في القرآن العظيم وبسًنَّة وسيرة رسول الله مُحمَّد عليه أفضل الصلاة وأتم تسليم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)