مقدمه







في حديثنا عن الأيام العشر لا نستطيع إلا أن نقف عند سورة الفجر



(وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ).

هذه السورة المكية العظيمة المكونة من ثلاثين آية العظيمة في معانيها التي ابتدأها الله سبحانه وتعالى بالقسم والله لا يقسم إلا بعظيم بهذه الأوقات والأزمنة (والفجر) والأيام التي ذكر أكثر المفسرين على أنها هي هذه الأيام العشر العشر من ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر، هذه الأيام العظيمة التي أقسم الله عز وجلّ بها هي ايام عظيمة كان لا بد أن تحرك في نفس العاقل صاحب الحجر أي الإنسان الذي يمنعه عقله ويضبطه عن الوقوع في الغفلة والتهافت فيما لا ينبغي أن يتهافت فيه ويتراكض ويتسارع إليه.
هذه الآيات لا بد لها أن توقظ في نفوس البشر الرجوع والعودة لله سبحانه وتعالى

والحقيقة أن محور سورة الفجر التي هي في واقع الأمر

هي حديث عن الأيام العشر هي النفس المطمئنة عودة النفس المطمئنة إلى خالقها.

تلك النفس التي إن لم يتمكن الإنسان من الرقي بها والوصول إليها في الدنيا

لا يمكن أبدًا أن تنتهي رحلة هذه النفس بقوله

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً )

العبد لا يعود إلى ربه في الدنيا مطمئنا في الدنيا راضيا مطمئنا قانعا لن تقال له هذه الكلمة في وقت أحوج ما يكون أن تقال له وأن يسمع البشارة بها.


يهمل ولا يهمل

هذه السورة العظيمة بدأت منذ البداية بالقسم بالأزمنة ثم انتقلت بعد ذلك للحديث عن أكثر الأقوام منعة وعزة مادية وعطاء من العطاء الرباني من العطاء الذي أعطاهم الله وأغدق عليهم من النعم

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ *وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ *وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ )

أقوام كانت لهم منعة وفتحت عليهم الأموال والسلطة والجاه ولكنهم ماذا فعلوا بها؟!
لأنهم غفلوا عن تلك الآيات والأزمنة والآيات المبثوثة في الكون والنفس طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد

(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ )
وهكذا كل البشر أمم مجتمعات أفراد إن غفل الإنسان عن حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة وأن الآخرة هي الحياة الحقيقية وغفل عن تعاقب الأزمنة فيه وتداور الأيام وصل إلى تلك الحالة من الطغيان والفساد لأنه تنكص ببساطة شديدة عن الغاية التي لأجلها خُلِق ولكنه حتى وإن فعل ذلك فعليه أن يدرك أن الله له بالمرصاد

وإنه يهمل ولا يهمل

(فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ )


العطاء ابتلاء




انتقلت الآيات بانسيابية رائعة تتكلم عن حالة الإنسان الغافل التي لا تحركه الآيات الزمنية والكونية والأحداث التاريخية فيعتبر بما حلّ بالأقوام السابقة فينظر نظرة سطحية إلى المال

(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ )

يعتبرها قضية إكرام له أن تُفتح عليه الدنيا ويُغدق عليه الرزق المادي والمال في حين أن السورة قالت (ابتلاه) العطاء ابتلاء الغنى ابتلاء، أن تفتح عليك الدنيا اختبار امتحان فإياك أن تغفل عن هذه الحقيقية!!

(وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ )

وفي واقع الأمر أن العطاء أو المنع، السعة في المال أو الضيق في الرزق كلاهما اختبار وامتحان، القيمة الحقيقية للمال في كيفية تصرفنا فيه قد يعطيك الله ملايين من الدنانير لكن يغفل الإنسان فإذا به لا ينفق فيها لا يجعل لها حظا من أعمال الخير والنفع لنفسه، لأسرته، لمجتمعه، لا يشعر بالآخرين!

وإنما يوظف ذلك المال في التفاخر والتكاثر وتلبية شهواته ونزواته والإسراف والمغالاة فيها والبطر والطغيان وتجاوز الحدود التي وضعها الله سبحانه وتعالى له.
يا ترى ماذا ستكون النتيجة؟!

هذا المال سيكون وبالًا عليه كما حدث مع تلك الأمم، فرعون وغيره لما ذكر الله سبحانه وتعالى على سبيل المثال

(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ )

قوة، تقدّم، تحضّر، مدن، نحت جبال وبيوت وقصور فارهة!!

ماذا أغنت عنهم تلك القصور؟!

تركوها خاوية بالأعمال والتصرفات السيئة التي لم يدركوا من خلالها وغفلوا أن هذا المال وذاك العطاء والقوة والمنعة إنما هو امتحان عليك أن تفهم السؤال كي تجيب عنه إجابة حقيقية تنفعك في حياتك الآخرة.


افضل الأعمال فى العشر الأوائل من ذي الحجة


كلنا يتكلم عن الأيام العشر وفضل الأيام العشر وكلنا يستشهد بالحديث:

(ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيها من التهليل من التحميد من التسبيح من الصيام من الصدقة من الصلاة)
تدبروا قول الله عز وجلّ في هذه السورة

(كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ )

أعظم الأعمال التي تقوم بها في مثل هذه الأيام إكرام اليتيم وتدبروا ما قال تعطي وإنما قال تكرم لأن الإكرام لليتيم والإحسان إليه لا ينحصر في جانب العطاء المادي فقط، العطاء النفسي العطاء المعنوي اليتيم لا يحتاج فقط إلى دراهمك ودنانيرك اليتيم يحتاج إلى حنان يحتاج إلى عطف، إلى محبة، يحتاج إلى أسرة تحتويه وتضمه، يحتاج إلى أب بدل ذلك الأب الذي فقده، يحتاج أمومة يحتاج حنان هذه العواطف هي التي يعبر عنها القرآن أجمل تعبير

(َلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ).

ما قيمة أن تمتلك الملايين ولكنك لم تجرب حلاوة أن تمسح على رأس يتيم ما قيمة تلك الملايين؟!! المال ليس له قيمة في ذاته، قيمته فيما تفعل به وتتصرف فيه!!

(وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)

يحضّ بعضكم البعض، التواصي بالحق التواصي بالصبر قد لا تمتلك الكثير من المال ولكنك تستطيع أن ترسل رسالة تذكّر أحدًأ من الناس بالإطعام، بالشعور، بأن تكون إنسانًا تشعر بغيرك، تشعر بالآخرين من حولك تداوي وتواسي وتخفف من آلآمهم وأوجاعهم.


سارع بالتقديم لحياتك الحقيقية


ما قيمة المال حين يأكله الإنسان وتدبروا في الكلمة

(وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا )

ليس تأخذون الميراث فقط، تأكلوه من شدة الحرص عليهّ تدبروا في تلك الحالة الإنسانية التي يصورها القرآن أعظم تصوير!

يتمسك الإنسان بذلك المال تمسكًأ يدفعه إلى أن يأكله أكلًأ وكأنه يأكل أكلا لمّا لا يهمه يخلط حلال مع حرام ولكنه يأكله أكلا لشدة حرصه عليه علمًا بأنه سيتركه

ولذلك قال القرآن مباشرة

(كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا )

جاء بيوم القيامة مباشرة، انتهت الرحلة

ولكن في تلك الرحلة القصيرة مهما طالت لم أتزود بخير زاد:

التقوى

(وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى )

عندها فقط يتذكر الإنسان، المفروض أنه كان يتذكر في الدنيا، المفروض أن الايام العشر التي أطلتنا تذكرنا بالله، تذكرنا بالرحلة تذكرنا بفترة بقائنا القصيرة على هذه الأرض، تدبروا في الآية

(يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)

ماذا تنفع؟!
فات الأوان فات!

فات وقت العمل!

فات وقت التزود بالزاد والمتاع الباقي

فماذا يقول؟

(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي )

أمنية لا قيمة لها لأنه فات أوان تحققها فات أوان تمكنك من أن تجعلها واقعًأ في حياتك.
(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي )

أدرك هنا ذلك الإنسان المفرّط أن الحياة الحقيقية هي الآخرة وليست هي هذه الرحلة الفانية الدار الفانية التي إلى زوال سرعان ما تنقضي أخذت منها كثيرًا أو أخذت منها قليلا، لن تأخذ معك إلا ما قدمت

لأن الدنيا هنا هي دار التقديم، الآخرة ليس فيها تقديم، فيها جزاء، ولكن الدنيا هي التي ينبغي أن تقدم لها فسارع بالتقديم لحياتك الحقيقية.


(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ )

أكيد، الإنسان الغافل الإنسان الذي لم يتيقظ للحكمة من الحياة، هذا الإنسان ربي عز وجلّ لن يغفل أبدًا عن عذابه، تدبروا في الكلمات كلمات قوية جدًا!!

ولكن هناك صنف من الناس صنف أدرك فعلًأ قيمة الحياة الحقيقية،

قيمة الأيام العشر فبادروا بالصالحات
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي ).
وتأملوا في هذه الآيات الأيام العشر على عظمة ما فيها من أعمال لا ينبغي أبدًا أن تشتغل بالأعمال والهيئات وأشكالها وصورها عن المقصد والغاية من العمل الصالح ما هو قصدك؟ لماذا تصلي؟ تصوم؟ لماذا تتصدق؟ لماذا تكرم اليتيم؟ لماذا تفعل كل ما تفعله؟

تفعل كل ذلك لأجل أن ترجع إلى ربك تدبروا في الربط: في البداية قال

(وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ )

هذه الأيام العشر هي التي تسهل لك طريق العودة إلى خالقك سبحانه وتعالى كلنا سنعود إليه لا مفر أبدا

(كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)
ولكن هناك فرق شاسع بين عودة العبد الآبق العاصي الذي فرط في نفسه وفرط في دنياه وفرط في حياته وآخرته فعاد إلى ربه منكسرًا مقيدًأ بالقيود تسوقه ملائكة العذاب وبين تكل النفس التي تفد على الرحمن وفدا وتستقبلها الملائكة بالبشائر حال مفارقتها الدنيا

(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً )

الرضا الذي لا يتحقق أبدًا إلا بالاطمئنان الذي يعانيه المؤمن، الاطمئنان الذي ستخلفه علينا هذه الأيام العشر إذا ما أحسنا التعامل معها وفيها، الاطمئنان الذي بمعنى السكون بعد الانزعاج، طمأنينتك بما قسم الله لك، اطمئن واقنع بما قسمه الله لك ليس من باب التخاذل أو الكسل وإنما من باب إدراك حقائق الأشياء لا تجزع، اصبر، إن ضيق عليك في رزقك فاصبر، اعمل العمل بالجوارح والاطمئنان بالقلب والسكينة في النفس. اِرض، لأن الرضى بالنفس قضية لا تتعارض، ليس هناك تعارض مع العمل والنشاط افعل وخذ بالأسباب ولكن لا تجعل تلك الأسباب تأخذ أجمل منك ما فيك: القناعة والطمأنينة والرضى عن الله عز وجلّ، الرضى عن حكمه وهذا معنى رضيت بالله ربًا، اِرض عن الله ليرضيك، اِرض عنه واطمئن بما أعطاك وعليك أن تدرك دومًا أن المنع والعطاء كلاهما امتحان، اعرف ما هو السؤال لكي تنجح فيه.

اجعل هذه الأيام العشر عودة حقيقية لله لأن المقصد الأساسي من هذه الأيام العشر العظيمة، عظيمة الفضائل التي جاءت بصيغة التنكير

(وَلَيَالٍ عَشْرٍ)

لعظيم ما جاء فيها من فضل في المكانة في المنزلة في الأجر في الثواب في كل شيء. هذه الفرصة العظيمة التي بلغنا الله سبحانه وتعالى إياها علينا أن نفهم ما المعنى وما الغرض فيها، علينا أن نعود وأن نحسن الأوبة والعودة لله سبحانه وتعالى، نرجع إليه قانعين مطمئنين فينا من اليقين ما يوصلنا إلى درجة الطمأنينة والرضا بما قسمه الله لنا ولذلك نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا نفوسًا راضية مطمئنة قانعة بعطائه سبحانه وتعالى، عائدة راجعة إليه تأخذ من الخير وييسر لها الخير، ونسأله من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، تقبّل الله منا ومنكم صالح العمل.

رقيه العلواني
إسلاميات