السراب

مع بدء تسلسل خيوط الفجر الى بيتهم المتواضع صرخت خوله معلنة عن فجر جديد وتحقق امل طال انتظاره، وبوجه ملائكي يتوارى البدر متصاغر امام سحر جماله اطلت الى الحياة، دارت عجلة الأيام وتفانى الوالدان من اجل اسعاد زهرة عمرهم، اجتتهدوا في احسان تربيتها، فكانت تنتصب كقطعة نور على سجادة الصلاة، وتتداعى ملائكة الرحمن لسماع تلاوتها العذبة، لم تشعر بأي نقص في حنان ومحبة.
ملأت البيت حياة وبهجة وتنقلت بين ارجائه كعصفورة جميلة، بكبرها تكبر امال الوالدان وأمنياتهم، فهم يريدون لها افضل تعليم وخير الأزواج وأفضل الأبناء وارغد حياة وافضل مكانة اجتماعية، ولذلك بذلوا اقصى جهودهم في اعدادها دينيا وعلميا ونفسيا فتفوقت في دراستها وأصبحت ذات حضور اجتماعي واضح ،
مع مرور الأيام تسللت الشبكة العنكبوتية للبيت اسوة بغيره بهدف التسلية والتعليم والتواصل، حذرالوالدان ابنتهما من اخطار الاستخدام الخاطئ للانترنت مستندان على حسن تربيتها ورجاحة عقلها ولذلك لم يتدخلا في خصوصياتها.
بدات ابنة السادسة عشر بالانضمام للمجموعات والجروبات الاجتماعية والعلمية من خلال مواقع التواصل وحرصت على عدم الانضمام لأي مجموعة سيئة وغير محترمة، ما لبثت ان بدات بنشر منشورات وأصبحت تعلق وترد على التعليقات، وبرور الوقت اعتادت على ذلك ولم تعد تشعر بأي خوف او حرج من التعليق على منشورات الشباب او محاورتهم .
وكغيرها من البشر كانت ترتاح عندما تجد تفاعلا مع منشوراتها واطراءا على ذكائها وحصافة عقلها، وكلما زادت الاعجابات كلما زادت سعادتها.
مع مرور الوقت بدأت تلاحظ ان سعيد يحرص على وضع اعجابات وتعليقات على منشوراتها ويدعم افكارها، شاركته نفس الفعل فالتوافق الفكري يقود الى الراحة النفسية والإعجاب وهذا أسلوب يستخدم لكسب القلوب او خداعها، بدا الاعجاب بسعيد يتسلل الى قلبها، استهواها تفكيره وتعليمه ووضعه الاجتماعي، ولقد لمست ذلك بعد ان سمحت لنفسها بمتابعة صفحته الشخصية ،وساعد على ذلك سمعة اهله الجيدة فهم من نفس الحي.
ذات يوم وصلتها رسالة على الخاص من سعيد، انتظرت قليلا ولم تفتحها ولكنها سرعان ما قررت فتحها فالأمر عادي حسب اعتقادها وفتح الرسالة لا يخدش من كرامتها ولا حيائها وهي لن ترد عليها فالرسالة قد تكون جاءت بالخطأ، هكذا سولت لها نفسها، جاء في الرسالة(( انا اسف على ارسال هذه الرسالة ولكنني لم استطع ان ابقي دون الاطمئنان عليك بعد ان قرأت منشورا انك مريضة وفي وضع صعب ولم اشا ان اسالك على العام حتى لا يسيء احد فهم السؤال أتمنى لك الشفاء العاجل وان اردت أي مساعدة فلدي قريب يعمل في وزارة الصحة ويمكنه المساعدة))
دهشت خديجة ولكنها قالت لنفسها ان هذا امرا طبيعيا يحدث بين الشباب والفتيات فالرسالة لا تحمل كلمات سيئة ولا تفوح منها نوايا قذرة، ورغم ذلك قررت عدم الرد على الرسالة فهي لا تريد للحوار ان يتطور، فما زالت تحذيرات والداها تقرع اذنيها بين الفينة والأخرى حيث ركزا كثيرا على خطر تدحرج الحوارات والرسائل بين الشباب والفتيات الى علاقات لا تحمد عقباها على غير تخطيط، وعلى حين غرة عن ضوابط الشرع ونداءات العقل والعادات والتقاليد .
مرت الأيام رتيبة دون ان يتغير شيء، ولم يكسر هذا الروتين سوى رسالة أخرى من سعيد كان مكتوبا فيها ((اعذريني مرة أخرى واخشى ان تكون رسالتي الأولى قد ازعجتك فانا اقسم لك انني لم ارد سوى الاطمئنان عليك لأنني شعرت بحزن شديد عندما علمت انك مريضة فسعادتك وراحتك وتقدمك احب شيء على قلبي أتمنى ان تسامحيني وتفهمي دوافعي وأتمنى لك حياة سعيدة)).
تسمرت خديجة امام الرسالة ثم ما لبثت ان اعادت قراءتها مرات ومرات، سبحت في مراميها الظاهرة والباطنة ولم يغب عن فكرها ان سعيد وأهله أصحاب خلق مما يجعلها تستبعد سوء النية وكان اكثر ما استوقفها عبارة فسعادتك وراحتك وتقدمك احب شيء على قلبي، داهمتها فكرة ان سعيد قد يكون فارس احلامها فقررت ان تختبر نواياه ببطء وروية .
سذاجتها وثقتها الخادعة ووساوس الشيطان ومشاعرها القلبية قادتها الى ان تكتب له رسالة جاء فيها ((مساء الخير اشكرك على اهتمامك انا لم انزعج، اعتقدت انك أرسلت الرسالة الأولى بالخطأ، انا اعلم انك انسان خلوق ولا تسيء لاحد لا داعي للقلق ربنا يوفقك).
كانت هذه الرسالة هي بداية تطور العلاقة بينهم بشكل عملي، وبعد ذلك استمرت الرسائل وبدأت عبارات الاعجاب تغزوها رويدا رويدا، وبدا ظهور انسجام فكري وقرب عاطفي بينهما واخذ يوهمها بمستقبل واعد ينتظره، فكان يتلقى عبارات المساندة منها والتعاطف معه ان الم به الحزن او فاتته فرصة، وعبارات التشجيع لم تخلو منها رسائله.
بدا اعجابها به ينمو وثقتها تزداد واملها ان يكون هذا الانسان صادق لطيف واعي صاحب مستقبل وزوجا لها، ظهرت عبارات الحب في حديثهم وتطور الامر الى الوعد الواضح بالزواج وبذلك تم كسر ما تبقى من حواجز بنهما والغي ما تبقي من ضوابط.
بعد اشهر من نشوة الحب والسعادة وصورة المستقبل الجميلة صُعقت خديجة بعد ان سمعت احدى صديقاتها تتحدث مع صديقة أخرى انها تحب سعيد وانه وعدها بالزواج، تمالكت نفسها واقنعتها ان هذا كذب، ولقد تكرر مثل هذا الكلام على مسمعها، وفي تطور حدوثت مشكلة بين اكثر من بنت من معارفها حيث ان كلا منهن تدعي ان سعيد سيكون من نصيبها هي وانه يحبها دون غيرها، وفي لحظة لم تستطع تمالك نفسها وقادها غضبها الى القول لهن انهن كاذبات وان سعيد زوجها المستقبلي، وقررت ان تفاتحه بالموضوع وعندما حدثته رد انه يحبها وحدها وان تلك الفتيات يحاولن التقرب منه وهو يرفض،اعمت سذاجتها بصيرتها وصدقت قوله .
مرت الشهور وهي تغرق في وحل حبها له وفي يوم صادم جاءت اليها صديقتها وجعلتها تشاهد رسائله التي تحمل عبارات الوعد بالزواج والحب.
أرسلت له قائلة :هل تخدعني يا سعيد؟ الم تعدني بالزواج؟ لماذا دخلت حياتي وجعلتني اتعلق بك؟ هل ذهبت احلامنا ادراج الرياح؟
رد عليها قائلا اسمعي يا خديجة ان التعليقات والحوارات معك على مواقع التواصل استهوتني، وبشكل غير مقصود تطور الامر الى اعجاب ليس اكثر وتكرر الامر مع فتيات اخريات حيث اني كنت ارتاح نفسيا بهكذا احاديث، وأدى ذلك الى اعجابي الجارف بنفسي فالكل يسعى الى ارضائي، وعند ذلك قررت ان أرى الى أي مستوى قد تصل العلاقة بيني وبينهن، وهل مشاعري تجاههن حقيقية ام لا؟.
لقد وصلني من بعضهن هدايا وصور خاصة، مزحت مع البعض واختليت بأخريات لكن لم يحصل بيننا زنى، لم يعد هناك محاذير في الكلام عن العلاقة الخاصة التي تكون بين الأزواج، ولقد كان التحول الرئيسي في العلاقة مع كل واحدة يحدث بعد وعدها بالزواج.
وعلى اثر تفكير معمق بدأت مؤخرا اميل الى ان تلك العلاقات لا يمكن لها ان تصل للزواج فليس مقبولا عندي ان ادخل بيتي فتاة قامت بأفعال مما ذكرتها فما يدريني انها لم تقم بمثل هذه الأفعال مع غيري وماذا يضمن انها ستصون لي عرضي بعد الزواج
ذهول صدمة احباط شعور بالخديعة إحساس بالدونية ورغبة في الانتقام كلها مشاعر وأحاسيس بدأت تتصارع مع حب قوي في قلبها، واعتقدت انه لا تزال هناك إمكانية لاستمالة قلبه بشكل حقيقي.
وبعد ان تجمد عقلها وتناست نصائح الوالدان واستجابة لنداء حبها استمرت بالمغامرة بمشاعرها وكرامتها وسمعة أهلها ومستقبلها الى ان جاءتها الضربة القاضية وهي خبر خطوبة سعيد على فتاة أخرى ليست ممن تعرفهن وليست ممن اقام معهن علاقة، كُسر كل شيء مهم وغالي في اعماقها وعشعش الحزن في قلبها.
فهل سيبقى الألم يعتصر قلبها حتى نهاية العمر؟
هل ستبقى تتجرع مرارة الخديعة وعلقم الجهل والسذاجة؟
هل سيؤثر ما حصل معها على علاقتها مع زوجها المستقبلي؟
هل سيؤثر ذلك على تعاملها مع شقيقاتها وابنائها بالمستقبل؟
ام ان التناسي سيفلح في لملمة جراحها وطي صفحة الألم هذه والاقبال على الحياة من جديد
أسئلة ستبقى في رسم الإجابة.