نحن لا نُقدر حالة الإتقان والنظام والإحكام التي نعيش فيها لأننا لم نجرب البديل عنها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾..آية عظيمة حقا!
أكثر من 90 عنصرا طبيعيا مكتشفا في هذا الوجود، رُتبت نيوترونات كل منها وبروتوناته في أنوية محددة الحجم بدقة، تجذب الإلكترونات في مدارات بالأبعاد اللازمة، هذه العناصر تفاعلت بقوانين كيميائية ثابتة لتعطي مركبات، فتهيأت الفرصة للحياة...

نحن نعرف معنى الشبع لأننا جربنا الجوع..
نعرف معنى الراحة لأننا جربنا التعب..
وبضدها تتميز الأشياء..لكننا لا نُقَدر عظمة النظام والإتقان، لأننا لم نر حالة ليس فيها إتقان!
بمعنى آخر: لا نقدر عظمة وجود الله لأننا لم نجرب حالة ليس فيها (الله)!
لو أن الأرض لا تدور، وكنا في الجزء المضيء دوماً، ولم يحجب نور الشمس عنا في بيوتنا حاجب، لما عرفنا معنى النور لأننا لا نعرف معنى الظلام، إذْ لم نجربه يوماً. ولو حدَّثَنا محدث حينئذ عن أهمية النور لما فهمناه، لأننا لا نتصور الظلام الذي يبدده هذا النور.
كذلك لم نجرب حالة ليس فيها إتقان، ولم نجرب حالة ليس فيها (الله).

(الله نور السماوات والأرض)...
ونوره لا يغيب، لأنه (الحي القيوم لا تأخذه سِنة ولا نوم).
لذلك فعندما نذكر ما يقوله الإلحاد فإننا نرسم الظلام حتى نستطيع أن ندرك قيمة نور الله بالمقارنة به...نرسم الظلام الذي لم نشاهده يوما ولن نشاهده: ظلامَ عدم وجود الله.
من يمسك الجسيمات في الذرات أن تتناثر؟
من يمسك طاقة الذرات أن تتحرر وتنفجر كما تتحرر الطاقة في القنابل الذرية؟
من يمسك المخلوقات على الأرض أن تتطاير؟
من يمسك الكواكب والنجوم أن تصطدم؟
﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر/41]
ستقول: (تمسكها القوانين)!..
هذه القوانين هل هي فاعل مريد حي؟
هل قانون الجاذبية مثلاً إله مريد مختار يعلم ما يفعل؟
هذه القوانين ما هي إلا أوصاف لما يحصل، لا أنها فاعل مختار يُسَبِّبُ ما يحصل.
هي أوصاف لأفعال الله تعالى في خلقه.

فقناعتنا بأن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ليست لأن القرآن يقول ذلك فحسب، بل ولأن هذا هو المقتضى العقلي لكون القوانين خواص غير عاقلة لا تُنشئ نفسها. القوانين ما هي إلا أوصاف لأفعال الله في خلقه، وليست بدائل عن قيومية الله على خلقه، ولا تعني أن حالة الإتقان هذه أصبحت ذاتية تلقائية مستغنية عن الخالق والمسبب الأول لكل شيء!

لو قلت: فلان يكتب بسرعة 100 كلمة في الدقيقة، هل هذا قانون حاكم يحكم فلانا؟
هل لو قرر فلان التوقف عن الكتابة فإن أزرار الكمبيوتر ستنضغط تلقائيا بسرعة 100 كلمة في الدقيقة؟
نشأنا ونحن نرى الكون بهذا النظام، فأصبح هذا النظام هو الحالة الافتراضية التي لا نتصور غيرها، وتعاملنا وكأن خواص الأشياء ذاتية فيها، "تلقائية"..وكأن الجمادات اختارت عن علم وإرادة أن تكون لها هذه الخواص! ولو تفكرنا لشاهدنا تجليات القدرة الإلهية في جميع الموجودات، ولم نَرَ مؤثراً في الوجود سوى الله، ولَعَلِمنا أنه ليس هناك شيء ذاتي على الحقيقة إلا الخالق والسبب الأول والمحرك الأول لكل الخلائق، فهو الذي يعطي للجمادات خواصها.
وزمام المواد كلها والقوانين كلها والخواص كلها بيده سبحانه. والموجودات كلها، من أصغر الجسيمات إلى أعظم الأجرام مفتقرة إليه، ليس لها ذاتية ولا تلقائية ولا غنى لها طرفة عين عنه سبحانه، فهو (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الذي يقوم على أمر السماوات والأرض (لا تأخذه سنة ولا نوم)، إذ لو حصل هذا لزالت السماوات والأرض، لكن: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا).


غلاف جوي بالارتفاع والكثافة المناسبين يحتوي غازات بالنسب اللازمة وينقل الموجات الصوتية بسرعة مضبوطة، تربةٌ مهيأة لاستقبال البذور واختزان ماء الأمطار، ماء بلزوجة وخواص إذابة محددة، يتبخر عند درجة حرارة معينة ليشكل السحب، ويتكثف عند درجة أخرى ليهطل مطراً، وكل ذلك بالمقادير المناسبة لدورته في الطبيعة، ضوء يسير بالسرعة المناسبة،
جاذبية أرضية بالمقدار اللازم بحيث لا نسبح في الهواء ولا تلتصق أقدامنا في الأرض، أرضٌ تدور بسرعة دقيقة لليلٍ ونهارٍ يتعاقبان للنَّوم والعمل، فصول أربعة تجدد النفس وتحيي الثمار، بُعد دقيق للشمس فلا تحرقنا ولا نتجمد. آلاف المليارات من الكواكب والنجوم تسير بسرعة مناسبة في مدارات محددة بدقة شديدة فلا تصطدم.
نشأنا ونحن نرى الكون هكذا...فاعتدنا عليه، ولا نتصور كم هو مذهل مدهش لأننا لم نَرَ حالة ليس فيها نظام.


(من حلقة: العظمة في كل مكان).
رحلة اليقين

▫د.إياد قنيبي▫