سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مراحل القيامة

  1. #1

    مراحل القيامة




    الوقفة الأولى:اختلف أهل العلم في ترتيب أحوال يوم القيامة.

    فإنَّ ما يحصل يوم القيامة، وما يكون مِمَّا ورد في الكتاب والسُّنَّة، أشياء كثيرة: قيام الناس، والحوض، والميزان، والصُّحُف، والحساب، والعرض، وتطاير الصُّحُف، وأخذ الكتاب، الصراط، والظلمة، وهذه أشياء متنوعة

    فكيف يكون ترتيبها؟
    أولاً: لا يوجد نصٌّ صريح في ترتيبها، ولذا وقع الخلاف في هذه المسألة.
    ثانيًا: سأعطي عرضًا موجزًا لِما سيأتي، ثم ندخل في تفاصيله، وهذا العرض الموجز ذكره الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله - وأنه هوالذي قرَّرَهُ المحققون من أهل العلم.

    وأنَّ ترتيبها كالتالي:
    1 - إذا بُعث الناس، وقاموا من قبورهم، ذهبوا إلى أرض المحشر، ثم يقومون فيها قيامًا طويلا، تشتد معه حالهم، وظمؤُهُم، ويخافون في ذلك خوفًا شديدًا؛ لأجل طول المقام، ويقينهم بالحساب، وما سيُجري الله - عزَّ وجل - عليهم.
    2 - فإذا طال المُقام رَفَعَ الله - عزَّ وجل - لنبِّيه صلى الله عليه وسلم أولًا حوضه المورود، فيكون حوض النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في عَرَصَات القيامة، إذا اشتد قيامهم لرب العالمين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سَنَة.
    فمن مات على سنّته غير مُغَيِّرٍ، ولا مُحْدِثٍ، ولا مُبَدِّلْ، وَرَدَ عليه الحوض، وسُقِيَ منه، فيكونُ أولا لأمان له أن يكون مَسْقِيًا من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها يُرْفَعُ لكل نبي حوضه، فيُسْقَى منه صالح أمته.
    3 - ثم يقوم الناس مُقامًا طويلًا، ثم تكون الشفاعة العظمى - شفاعة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بأن يُعَجِّلَ الله - عزّ وجل - حساب الخلائق، في الحديث الطويل المعروف أنهم يسألونها آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم إلى آخره، فيأتون إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ويقولونله: يا محمد، ويصِفُونَ له الحال، وأن يقي الناس الشِّدَّة بسرعة الحساب، فيقول صلى الله عليه وسلم بعد طلبهم اشفع لنا عند ربك: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا»، فيأتي عند العرش فيخرّ، فيحمد الله - عز وجل - بمحامد يفتحها الله - سبحانه - عليه، ثم يقال: «يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ »، فتكون شفاعته العظمى في تعجيل الحساب.

    4 - بعد ذلك يكون العرض - عرض الأعمال - .

    5 - ثم بعد العرض يكون حساب.

    6 - وبعد الحساب الأول تتطاير الصحف، والحساب الأول منضمن العرض؛ لأن فيه جدال، ومعاذير، ثُمَّ بعد ذلك تتطاير الصحف، ويُؤْتَى أهل اليمين كتابهم باليمين، وأهل الشمال كتابهم بشمالهم، فيكون قراءة الكتاب.

    7 - ثم بعد قراءة الكتاب، يكون هناك حساب أيضًا؛ لقطع المعذرة، وقيام الحجة بقراءة ما في الكتب.
    8 - ثم بعدها يكون الوزن - الميزان - ، فتوزن الأشياء التي ذكرنا.
    9 - ثم بعد الميزان ينقسم الناس إلى طوائف وأزواج - أزواج بمعنى: كل شكل إلى شكله - ، وتُقَامْ الألوية - ألوية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - لواء محمد صلى الله عليه وسلم، ولواء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ، ولواء موسى - عليه الصلاة والسلام - إلى آخره، ويتنوع الناس تحت اللواء بحسب أصنافهم، كل شَكْلٍ إلى شكله.
    والظالمون، والكفرة أيضًا يُحْشَرُونَ أزواجًا - يعني: متشابهين - كما قال تعالى: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [الصافات:22، 23]؛ يعني بأزواجهم: أشكالهم، ونُظَرَاءَهُمْ، فيُحْشَرْ علماء المشركين مع علماء المشركين، ويُحْشَرْ الظلمة مع الظلمة، ويُحْشَرْ منكري البعث، مع منكري البعث، ويُحْشَرْ منكري الرسالة مع منكري الرسالة، وهكذا في أصناف.
    10 - ثُمَّ بعد هذا يَضْرِبُ الله - عز وجل - الظُّلمة قبل جهنم - والعياذ بالله - ، فيسير الناس بما يُعْطَونَ من الأنوار، فتسير هذه الأمَّة وفيهم المنافقون، ثُمَّ إذا ساروا على أنوارهم ضُرِبَ السُّور المعروف: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْقِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُم ْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوابَلَى ﴾ [الحديد:13، 14] الآيات، فيُعْطِيْ الله - عز وجل - المؤمنين النور فيُبْصِرُون طريق الصراط، وأمَّا المنافقون فلا يُعْطَون النور، فيكونون مع الكافرين يتهافتون في النار، يمشون وأمامهم جهنم - والعياذ بالله - .
    11 - ثم يأتي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أولًا ويكون على الصراط، ويسأل الله - عز وجل - السلامة له ولأمته، فيقول: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ »فَيَمُرْ صلى الله عليه وسلم وتَمُرُّ أمته على الصراط، كُلٌ يمر بقدر عمله، ومعهنور أيضًا بقدر عمله، فيمضي مَنْ غَفَرَ الله - عزّ وجل - له، ويبقى في النار، فتكون العبارة: ويسقط في النار في طبقة الموحّدين من شاء الله - عز وجل - أن يُعَذّبه.
    ثم إذا انتهوا من النار اجتمعوا في عَرَصَات الجنَّة - يعني: في السّاحات التي أعدها الله - عز وجل - - ؛ لأن يُقْتَصَّ أهل الإيمان بعضهم من بعض، ويُنْفَى الغِلّ حتى يدخلوا الجنَّة، وليس في قلوبهم غِلّ.
    12 - فيدخل الجنَّة أول الأمر بعد النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقراء المهاجرين، ثم فقراء الأنصار إلى آخره، ثم فقراء الأمَّة، ويُؤَخَرْ الأغنياء؛ لأجل الحساب الذي بينهم، وبين الخلق، ولأجل محاسبتهم على ذلك
    وقيل في ترتيبها غير ما تقدَّم، وكما ذكرتُ سابقا في المسألة خلاف؛ لعدم وجود النَّص القاطع في ترتيبها، وبقي أحداث، وأحوال لم تُذكر، سيأتي بيانها - بإذن الله تعالى - .

    • الوقفة الثانية: لتعلم أنَّ البداية بعد البعث تكون من أرض المحشر، وعندها اعلم أن هول ذلك اليوم هول عظيم، فأعدَّ لهذا اليوم عدَّته، فهو طويل وطويل، فيه مشاقٌّ، ومصاعب، ولك أن تتصور أن فيه من هوله ما يشيب معه الصغير، وما تذهل معه المرضع والحامل عن ولدهما، وما يجعل الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله تعالى شديد، إنه يوم عظيم: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 4 - 6].، إنه يوم القلوب والأبصار فيه مضطربة متقلبة: ﴿ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾[النور:37]، وتنقطع فيه الأنساب، إنه يوم طويل ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [المعارج:4]، ولا تظن - أيها المبارك - أنَّ اليوم أربعٌ وعشرون ساعة، لا، فالله تعالى أخبرنا بقوله ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج:47].

    فما أطوله من يوم؟ وما أغفلها من قلوب؟ والله المستعان، إنه يوم فيه القدوم على الله تعالى، فعلى أي حال ستُقْدِم على ربك - جل في علاه - ؟؟

    ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ [هود:103، 104].

    ووالله لو قيل لنا: مطلوب منك المثول بين يدي قاضٍ من قضاة الدنيا، أو ملِك من ملوك الدنيا، لاهتممنا، وانشغلت أذهاننا عن الطعام، والشراب، والكلام، ولَمَا تلذّذنا براحة أو منام، ولفزعنا؛ لأننا نتصور ما نحن مقدمون عليه جيدًا، فكيف ويوم القيامة سنقف فيه بين يدي ملك الملوك وقاضي القضاة؛ الله رب الأرض والسماوات؟!

    اللهم أيقظ قلوبنا من الغفلات، وألسنتنا من الزلات، وأعيننا من الزيغ، يا سميع يا مجيب وارزقنا يا إلهي الإقبال على الآخرة، والزهد في الدنيا، يا سميع الدعاء.





    مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"

    انظر: كتاب إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل للشيخ صالح آل الشيخ المسألة التاسعة.

    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح

    شبكة الألوكه






    هذا شرح تفصيلي لمراحل القيامة مع الدكتور خالد ابو شادي من كتاب خطط لمستقبلك

    النفخ فى الصور
    الموقف
    الحشر
    الشفاعة
    العرض والحساب
    تطاير الصحف
    الميزان
    الحوض
    الصراط
    القنطرة



    اولا: النفخ فى الصور

    قال الله تعالى:

    (ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُون) [الزمر: 68].

    ومعنى الصور في لغة العرب: القرن، وهو شبه البوق.

    ولما سئل رسول الله ﷺ عن الصور، قال:

    «قرن يُنفَخ فيه».

    السلسلة الصحيحة رقم: 1080

    والصور هو الناقور الذي جاء في قوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ).

    من ينفخ فيه؟!
    إسرافيل هو الموكَّل بالنفخ في الصور، وهذه مهمتة الرئيسة ووظيفته الأولى، وقد شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حال إسرافيل، واستعداده الشديد لتلقي الأمر بالنفخ في الصور:
    «إن طرَف صاحب الصور منذ وُكِّل به مستعدٌ ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمَر قبل أن يرتدَّ إليه طرفه، كأنَّ عينيه كوكبان دريان». السلسلة الصحيحة رقم: 1078

    يموت الخلق كلهم بعد النفخة الأولى، ثم يُنفَخ في الصور مرة أخرى، فيقومون لرب العالمين، وهاتان النفختان اسمهما الراجفة والرادفة كما في قوله تعالى:يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
    فالراجفة: النفخة الأولى، وسُمِّيت بذلك؛ لأن الكون كله يرجف ويتزلزل عندها، والراجفة تميت الأحياء إلا من شاء الله حتى يكون آخر هو من يموت ملك الموت.
    والرادفة: النفخة الثانية، وسُمِّيَت كذلك لأنها تردف النفخة للأولى أي تأتي بعدها، والرادفة نفخة تحيي الأموات، حيث يكون أول من يُحيي الله إسرافيل، الذي ينفخ النفخة الثانية ليبعث الخلق.

    وفي هذا دلالة على عظم خلق إسرافيل عليه السلام؛ فبصيحة واحدة منه فحسب يهلك كل من في السماوات والأرض، وبنفخة أخرى يبعث الله الحياة في جميع الخلق ليحشروا إلى أرض المحشر.


    ● كم بين النفختين؟!
    في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «ما بين النفختين أربعون».
    قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟
    قال: أبيت.
    قالوا: أربعون شهرًا.
    قال: أبيت.
    قالوا: أربعون عاما؟
    قال أبيت.
    قال النووي: «ومعنى قول أبي هريرة ( أبيت ) أي أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يوما أو سنة أو شهرا، بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة».



    من أول من يسمع النفخة الأولى؟!

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «وأوَّلُ مَنْ يَسْمَعُه رَجُلٌ يلوط حَوْضَ إبِلِه فيُصْعَق ويُصْعَق النَّاس حوله».
    وحال هذا الرجل الذي يُصعَق يوحي بأن نفخة الصور تأخذ الناس على حين غرة، وهم لاهون عنها وغارقون في الغفلة، وهذا موافق لما ورد في الصحيح أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «ثم يُنزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا، وهو عجْب الذَّنَب، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة». رواه البخاري: 4651 ومسلم: 2955
    أي يرسل الله سحابا فتمطر، فإذا أصاب الماء عَجْب الذَّنْب نبت منه الجسم كما ينبت النبات، فيرجع كما كان، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث الرادفة، فتعود الأرواح على أثرها إلى الأجساد، فيخرج أصحابها من القبور سراعا إلى أرض المحشر .


    ● الواجب العملي نحو نفخة الصور؟!

    إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أخشى الخلق لله وأتقاهم- يقول:
    «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ، فينفخ». السلسلة الصحيحة رقم: 1079
    فكيف بحال المذنبين المقصِّرين؟!
    يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
    كيف يطيب عيشي وقد اقترب موعد النفخ في الصور، ومعه الحساب، وكأنه خاف على أمته من اقتراب حسابهم مع ضعف استعدادهم، أو لعله أراد حثَّ الصحابة على توصية من بعدهم بالتهيؤ ليوم الحساب.
    فلما سمع الصحابة ذلك التحذير ثقل عليهم، ووجلت قلوبهم، فسألوا رسولهم النصيحة: فكيف نقول يا رسول الله؟
    قال:
    «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل .. توكلنا على الله ربنا».
    فأوصاهم بأن يقولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، وهي كلمة ملؤها التوكل على الله والاكتفاء به، وغالبا ما يستعملها الناس في الأمور الدنيوية ولمواجهة مشاكلهم الحياتية، لكن استعمالها في الشؤون الأخروية والعبادات اليومية أهم، فالله وحده كافي عباده همومهم الدنيوية والآخروية.


    دكتور خالد ابو شادي










  2. #2

    رد: مراحل القيامة

    ثانيا: الموقف



    هول المطلع

    لما طُعِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له رجل: إني لأرجو أن لا تمس جلدك النار، فنظر إليه، ثم قال:
    « إن المغرور لمن غررتموه، والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع».

    وهول المطلع يريد به عمر موقف الناس يوم القيامة، وما يشرِفون عليه من أهوال الآخرة.

    التوازن بين الخوف والرجاء!

    رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كعبا يوما قد استرسل في تحديث الناس بأحاديث الرجاء، فقال له:
    ويحك يا كعب! إن هذه القلوب قد استرسلت، فاقبضها، فقال كعب:
    «والذي نفسي بيده، إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا يخرُّ لركبتيه، حتى إن إبراهيم خليل الله ليقول: نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا لظننت أنك لا تنجو».

    الوقاية من هول المطلع!

    لما حضر عنبسة بن أبي سفيان الموت اشتد جزعه، وجاء الناس يعودونه، فجعل عنبسة يبكي ويجزع، فقال له القوم: يا أبا عثمان .. ما يبكيك وما يحزنك وقد كنت على سمت من الإسلام حسن وطريقة حسنة؟ فازداد حزنا وشدة بكاء، وقال:
    ما يمنعني أن لا أبكي وأن لا يشتد حزني من هول المطلع، وما يدريني ما أشرف عليه غدا، ما قدَّمتُ من كثير عمل تثق به نفسي أنه سينجيني غدا، وإن أوثق شيء في نفسي لكلمات حدثتني بها أختي أم حبيبة بنت أبي سفيان، حدثتني أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد على فراشها يقول:
    «ما من مسلم يحافظ على أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع بعدها، فتمسُّه النار بعدهن إن شاء الله أبدا»، فما تركتهن بعد إلى ساعتي هذه، وإنها لأوثق خصال في نفسي.


    أرض الموقف:

    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
    «يُحْشَر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كَقُرْصَة النَّقِيِّ، ليس فيها عَلَمٌ لِأحد».
    صحيح مسلم رقم: 2790
    ومعنى عفراء أي بيضاء مشوبة بحُمْرة، وقرصة النقيِّ أي كرغيف مصنوع من دقيق خالص من القش والنخالة، والأرض يومئذ ليس فيها أي علامة يُستَدلُّ بها، وليس فيها ما يستر البصر.

    قال القاضي عياض:
    «ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثَر، ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات، كالجبل والصخرة البارزة».

    قال تعالى:
    (يوم تبدل الأرض غير الأرض) [إبراهيم: 48]:
    وسواء كان التبديل في ذات الأرض أو في صفاتها؛ فإن الذي يعنينا أن أرض الدنيا قد انقطعت العلاقة معها، وأن الأولين والآخرين من جميع الخلائق سيُجمَعون في صعيد واحد على أرض جديدة عجيبة، ومن عجائب هذه الأرض ما ذكره عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
    «تبدَّل الأرض أرضًا، كأنها فضة، لم يُسفَك فيها دم حرام، ولم يُعمَل عليها خطيئة».
    وذكروا في حكمة نقاء أرض المحشر وانبساطها: أن يوم القيامة يوم عدل وظهور حق؛ فاقتضت حكمة الله أن يكون المحل الذي يقع فيه الحساب مطهَّرا من المعاصي والظلم (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ) وليكون تجليه سبحانه على عباده المؤمنين على أرض طاهرة تليق بعظمته.


    من هو أول الخلق حياة بعد النفخة الثانية؟!

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْآخِرَة» . صحيح البخاري رقم: 4813
    وفي صحيح مسلم:
    «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر» .
    ثم يقوم من بعده الخلق أجمعون، ويقفون في يوم عظيم طويل مقداره خمسين ألف سنة.
    ويحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلا –أي غير مختونين- فحتى هذه الجلدة التي تم نزعها من الرجل والمرأة أثناء الختان ترد إليك لتُبعَث بها، هذه القلفة نزعت منك منذ أربعين أو خمسين أو ستين عاما، وألقيت في القمامة، فذابت وانتهى أمرها منذ عشرات السنين، ثم تبعث وتبعث معك بعد مئات أو آلاف السنين، ألا يدل هذا على أن الله تعالى قادر على الإحياء بعد الإماتة؟
    جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
    «يا رسول الله! ينظر بعضهم إلى بعض! قال: يا عائشة الأمر أعظم من ذلك وأكبر من ذلك».
    وفي رواية عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، واسوأتاه .. ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: شُغِل الناس، قلت: ما شُغْلُهم؟ قال: «نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل».


    أول من يُكْسَى من الخلق إبراهيم:
    في صحيح البخاري ومسلم:
    «وإن أول الخلائق يُكسَى يوم القيامة إبراهيم». صحيح البخاري رقم: 4625 ومسلم رقم: 2860

    لكن .. ألا يتعارض هذا مع ما جاء في الحديث أن الإنسان يُبعَث في الثياب التي مات فيها:
    «إِنَّ الْمَيِّت يُبْعَث في ثيابه التي يموت فيها». السلسلة الصحيحة رقم: 1671
    جمع الإمام ابن حجر بين هذه الأحاديث بأن بعضهم يحشر عاريا، وبعضهم كاسيا.
    أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكون أول من يُكسَى الأنبياء، فأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
    أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيُحشَرون عراة، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم.


    حال الناس مع وقفة يوم القيامة

    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
    قال: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه«. البخاري رقم: 4938 ومسلم رقم: 2862
    وفي لفظ آخر:
    «حتَّى يغيب أَحَدُهُم في رَشْحِه إلى أنصاف أذنيه«.
    وكثرة العرق يوم القيامة لا يتصورها عقل، ففي صحيح مسلم:
    «إن العَرَق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم«.
    صحيح الجامع رقم: 1679
    أي ينزل فيها من كثرته شيء كثير جدا، فالسبعين في الحديث للتكثير لا للتحديد.
    ويتفاوت الناس في العرق بحسب معاصي كل عبد، فالغارق في المعاصي يُلجِمه العرق إلجاما، وتفصيله خرَّجه مسلم من حديث المقداد، عن النَّبيِّ ^ قال:
    «فيكونون في العَرَق كقدر أعمالهم، فمنهم مَنْ يأخذه إلى عَقِبَيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ، ومنهم من يُلجمه إلجاما».

    وورد إشكال هنا:
    إن الجمع إذا وقفوا في ماء على أرض معتدلة، فإنها تغطيهم على السواء، ولا يتفاوتون، وأجيب عن هذا بأن هذا من خوارق العادات يوم القيامة، والإيمان بها من الواجبات.
    وسبب كثرة العرق دنو الشمس من الرؤوس مع تزاحم الخلق، فتدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، وسواء كان الميل هو وحدة قياس المسافة المعروفة أو أو الميل الذي تُكْتَحَلُ به العين، فإن المسافة قريبة قريبة، ويستمر هذا الحال خمسين ألف سنة، لا يذوقون فيها طعاما، وما شربوا شراباً حتى تتقطع الأكباد من العطش.



    الأجساد تختلف!

    اقتراب الشمس في الدنيا مترا واحدا من الأرض يحرق الأرض بمن عليها، لكن اقترابها جدا من الارض يوم القيامة، لا يُحدِث هذا الأثر، فالأجساد غير الأجساد.
    لكن ابشروا!
    فالمؤمنون في مأمن من كل هذا، ولذا قال سلمان الفارسي رضي الله عنه عن حر الشمس:
    «ولا يجد حَرَّها مؤمن ولا مؤمنة».
    قال القرطبي يشرح قول سلمان:
    «إن هذا لا يضر مؤمنا كامل الإيمان أو من استظل بالعرش».
    ومن استظل بظل العرش سبعة كما ورد في صحيح الأحاديث. قال الإمام ابن أبي شامة المقدسي:
    وقال النَبِيُّ المُصطَفى إِنَّ سَبعَةً .. يُظِلُّهُم اللَه العَظيمُ بِظِلِّهِ
    مُحِبٌّ، عَفيفٌ، ناشئٌ، مُتَصَدِّقٌ .. وَباكٍ، مُصَلٍّ، والإِمامُ بِعَدلِه
    أضف إليها من أنظر معسرا أو وضع دينا عن مدين.
    في الحديث:
    «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
    صحيح الجامع رقم: 6106


    لكن ماذا عن طول يوم القيامة؟!

    آلاف السنوات تمر على المؤمنين يوم القيامة كأنها ساعات، أليس الله على كل شيء قدير؟!
    لقد مات عزير مائة عام ثم بعثه الله، ونام أصحاب الكهف ما يزيد أكثر من ثلاثمائة عام ثم بعثهم، فلما سئلوا: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر». صحيح الجامع رقم: 8193


    تعب اليوم وإلا تعب الغد!

    قال الإمام الغزالي:
    «وكل عرَق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج، وجهاد، وصيام، وقيام، وتردد في قضاء حاجة مسلم، وتحمل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر، يستخرجه الحياء والخوف في صعيد يوم القيامة».
    وهذا مصداق قول الله تعالى عن أهل النار:
    (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) [الغاشية: 2-3]:
    لم يخشعوا في الدنيا، فخشعوا في الآخرة، ولم يتعبوا في الدنيا، فتعبوا يوم القيامة.
    عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضا فبشَّره قائلا:
    «أبشِر! فإن الله تعالى يقول: هي ناري أسلِّطها على عبدي المؤمن في الدنيا؛ لتكون حظه من النار يوم القيامة» .
    صحيح الجامع رقم: 32 والصحيحة رقم: 557
    أي مرضك هو عقوبتك المعجَّلة لما اقترفت من الذنوب، بدلا من أن تؤجَّل لك إلى الآخرة، حيث العذاب الأبقى والأشد .



    دكتور خالد ابو شادي


  3. #3

    رد: مراحل القيامة

    ثالثاً : الحشر




    ● حشر الكافرين!

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة».
    صحيح البخاري رقم: 6523

    قال أبو حامد:
    «طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به ولم يشاهده، ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها لأنكر المشي من غير رجل، والمشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا، فإنك لو لم تكن شاهدت عجائب الدنيا، ثم عُرِضَت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها».
    واسمع ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال:
    «والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقِب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات».


    ● حشر السائلين:

    في الحديث:
    «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة ليس فى وجهه مزعة لحم».
    صحيح الجامع رقم: 5816
    وفهم الإمام البخاري من الحديث أن الذي يأتى يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال هو السائل تكثرا بغير ضرورة، ومن سأل تكثرا فهو غنيٌّ، لا تحل له الصدقة، لذا عوقب في الآخرة.
    حين بذل وجهه وعنده كفاية، عوقِب في وجهه بأن جاء بلا لحم فيه، فكان جزاؤه من جنس ذنبه.
    أما عن حد الكفاية ففد حدَّده النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
    «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه».
    قيل: يا رسول الله .. وما يغنيه؟ قال:
    «خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب». السلسلة الصحيحة رقم: 499

    ● حشر الغادرين:

    قال النبي صلى الله عليه وسلم :
    «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفَع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان».
    صحيح الجامع رقم: 483
    وهذا الخطاب تفهمه العرب جيدا، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء؛ ليفضحوا الغادر ويذموه، وليحذِّروا الناس منه، فجاء تمييز الغادر في الحديث عن طريق اللواء ليفتضح بصفته هذه في القيامة، فيذمه أهل الموقف جميعا.
    لكن .. أين مكان اللواء؟!
    قال النبي ^:
    «إن لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به عند إسته». صحيح الجامع رقم: 2153 والصحيحة رقم: 1690
    عومِل الغادر بنقيض قصده، لأن عادة اللواء أن يكون في الأمام، فجُعِل في الخلف ليزداد فضحه وتوبيخه وتعذيبه، وبدلا من أن يحمل اللواء بيديه، ينغرس اللواء في مؤخرته، بحيث لا يملك صاحبه أن يتخلص منه.
    والغرض من الحديث التنفير من الغدر، وبيان أنه من أعظم الجرائم عند الله.
    لكن الغدر يتفاوت، ومن ثم فحجم اللواء يتفاوت، بحسب قدر الغدرة.
    قال رسول الله ^:
    «لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة».
    صحيح الجامع رقم: 5170
    وتغليظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة؛ لأن ضرر غدره يتعدى إلى خلق كثير، ولأن الأمير غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
    ومن صور الغدر الشنيعة، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم :
    «إذا اطمأن الرجل إلى الرجل، ثم قتله بعدما اطمأن إليه، نُصِب له يوم القيامة لواء غدر» .
    صحيح الجامع رقم: 357 والصحيحة 441


    ● حشر الظالمين

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا، حتى يفكَّه العدل أو يوبقه الجور».
    صحيح الجامع رقم: 5695 والصحيحة رقم: 349

    الإمارة والمسؤولية هي قيود تسلسل صاحبها في الآخرة، وكل مسؤول مقيَّد، لكن صاحب العدل مفكوك محرَّر، والظالم أسير مقيَّد، ولذا زاد في رواية أحمد:
    «لا يفُكُّه مِنْ ذلك الغُلِّ إلَّا العدل».

    ولذا يحق لكل مظلوم أن يهتف اليوم:
    بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ ... والحاكِم العَدْلُ الجواد المُنْصِفُ
    انظروا إلى عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة، حيث تقول زوجته فاطمة: دَخَلْتُ يوما عليه وهو جالِسٌ فِي مُصلَّاه، واضِعا خَدَّهُ على يد،ه ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال:
    «ويحك يا فاطمة، قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ما وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ في الفقير الجائع، والمريضِ الضَّائع، والعاري المجهود، واليتِيم المكسور، والأرملة الوحيدة والْمظلوم الْمَقْهُورِ. والغرِيب والأسير، والشَّيخ الكبيرِ، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأَشْباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعَلِمْتُ أَنَّ ربِّي سيسألنِي عنهم يوم القيامة، وأنَّ خصمِي دونهم محمد ، فَخَشيتُ أَنْ لا يَثْبُتَ لي حُجَّةٌ عند خصومته، فرحِمْتُ نفسي، فَبَكَيْتُ».

    ● حشر أهل الصلاة والمتوضئين:

    عن عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    «أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجَّلون من الوضوء». صحيح الجامع رقم: 1397
    قال النووي:
    «قال أهل اللغة الغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديها ورجليها. قال العلماء: سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس.
    وحرص على إشعال روح المنافسة بين الصحابة في إحسان الوضوء، فعن نعيم بن عبد الله، أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». صحيح مسلم رقم: 246

    ● حشر الشهداء:

    ومن مشاهد يوم القيامة: مشهد أقوام يحشرون ودماؤهم تسيل منهم، وهم الشهداء، وهذا إكرام لهم وبيان لفضلهم، وتشهيرٌ ببذلهم وعلو مقامهم، لأن الجزاء من جنس العمل.
    في الحديث:
    «كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله تعالى يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجَّر دما، واللون لون الدم، والعَرْف عَرْف مسك».صحيح الجامع رقم: 4544
    مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بحمزة وقد جُدِع أنفه، ومُثِّل بجثمانه، فقال: لولا أن تجزع صفية لتركته حتى يحشره الله عز وجل من بطون الطير والسباع، وكان هذا دعاء كثير من السلف والصالحين: اللهم احشرني من حواصل الطير وبطون السباع، وسبب ذلك أن يتضاعف أجرهم، ويعلو عند الله قدرهم.
    ومثل هذا ما دعا به عبد الله بن جحش يوم أحد، فقال: يا رب .. إذا لقيت العدو غدا، فلقِّني رجلاً شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا، قلتَ: يا عبد الله .. من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
    قال سعد بن أبي وقاص: «فلقد رأيته آخر النهار، وإن أذنه وأنفه لمعلقتان في خيط».
    ● حشر صاحِب القرآن
    عن بريدة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
    «وإِنَّ القرآن يلقى صاحِبَهُ يوم القيامة حين يَنْشَقُّ عنه قَبْرُه كالرَّجُل الشَّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أَعْرِفُك، فيقول: أنا صاحبك .. القرآن الَّذي أَظمأتُك في الهواجر وأسهَرْتُ ليلك، وإنَّ كُلَّ تاجرٍ مِنْ وراء تجارته، وإنَّك اليوم من وراء كل تجارة، فيُعطَى الْمُلْكَ بِيمينه، والخُلد بِشِماله، ويوضَع على رأسه تاج الوقار، ويُكْسَى والِداه حُلَّتَيْن لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسِينا هذا؟ فيُقال: بِأَخْذ وَلَدِكما القرآن، ثُمَّ يُقال له: اقرأ واصعد في دار الجنَّة وغُرَفِها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هَذًّا كان، أو ترتيلا».
    السلسلة الصحيحة رقم: 2829

    والرجل الشاحب هو الذي تغير لونه، وكأن القرآن يأتي على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، فقد دفعه القرآن لقيام الليل وصيام النهار حتى ظهر أثر ذلك عليه، فلم يكن القرآن ترانيم يتغنى بها صاحبها دون تهذيب سلوك أو تغيير عادات، وهذا دليلٌ على أن القرآن الذي لا تأثير له على عمل العبد وسلوكه لا يكون حجة لصاحبه، وإنما حال صاحب القرآن يجب أن يكون مغايرا لمن حوله، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
    «ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناس نائمون.
    وبنهاره إذا الناس مستيقظون.
    وببكائه إذا الناس يضحكون.
    وبصمته إذا الناس يخوضون.
    وبخضوعه إذا الناس يختالون.
    وبحزنه إذا الناس يفرحون».

    ● حشر ذي الوجهين:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار». صحيح الجامع رقم: 6496
    يريد به ذلك الشخص الذي يأتي كل قوم بما يرضيهم، خيرًا كان أم شرًا، وهذه هي المداهنة المحرمة، وإنما سُمِّي (ذو الوجهين) مداهنًا؛ لأنه يُظهِر لأهل المنكر أنه راضٍ عنهم، فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبِشْر، وكذلك يُظهِر لأهل الحق أنه عنهم راض، فبخلطته لكلا الفريقين وإظهار رضاه عن فعلهم، استحق اسم المداهنة، تشبيها بالدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها.
    قيل لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره. قال: كنا نعده نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ● حشر مغتصب الحقوق:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طُوِّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة». صحيح الجامع رقم: 7577
    وفي معنى طُوِّقه قولان:

    - أحدها: معناه أنه يُعاقب بالخسف إلي سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقا في عنقه كالطوق الذي تلبسه المرأة للزينة.

    - والثاني: أنه يُكلَّف بنقل ما أخذ ظلما من الأرض في القيامة، فيحمل سبع أرضين في مقابل هذا الشبر الحقير المغصوب، وذلك كما يحمل السارق ما سرق على عنقه يوم القيامة على سبيل الفضيحة والتعذيب.

    وكما ترى، فالجزاء من جنس العمل، وذلك أن هذا الظالم لما تحمل هذا الإثم بالنسبة للأرض، جوزي بأن يتحمل العقوبة بمثلها يوم القيامة.

    وفي تقييد الأخذ بالشِّبر مبالغة، وبيانُ أن ما زادَ على الشبر أَوْلى بالعقوبة، ونظيرُه قوله صلى الله عليه وسلم في اليمين الكاذبة التي يغصب بها صاحبها حقوق الغير: «وإن كان قضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، ففي الحديث:
    «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة، وإن كان قضيبا من أراك». صحيح الجامع رقم: 6076

    فما أقبح الظلم، وما أشد وعيد الظالم، وما أغلظ عقوبته، وكل هذا ردع للأمة عن الظلم، ورحمة بها كي لا تقع في براثنه.

    ● هدايا العمال غلول!

    في الحديث:
    «هدايا العمال غلول». صحيح الجامع رقم: 7021
    وفي الطبراني عن ابن عباس:
    «الهدية إلى الإمام غلول». صحيح الجامع رقم: 7054
    والحديث يشمل الإمام ومثله نوابه من الوزراء والمحافظين ومديري الهيئات والمصالح العامة.
    رُوِي أن عمر أهدى إليه رجل فخذ جزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصمه، فقال: يا أمير المؤمنين .. اقض لي قضاء فصلا كما يفصل الفخذ من الجزور، فضرب بيده على فخذه وقال:
    «الله أكبر .. اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول»

    خالد ابو شادي








 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •