" الإنسانية المتميزة "
" خديجة رضي الله عنها "
إبراهيم العسعس -1-
نظلمُها كثيراً لو قلنا: إنَّها امرأةٌ متميزةٌ كانت تعيشُ في مكةَ ! سـنُـقـيدها ونُحدِّدها حـينـئـذٍ بالأُنوثة والزمان والمكان ، وهذه حدودٌ لا تـتسعُ لدعوةٍ تَسَعُ الكونَ والخَلْقَ بمطلق الزمان والمكان إلى ساعة يدعو ربُّ العالمين .. العالمينَ إلى يومِ الدينونة .
إنَّها إنسانٌ مُتميِّز، هيأهُ اللهُ لرعايةِ إنسانٍ مُتميز، بوظيفةٍ استثنائيةٍ ؛ وظيفةٍ تصِلُ السماءَ بالأرض ، ثم تصِلُ الأرضَ بالأرض على طولِ الزمانِ والمكان .
قد نقولُ اختارها اللهُ لحضانةِ نبيٍّ ، ورعايةِ دعوةٍ حتى يشتدَّ عُودُها ، قد نقولُ هذا ونُصيبُ الحقيقةَ بقولنا هذا ...
وقد نقولُ إنَّها اختارت طريقَها عندما اختارت الرجلَ الذي استشرفت أنَّهُ إنسانٌ استثنائيٌّ ذو قَدَرٍ، قد نقولُ هذا ونصيبُ الحقيقةَ كذلك ... كلاهُما حقيقتانِ لأنَّهما ما حَصلَ بالفعل ، وهما دليلٌ على أنَّها استثناءٌ أُعِدَّ لمرحلةٍ ستكونُ نقطةَ تحولٍ للبشريةِ كلِّها.
هذا الاختيار ؛ اختيارُ اللهِ تعالى لها ، واختيارها لمحمد ، يعني أنَّ لها عقـلاً كبيراً ؛عقلاً وكفى ، وكذلك كانت خديجةُ ، وكلما قرأتُ عنها أدركتُ أنها عقلٌ كلُّها ؛ من قمَّةِ رأسِها إلى أخْمِصِ قدميها . ونحن لا نعني بحصرِ الكلامِ عن عقلِها أنَّها لم تكن ذات مواصفاتٍ أخرى عظيمة لا شكَّ بأنها كانت وراءَ نجاحِ علاقتها بمحمد النَّبيِّ ، لكنَّـنا هنا في صددِ الحديث عن السبب المباشر وراء نجاح علاقتها بالنبيِّ محمد، إذ العقلُ هنا هو الوحيد الذي يُنجِح علاقةً هذا شأنُها؛علاقة المرأة بصاحبِ المشروعِ ، أو إنْ شئتَ قلتَ علاقة البيت بصاحب المشروع . والمسافةُ بين محمِّد النَّبيِّ ، والنَّبيِّ محمد هائلةٌ وإن بَدَت صغيرةً وصغيرةً جداً ، ومن المؤكد أنَّها ليست مُجرَّدَ تلاعبٍ بالألفاظِ ، تقديماً وتأخيراً ، كلا ... فهي حقيقة يؤكدها واقع العلاقات .

-2-
ينفعُ الحبُّ في إنجاح علاقةٍ بين زوجين قد تمرُّ بهما صعوباتٌ في حدود ما ، وقد ينجحُ المالُ كذلك ، وقد تنجحُ أيُّ صفةٍ جميلةٍ في إنجاح علاقةٍ زوجيةٍ لحدود ! لكن هنا وفي كلِّ حالةٍ مشابهةٍ لا يُنجِحُ مثـلَ هذه العلاقةِ إلا عقلٌ متميز ، لا يتكررُ كثيراً ، لا أقول في عالم النساء ، بل في عالم الإنسان ، وكذلك كانت خديجةُ ، وأيُّ دراسةٍ لها على خلفيةِ أنَّها أنثى ، أو تحت عنوان (هكذا فلتكن النساء) ، جريمةٌ في حقِّ العظمةِ ، وجريمةٌ في حقِّ الإنسانيةِ المُتجسدةِ في إنسان اسمُهُ خديجة !
عطاءُ خديجةَ لم يكن عطاءً عادياً ، فهو لا يقفُ عند حدِّ عطاءِ المرأةِ الممتازةِ لزوجها ، إذن لَهَانَ الخَطْبُ ! لقد كان عطاءَ مؤسسةٍ كاملةٍ ، عطاءاً مُتـنوعاً تنوُّعَ المُؤسسةِ ؛ مُؤسسةٍ كاملةٍ متنوعةٍ يقودُها عقلٌ كاملٌ ، مُرَكَّبٌ على شخصية قادرةٍ على أداءِ عِدَّةِ وظائفَ في نفسِ الوقتِ ، مؤسسةٍ كاملةٍ متنوعةٍ كان اسمُها خديجةَ !!
وفي ذلك الزمان المُمتدِّ على مدى عقْدٍ من السنوات بل وأكثر ، كانت خديجةُ _ كمؤسَّسةٍ في ثوبِ امرأةٍ _ هي الضرورة التي لا بدَّ من وجودها لكي ينجحَ آخرُ نبيٍّ بآخرِ رسالةٍ ، حيثُ لا مَجالَ لأيِّ احتمالٍ آخر ، وحيثُ لا يَحتمِلُ الوضعُ أنْ تكونَ زوجةُ نبيِّ آخرِ رسالةٍ كزوجةِ نوحٍ أو لوطٍ مثلاً ، فهنا لا خلاص بعذابٍ شاملٍ ، هنا بناء لبشريةٍ يُرادُ لها الاستمرار، مقتديةً بنموذجٍ كاملٍ في كلِّ جوانب الحياة ، لهذا كان لا بُدَّ من خديجةَ ، ولهذا كانت خديجةُ ضرورةً لا لإنجاحِ عملِ رجلٍ في مكةَ أو في الجزيرةِ العربيةِ لذلك الزمنِ ، بل لقد كانت ضرورةً لإنجاح مشروعِ بناءِ الإنسانِ في كلِّ الزمان وكلِّ المكان .
-3
وفي تلك اللحظةِ الزمنيةِ التي كانت أولَ لقاءٍ لها مع النَّبيِّ محمد ، بعد أن ودعتهُ وهو الزوج محمد ؛ أولَ لقاءٍ لها مع رجلٍ سماويٍّ مُختـلفٍ ، بعد أن ودعتهُ كرجلٍ أرضيٍّ ، صحيحٌ أنَّه كانَ يُمثِّــلُ قمَّةَ الإنسانيةِ ، لكنَّ وضعاً مختلفاً في تلك اللحظةِ يحتاجُ إن لم يكن لنبيٍّ ليحتملَهُ ، فهو يحتاجُ للإنسانِ الضرورة ، وإنسانُ الضرورة كان في تلك اللحظة خديجة .
تلك اللحظة كانت عندما نزلَ النبيُّ محمد من الجبلِ يرجُفُ فؤادُهُ من هَوْلِ ما رأى وسمع ! تلك اللحظة كانت _ في رأيي _ أطولَ لحظةٍ وأهمَّ لحظةٍ في تاريخ الدعوةِ ، كانت أولَ فتحٍ للدعوة الإسلامية،وحتى تعلم أنَّني لا أُبالغُ ، لكَ أن تتخيلَ لو لم يَجْرِ الأمرُ على وِفْقِ ما جَرى . ولقد سمحْتُ لنفسي بأنْ أستـنْطِقَ حديثَ النَّفسِ للرسولِ صلى الله عليه وسلم ، ولخديجةَ رضي الله عنها ، وأظنَّهُ حديثاً لا بُـدَّ أنَّهُ جَرَى في نفسيهما بحكم طبيعةِ الأُمورِ ، على أنَّني حريصٌ بأن أنبِّهَ : إنَّه مُجردُ ظنِّ لا أقطعُ بهِ ، كما أنِّي لا أستبعدُ حُصولَهُ . فلنستمعْ لهما في حوار نفسيٍّ متداخل ...
-4-
إنَّه محمد... وهل يَخْفَى عليَّ ؟! لكنَّ قلقاً واضحاً يبدو على مُحيَّاهُ. فهذا الوجهُ الحبيبُ ليس نفسَ الوجهِ الذي غادَرني إلى الجبل قبلَ أيام! إنَّ الخوفَ يملأُ نفسَهُ, وهذه ليست عادتُهُ , فليسَ أيُّ شئٍ يهزُّهُ ويُغيره. .... هكذا قالت خديجةُ في نفسِها عندما لَمحتْهُ عند الباب .
ولكنْ خلفَ هذا الخوفِ الذي يظهرُ على وجهِهِ, أرى فيه شيئاً لم أكن أراه من قبلُ ؛ نوراً على جبينهِ , بريقاً في عينيه ,إنَّها تلكَ اللمحةُ التي كان يُحدِّثُـني عنها ابنُ عمي ؛ ورقةُ بنُ نوفل, كيف تكون على وجوهِ من يُسمِّيهم أنبياء والذين يَعرِفُهُمْ من كتابِهِ المُقدَّس .... كانت هناك طُمأنينةٌ تــلوحُ خلفَ هذه الرهبةِ ... أكملتْ خديجةُ في نفسِها .
عند الباب , وفي نفسِ اللحظةِ التي رآها فيها, كان لا يزالُ يُفكرُ:هل أقولُ أم لا أقول عن تلك اللحظة ؟ أخشى ما أخشاهُ أن يُقال مجنونٌ , هل يُمكنُ أنْ تظنَّ بي زوجي الظُّنون ؟!
لعلها أطولُ لحظةٍ في حياة محمد ......
ما إن رأيتُه يتقدَّم نحوي حتى عرفتُ بأنَّ حدثاً هائلاً.. هائلاً قد حَدَثَ .. فأنا أعرفُهُ منذ خمسةَ عشرَ عاماً , أعرفُ حُزنَهُ , فرَحَهُ, قلقَهُ , أعرفُ كلَّ خلجاتِ نفسِهِ ...
وفي لحظةِ ما بينَ رُؤيتي له وبين بَدْئِهِ في الكلام كنتُ قد قرَّرتُ في نفسي أنَّ أيَّ شئٍ سيقولُهُ لي ... سأكون كأنَّني التي رأتْ وسمِعَتْ... وفي تلك اللحظةِ القصيرةِ قررتُ أن تبدو هذه الطمأنينة على وجهي كي تنتقل إليه ...
وفي تلك اللحظة عندما رأيتُ وجهَهَا المُطمئن .. قررتُ أن أخبرَها الخبرَ ....
لعلَّ هذا الحديثَ قد حصلَ في نفسِ كلٍّ منهما ، ونحن بتوقعنا له نزيدُ الموقفَ إضاءةً إنْ لم تنفعْ فإنَّها لن تَضرَّ ، ولن نكونَ بها مِمَّن يَكْذِبُ على نبيهِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه.


-5-
إنَّ انتصارَ خديجةَ في لحظةٍ ليسَ من السهلِ أنْ تـنتصرَ فيها المرأةُ على أُنوثـتها ؛ على كونها زوجةً تُطالِبُ بحقِّها ، وقد تَـنْهَى زوجَها عمَّا يظهرُ لها أنَّه عبثٌ ، أو إنسحابٌ من الحياة لا مُسوِّغَ له على حِسابِ الأهلِ والولدِ ... هذه اللحظةُ هي أولُ انتصارٍ للدعوةِ الإسلاميةِ وأهمُّ انتصارٍ، ما كانَ لانتصارِ بدرٍ وما بعدَهُ أن يَتحقَّقَ!
وبعظمةٍ ، بل وبكلِّ العظمةِ ، تَضمُّهُ في قلبِها ، وتُـدفئهُ بعقـلها ، وفي لحظةٍ تستحضرُ كلَّ خصائصِ زوجِها الواقفِ أمامَها يرتجِفُ ، وبسرعةٍ وببلاغةٍ تُـدثِّرُهُ بها ، وتـلقيها عليه " .. واللهِ ما يُخزيكَ اللهُ أبداً إنَّكَ لتَصِلُ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَكْسِبُ المَعْدُومَ وتَقْرِي الضيفَ وتُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ ... " ، فأيُّ عظمةٍ هذه ، أوَ ليست هذه الكلماتُ هي التي أدفْأتهُ على الحقيقة ؟! أوليسَ لو لم تقلها لما أدفأه كل ما في الأرض من دِثَارٍ؟! لكن ما لا ينتهي منه العجبُ هو هذه البديهةُ وهذه البلاغةُ ، وهذه السرعةُ ، وكأنَّها أُلْقِيَ إليها أن استعدي سيأتي زوجُك بكذا وكذا فقولي له كذا وكذا ، وكأنَّهُ إلهامٌ كإلهامِ أمِّ موسى إذ قِـيل لها ألقيهِ ، أمَّا هي فقد قِيلَ لها ضُمِّيهِ وثبتيهِ ، فأنتِ الملجأُ الذي إنْ خذلتِهِ فلا مَلجأ غيرُكِ له ، وأنتِ السندُ الذي إنْ كَــبَا ، فعلى من يتكيء ؟ الكونُ كلُّهُ ينتظرُ كلماتِكِ ، والخلقُ كلُّهم _ مَن خُلِقَ ومن ليس بعدُ _ مُعلَّقونَ بكلماتك .
-6-
ما الذي فَعلتْهُ خديجةُ رضي الله عنها لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وفيه ؟ ما الذي رآه فيها ولم يَرَهُ في غيرها ؟ ما الذي يُخلِّدُ المرأةَ فيجعلُها تعيشُ أبداً في قلبِ هذا الذي عرَفَها ؟
لقد بقيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَذكُرها ، ويُكْرِمُ ذِكراها ، ويُحْسِنُ إلى كلِّ مَن يَمُتُّ لها بِصِلَةٍ .. لقد عاشت أبداً في قلبهِ .. لم يكن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يغضبُ لأيِّ شيءٍ ، والمراتُ التي غضبَ فيها معدودة ، منها مرةٌ لأجلِ خديجةَ رضي اللهُ عنها !! كان ذلك بعد سنوات طويلةٍ من وفاتها ! فقد ذكرتْهَا عائشةُ رضي الله عنها بما اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءً ، فغضب غضباً شديداً ، فآلتْ على نفسِها ألا تذكرَها بعد ذلك بسوءٍ! فعن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ،أَثْنَى عَلَيْهَا، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ،قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًاً ، فَقُلْتُ : مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا ، قَالَ : " مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا ، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" . إذن هي أسبابٌ لا تقتصرُ على تلك العلاقةِ التقليديةِ بين الرجلِ وبين زوجِهِ ، فمثل هذه العلاقة قد تُـنسيها علاقةٌ أخرى ، إنَّها علاقةٌ بين رجلٍ وبين أكثر من زوجة ؛ فهي أول إيمان ، وأول إيمانٌ صعبٌ لأنَّه بلا نمُوذَج ، بل إنَّه هو النَّموذَج ، وهي تصديقٌ حيثُ الكلُّ مُكذِّبٌ ، ويا لله كم هو قاسٍ هذا التصديقُ ، وهي عطاءٌ بلا حدود ، عظمتُهُ أنَّه لا يَتبَعُهُ مَنٌّ ولا أذى . هنا يكمنُ سِحرُها ، وبهذا استحقت أن تكون الشخصَ الذي لا يُنْسَى ، وهنا يكمُنُ سِحْرُها . وقبل هذا اختصَّتْ بأمرٍ لم يُشاركْهِا فيه غيرُها ، فأيُّ عظمةٍ في أن يُرسِلَ ربُّ العالمين رسولَ السماءِ إلى رسولِ الأرض ليقولَ له : " يا رسولَ اللهِ ، هذه خديجةُ قد أتتْ معها إناءٌ فيه إدامٌ ، فإذا هي أتتكَ فاقرأ عليها السلامَ من ربِّها ومني وبشرها ببيتٍ في الجنَّةِ من قّصَبٍ،لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب ". لقد كافأها اللهُ سبحانه من جِنْسِ عملِها ، فهي في بيتٍ ، لأنَّها بمجردِ إسلامها صارت أولَ ربَّةِ بيتٍ في الإسلام " فلم يكن على وجه الأرضِ في أول يوم بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيتُ إسلامٍ إلا بيتها ". وهو بلا صَخَبٍ ولا نَصَبٍ لأنَّهُ لمَّا دعا صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام "أجابت خديجةُ طوعاً ، فلم تُحْوِجْهُ إلى رَفعِ صوتٍ ولا مُنازَعَةٍ ولا تعبٍ في ذلك ، بل أزالت عنه كلَّ نَصَبٍ ، وآنستهُ مِنْ كلِّ وَحْشَةٍ ، وهوَّنَتْ عليه كلَّ عسير ، فناسَبَ أن يكون منزِلُها الذي بشَّرها به ربُّها بالصفة المقابلةِ لِفعْلِها " رضي الله عنها .
-7-
ولو تحدث رسول الله عنها مجيباً على تساؤلاتنا لقال :
لقد كانت عاقلةً ، كانت تعرِفُ كيف تنقلُ إليَّ الطمأنينةَ والانفعالاتِ الجميلةَ .. لقد عاشت حياتَها معي ، ولم تتبرم بها ، لم تُعارض مُيولي ورغبتي في العزلة في غار حراء ، وسدَّت مكاني، وأكثر من هذا لم تقف متفرجةً على ما يدور حولها بل عاشت آلامي وآمالي. ولو قلتُ، وقال الناسُ مِن بَعدي ، إنَّ لها الفضلَ الأولَ في قيام الإسلام لكان قولاً يوافقُهُ الواقعُ .
إنَّ مكةَ هي خديجةُ لأنَّها هي التي صنعت ذكرياتِ مكةَ ، وهل في مكةَ حدَثٌ لن تكون خديجةُ حاضرةً فيه ؟ وهل أستطيع أن أذكرَ مكةَ دون أنْ أذكُرَها ؟
لقد آمنتْ بي قبلَ أن تكتملَ صورةُ الرسالةِ ، آمنت بي كإنسانٍ لا يُمكن أن يَكْذِبَ ، ولا يمكن أن يُخرِّف . النبوةُ التي أذهلت العالَمَ كانت بالنسبة لخديجةَ حدَثاً عادياً ، وخبراً كأيِّ خبرٍ يُمكن أن أنقلَهُ لها ! لماذا؟ لأنَّني أنا الذي حدثـتُـها عنها ! أعطت ولم تكن تتوقعُ مُقابِلاً ! هذه الزوجة التي كان القدر يُخبئها ويُعدِّها لأمرٍ خطير ، هائلٍ ؛ كان يُحضِّرُها كي تستوعبَ نَبياً .
هكذا سيتحدثُ عنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لو تحدَّثَ .. رضي اللهُ عنها .

-8-
فلماذا اختار اللهُ لنبيهِ صلى الله عليه وسلم أن يتزوجَ امرأةً أكبرَ منهُ ، وكانت قد تزوجت من قبلُ ، ولا يَعنيني هنا بِكَمْ من السنوات كانت أكبرَ منهُ _ وإن كنتُ أرجِّحُ أنَّها لم تكن وصَلَت الأربعين ، بل أرى أنها كانت في أول الثلاثينيات _ يعنيني أنها كانت ناضجةً ، وهذا من إعداد الله عزَّ وجلَّ لنبيهِ .
كان اللهُ سبحانه وتعالى يُريدُ لنبيهِ صلى الله عليه وسلم زوجةً مُطلِّعةً على واقعِ الحياةِ ، وسِنُّ خديجة رضي الله عنها وظرفُها كان يُؤهلها لذلك ، فقد كانت على علمٍ بثقافةٍ عصرها ، مُتصلةً بما يجري في بلدها ، لذلك فإنها عندما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَفت إلى من تأخُذُهُ ! ولو كانت مأسورةً بخُرافاتِ مكانها وزمانها لأخذتْهُ إلى عرَّافٍ أو كاهنٍ ، وإذن لتحوَّلَ الحدَثُ إلى خُرافةٍ أو وَهْمٍ ولقرأَ الكاهنُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من طلاسِمِهِ!! ولانتهى الأمرُ بقول الكاهنِ : طبِّبِيهِ وارقيهِ ! لقد كانت تعرفُ اللهَ ، وكانت تعرفَ مكارمَ الأخلاقِ وأكثر من هذا تعرفُ سُنَنَ اللهِ في الحياة وأنَّ من كان حالُهُ كحالِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُحالٌ أن يُخزِيَهُ ربُّهُ تبارك وتعالى .. نعم كان المجتمعُ الذي تعيشُ فيه يعرفُ بعضَ ما تعرفُ ، لكنَّها تعرفُ أكثرَ ممَّا يعرفُ مُجتمعُها لأنَّها ابنةُ عمِّ رجلٍ نصرانيٍّ كان يَقرأُ الكُتبَ ، ولا بدَّ أنَّه حدَّثَها عن اللهِ بطريقةٍ تختـلفُ عمَّا يعرفُ قومُها ، ولا ريبَ أنَّه كان يُحدثُها عن النُّبوة حديثاً لا يعرفُهُ قومُها .
وكان اللهُ عزَّ وجلَّ يريدُ لنبيهِ شريكةً اكتفت من الحياة ، لا أقول كفايةَ العجوزِ التي أوشكتْ على وداعِ الدنيا ، بل كفايةَ من بَلَغت سِنَّ من عرفت واكتفت ، وسِنَّ من تملكُ من الدنيا ما يجعلُها شبِعَتْ منها ، فهي لا تريد زوجاً لتَرَى من خِلالِهِ ( يعني عن طريقه ) الدنيا ، كتلك التي تكونُ في أولِ عمرِها وأولِ تجربتِها ، بل تُريدُ زوجاً ترى من خِلالِهِ ( أي من صفاته السامية ) الحياةَ الراقيةَ ، ولا عجبَ فقد اختارته لِخِلالِهِ بعد أن سمعتها من خادمها الذي سافرَ معه صلى الله عليه وسلم ، فهي عن وعيٍ اختارتْهُ لتعيشَ معهُ علاقةً بكلِّ ما في العلاقةِ من أبعاد راقيةٍ, حاجةُ الجسدِ واحدةٌ منها وليست أولَها . لم يكن ينفع أن تكونَ الزوجةُ الأولى لآخرِ نبيٍّ صبيةً لا زالَ رأسُها مملوءاً بأحلامِ الزواج ، في تلك اللحظةِ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحاجةٍ لمن تحمِلُهُ ، لا لِمَنْ يَحمِلُها !
وكان اللهُ تعالى يريدُ لنبيهِ صلى الله عليه وسلم صديقةً قادرةً على أن تملِكَ نفسَها ، من ذلك النوع الثـقيل الذي لا يُحرِّكُهُ أيُّ شيءٍ ، بل لا يُحركه شيءٌ ! أرأيتَ عندما استقبلتهُ عائداً من الغار وقالت له الذي ذكرناه من قبلُ ... وهل عَلِمْتَ ما قالت عندما سلَّم عليها ربُّها وجبريلُ... لم تطِشْ ، ولم تـفـقِدْ عقـلَها ، وبكلِّ هُدُوءٍ ، وبالثباتِ كلِّهِ أجابت : إنَّ اللهَ هو السلامُ ، وعلى جبريلَ وعليك يا رسولَ اللهِ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ!!!
قال العلماءُ :" القصةُ دليلٌ على وُفُورِ فقهِهَا ، لأنَّها لم تقـل : " وعليه السلام " كما وقع لبعض الصحابة حيثُ كانوا يقولون في التشهد " السلامُ على اللهِ " فَنَهاهُم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال :" إنَّ اللهَ هو السلامُ ، فقولوا التحياتُ لله " . فعرفتْ خديجةُ لصحةِ فهمِها أنَّ اللهَ لا يُردُّ عليه السلامُ كما يُردُّ على المخلوقين ، لأنَّ السلامَ اسمٌ من أسماءِ اللهِ ، وهو أيضاً دعاءٌ بالسلامة ، وكِلاهُما لا يَصْلُحُ أنْ يُردَّ بهِ على اللهِ فكأنَّها قالت : كيفَ أقولُ عليه السلامُ والسلامُ منهُ يُطْلَب ، ومنه يُحصَّلُ . فيُستفادُ منه أنَّهُ لا يَليقُ إلا الثناء عليه ، فجعلَتْ مكانَ ردِّ السلامِ عليه ، الثناءَ عليه ، ثم غايرتْ بين ما يليقُ باللهِ وما يليقُ بغيرِهِ فقالتْ :" وعلى جبريلَ السلامُ " ثمَّ قالتْ :" وعليك السلامُ " . كلُّ هذا فكرتْ بهِ دونَ تحضيرٍ في نفسها ! فهي لم تكن على علمٍ به ، لكن لأنَّها صاحبةُ فِقْهٍ وعقلٍ تماسكتْ وأجابتْ بما يليقُ بجلالِ اللهِ تعالى . هذه الشخصيةُ بتماسُكِها وعقلِها هي التي اختارها اللهُ تعالى لرعايةِ الدعوةِ وصاحبِها في بداياتها ، لأنَّها بعقلها لن تطيشَ عندما يصطدمُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالجاهلية .
-9-
لقد درستْهُ طوالَ خمسةَ عشرَ عاماً ، قبلَ أن يَحمِلَ ما حُمِّـلَ ، وكانت نتيجةُ دراستها _ كأنَّها كانت_ : أنَّ هذا الرجلَ لا يُمكنُ أنْ يكونَ أقلَّ من نبيٍّ ! بمثـل هذا الإنسان بدأتْ دعوةُ إنقاذِ البشريةِ ، ومثــلُها ينتهي دورُه عندما ينتهي وهو في قِمَّةِ عطائِهِ كي يَبقى رَمْزاً لا علاقةَ له بنتائجِ ما بدأ ! فالسلامُ على العقلِ الهادئِ ، السلامُ على خديجةَ رضي الله عنها .