عذاب لا ينتهي
عبوس وشرود ذهن، اختفاء للبسمة وسرعة للغضب، تذمر لا يفتر، غياب لمظاهر السعادة.
ما هذا الحال يا سليم ما الذي حصل لك؟ اين ذهب مرحك؟ وما الذي سرق ابتسامتك؟ فزواجك لم يمضي عليه سوى عدة شهور!
ليس بي شيء يا ابا احمد، انا طبيعي.
انا اعرفك جيدا يا سليم ونحن نعمل معا منذ عدة سنوات فإذا كان لديك اي مشكلة ويمكنني المساعدة فلن اتأخر.
انفجر سليم بالبكاء، فنهض ابو احمد وتوجه اليه، ربت على كتفه بحنان وقال له: هون عليك يا بني فلكل مشكلة حل.
الا مشكلتي يا أبا احمد، فهي نابعة من عقلي وتغذيها مشاعري، انها تتعلق بأقرب الناس لي.
ابو احمد: اكرر واقول ان لكل مشكلة سبب وحل.
سليم: مشكلتي عويصة، انها الشك القاتل.
ابو احمد: سأحضر كوبان من القهوة ونتحدث بروية.
مع بدء ارتشاف القهوة وتمالُك سليم لنفسه سأل ابو احمد ما هي طبيعة الشكلة؟
سليم: انا لدي شك قاتل بزوجتي وتداهمني افكار بأنها على علاقة صداقة وحب مع غيري، حتى ان الشك بدأ يتجه نحو اخواتي أيضا.
ابو احمد: معاذ الله فانت من بيت محترم وكذلك زوجتك.
سليم: احاول اقناع نفسي بخطأ شكوكي ولكن دون جدوى.
ابو احمد: هل سمعت أو رأيت شيء يدعم شكوكك.
سليم: كلا لم اسمع ولم اشاهد شيء من هذا القبيل.
ابو احمد: فمن أين جاءتك هذه الوساوس الشيطانية؟
سليم: الأمر تراكمي فلقد تشكلت عندي قناعة خلال سنوات عدة وهي ان معظم الفتيات يُقمن علاقات صداقة وحب مع شبان.
ابو احمد: هذا كلام غير دقيق فنحن في مجتمع اسلامي محافظ ولِشرف البنت فيه قيمة عليا، وبناتنا ملتزمات.
سليم: انت لا تعلم يا ابو احمد ماذا فعلت المسلسلات وقنوات اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي والاختلاط بين الشباب والفتيات، الا تلاحظ ان اللباس الشرعي في تناقص مستمر والملابس الفاضحة يزداد انتشارها؟
ان ما تتحدث به يا ابا احمد كان يصلح ايام شبابكم قبل سنين طويلة اما الان فالقصص التي نسمعها تشيب لها الرؤوس.
ابو احمد: ما أدراك انها قصص صحيحة؟
سليم: اسمع من اصدقائي عن عشرات القصص التي حصلت معهم وأكثر منها مع غيرهم.
ابو احمد: ارى ان هذا الكلام مبالغ فيه جدا.
سليم: ليس مبالغ فيه فأنا من هؤلاء الشبان.
ابو احمد: هل تعي ما تقول؟
سليم: اعي جيدا فانا اقول الحقيقة ، فمنذ بلوغي سن السابعة عشر ومن خلال مواقع التواصل بدأت أتحدث مع فتيات وأحاورهن مستخدما اسمي الحقيقي احيانا وبأسماء وهمية مرات اخرى وذلك حسب نوعية الفتاه التي سأكلمها، واحيانا أبدأ الحديث باسم وهمي وانتقل بعد ذلك لاسمي الحقيقي، تحدثت مع بنات مدارس وجامعات واخيرا مع متزوجات، وبعضهن استعدت ان تطلب الطلاق من زوجها ليتسنى لها الزواج مني، وكنت ارفض لان هذا ليس هدفي.
ابو احمد: وما هو هدفك؟
سليم: التفاخر واثبات القدرة لأصدقائي انني قادر على استدراج الفتيات والفوز بحبهن وهكذا كان يفعل كل واحد منا.
ابو احمد: (تسلي وتحدي ميداني) ميدانه اعراض وعواطف الغير؟
سليم: للأسف هذا ما نفعله ويفعله غيرنا.
ابو احمد: انت شاب محترم وتصلي فكيف تفعل ذلك وكيف تتواصل مع فتيات فاسدات.
سليم: من قال لك انهن فاسدات فكثير منهن من عائلات محترمة ويلبسن لباسا شرعيا، ومتعه التحدي كانت في اغواء هذه النوعية.
ابو احمد: اذن كنت تخطط لهكذا أفعال.
سليم: بدأ الأمر بشكل عفوي وتطور من تسلية ثم لتحدي دون التفكير في العواقب ثم اعتدنا على ذلك وبعد سنين تحول الأمر لإدمان لا نستطيع العيش من دونه، ومما كان يخدمنا ان جزءا كبيرا من البنات يقمن بنفس الشيء.
ابو احمد: وكيف عرفت ذلك؟
سليم: كنا نعطي ارقام وعناوين من نتحدث معهن لبعضنا وكنا نكتشف ان جزءا كبيرا منهن يتحدثن معنا جميعا ومع غيرنا احيانا فمن السهل علينا زرع برامج تجسس في هواتفهن النقالة.
ابو احمد: حتى الان اظن انني اسمع قصة في غير مجتمعنا فكيف يتم اقناع فتاه لتقوم بذلك.
سليم: الامر سهل فالفتيات عاطفيات وبعضهن ساذجات وكلمة السر في خداعهن هو اظهار الاعجاب بهن ثم التظاهر بالتعاطف معهن وبحبهن، وبعد الوعد بالزواج تتكسر كل الاقفال وتفتح معظم الأبواب.
ابو احمد: والمتزوجات كيف سيتم خداعهن.
سليم: من خلال استغلال علاقتهن السيئة مع ازواجهن وعدم وجود اشباع عاطفي لديهن وهذا ما نلاحظه من خلال ما ينشر على الصفحات الشخصية من مشاعر وانفعالات او ما نسمعه من مشاكل فنخدعهن بمعسول كلامنا ووعودنا التي لن تتحقق.
ابو احمد: تكاد اذني لا تصدق ما اسمعه، وانا لا استطيع التفكير بحل لهذا مشكلة حل فانا لم اعالج هكذا مشاكل سابقا.
سليم: انا لا اعرف ماذا افعل فانا اعيش اسوء ايام حياتي ومشاكلي مع زوجتي لا تتوقف، ولقد ألمحت لها بأني لا أثق بأي امرأة حتى بناتي في المستقبل فأنا اعيش جحيم الشك وجحيم المشاكل الناتجة عنه، لقد بدأت أشعر انني قد أصل الى مرحلة الجنون وأصبحت فكرة الطلاق لا تغادر عقلي فالعيش وحيدا خير من العيش بوجود شك بالخيانة الزوجية التي قد اتجرعها كما جرعتها لغيري دون قصد.
ابو أحمد: دون قصد؟
سليم: نعم دون قصد على الاقل في البداية.
ابو أحمد: انا أرى انه يجب عليك نزع فكرة الطلاق من رأسك، ولا تحدث اهلك بانك لا تثق بالنساء، وارى انه لا بد لك من علاج نفسي وروحي، فتقرب الى الله ، واساله العفو والمغفرة ،وجاهد نفسك من اجل نسيان الماضي، والتزم ببرنامج عبادات، وأكثر من دعاء الله ان يخلصك مما انت فيه.
سليم الامر فوق قدرتي فما قمت به وسمعته من اصدقائي زرع في عقلي افكارا نمت بقوة على مر السنين ولم اعد قادرا على الفكاك منها لم اتصور يوما أن بنائي لعلاقات صداقة وحب وهميان مع فتيات سيزرع في عقلي بذور الشك والألم، ولم اتوقع لها ان تنمو لتحيل حياتي الي ركام.
ليتني كنت استمع لنصائح والدي فلقد كان يقول لي ان الخائن يخون غيره والسارق يظل قلقا من اللصوص والكاذب يعتقد أن الجميع كاذبون، لقد بت على يقين ان من يتلاعب بأعراض الاخرين لن يذق طعم الهناء وسيبقى اسير الخوف من التلاعب بعرضه، وان الشك مرض يزداد ولا ينقص.
أُسقط في يدي ابو احمد وتحجر لسانه عن الكلام، فهو يعلم ان ما يحصل لسليم هو ثمرة اعماله السيئة التي تحدث عنها، وان عذابه هو جزء من عقاب الله له في هذه الدنيا، وان ما ينتظره يوم الحساب قد يكون اصعب، واخراجه من هذه الحالة صعب جدا وشفاءه الكامل من مرض الشك امر قد يتعذر فهذه بذور لا تموت، والحكيم من اتعظ بغيره ولم ينزلق الى جريمة التلاعب بالاعراض.
(من يزع الشوك لا يجني غيره)