“لمى وعائلتها ” .. أيقونة التحدي والصمود

"كنتم الشموع التي أنارت ظلمتي في ليالي القيد والعتمة، والمتكأ الذي أسند عليه جبهتي مطمئنة"
على وقع أقدام جنود الاحتلال وطرقهم المتواصل على الباب بعد محاولة فتحه عنوة استيقظت الكاتبة لمى خاطر وعائلتها من مدينة الخليل الساعة الثانية فجراً ، هذه اللحظة التي يُجمع على صعوبتها كل فلسطيني ذاق مرارة المداهمة والاعتقال ، وهو الأصعب بالتأكيد إن كان قرار الاعتقال هذه المرة للزوجة والأم . بأعدادٍ كبيرة وبرفقة المجندات داهم الاحتلال منزل لمى وبعد تفتيشها بدقة رغم محاولاتها الحثيثة لمنع التفتيش ومصادرة جهازها المحمول والحاسوب اقتاد جنود الاحتلال لمى بعد توديعها زوجها وأبنائها باستثناء عزالدين الذي كان نائماً، وأسامة في سكن جامعته في رام الله .

الكاتبة لمى خاطر صاحبة الصورة الأكثر تأثيراً لحظة الاعتقال والتي ظهرت فيها تحتضن طفلها الصغير يحيى تروي لإشراقات تفاصيل الاعتقال منذ اللحظة الأولى حتى الإفراج .

والبداية كانت كأي طفل صغير رأى يحيى والدته مرتدية ملابسها وتهم بمغادرة المنزل سبقها إلى الباب ظناً منه أنه سيرافقها دون أن يدرك أن والدته برفقة جنود الاحتلال الذي سيحرمه من حضن والدته ثلاث عشرة شهراً ، تقول لمى :”استوقفت طفلي يحيى أمام باب المنزل وضممته إلى صدري طويلاً لأنني وددت أن تكون رائحته آخر شيء يبقى معي، فهو أكثر من سأقلق عليه كونه صغيراً وبحاجة ماسة لي. وظلت لحظة الوداع الأخيرة هذه ماثلة في ذهني “


كانت التهمة الأساسية التي وُجهت للمى العضوية والنشاط في تنظيم محظور (المقصود حماس)، لكن إصرارها على إنكار هذه التهمة جعلهم يركزون على كتاباتها و مواقفها السياسية، و بعد معاناة طويلة مع المحاكم تم الحكم عليها بالسجن الفعلي ثلاثة عشر شهرا، وغرامة قدرها 4000 شيكل، ووقف تنفيذ 10 شهور لمدة 5 سنوات.
فيما تؤكد لمى أن الحكم كان تعسفياً وعالياً وفيه نزعة انتقام بسبب موقفها في التحقيق، خاصة بعد تهديد ضباط الشاباك لها بالحكم العالي .
أما عن فترة التحقيق التي امتدت لأربعة وثلاثين يوماً في مركز تحقيق عسقلان والتي وصفتها لمى بالصعبة والقاسية كونها التجربة الأولى، وبإصرارها على رفض الاعتراف جعلهم يصعدون من آليات التحقيق، فكان التحقيق معها بشكل متواصل نحو 20 ساعة يومياً، ،فيما أدى الحرمان المتواصل من النوم والشبح على كرسي التحقيق إلى آلام كبيرة في الرقبة والظهر لدى لمى، بالإضافة إلى تسارع في دقات القلب ومشاكل في المعدة، لينتهي بها المطاف بعد التعب والإنهاك إلى العيادة فيكتفي الطبيب بإعطائها حبة مسكن لتعود أدراجها إلى غرفة التحقيق . ثم إلى زنزانة العزل الضيقة الباردة والمتسخة، بالإضافة إلى الطعام الرديء المقدم ، عدا عن التهديد المتواصل باعتقال زوجها وأبنائها، وتحويلها للاعتقال الإداري .

إلا أن كل ما سبق لم يفلح في ثني لمى عن موقفها ، ليتم نقلها بعد 34 يوماً من سجن عسقلان إلى سجن الشارون حيث كان يوجد نحو 35 أسيرة فلسطينية ثم أخيراً إلى سجن الدامون.

وهنا كان لا بد للمى من بصمة حيث تكلمت لنا عن الإنجازات التي استطاعت الأسيرات الوصول اليها برفقتهن فتقول :” ثمة إنجاز جماعي يمكن لي ولغيري من الأخوات أن نفتخر بحصوله خلال فترة اعتقالنا وهو إحلال التوافق داخل السجن بين مختلف الأسيرات من جميع الأطياف، وصمود هذا التوافق لأنه تأسس على أرضية صلبة من التفاهم والمشاركة، ودعمته القناعة بضرورته والحاجة إليه، فبعد حصوله صار هناك مجال واسع لتنفيذ برامج مفيدة عديدة للأسيرات شاركَتْ في إعدادها عدة أسيرات من ذوات الخبرة والقدرة والمهارة في مجالات مختلفة. إضافة إلى نجاح برنامج التوجيهي الذي شاركت في متابعته والإشراف عليه”.

وبالحديث عن الأسيرات أكدت لمى على صعوبة أوضاع الأسيرات، فمنهن الجريحة والأم ووالدة الشهيد والصغيرة التي كبرت داخل المعتقل، وترى حالياً أن أصعب ما يواجهه الأسرى والأسيرات التضييقات الجديدة التي تحاول إدارة السجون فرضها عليهم، والتي من شأنها تصعيب حياتهم داخل المعتقلات، إضافة إلى تعنت الإدارة في التعامل مع مطالب الأسيرات الأساسية كزيادة ساعات الفورة والسماح بوجود مكتبة داخل السجن وصيانة المرافق التالفة في القسم.

أما عن شعور الحرية فوصفت لمى ذلك :”بمجرد أن يغادر الأسير سيارة (البوسطة) التي أقلته من سجنه إلى الحاجز، وتخطيه الحاجز، فإنه ينسى التعب والإرهاق وكل لحظة صعبة عاشها في السجن، ويهيئ نفسه لعيش مرحلة جديدة مختلفة الملامح والتفاصيل عن كل مرحلة اعتقاله، لكن الأسير في البداية يشعر بالتشتت والضغط والتوتر، كونه خرج من الضيق إلى الرحابة، ومن مكان لا يشاهد فيه سوى بعض الوجوه إلى عالم مليء بالناس والوجوه والأحاديث والمستجدات. ثم يظل فيما بعد يتذكر من تركهم خلفه في السجن، وعلى صعيد الأسيرات فأكثر ما يشغل بال أي أسيرة محررة هو أسيرات الأحكام العالية ممن سيقضين سنوات طويلة داخل الأسر”.

وعلى الصعيد نفسه بقيت عائلة لمى في دائرة الاستهداف والتضييق حيث تم اعتقال ابنها الأكبر أسامة قبل تحررها بخمسة وعشرين يوماً ،فوصفته لمى بالخبر الأصعب خلال وجودها في السجن، فقد سمعت به عبر الإذاعة، وتأثرت كثيراً بعد أن جهزت نفسها للقاء أبنائها وخصوصاً أسامة الذي لم تره سوى مرة واحدة خلال اعتقالها في المرة الوحيدة التي زارها فيها. ورغم الوقع المؤلم للحدث إلا أن لمى احتسبت ذلك عند الله وواظبت على الدعاء له، فمواقف الإنسان والتزامه بمبادئه تختبر في الملمات الصعبة كما قالت .


وكان لا بد من التطرق في الختام للجزء الأبرز من اعتقال لمى وهو الدعم الذي تلقته من زوجها أبي أسامة وأولادها، حيث أكدت على أن ذلك ساهم في تقويتها وقدرتها على الصمود وتحمل السجن منذ لحظة اعتقالها الأولى الذين شدوا جميعاً من أزرها ، فيما ظل أبو أسامة طوال فترة اعتقالها متابعاً لشؤونها ومهتماً بالأولاد رغم الضغوطات والمصاعب، فترى لمى أن كلماته في اتصالاته عبر الإذاعة كانت تُدخل العزاء إلى نفسها ، كما ساهم في إبقاء قضيتها والأسيرات حية ومتفاعلة إعلامياً .
و كذلك موقف ابنتها بيسان التي أجلت دراستها الجامعية عاماً كاملاً لكي تعتني بيحيى وإخوتها وتسد مكان والدتها في رعايتهم ومتابعة شؤونهم والاهتمام بالبيت.
فيما وجهت لمى كلماتها نهايةً لهم بقولها :” كنتم الشموع التي أنارت ظلمتي في ليالي القيد والعتمة، والمتكأ الذي كنت أسند عليه جبهتي مطمئنة، وكانت كلماتكم ووقفتكم الكبيرة معي من أسباب التعافي السريع لقلبي بعد هذه التجربة. إحساسي العميق بأثر مواقفكم لا تعبر عنه الكلمات أو تحتويه السطور. أنا محظوظة جداً بكم، بوجودكم معي، وبمحبتكم الكبيرة، والتفافكم حولي، وعيشنا معاً كل جوانب الحياة، بحلوها ومرها”.