بدأت علاقتي بالهاتف تَقوى منذ عشر سنوات تقريبًا، وذلك يعود لأسباب أهمها أن أصغر أبنائي كان قد تعدَّى المرحلة الابتدائية التي تأخذ وقتًا عظيمًا من الأم في التدريس للأولاد، والسبب الآخر هو ظهور الهواتف الذكية والتصاقي بها شيئًا جديدًا يُثير الشغف، ويفتح لك أبواب العالم كلها، ويُطلعك على العالم بأسْره بحسب اهتمامك.

ولم تكن لي خطة محددة في استخدامه، فأخذ يطوف بي بين التطبيقات المختلفة وأنا خاضعة لكل ما يأخذني إليه، حتى استحوذ على جلِّ وقتي، وحلَّ محل مجالس الأصدقاء والأهل والسمر، ولا أخفيكم أيضًا أنني استسلمت لهذه التقنيات العجيبة، فبرامج الترجمة الفورية والقنوات الدعوية والمتاحة بأشهر اللغات - ومنها المسموع والمقروء - جعَلتني أوقنُ أن الله يُقيم الحجة على العباد، فليس هناك أحدٌ على ظهر البسيطة لم يسمع عن الإسلام والقرآن، ومحمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

وبقدرٍ سعادتي بهذه السرعة غير المسبوقة والتعرُّف على عادات وثقافات الشعوب بالصوت والصورة، بقدر حزني على ضياع عمري هكذا، أفتح هذا البرنامج أغلق ذلك، وأستحدث جديدًا ربما يجدد لي جرعة الانبهار، ثم لظروف ما انقطعت عن هاتفي أسبوعين اكتشفتُ فيهما أن كتبي علاها التراب، وأنني اشتقت للسحب التي كنتُ أرقبها وأناجيها أثناء تنقُّلاتي، وافتقدتُ حديث صديقاتي الذي كان يجدد صبانا ويسعد قلوبنا!

هنا وقفتُ مع نفسي وقفة وحددتُ لنفسي ساعتين فقط لاستخدام المواقع والبرامج في اليوم، وعدتُ لبرنامج القراءة اليومي الذي كنتُ أَلتزمه، وأعدتُ التواصل مع صديقاتي، لكني للأسف وجدتُهنَّ ذائبات مع هواتفهنَّ، فما يمر على مجلسنا نصف ساعة حتى تلهو كل واحدة بهاتفها، وإن أرادتْ أن تمازحنا أرسلتْ على الجروب المقطع الذي أضحكها، فلا وقت تُضيعه معنا لتقص علينا ما أضحكها أو أبكاها، لا ألوم عليهنَّ؛ لأنني مررتُ بنفس المرحلة، ولكني عندما تنبَّهت وعدتُ، لم أجد أحدًا يريد أن يحيد عما هو عليه!

لا أنكر أنني مررتُ بمرحلة اكتئاب، وأصبحت في غربة حقيقية، وبقيت بين خيارين؛ إما أن أتحمَّل أو أعود لما كنت عليه، فيدي تجري على الهاتف وعقلي يقول لي: عمرك أغلى من هذه الدائرة المفرغة، وقت كثير يُنفَق ونفع قليل، وبعد تفكير اهتديتُ إلى أن وجود مساحة وقت في برنامجي اليومي هو الذي يتيح لي الإسراف في استخدام الهاتف، فقررتُ شَغْل هذه المساحة بما ينفع، فأخذتُ أبحث عما ينقصني، وبدأت في جبر النواقص لدي، التحقتُ بمعهد وحصلتُ على الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب، واستغرق ذلك مني العطلة الصيفية، ففجر حضور المحاضرات واجتياز الاختبارات في نفسي الرغبة في التعلم بالسؤال والتجريب وغير ذلك، حفَّزني ذلك لاحقًا على أخذ دورتين في برامج التعليم الدولية وتكنولوجيا التعليم، والحمد لله انعكس ذلك على عملي بشكل رائع، وبعد كل جديد أُنجزه أتساءل: بماذا أشغل نفسي عن الهاتف؟

اهتديت لاحقًا لدراسة العلوم الشرعية، وبفضل الله أوشكت على التخرج من معهد دراسات إسلامية مدته أربع سنوات، صادقتُ في هذا المعهد مهندسة حاسوب أرشدتني لاستثمار الهاتف بشكل نافع، فقرأت من خلاله في أوقات الانتظار مثلًا كتبًا كثيرة، واستمعت أفلامًا وثائقية نافعة، اختصرتْ عليَّ ساعات من القراءة والبحث، وبدأت معها حركة تلاقح ثقافي، أدُلُّها على مواقع الأدباء والشعراء والمفكرين، وتدلني على طرق استخدام التكنولوجيا بأقصى انتفاع، ومنذ ذلك الوقت وأنا أستثمر هاتفي ولا أشعر بإهدار وقتي عندما أستخدمه، قرأت من خلاله ثمرة فكر العلماء مركزةً ملخصة من خلال حسابات تويتر وفيس بوك ويوتيوب، إما يطرح العالم نفسُه رؤاه، أو يقوم على موقعه أنبهُ طُلابه، وكذلك البرامج أتاحت فرصة السؤال والاستيضاح.


المطلوب إذًا تنظيم الوقت واستخدام الهاتف فيما تزكِّي به نفسك، وترتقي بمعارفها وثقافتها، وليس فيما يهلكها؛ إما بضياع العمر دون فائدة، أو بجعل وقتك على الهاتف سيئات جارية تذهب أنت وتبقى هي تزيد رصيد سيئاتك عياذًا بالله؛ قال ربك الكريم: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 7 - 10].

انظر لهذا القسم من ربك الحكيم الخبير الذي لا يُقسم إلا بعظيم، فهو يقسم بنفسك التي بين جنبيك، وهي واللهِ عظيمة الشأن؛ لأنها مِن صنع الله، وانظر لجواب هذا القسم تجده مؤكدًا، يؤكد ربُّك عليك تزكية هذه النفس، ويحذِّر من الخيبة التي تصيب من يطلق لها العنان في ممارسة المعاصي والشهوات.

إذًا السؤال أصبح: كيف نزكي أنفسنا؟ يُجيبك حبيب الله صلى الله عليه وسلم إجابة قصيرة شافية كافية، فيقول: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ).

إذًا الحل في صلاح قلبك، وذلك يسير على مَن يسَّره الله عليه، وأول وأهم طرق الإصلاح هي:
♦ ذكر الله وما أيسر ذلك عليك، فالهاتف الذي لا تُفلته من يدك، عليه الأذكار وأوقاتها وفضلها، وكذلك به أوقات تنبيه؛ حتى لا تنسى.

♦ أن تؤمن بالله حقًّا، وتكون على يقين بأن الله مقسِّم الأرزاق، وهنا لن تجد في قلبك حقدًا ولا حسدًا، ولا كراهية وبغضاءَ، فيسلم قلبك من هذه الأمراض، فقد قال ربك: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: 38].

♦ خدمة عباد الله بما تيسَّر لك، صلة الأرحام، الإحسان إلى الجار، البعد عن مجالس اللهو والمعاصي، الالتصاق بالصحبة الصالحة، فهذا كله مما يزكي النفوس، ويصلح القلوب، وكل أعمال البر والإحسان تُصلح القلوب، الابتعاد عن المعاصي؛ فهي التي تورث القلب السواد والجفوة، وإن وقعتَ في شيء منها فعليك بالتوبة والاستغفار، والإنابة لله عز وجل.

اختَر من ذلك وغيره ما ينشرح له صدرُك، والزَمه مع يقينٍ في رب الرحمة والمغفرة بأنه سيقبل منك بَذْلَك في سبيل تزكية هذا القلب، فما فسد العالم وما انتشرت فيه القسوة، وعمَّه الظلم والدمُ إلا بقسوة القلوب والتعلق بالدنيا دون الآخرة، ويا للعجب، فلن يحصدوا منها إلا ما كتب الله لهم!

ومن هنا يتحول الهاتف الذي كان أداة إهدار للعمر والذهن إلى وسيلة تُعينك على هذه الطاعات، فعلينا دائمًا أن ننتبه (أيُمسك بنا الهاتف أم نمسك به؟)، وما دام أصبح ضرورة، فعلينا أن نتعلم حسن استخدامه!

اللهم أصلِح قلوبنا وزَكِّ نفوسنا، واجعَل أعمارنا في طاعتك، وألْهِمْنا ما يرضيك، واحفَظ شباب أمة محمد صلى الله عليه وسلم من كيد الكائدين وضَعف المفرطين.

أ.منى مصطفى
شبكة الألوكه