يشتكي المربون من تلميذ يُعطل سير الحصة بسبب كثرة كلامه.

يشتكي الموظفون من موظف ثرثار يتدخل في شؤونهم وينقل الكلام فيما بينهم.

تشتكي الجارات من إحداهن بأنَّها ثرثارة، ولا تترك فرصة لأحد كي يتكلَّم، وتُفشي أسرار البيوت.



مَن هو الثرثار؟

الثَّرْثار: الذي يكثر الكلامَ في تكلُّفٍ وخروج عن الحد[1].

وفي الحديث: ((وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون)).



الثرثرة تكون على صور؛ منها:

1- الكلام فيما لا يَعنيه؛ بحيث لو سكت عنه لم يأثم ولا يلحق به ضررٌ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حُسن إسلام المرء: تركُه ما لا يعنيه))؛ حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.


2- فضول الكلام؛ قَالَ عطاء: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَالْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ لِحَاجَتِكَ فِي مَعِيشَتِكَ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا، أَتُنْكِرُونَ: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ [الانفطار: 10، 11].


قال ابن القيم: أكثر المعاصي إنما تولُّدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان.


3- الخوض في الباطل؛ كالحديث عن المجالس التي تمارس فيها المنكرات والمعاصي، والآثام من مثل شرب الخمر[2].



ما أسباب الثرثرة؟

1- البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، ويتأثر به سلبًا أو إيجابًا.


بيئة الطفل الأولى (الأسرة) إحدى الأسباب التي تكمن وراء كثرة الكلام:

فالطفل سريع التأثر بمن حوله كالوالدين والإخوة، ويُحاكيهم في الكلام والحركات أولًا،كما أنَّه يُحب الاستطلاع أو التعبير عن قدرته في نُطق ما تعلَّمه من ألفاظ وعبارات بتشجيع من الأهل ثانيًا.


ينتقل الطفل إلى بيئة أخرى، وهي المدرسة أو الحي، فتراه يتأثر بمن حوله غالبًا.


2- الجهل بأمور دينه بشكل عام، وبخطورة الكلمة على وجه الخصوص،فهناك من لا يَتَوَرَّع عن ذكر أحوال الآخرين في غيابهم، ويقوم بتقليدهم، وعندما يُقدَّم له النصح يرد: هذا واقع وأنا لا أقول إلا الصِّدق.


3- الإهمال: يؤدي إهمال الطفل من قِبَلِ والديه أو أُسرته وانشغالهم عنه إلى الكبت، فيلجأ إلى تفريغ كل ما يجول بخاطره إلى أصدقائه في المدرسة.وبالنسبة لبعض كبار السِّن فيميلون للثرثرة بسبب الفراغ، فتراهم حينما يجتمعون بالأقارب والأصدقاء، يُكثرون من الحديث عن الماضي والأقارب والأصدقاء.


4- الكِبر والغرور وحب الظهور أمام الآخرين، فهو دائم الحديث عن نفسه.


5- الفضول: يدفع الفضول البعض لمعرفة كل صغيرة وكبيرة عن الآخرين، فيُحاصرهم بأسئلته وكأنه يريد أن يصل إلى شيء، ثم لا يتورَّع أن يتكلم بكل ما سمع.



أضرار الثرثرة:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كثُر كلامُه كثُر سقطُه.


ما السقطات التي يقع بها الثرثار؟

1- الغيبة والنميمة.

الغيبة: هي ذكرُك أخاك بما يكره بالقول أو الإشارة أو المحاكاة، وربما أوصل للبعض ما يُقال عنهم، فيقع في النميمة وكلتاهما- الغيبة والنميمة - حرام، ومتلازمتان، فَالواحدة تؤدي للأخرى، تمزقان الأواصر، وما أكثر الأواصر التي قُطِّعت والبيوت التي دُمِّرَت بسبب ثرثرة مجالس!


2- إفشاء الأسرار:

البيوت أسرار، أيُّنا يُحب أن يعلم الناسُ أسرارَ بيته؟!

الثرثار ليس أمينًا على سِر، فلا يهدأ باله إن علم بأمرٍ - رآه في بيت أحدهم أثناء زيارته أو سمعه، أو حتى تسمَّع إليه - إلَّا أن يُذيعه ويتحدث به، ولكم أن تتخيلوا ماذا يحدث بعد ذلك، يتناقل الناس الأخبار التي يرويها بسرعة البرق; فيتأذى من كُشِفَ سِرُّه، العجيب أنَّ الثرثار في كثير من الأحيان يكشف أسرار عمله وأسرار بيته وبيوت أقاربه؛ حتى تُصبح البيوت التي له بها علاقة وكأنَّها كتاب مفتوح يقرأ منه الجميع.


3- ضياع الوقت بما لا فائدة فيه; فالوقت كنزٌ ثمين ينبغي على المرء استغلاله بما يعود عليه بالنفع.


4- التعرُّض لمواقف مُحرجة، الثرثار يتعرض لمواقف محرجة؛ كأن يقول له أحدهم: وما شأنك أنت؟ أو لا تتدخل فيما لا يعنيك، أو يُنبذ من البعض بسبب كثرة كلامه.


5- نشر الشائعات.

الشائعة خطيرة ينبغي على المسلم إن سمع شيئًا ألا يُسهم في نشره إلا بعد التأكد من صحته؛ كي يبقى المجتمع المسلم نقيًّا طاهرًا.


متى نتكلَّم؟ ومتى نصمت؟


إن من شروط الكلام النافع:

1- أن يكون الكلام لداعٍ يدعو إليه؛ إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرٍّ.

2- أن يأتي به في موضعه، ويتوخَّى به إصابة فرصته.

3- أن يقتصر منه على قدر حاجته.

4- أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به[3].


لذا ينبغي على المرء أن يسأل نفسه قبل أن يتكلم: هل هناك ما يستدعي الكلام؟ فإن وجد تكلَّم، وعلى قدر الحاجة وبأحسن الألفاظ، وإلَّا فالصمت أولى مع مراعاة آداب الحديث التي منها: تقديم الكبير، والإنصات للمتكلم.



كيف يكون علاج الثرثرة؟

الثرثار فرد يعيش بيننا تربطنا به روابط أُخوة، أو قرابة أو صداقة، هو ليس شريرًا - كما يحلو للبعض وصفه - أو وباءً نفرُّ منه، بل هو إنسان مُثير للشفقة؛ لأنَّه مصابٌ بآفة في لسانه[4] تأثيرها خطير على دينه وعلى علاقاته الاجتماعية، يتحتَّم عليه أن يسعى للعلاج، ويجب علينا مساعدته.


كيف يُعالج الثرثارُ نفسه؟

أولًا: الاستعانة بالله عزَّ وجل وطلب العون منه.


ثانيًا: قلة الكلام بحمل نفسه على الصمت والتدرُّب عليه، فلا يتكلم إلا لحاجة.


ثالثًا: استغلال أوقاته بما يعود عليه بالنفع؛ من مثل: التسبيح والاستغفار، وتعليم الأطفال، وحضور حلقات، أو أي عمل حلال يعود عليه وعلى مَن حوله بالنفع والفائدة.


رابعًا: مصاحبة الفضلاء؛ عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)؛ رواه البخاري ومسلم.


خامسًا: اجتناب مجالس السوء.

أما مساعدة الآخرين فتكون بالآتي:

1- البداية تكون من البيت بتجنُّب الحديث أمام الطفل بأمور لا تخصه، وتعليمه آداب الحديث، وأهمها الإنصات للآخرين، أما ثرثرة التلاميذ، فعلاجها يكون بالتعاون بين الأهل والمدرسة لمعرفة السبب وعلاجه، ومن طرق العلاج: توجيه الطفل لِلتعبير عن الكلام بالقراءة أو الكتابة أو الرسم، أو استغلال مواهبه بالتمثيل في الإذاعة المدرسية أو المشاركة في النشاطات المدرسية؛ ليلتفت إلى أمر آخر غير الكلام.


2- التعاون فيما بيننا، بألا نسمح للمعاصي أن تحدث في مجالسنا؛ كالغيبة أو النميمة، أو التدخل في شؤون الآخرين; لتكون مجالس خيرٍ وبركة، وفي حال وقوعها علينا الإنكارُ من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجبُّ الغيبة (دفعُها) عن المسلمين؛ لننجوَ جميعًا من الوقوع في المعصية؛ عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ذبَّ عن عِرض أخيه بالغِيبة، كان حقًّا على الله أن يعتقه من النَّار))؛ رواه أحمد.


3- علاج الجاهل بأمور دينه، أو من لا يشعر بخطورة الكلمة، يكون بتعليمه أمور الدين أولًا، وتذكيره بضرورة مراقبة الله عز وجل في السِّر والعلن، ولا بد له من التدرُّب على الصمت، فاللسان عضو يحتاج إلى مران وعدم إهمال؛ فليس كل شيء يُقال، وليس كل ما يقال لا إثمَ فيه، فنحن محاسبون، وهناك ملكان يسجلان علينا ما ننطق؛ قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].


4- علاج المغرور يكون بتذكيره بعظيم فضل الله عزَّ وجل عليه، فالمال والجمال والحسب كلها مِنح ربانية ليست مِن صُنع الإنسان، لكنَّ أخلاقه من صنعه فليتركها تُنبئ عنه.



متفرقات:

يقول ابن الجوزي: ينبغي لمن تظاهرتْ نِعَمُ الله عز وجل عليه - أن يُظهر منها ما يُبين أثرَها، ولا يكشف جُملتها، فإنَّ العين حق، والنفس يُعجبها إظهار النِّعم إلا أنَّها إن ظهرت لودود لا يُؤمن باطنه من الغيظ، وإن ظهَرت لعدوٍّ، فالظاهر إصابته لموضع الحسد. ويختم الفصل بقوله: ولا تكن من المَذاييع [5] الغر الذين لا يحملون أسرارهم حتى يُفشوها إلى من لا يصلح، ورُبَّ كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان[6]؛ قالها في زمن كانت وسائل التواصل بين البشر المجالس التي يجتمع فيها الأهل والأصدقاء، ما أشبهها بالثرثرة على الهواتف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي!


• كان أبو بكر يوصي القادة بقوله: لا تكثر الكلام؛ لأنَّه يُنسي بعضه بعضًا.

• قيل: إذا أكثرتَ من الكلامِ فأكثرْ من الاستغفار.

• قيل: الصمت يُعين المرء على استجماع أفكاره.

• قيل: لا تؤذِ أحدًا بأشواك لسانك.


أجارني الله وإيَّاكم من ثرثرة تُوقعنا في المعاصي والآثام.

[1] المعجم الوسيط.

[2] كيف تغدو فصيحًا عفَّ اللسان؛ محمَّد حسان الطيَّان.

[3] أدب الدنيا والدين؛ الماوردي.

[4] الآفة: كل مَا يُصِيب شَيْئًا فيُفسده؛ مِن عاهة، أَو مرضٍ، أَو قحط.

[5] المِذْياع: الذي لا يكتمُ السرَّ، وقوم مَذايِيعُ.

[6] صيد الخاطر؛ ابن الجوزي.

أميرة محمود عبدالله
شبكة الالوكه