الكلمة الأولى:


أن يستحضر العبد دائمًا أن أوامر الشرع والقضاء والقدر من عليم حكيم، قال تعالى: ﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 18].



الكلمة الثانية:

أنه لا بد من التسليم فيما تحار أو تعجِز عن إدراك حكمته العقول؛ لأنه قد ثبت بالدليل القاطع بالنقل والعقل حكمة الخالق سبحانه وتعالى، وعلى هذا الأصل يكون التسليم.



قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "إن للعقل حدًّا ينتهي إليه، كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه"؛ مناقب الشافعي، للبيهقي (٢٨٠).



الكلمة الثالثة:

يقول العلامة ابن الجوزي في معرض كلامه عن حكمة المولى عز وجل: "ثم ما زالت للملوك أسرار، فمن أنت حتى تطَّلع بضعفك على جميع حِكَمِه؟ يكفيك الجمل، وإياك إياك أن تتعرض لما يخفى عليك، فإنك بعض موضوعاته، وذرة من مصنوعاته، فكيف تتحكم على من صدرت عنه؟ ثم قد ثبتت عندك حكمته في حكمه وملكه، فأَعْمِلْ آلتك على قدر قوتك في مطالعة ما يمكن من الحكم؛ فإنه سيورثك الدَّهش، وغمِّض عما يخفى عليك؛ فحقيق بذي البصر الضعيف ألَّا يقاوي نور الشمس"؛ صيد الخاطر (ص: ١٦٥).



وقال: "العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم، وأنه مالك، والحكيم لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، غير أن تلك الحكمة لا يبلغها العقل، ألا ترى أن الخضر عليه السلام خرق سفينة، وقتل شخصًا، فأنكر عليه موسى عليه السلام بحكم العلم، ولم يطلع على حكمة فعله، فلما أظهر له الحكمة، أذعن؟ ولله المثل الأعلى"؛ صيد الخاطر (ص: ٣٣٨).



الكلمة الرابعة:

قد ثبت نقلًا وعقلًا أن واهب العقل أعلى من العقل؛ فما على الإنسان إلا التسليم لما قد يخفى عليه من الحكم، قال جل ذكره: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].



الكلمة الخامسة:


يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الواجب على كل مؤمن أن يكِلَ ما أُشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم، وأنه لو اعترض على ذي صنعة أو علم من العلوم التي استنبطتها معاول الأفكار، ولم يُحِطْ علمًا بتلك الصناعة والعلم - لأزرى على نفسه، وأضحك صاحبَ تلك الصناعة والعلم على عقله"؛ مفتاح دار السعادة (٢٧١/ ٢).



الكلمة السادسة:

قيل: يأمر كبير السن شابًّا بأمر فلا يرى حكمته ويسخر منه، فإذا كبر وجرب ندم على تركه، هذا وما بينهما خبرة سنين، فكم بين الله وعبده من سعة في العلم؟



وفي محكم تنزيله: ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32].



الكلمة السابعة:

قال تعالى عن نفسه: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]، قال المفسرون:

فالله عز وجل لا يُسأل عما يفعل؛ فله سبحانه الحكمة البالغة، وليس للمخلوق أن يعترض على خالقه، وإن أدركت عقولنا حكمة بعض الأحكام، فستبقى عاجزة عن إدراك البعض الآخر، فيُقال لهؤلاء الذين يعترضون: إن الله من أسمائه الحكيم، والحكمة صفة من صفاته الثابتة له على وجه الكمال، فهو منزه سبحانه عن العبث في أفعاله وأقواله، فمن خفي عليه وجه الحكمة في فعل من أفعاله تعالى أو قول من أقواله، فليتأمل وجه الحكمة في ذلك، سائلًا الله العون والفهم، فإن بلغ عقله فالحمد لله، وإن لم يبلغ عقله العلم بذلك، فما عليه إلا التسليم والانقياد للعليم الحكيم.



الكلمة الثامنة:

قال جل ذكره: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، قال العلامة السعدي في تفسيره:

"... أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]؛ تفسير السعدي (الآية: ٢١٦).



الكلمة التاسعة:


وذكر جل ذكره قول الملائكة الكرام: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]، قال المفسرون:

﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾ [البقرة: 32]؛ أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك، ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا ﴾ [البقرة: 32] بوجه من الوجوه ﴿ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ [البقرة: 32] إياه فضلًا منك وجودًا، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]؛ العليم الذي أحاط علمًا بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، الحكيم من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقرُّوا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.



الكلمة العاشرة:

مسائل الشرع وﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭ صادرة من الله سبحانه، وﻟﻬﺎ ﺗﻌﻠُّﻖ ﺑﺼﻔﺎته:ﻛﻌﻠﻤﻪ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ، ﻭﺣﻴﺚ إﻧﻨﺎ ﻧﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻜﺬﻟﻚ ﻧﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ بها، ولا يسَعُنا إلا التسليم، قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110].



الخاتمة:

والحمد الله العليم الحكيم، وصلى الله على المصطفى الأمين وآله وصحبه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.


يزن الغانم
شبكة الأوكة الشرعية