الإخلاص في الإنفاق

إنفاق المال رئاء الناس يجعله الله يوم القيامة هباءً منثوراً :


الشيء الخطير:
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾البقرة (266)
ما قولك: إنسان بمجلس، بحفلة أنفق مليوناً، وشخص آخر أنفق مئة ألف، دفعها وهو في أمسِّ الحاجة إلى هذا الإنفاق، فيوم القيامة ينظر إليه وقد جعله الله هباءً منثورا، بطل عمله، ينظر إلى عمله الذي راءى فيه الناس، أنفق ماله رئاء الناس، فإذا الله عزَّ وجل قد جعله هباءً منثوراً لأنه ما أخلص

﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ ﴾

بستان رائع جداً من نخيل، والنخيل من الأشجار المعمرة، وقد تعيش ستة آلاف عام..

﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

أيْ: ينبوع ماء غزير، ماء رَقْراق، بستان جميل، أشجار مثمرة، بستان له رَيْع كبير، لو ضمَّن فاكهته لضمَّنها بأموال طائلة.

الإنسان المرائي المنافق لا قيمة لطاعته إطلاقاً :

قال تعالى:
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ﴾
تقدَّم في السن، فعجز عن العمل..
﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾
أولاد صغار كثيرون..
﴿ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾
أي بعدما أصابه الكِبَر، وبعد أن قبع في البيت، وبعدما عجز عن الكسب، كل أمله بهذا البستان ذي الثمار اليانعة والموارد الكبيرة، وهو في أمس الحاجة إلى هذا البستان، وإلى فاكهته ورَيْعِه، أصاب هذا البستان إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت أشجاره، وذهب كل ثمر هذا البستان.
﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾
تشبيه رائع جداً، فقد يخيب أملك إذا كنت ترجو عملاً صالحاً مقبولاً وأنت في أمس الحاجة إليه، ثم قد يُحْبَط عملك وأنت في أمس الحاجة إلى هذا العمل.

فإذا كان الإنسان فيما بينه وبين الله يعصيه، وفيما بينه وبين الناس يطيعه، هذا إنسان مراءٍ منافق لا قيمة لطاعته إطلاقاً، هو يطيعه ليحفظ مكانته عند الناس، لا يطيعه محبةً له، ولا يجتنب المعاصي خوفاً منه بل خوفاً على سمعته، إذاً فهذا إنسان لا قيمة له عند الله.


النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف الإخلاص، في كتمان الإنفاق قال:
(( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ـ من هذه السبعة ـ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ]
إخفاء الصدقة دليل الإخلاص، لأن الذي أنفقت من أجله يعلم، دون أن تُعلم أحداً.

كان بعض العلماء يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب
ـ ابن المبارك رحمه الله، مرة التقى بشاب، ثم زار البلدة مرة ثانية، فعلم أنه عليه دَين، فأرسل مَن دفع عنه الدين، وسار عائداً إلى بلدته، تبعه الشاب، قال: لا أعلم عنك شيئاً، مَن أنت ؟ لم يذكر له أنه هو الذي فكّ دينه.
قد نجد أشخاصا أرجو أن يكونوا قِلّة، إذا عملَ عملا صالحا لا يبقي إنسانًا ما يحكي له، البارحة عملنا هكذا، فلان لحم كتفه من خيرنا، فلان لو ما أعطيناه ما صار رجلا، هذا المنّ في الصدقة.


ملحوظة مهمة: إن تبدو الصدقات فنعما هي:
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 271 )
إنّ الصدقة إذا توجهت إلى جهة خيرية فالأولى أن تعلن.
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين )
أما إذا توجهت إلى إنسان فالأولى أن تكتم، الحكمة تقتضي أن تعلن في موقف، وأن تكتم في موقف، حتى حينما يقرأ إنسان القرآن من شدة إخلاصه هو يقرأ القرآن دخل شخص فغطى المصحف بثوبه، وهناك شخص يتمنى أن يراه الناس يقرأ القرآن.


تنبيه بليغ: ترك العمل خوف الرياء شرك :

لكن هناك ملاحظة مهمة جداً، وهي أنك إذا تركت العمل الصالح خوفاً من النفاق وقعت في الشرك، العمل الصالح لا يترك، لا مؤاثرة في الخير،
أنا أتيح لي عمل صالح، هناك يأتي الشيطان، ويقول: أنت إذا فعلته أمام الناس أردت بها العمل أن تعلو عندهم، لا، هذا كلام شيطاني، لو أخذ به كل واحد منا لألغيت الأعمال الصالحة، إذا أتيح لك عمل صالح فلا تتردد أبداً، افعله ولو كنت في ملأ من الناس، لعلك تشجعهم.

راتب النابلسي
موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية