الخطبة الأولى

تعريف الغيبة:


إن اللسان جارحة ليس هناك أعظم منها فتكًا إن سرحها صاحبها في مراتع الأعراض، وإن أعظم أسلحتها نسفًا للحسنات سلاح الغيبة، التي ما دخلت على الرجل إلا أذهبت بدينه ودنياه؛ وقد أوضح لنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ما هي، فقال: ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته))[1].



قال المناوي: الغيبة "هي ذكر العيب بظهر الغيب بلفظ، أو إشارة، أو محاكاة"[2].


قال النووي مفصلًا ذلك: "ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه، أو دنياه أو نفسه، أو خلقه أو خلقه، أو ماله أو والده، أو ولده أو زوجه، أو خادمه أو ثوبه، أو حركته أو طلاقته، أو عبوسته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو الإشارة أو الرمز))[3].


بل دقق في هذا حتى قيل لو ذُكر الرجل فقيل فيه: "الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة، ونحو ذلك"[4]، على وجه التنقص - لكان من الغيبة.


حكم الغيبة:

ولعظم الغيبة؛ فقد حُرمت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

قال تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12]؛ قال ابن عباس: "حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرم الميتة".


وفي الحديث: ((إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حقٍّ))، وفي رواية: ((من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه))[5].


قيل: "الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"؛ أي: الوقوع في عرض المسلم بالقول أو الفعل، أو بالغيبة وسيئ القول بغير حق، وبغير سبب شرعي يبيح له استباحة عرض أخيه، وبأكثر مما يستحقه من القول أو الفعل، وإذا كان الربا في المال محرمًا ومن الكبائر، فإن تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم الوقوع في الأعراض بالوقوع في الربا المحرم هو على سبيل المبالغة؛ وذلك لأن العرض أعز وأغلى على الإنسان من المال؛ فيكون الوقوع فيه أشد ضررًا وخطورةً من الوقوع في ربا المال[6].

ما العمل عند حدوثها؟

فإن زلت القدم وحدثت الغيبة، كان لها جانبان من حيث الضرر:

الأول: المستمع، فيلزمه عند ذلك أن يرفع الإثم عن نفسه بإنكارها؛ ففي الحديث: ((قالت عائشة رضي الله عنها: قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني: قصيرةً - فقال: لقد قلتِ كلمةً، لو مُزج بها البحر لمزجته))[7]، والمعنى: أنها لو كانت هذه الغيبة مما يمزج بالبحر، لغيرت لونه وطعمه وريحه مع كثرته وسعته، فكيف بالغيبة لو خالطت أعمالًا قليلة لا نعلم قبولها أو ردها؟ فهنا أنكر عليها النبي وبين عظيم إثم الغيبة.

الثاني: صاحبها؛ فإما أن يتحلل منها بطلب العفو ممن اغتابه إن لم يكن هناك مفسدة، فإن كان هناك مفسدة كزيادة أذًى عندما يعلم، أو تكون سببًا للعدوان على المغتاب، أو مفسدة كمال الألفة والمحبة بينهما، فهنا يكفي لصاحب الغيبة أن يدعو لمن اغتاب ويستغفر له[8].


مواقف وأقوال السلف والعلماء عن الغيبة:

وقد كان السلف وعلماء الأمة يدركون ضرر الغيبة على الدين وعلى الفرد والمجتمع، فسطَّروا لنا أقوالًا تبين عمق فهم هذه المسألة؛ ومن ذلك:

دار بين سعد بن أبي وقاص وبين خالد بن الوليد كلام، فذهب رجل ليقع في خالد عند سعد، فقال سعد: "مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا"[9]، وقد كان عمرو بن العاص يسير مع أصحابه فمر على بغل ميت قد انتفخ، فقال: "والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه، خير من أن يأكل لحم مسلم"[10]، وعن عدي بن حاتم قال: "الغيبة مرعى اللئام"، وعن كعب الأحبار: "الغيبة تحبط العمل"، وقال أبو عاصم النبيل: "لا يذكر في الناس ما يكرهونه إلا سفلة لا دين له".

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروا الله إن الله غفور رحيم.

الخطبة الثانية


الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدالله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وإخوانه؛ أما بعد:

بعض الأحوال التي تجوز فيها الغيبة:

فقد يحتاج الإنسان أن يتكلم في غائب بما يكره لمصلحة راجحة، وقد جمع العلماء تلك الحاجة في ستة مواطن؛ هي:

الأول: حال التظلم لمن يقدر على رفع المظلمة، عندها يجوز له أن يغتاب ظالمه بقدر الحاجة مثلًا؛ قال تعالى: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 148].

الثاني: حال الاستفتاء؛ قالت هند بنت عتبة تستفتي الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليَّ جناح أن آخذ من ماله ما يكفيني وبني، قال: خذي بالمعروف))[11].


الثالث: الاستعانة على تغيير المنكر؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

الرابع: النصيحة؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس عندما طلبت منه النصح فيمن تتزوج، فقال: ((أما معاوية فرجل تَرِب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضرَّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد))[12].


الخامس: المجاهر بالفحش المستعلن ببدعته؛ ففي الحديث: ((استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة، أو أخو العشيرة))[13].


السادس: التعريف برجل فيه صفة غير مرغوبة ولا يعرف إلا بها كالأعرج، لكن يجب ألا يكون على وجه التنقص.


الدعاء:


♦ ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾.

♦ ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾.

♦ ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾.

♦ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.


♦ ((اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهَّنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا)).


♦ ((اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك مثنين بها عليك، قابلين لها، وأتمها علينا)).


♦ اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ اللهم ولاة أمورنا، ووفق بالحق إمامنا وولي أمرنا.

♦ اللهم اكفِ المسلمين كيد الكفار، ومكر الفجار، وشر الأشرار، وشر طوارق الليل والنهار، يا عزيز يا غفار.


♦ ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.


♦ سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
..........................................

[1] مسلم (2589).

[2] فيض القدير.

[3] الأذكار.

[4] قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة التعجب، والنووي.

[5] حسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية، وابن حجر في الفتح، والصنعاني في السبل، الألباني في السلسلة الصحيحة.

[6] بمعناه في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح.

[7] أخرجه أبو داود (4875)، والترمذي (2502) باختلاف يسير، وصححه ابن دقيق العيد في الاقتراح، والألباني في صحيح أبي داود، والأرنؤوط في تخريج رياض الصالحين.

[8] قال به ابن تيمية وابن القيم وابن الصلاح وابن مفلح.

[9] عيون الأخبار.

[10] الترغيب والترهيب.

[11] رواه البخاري (‏5061)‏، ومسلم (3319).‏

[12] مسلم (1480).

[13] البخاري (6054)


د. عطية بن عبدالله الباحوث
شبكة الألوكه