الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:


فمن أهم وأشهر كتب العلامة ابن القيم رحمه الله، كتابه الموسوم بـ"أعلام الموقعين عن رب العالمين"، وقد أثنى عليه أهل العلم كثيرًا؛ قال سماحة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله: من أفضل كتب ابن القيم رحمه الله: له شأن عظيم، ولا سيما في حق القضاة والمفتين، وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ذلك الكتاب الذي قلَّ أن يوجد في كتب الإسلام مثله، وقال السيد رشيد رضا رحمه الله: لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى، وما يتعلق بذلك.



وقد سال قلم العلامة ابن القيم، فزخر الكتاب بالكثير من الفوائد، وقد يسَّر الله الكريم فاخترتُ شيئًا منها، أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.



الحذر من تقديم الآراء والعقول على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام:

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2]، فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أو ليس هذا أولى أن يكون مُحبطًا لأعمالهم؟


السعادة في العلم النافع والعمل الصالح:


العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسبهما، فمن رُزِقهما فقد فاز وغَنِمَ، ومن حُرمهما فالخير كلَّه حُرِمَ، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البرُّ من الفاجر، والتقيُّ من الغوي، والظالم من المظلوم.



التنازع في بعض مسائل الإحكام:

أهل الإيمان لا يُخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان، إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، كما شرطهم الله عليهم بقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [النساء: 59]، ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتقى عند انتفائه.



الردُّ في كل تنازعٍ في مسائل الدين إلى كتاب الله وسنة رسوله:


قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ [النساء: 59]: نكرة في سياق الشرط تعُم كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقَّه وجلَّه، جليَّه وخفيَّه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا، لم يأمر بالرِّد عليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرَّدِّ عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.



صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عِصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم، أبرُّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمُّها نصيحةً، وأقربها إلى الله وسيلةً.



حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد، فلا مطمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتَّبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال.



فأيُّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إليها؟ وأيُّ خُطةِ رشدٍ لم يستولوا عليها؟

تالله لقد، وطَّدوا قواعد الإسلام، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا، فتحوا القلوب بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا.



صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله على العبد:

صحةُ الفهم وحسنُ القصد من أعظم نِعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام، فقيامه عليهما، وبهما باين العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدُهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومُهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسُنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم.



صحة الفَهم نور يقذِفه الله في قلب العبد، يُميِّز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، ويُمده حسن القصد، وتحرِّي الحق، وتَقوى الرب في السرِّ والعلانية، ويقطع مادته اتباعُ الهوى، وإيثار الدنيا، وطلبُ محمدة الخلق، وترك التقوى.




من صفات من يقوم بالتبليغ والفتيا:

لا تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالِمًا بما يبلغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟



فحقيق بمن أُقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عُدته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾ [النساء: 127]، وكفى بمن تولاه الله بنفسه تعالى شرفًا وجلالةً، إذ يقول في كتابه: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ [النساء: 176]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدًا، وموقوف بين يدي الله.



والجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسَعته، فإذا قلَّ علمُه أفتى عن كلِّ ما يُسألُ عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتَّسعت فتياه.



شكر النعم المستمرة والمتجددة:


النعم نوعان: مستمرة ومتجددة: فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شُرِع لها سجود الشكر، شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها، فإن الله لا يحبُّ الفرحين ولا الأشرين، فكان دواء هذا الدواء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره.



الكذب له تأثير عجيب في سواد الوجه:

شرُّ ما في المرء لسان كذوب، ولهذا يجعل الله سبحانه شعار الكاذب يوم القيامة، وشعار الكاذب على رسوله سواد وجهه، والكذب له تأثير عجيب في سواد الوجه، ويكسوه رقُعًا من المقت يراه كل صادق، فسيما الكذاب في وجهه ينادي عليه لمن له عينان، والصادق يرزقه الله مهابةً وحلاوةً، فمن رآه هابه وأحبَّه والكاذب يرزقه مهانةً ومقتًا، فمن رآه احتقره.



تثبيت الله لعبده منحة كبيرة وكنز عظيم:

تحت قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: 27]، كنز عظيم من وُفِّق لمظنَّته، وأحسن استخراجه واقتناه، وأنفق منه فقد غنِم، ومن حُرمه فقد حُرِم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته وإلا زالتْ سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 74]، فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت، ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت، وفعل ما أُمر به العبد، فبهما يثبت الله عبده، فكلُّ من كان أثبت قولًا وأحسن فعلًا، كان أعظم تثبيتًا؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ [النساء: 66]، فأثبتُ الناس قلبًا أثبتهم قولًا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق.



فما مُنِح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم، كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر.



التحذير من الاختلاف:

قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا)، هذا ذم للمختلفين، وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثُر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد، وأهلُه هم الذين فرَّقوا الدين وصيروا أهله شيعًا، كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه، وتذمُّ من خالفها ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبُهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا، هذا والنبي واحد والقرآن واحد والدين والرب واحد، فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم ألا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا معه من تكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، فلو اتفقت كلمتهم على ذلك، وانقاد كل منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله، وتحاكموا كلُّهم إلى السنة وآثار الصحابة لقلَّ الاختلاف، وإن لم يعدم من الأرض، ولهذا تجد أقل الناس اختلافًا أهل السنة والحديث، فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقًا وأقل اختلافًا منهم لما بنوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقةُ عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشدَّ وأكثر، فإن من ردَّ الحق مرِجَ عليه أمرهُ واختلط عليه، والتبس عليه وجه الصواب، فلم يدر أين يذهب؛ كما قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ [ق: 5].



باب سد الذرائع:

باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهيُّ عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سدُّ الذرائع المفضية إلى المحرم أحد أرباع الدين.



تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص:

والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم عشرة أحكام وأكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ، دون سياقه ودون إيمائه وتنبيه وإشارته واعتباره.



وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نصٍّ آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب مِن فَهْم القرآن لا ينتبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذه بهذا وتعلُّقه به، وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف: 15]، مع قوله: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر.



العلة في عدم التحدث بالرؤيا التي يكرهها الإنسان:


نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدث بها، فإنه ذريعة إلى انتقالها من مرتبة الوجود اللفظي إلى الوجود الخارجي، كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا، ثم تنتقل إلى الذكر، ثم تنتقل إلى الحس، وهذا من ألطف سدِّ الذرائع وأنفعها، ومن تأمل عامة الشر رآه متنقلًا في درجات الظهور طبقًا بعد طبقٍ من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج.



العلة في النهي أن يقول الإنسان: لو أني فعلت لكان كذا وكذا:


نهي الرجل بعد إصابة ما قُدِّر له أن يقول: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، فإنه لا يُجدي عليه إلا الحزن والندم وضيقة الصدر، والتسخط على المقدور واعتقاده أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.



درجات إنكار المنكر:


إنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلُفه ضدُّه.

الثاني: أن يقلً وإن لم يزل بجملته.

الثالث: أن يخلفه ما هو مثله.

الرابع: أن يخلفه ما هو شر منه.



فالدرجتان الأُوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.



الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:


الذي ندين الله به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان، لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسي الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معرضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه.



ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله - ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه – لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.



الإنصاف أفضل حلية تحلَّى بها الرجل:

الله تعالى يحبُّ الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلَّى بها الرجل، خصوصًا من نصب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [الشورى: 15]، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف، ويُحكِّم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو العلم الذي قد شمَّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، ولا يَثني عِنانَه عنه عذلُ عاذلٍ، ولا تأخذه لومة لائم، ولا يصدُّه عنه قول قائل.



الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد:

الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.



فالشريعة عدلُ الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظلُّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتَم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المُبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه، فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي لها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما مستفاد منها، وكل نقص في الوجود فسببُه من إضاعتها.



شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرأة من كل نقص، مطهرة من كل دنس، مسلمة لا شية فيها، مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدها ومبانيها، أمرت بكل صلاح ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاء دواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينها لباطنها، وباطنها أجمل من ظاهرها، شعارها الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل وحكمها الفصل.



الحذر من المكر والخداع والاحتيال:

حقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والحيل، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يومًا تكِعُّ فيه الرجال، وتُنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتُبلي فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويصير الباطن فيه ظاهرًا، والسر علانية، والمستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، ويُحصل ويبدو ما في الصدور، كما يُبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب جلَّ جلاله هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيضُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه، وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هناك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.



العلم والحلم:


قال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم.

فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله، وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات، فالحليم لا يستفزه البدوات، ولا يستخفه الذين لا يعلمون، ولا يُقلقله أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناة يملِك نفسه عند ورد أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة، فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره، وعند الشر فيصبر عنه.



السكينة:

السكينة فعلية من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره، وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح.



وثمرة هذه السكينة: الطمأنينة للخير تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا، فلا تدع شبهةً تعارض الخير، ولا إرادةً تعارض الأمر، بل لا تمر معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد؛ ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردِّها وعدم السكون إليها، فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند الله.



وأسبابها الجالبة لها: استيلاء مراقبة العبد لربه عز وجل حتى كأنه يراه، وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء، والسكينة، والمحبة، والخضوع، والخشوع، والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها، فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلِّها، وعمودُها الذي قيامها به.



أصناف المتأولين:

والمتأولون أصنف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها، وأعظمهم توغُّلًا في التأويل الباطل من فسد قصده وفهمُه، فكلَّما ساء قصده وقصر فهمه، كان تأويله أشدَّ انحرافًا، فمنهم من يكون تأويله لنوع هوى من غير شُبهة، بل يكون على بصيرة من الحق، ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهةٍ عرضت له أخفت عليه الحق، ومنهم من يجتمع له الأمران: الهوى في القصد، والشبهة في العلم.



من أقوى أساب الإصابة في الفتوى دعاء المفتي عند الإفتاء:

حقيق بالمفتي أن يُكثر الدعاء بالحديث الصحيح: (اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل...الحديث)، وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: "يا معلم إبراهيم"، ويكثر الاستعانة بذلك، وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]، وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكان مالك يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، وكان بعضهم يقول: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 25 - 28].



وكان بعضهم يقول: اللهم وفِّقني، واهدني، وسددني، واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان.

وكان بعضهم يقرأ الفاتحة وجرَّبنا نحن ذلك، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة.



فوائد متفرقة:

♦ كلُّ من له مُسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه، إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا فسد أمرها أتم فساد.



♦ شريعته سبحانه منَّزهة أن تنهى عن شيء لمفسدةٍ فيه، ثم تُبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها، أو أزيد منها، فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها، ولا قدرها حقَّ قدرها.



♦ تصرف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة، والذكر والاستغفار، والعتق والصلة.



♦ الكاذب من أمهن الناس وأجبنهم وأكثرهم تلونًا وأقلهم ثباتًا.



♦ ما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراعِ المقاصد والمعاني، إلا كمثل رجلٍ قيل له: لا تسلِّم على صاحب بدعه، فقبَّل يده ورجله، ولم يسلِّم عليه.



♦ من المستحيل أن يشرع الله ورسوله من الحيل ما يسقط به ما أوجبه، أو يبيح ما حرمه ولعن فاعله، وآذنه بحربه وحرب رسوله، وشدَّد فيه الوعيد، لما تضمنه من المفسدة في الدنيا والدين. ثم بعد ذلك يسوغ التحيل عليه بأدنى حيلة.



♦ قد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويُلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.



♦ كلما قرُب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، وكان نور كشفه للحقِّ، أتمَّ وأقوى، وكلما بعد من الله كثُرت عليه المعارضات، وضعُف نورُ كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، يفرق به العبد بين الخطأ والصواب.



♦ الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكل زمان دولة ورجال.



♦ كم من باطل يُخرجه الرجل بحُسن لفظة وتنميقه وإبرازه في صورة حقٍّ، وكم من حقٍّ يُخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل، ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم، فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها، ويقضى بجوازه، وذو البصيرة ينفد مقصدها وباطنها.


فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ

شبكة الألوكه