الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:

فهذه بعض المنتخبات من كتاب "بستان الواعظين ورياض السامعين" للإمام ابن الجوزي، أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.

الاستعاذة بالله من الشيطان:
اعلم أن المستعيذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم معتصمٌ بحبل الله المتين.

اعلموا عباد الله أن التعوُّذَ بالله من الشيطان الرجيم هو من أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى قد أمر عبده المؤمن أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في محكم القرآن الكريم، اللهَ اللهَ لا تُقِرُّوا عينَ عدوِّكم الشيطان؛ فإنه يؤديكم إلى عذاب النيران، ويصدكم عن دار الخلد وسكنى الجنان.
قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268]، وإنما يأمركم الشيطان بالفحشاء؛ ليحرق غيره كما أحرق نفسه.



ذكر القيامة وأهوالها:

قال الله عز وجل: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1]، هذه السورة محكمة بالوعد والوعيد، يخوِّف الله تبارك وتعالى بها عباده، ويذكرهم فيها تزلزلَ الأرض وقيامَ الساعة؛ لينتهوا عما نهاهم عنه من العصيان، ويمتثلوا ما أمرهم به من الطاعة والإيمان، وخوَّفهم الله تبارك وتعالى من يوم القيامة؛ ليستعدوا لها ولعظيم أهوالها.


رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا هبَّتِ الريح تغيَّر لونه، وكان يخرج ويدخل من شدة خوف قيام الساعة وزلزلة الأرض، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف هذا الخوف كله وهو أكرم الخلق على الله، فكيف بمن أفنى عمره في السهو والغفلات وقطع أيامه باللهو ... وضيع أوقاته في العصيان حتى مات؟



ذكر الميزان والصراط:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء: 47]، عباد الله، ما لقلوبكم لا تخشع؟ وما لآذانكم لا تسمع؟ وما لعيونكم لا تدمع؟ فالله الله يا إخواني، اقبلوا النصيحة قبل يوم الخجل والفضيحة ... فمثِّل لنفسك وقد جئتَ إلى الصراط، وقد رأيتَ العاملين وقد جازوا وأنوارُهم تسعى بين أيديهم وبأيمانهم، ورأيت الباطلين في ظلمات البطالات وغَمَرات الجهالات.


اعلموا عباد الله أن الميزان إذا نُصب للعبد فهو من أعظم الأهوال يوم القيامة؛ لأن العبد إذا نظر إلى الميزان، انخلع فؤاده وكثُرت خطوبه وعظُمت كروبه، فلا تهدأ روعة العبد حتى يرى أيثقُلُ ميزانُه أم يخِفُّ، فإن ثقُل ميزانه فقد سعد سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه فقد خسِر خسرانًا مبينًا، ولقيَ من العذاب أمرًا عظيمًا.
عباد الله، تفكروا في هول الصراط الرقيق الدقيق، وأشفقوا من الهول العظيم الشديد، وأطيعوا الجبار الولي الحميد.

مجلس في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾:
يا أهل الذنوب، تدبروا هذه الآية؛ فإن فيها بلاغة لمن تذكر، وزجرًا لمن اعتبر، وتخويفًا لمن تدبر، ونهيًا لمن تفكر، فالفكرة عبادة، وخير وزيادة؛ لأن مولاكم الكريم قد خوَّفكم وهدَّدكم وزجركم بها زجرًا شديدًا؛ فقال: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30]، ثم قال: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30]؛ أي: يحذركم عقابه وعذابه إذا عصيتموه، ويجزل لكم ثوابه إذا أطعتموه، فلا يحقِرنَّ أحدكم من الذنب شيئًا وإن صغُر؛ فربما كان فيه شدة العذاب والعقاب، ولا يحقِرنَّ حسنة يعملها وإن قلَّت؛ فربما كان فيها الرضا من الملك الوهاب.
مجلس في قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾:
يا أخي ... يا من تعرَّض لسخط الملك الديان، من أقرَّ عين عدوه الشيطان، بتماديه على الخِذلان، والضلال والبهتان، والأوزار والطغيان ... إنك آخذ كتابًا، وواردٌ حسابًا، ونازلٌ ثوابًا أو عذابًا، فقدِّم في دار الغرور، ما تجده في الكتاب المنشور، من الثواب والحُبُور، والفرح والسرور، والضياء والنور، من رحمة العزيز الغفور. قال عز وجل: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 14]، ما أعدل الملك الوهاب، إذ جعل الإنسان حسيب نفسه في قراءة الكتاب ... إن أخذت الكتاب بالشِّمال فحسبُك العذاب والنَّكال، والمحن والأهوال، والسلاسل والأغلال، والحميم والخَبال، وإن أخذت الكتاب باليمين، فحسبك المقام الأمين، في أعلى عليين، مع الوِلْدانِ والحور العين، والاتصال برب العالمين، وبمحمد خاتم النبيين.
مجلس في قوله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ [الكهف: 49]:

يا أهل الذنوب مثلي، يا أهل العيوب مثلي، يا من لا يعصى ولا يتوب، يا من الغيُّ والمحال له صَحوب ... اعلموا عصمنا وإياكم أن للعباد غدًا صحائفَ يقرؤون فيها الحسنات والقبائح، فمن كتب له حافظاه خيرًا في الدار الفانية، فهو خير له في الدار الباقية، ومن كان خائفًا في الدنيا من العذاب، متحفظًا مما يثبت عليه في الكتاب، متجنبًا لمعصية رب الأرباب، وفَّقه مولاه للحق والصواب، ويسَّر عليه برحمته الحساب، ومُحيت أوزاره من الكتاب، ورضي عنه الملك الوهاب.
عباد الله، عند وضع الكتاب عجائب، وأحزان ومصائب، وكروب ونوائب، فواحدٌ يُوضع له الكتاب فيبكي، وآخر يوضع له الكتاب فيفرح ويبكي، وآخر يوضع له الكتاب فتجرى على وجه نضرة النعيم، وآخر يوضع له الكتاب فتعلو وجهه ظلمةُ الجحيم ... اللهم وفقنا للطاعة، وأمتنا على السنة والجماعة، ونجنا من أهوال يوم الساعة.





مجلس في ذكر الجنة وأوصافها وما أعدَّ الله لأوليائه من النعيم فيها:

ينبغي لك أن تشغل قلبك وتُعمِلَ فكرك بالتطلع إلى ما أعد الله عز وجل لأوليائه في جنته، والاشتياق إلى ما وصف الله لنا من نعيمها، فمن اشتغل بذكرها واشتاق إلى نعيمها، لُهيَ عن الرغبة في الدنيا، والحرص عليها، وترك طلب العلو فيها.

وقد قال الله تعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83]، وقال تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾ [الرعد: 35]، وقال تعالى: ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الحج: 23]، وقال تعالى: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الزخرف: 71]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 34، 35]، وقال تعالى: ﴿ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ [الصافات: 43 - 49].

فيا معشر المشتاقين، جاهدوا عدوكم اللعين بترك الشهوات، ونافسوا في أفعال الخيرات، وتحملوا في طاعة مولاكم المكروهات، يسكِنْكم مولاكم الجنات، ويبوِّئْكم أعلى الغرفات، ويرفع لكم الدرجات.

مجلس في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾:
يموت كل صغير وكبير، يموت كل عزيز وحقير، يموت كل غني وفقير، يموت كل نبي وولي ... كل نفس تموت غير ذي العزة والجبروت.
فما أحسن حال من ذكر الموت، فعمِلَ لخلاصه قبل الفوت، وأشغل نفسه بخدمة مولاه، وقدم من دنياه لأخراه، ورغب في دار لا يزول نعيمها، ولا يُهان كريمها!




عباد الله،
اسعوا في فِكاكِ رقابكم، وأجهدوا أنفسكم في خلاصها قبل أن تزهق، فوالله ما بين أحدكم وبين الندم، والعلم بأنه زلَّتِ به القدم، إلا أن يحوم عُقابُ المنيَّة عليه، ويفوق سهامها إليه، فإذا الندم لا ينفع، وإذا العذر لا يُسمع، وإذا النصير لا يدفع، وإذا الذي فات لا يُسترجع.


فكأني بك يا أخي وقد ... بكى عليك الأهل والإخوان، وفقدك الوِلْدانُ، ونادى عليك المنادى قد مات فلان بن فلان، ثم نُقِلْتَ عن الأحباب، وحُملتَ إلى أرماس التراب، وأضجعوك في محل ضنك ... مهول منظره ... مغشيٍّ بالوحشة.
يا ابن آدم ما أغفلك ... كأنك بالموت قد فاجأك، وملك الموت قد وافاك، فيأس منك الطبيب، وفارقك الحبيب، وتفجَّع لفقدك كل قريب، فوقعتَ في الحسرة، وجفتك العَبرة، وبطل منك كل لسان، بعد الفصاحة والبيان، وأُدرجتَ في الأكفان، وصار القبر مأواك، وإلى يوم القيامة مثواك، وفارقك الأهل والإخوان، ووقع بهم عنك السُّلُوُّ والنسيان، فإن كان لك منزل سكنوه، أو كنتَ ذا مال قسموه.

فاذكر حالك أيها العاقل، يوم تُقلِّبُك على المغتسل يدُ الغاسل، قد زال عزُّك عنك، وسُلِب مالك منك، وأُخرجتَ من بين أحبابك، وجُهِّزتَ لترابك، وأُسلمتَ إلى الدود، وصِرتَ رهنًا بين اللحود، وبكى عليك الباكون قليلًا، ثم نسَوك دهرًا طويلًا، فتغيرت منك المحاسن، وتحكم في أعضائك البِلَى.

فالله الله معاشر المسرفين لا تغتروا بالعز والمال؛ فإن الموت لا يهاب الكبير الجليل، ولا يرحم الحقير الذليل، فكونوا منه على حذر، وأعدوا له صالح الأعمال، من قبل أن يأتي يوم لا حيلة فيه لمحتال، يا إخواني إلى كم هذه الغفلة؟ إلى كم التمادي في البطالة والاغترار بالمهلة؟ ... فالله الله عباد الله اجتهدوا واستعدوا للموت، وبادروا آجالكم قبل الفوت، تفوزوا بالجنان في دار الرحمن ... فالله الله معاشر المذنبين لا تشغلوا عمن يطلبكم، ولا تنسَوا من لا ينساكم.

فالله الله بادروا، العمرُ يسيرٌ، والأجل قصير، قبل نزول ملك الموت بالهول العظيم الكبير، فالموت يقصم الأصلاب، ويُذِلُّ الرقاب، ويرد كل مخلوق إلى التراب، ويقرب المؤمن الطائع إلى الجنة المآب، ويسوق الفاجر العاصي إلى أليم العذاب، فتفكروا في الموت يا أهل الفناء والذهاب.
فالله الله إخواني لا تغتروا بصحة الأجسام، ومداومة الأيام، فإن الموت يأتي في ألهى ما أنت عليه من الدنيا وألذ ما كنت فيه، فلا الصحيح يدَعُه لصحته، ولا الصغير يرحمه لصغره، ولا الكبير يهابه لكبره ... فلا يغرنكم طول الأمل، وجِدُّوا واجتهدوا وكونوا من الموت على وَجَل، فإن الموت غادٍ ورائحٌ، وماسٌّ وصابح، وأنت يا أخي منه على يقين وتحقيق، فَلِمَ تحيد عن منهاج الطريق؟ فالله الله ... بادروا قبل نزول السكرات، ووقوع الحسرات، واجتهدوا فإن الموت آتٍ، وكل آتٍ فهو قريب.



مجلس في ذكر القبور:

يا أخي إذا أردتَ أن تدري كيف حالك من بعدك ... فانظر ما تحتاج إليه في قبرك فأكْثِرْ منه لطول مدتك فيه، وهو العمل الصالح ... وانظر حالك الذي أنت عليه إن كان يصلح للموت والقبر فتمادى عليه، وإن كان لا يصلح لهذين فَتُبْ إلى الله تعالى منها وارجع إلى ما يصلح.
مجلس في تحريم الخمر وما جاء فيها:

الخمر ... كانت تُشرب في أول الإسلام حتى نزل تحريمها بالمدينة وبعد الهجرة؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90].

رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلُّ مسكر حرامٌ))، وما أسكر كثيره من جميع الأشربة فقليله حرام.

اعلموا أنَّ أمكنَ ما يكون الشيطان من العبد إذا شرب المسكِرَ، فإذا تمكن الشيطان من العبد أَمَرَه بالكفر، وصدَّه عن الإيمان وعن طاعة الرحمن.

وإذا شربتم القهوات (الخمور)، انغلقت عنكم أبواب الخيرات، وانفتحت لكم أبواب المنكرات، وحلت بكم عظائم المصيبات، وغضب عليكم رب الأرباب ... وعاقبكم بأشد العقوبات، في دار المصائب والحسرات.




عباد الله مولاكم
... وسع عليكم من سَعَةِ رزقه ... وأسبل عليكم جزيل النعم، فلا تستعينوا بنعمه على معاصيه، فإنه ذو انتقام وعذاب، ورحمة وثواب، فأطيعوا مولاكم في جميع الأمور، ولا تهتكوا أستاركم بشرب الخمور، ولا تغرنَّكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور.


رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من مات وهو يشرب الخمر، لم يشربها في الآخرة))، وهي والله من ألذ نعيم الجنة؛ كما قال تبارك وتعالى: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴾ [محمد: 15]، حرمتَ نفسك اللذات في قرار الجنات، وعصيت رب الأرضين والسماوات، بشربك ... المحرمات، ولم تستحيِ من عالِم السرائر والخفيات.

أيها المصرون على الجراع والآثام، المسرفون في شراب المسكر الحرام، ضيعتكم أيامكم في الجهل والغرور، وقطعتم أوقاتكم في الفسق والفجور، واستعنتم على معصية الله بشرب الخمور، أما علمتم أن الخمر مُتلِفَةٌ للمال، مذهبة للبهاء والجمال، عاقبتها إلى وَبال، ويؤول شاربها إلى شرِّ مآل.
الخمر أولها لهوٌ ومُزاح، وآخرها بكاء ونياح، شارب الخمر ... بعيد عن الإيمان، قريب من الضلال والخسران، في بحار السخط عائم، وعلى عذاب النار حائم، مخالف للتنزيل، ملعون على لسان سيد المرسلين.

الخمر مُوقِعة للعداوة والشقاق، قاطعة للخير والأرزاق، قائدة إلى أليم العذاب يوم التَّلاق، تَحُولُ بين شاربها وبين الرشاد، وتلقيه في الضلال والفساد، وتقود إلى العذاب الشديد يوم التناد.





المسبحون الله جل جلاله بالمساجد:

وصف الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه الرجالَ الذين يسبِّحون له بالمساجد؛ فقال تبارك وتعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ [النور: 36]؛ يعني: المساجد، ﴿ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [النور: 36، 37]، كيف تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر الله، وتجارتهم مع الله رابحة، ومحاسنهم لذوي الألباب لائحة، ثناؤهم عطر الأنام، فَهُمْ بين الناس كالأعلام؟

من اقتدى بهم تجنب الآثام والذنوب، وأقلع عن القبائح والعيوب، وبلغ من رحمة مولاه المنى والمرغوب، وبهم يُتوصَّلُ إلى غاية المحبوب.

رجال
تفكروا في العظمة والجبروت، واستقاموا على عبادة الحي الذي لا يموت ... تأسَّوا بسيد المرسلين، وعملوا أعمال الصالحين، واتبعوا سيرة المؤمنين.
رجال أقلقهم خوف الوعيد، تجنبوا الفواحش والآثام، ليلُهم قيامٌ، ونهارهم صيام، يطلبون رضا ذي الجلال والإكرام.
رجال
كحلوا أعينهم بالسهر، وغضُّوا عما لا يحلُّ من النظر، وشغلوا خواطرهم بالفكر، وأشغلوا قلوبهم بالعِبَر.

رجال
قد نحلت منهم الأبدان ... خوفَ العذاب والنيران، وشوقًا إلى نعيم الجنان.

رجال
صحبوا القرآن بحسن العمل، ولم يغتروا بطول الأمل، ونصبوا لأعينهم تقريب الأجل، وسمت هممهم ... واشتاقت نفوسهم إلى الملك الأعلى الأجل.
رجال إذا نظروا اعتبروا، وإذا سكتوا تفكروا، وإذا ابتُلوا استرجعوا، وإذا جُهل عليهم حلموا، وإذا علموا تواضعوا، وإذا عمِلوا رفقوا، وإذا سُئلوا بذلوا.
رجال
قد عملوا بالسنة والكتاب، ونطقوا بالحكمة والصواب، حاسبوا أنفسهم قبل يوم الحساب، وخافوا من عقوبة رب الأرباب.

رجال
رضوا من الدنيا بالقليل، فأزمعوا إلى الآخرة بالتحويل، ورغبوا في ثواب الملك الجليل، وحنُّوا إلى النعيم الدائم الجزيل.

رجال
منعوا أنفسهم التسويف والتعليل، وأشفقوا من هول اليوم العبوس الثقيل، الهائل المنظر الطويل.

رجال
ضحكوا جهرًا من سَعَةِ رحمة الله، وبكوا سرًّا من خوف عذاب الله، هم بالغداة والعشي في بيوته الطيبة، يدعون بألسنتهم رَغَبًا ورَهَبًا، ويسألونه بأيديهم خفضًا ورفعًا، ويشتاقون إليه بقلوبهم غدوًّا وعشيًّا.

رجال
مؤنتُهم على الناس قليلة، وعلى أنفسهم ثقيلة، يدبون على الأرض ... بغير مرح، ولا ميل ولا تَرَح، يمشون بالسكينة والوقار.

رجال
يعبدون الرحمن، ويتلون القرآن، ويشفقون من عذاب النيران، قد تجنبوا كل ربية وبهتان، ولم يأمنوا مكر الملك الديان.

رجال
المساجدُ مأواهم، والله جل جلاله معبودهم ومولاهم، تركوا المعاصي خوفًا من الحساب والسؤال، وبادروا إلى الطاعة وحسن الأعمال.

رجال
تنزهوا عن الغي واللهو والمحال، وحادوا عن طريق كل مطرود بطال، وأشفقوا من عقوبة ذي المجد والجلال، وعملوا ليوم لا بيع فيه ولا خلال.

رجال
تحولوا عن الدنيا تحويلًا، وبدلوها تبديلًا، ولم يشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا، وعلموا أن وراءهم يومًا عبوسًا هائلًا ثقيلًا.

رجال
ينتظرون الخاتمة كيف تكون، أولئك أولياء الله الصالحون، ﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22].


فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
شبكة الألوكه